من هي عائلة آل بختيشوع.. عائلة طبية رائدة؟

من هي عائلة آل بختيشوع.. عائلة طبية رائدة؟
اختلف المؤرخون بأصل هذه العائلة: فمنهم من قال: إنهم من النساطرة السريان الذين نَمَوْا وترعرعوا في مدينة جنديسابور الإيرانية في العصر العباسي الأول. ومنهم من قال: إن أصلهم من سوريا، أو من شمال ما بين النهرين، ولكنهم نزحوا إلى مدينة جنديسابور لشهرتها المعروفة
آل بختيشوع..
آل بختيشوع.. عائلة طبية رائدة؛ مقال للدكتور راغب السرجاني يذكر فيه طرفا من تراجم أسراد تفردت للطب وعلومه واشتهرت به وفيه..
وقد كان لغير المسلمين أثرٌ كبير في نقل العلوم إلى العربية؛ وذلك لمعرفتهم بالتراث الهيليني واللغات المختلفة، وقد لعب السريان دورًا كبيرًا في عملية النقل من السريانية إلى العربية، وقد برزت بعض المناطق التي كان لها أثر فعَّال في تقدم عملية الترجمة، ومنها حران وجنديسابور والإسكندرية، وقد برز في هذه المناطق بعض المترجمين الذين كان لهم أثر فعَّال في حركة الترجمة؛ منهم:
آل بختيشوع:
وهي عائلة كبيرة اتخذت الطب حرفة لها ما يقارب ثلاثة قرون، وقد كان لهذه العائلة مكانة خاصَّة في قلوب خلفاء بني العباس؛ فقد كان منهم الوزراء والأطباء البارزون المحنَّكون، وقد ظلَّت هذه الأسرة محتكرة الطب حتى القرن الخامس الهجري تقريبًا، وقد كان أهمُّ ما يميز هذه العائلة أنه كلما مات منهم طبيب خلفه من هو خير منه، فكانوا يتوارثون العلم عن جدارة وتميُّز؛ لذلك كانت لهم مكانة خاصَّة في نفوس الخلفاء العباسيين.
يأتي في مقدمة هذه العائلة مؤسسها الأكبر جورجيس بن جبرائيل آل بختيشوع، والذي كان يرأس المدرسة الطبية في جنديسابور، وكان عالمًا باللغتين اليونانية والسريانية، ومنذ ذلك الحين بدأ نجم آل بختيشوع يعلو ويرتفع بعدما استقدمه الخليفة المنصور إلى بغداد عندما أصابه مرض في معدته وعجز الأطباء عن علاجها، فلمَّا قَدِمَ شَخَّص مرضه ووصف له ما يناسبه، وقد عرض عليه الخليفة الإسلام إلاَّ أنه رفض، وقال: أنا على دين آبائي أموت. ثم رحل إلى بلدته وقد أوصى الخليفة له بخير، وقد استطاع أن ينال شهرة عظيمة في بغداد آنذاك.
أما عن كتبه، فله كتاب (الكُنَّاش)، وقد نقله حنين بن إسحاق من السريانية إلى العربية، وله كذلك كتاب الأخلاط، وقد بقي هذان الكتابان ردحًا من الزمن من المراجع الطبية الأساسية لطلاب العلوم الطبية, وقد نال كتاب الكُنَّاش شهرة واسعة بما كان يتناوله من معلومات غاية الأهمية، منها: أمراض المعدة وقروح الأمعاء، وغيرها الكثير.
وعندما ذهب جورجيس إلى بغداد بأمر الخليفة، استخلف ابنه بختيشوع على المدرسة الطبية في جنديسابور، ولما عزم الأب على الرحيل إلى جنديسابور، أمر الخليفة المهدي أن يأتي الابن لبغداد ليحل محل أبيه، وعندما أصبح هارون خليفة أكرمه وقدره وعينه رئيسا للأطباء في بغداد.
بختيشوع الابن:
ما إن مات الأب حتى ورث الابن مجد أبيه في الطب، ونال شهرته في بغداد، وقد كان الابن مثل أبيه، فاضلاً عالمًا بصناعة الطب ويجيد ممارستها، ولا ريب في ذلك؛ فقد استخلفه أبوه على البيمارستان في جنديسابور، ويكفي هذا شهادةً له على تفوُّقه من أبيه، الذي كان ضليعًا في الطب.
نال بختيشوع شهرة أبيه، ليس لكونه ابن جورجيس الشهير، وإنما لما خلفه من موروث علمي كبير جمعه في كتابه الشهير (التذكرة)، وقد أَلَّف هذا الكتاب لابنه جبر ائيل، وهو يُعتبر كُنَّاشًا صغيرًا جمع فيه العديد من الأمراض المنتشرة في عصره؛ مثل: السل، والاستسقاء، وقروح المعدة، وغيرها الكثير.
جبرائيل بن بختيشوع:
أمَّا عن جبرائيل بن بختيشوع، فقد كان خير خلف لخير سلف، وقد نال علم والده وجدِّه؛ لذلك صار نابغة زمانه في الطب، وقد عُرف عنه أنه جيد التصرُّف في المداواة، عالي الهمة، حظيًّا عند الخلفاء، رفيع المنزلة عندهم، وقد حصَّل من جهتهم الأموال ما لم يُحَصِّله غيره من الأطباء .
نال جبرائيل شهرة واسعة، حتى صار طبيبًا لجعفر بن يحيى البرمكي، كما كانت له منزلة كبيرة لدى المأمون، وذلك عقب الرسالة التي بعثها له في المطعم والمشرب، والتي بقيت دليلاً لأطباء عصره في مجال الأغذية.
ولجبرائيل من الكتب:
رسالته إلى المأمون في المطعم والمشرب، وكتاب المدخل إلى صناعة المنطق، وكتاب في الباءة، ورسالة مختصرة في الطب، وله كُنَّاشه أيضًا.
ومن كلامه: أربعة تهدم أربعة؛ إدخال الطعام على الطعام قبل الانهضام، والشراب على الريق، ونكاح العجوز، والتمتع في الحمام .
أمَّا عن الطبيب الرابع في هذه الأسرة الطبية الكبيرة، والذي ما زال يحمل اسمها عاليًا في سماء علوم الطب في الدولة الإسلامية، والذي حمل اسم المؤسس الأول بختيشوع، والذي نال حظوة الخلفاء العباسيين مثل آبائه، فهو:
بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع:
كان سرياني المذهب، نبيل القدر، عظيم المنزلة والحال، وقد كان قريبًا من المتوكل، وكان المتوكل يُجِلُّه؛ لذا حصل منه على المال الكثير، حتى إنه كان يضاهي المتوكل في لبسه ومظهره، وقد كان مُتَدَيِّنًا، ويُكْثِر التعبُّد إلى الله، كما عُرِف عنه حبُّه الفكاهة وسماع النكت وفعل المزاح، ولا سيما مع يوحنا بن ماسويه، قال ذات يوم: “أنت يا أبا زكريا أخي من أبي. فقال يوحنا للحاضرين: اشهدوا على إقراره فلأُقَاسِمَنَّه ميراثه من أبيه. فقال بختيشوع على الفور: إن أولاد الزنا لا يرثون”.
كان بختيشوع ذا منزلة كبيرة في الطب، وقد اشتهر بممارسة الطب بالقياس لا بالتجربة، كما أنه ركز على الوقاية من المرض.
ومن مؤلفاته في الطب:
نبذة في الطب، وصنائع الرهبان في الأدوية المركبة، وكتاب الحجامة، وهو كتاب على طريق السؤال والجواب.
ومن كلامه: الشرب على الجوع رديء، والأكل على الشبع أردأ منه.
وكانت وفاته سنة (256هـ/870م).
بيد أن صيت العائلة المالكة لأمور الطب في عصرها قد خفت نسبيًّا في عهد عبيد الله بن بختيشوع بن جبرائيل، فلم يكن متمرسًا في الطب كأجداده، وقد عمل كاتبًا في ديوان الخليفة المقتدر بالله.
ولكن سرعان ما عاد نجم العائلة يسطع من جديد؛ إذ أنجب عبيد الله ولدًا نجيبًا سمَّاه جبرائيل.
جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع:
كان هذا الطبيب عالمًا فاضلاً، متقنًا لفنون الصناعة؛ لذلك علا شأنه، وذاع صيته، يكنى أبا عيسى، وتوفي سنة (396هـ/1006م)، عمل جبرائيل في بلاط عضد الدولة البويهي، وكان له شأن عظيم بين أطباء عصره، وقد اعتكف على التأليف في آخر أيام حياته، وله من التصانيف:
– كُنَّاشه الكبير – الملقب بالكافي – في خمسة مجلدات، أَلَّفه للصاحب بن عبَّاد على طريق السؤال والجواب.
-كُنَّاشه الصغير، وأَلَّفه أيضًا للصاحب بن عباد.
– رسالة في عصب العين.
– مقالة في ألم الدماغ بمشاركة فم المعدة والحجاب الفاصل، “بين آلات الغذاء وآلات التنفس”.
– كما له كتاب المطابقة بين قول الأنبياء والفلاسفة.
– مقالة في الرد على اليهود.
– كما له مقالة في: لِمَ جُعِلَ من الخمر قربان محرم؟
بعد أن توفي جبرائيل خلفه ابنه عبيد الله، وقد ذاع صيته في الطب كذلك.
عبيد الله بن جبرائيل:
هو أبو سعيد عبيد الله بن جبرائيل بن عبيد الله بن بختيشوع بن جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيس بن جبرائيل، توفي سنة (450هـ/1058م)، كان فاضلاً وعالمًا متمرسًا، مشهورًا بجودة الأعمال، متقنًا أصولها وفروعها.
كان جيد المعرفة بعلم النصارى ومذاهبهم، وله عناية بالغة في صناعة الطب، ولم يكن عبيد الله متميزًا في المداواة فقط، ولكن كان متميزًا في فروع الطب المختلفة.
وقد اختلف مع الأطباء الذين يربطون الطب بالفلسفة، بل إنه يرى الطب من العلوم التطبيقية البحتة وليس له صلة بالفلسفة، إلاَّ بما يتعلَّق بالمنطق والاستقراء والاستنتاج .
ولعبيد الله تصانيف كثيرة؛ منها:
– كتاب الروضة الطيبة، مقالة في الاختلاف بين الألباب، أَلَّفها سنة (440هـ/1048م).
– كتاب التوصل إلى علم التناسل، ألفها سنة (440هـ/1048م).
– كتاب تذكرة الحاضر وزاد المسافر.
– كتاب الخاص في علم الخواص.
– كتاب طبائع الحيوان وخواصها ومنافع أعضائها، أَلَّفه للأمير نصير الدولة.
تلك كانت لمحات من حياة السيرة والمسيرة لهذه الأسرة التي امتلكت زمام المبادرة في مجال العلوم الطبية المختلفة على مدار ما يقارب ثلاثة قرون، لا ينازعها فيه أحد وإلاَّ نافح الخلفاء عنهم من شدَّة تعلقهم بهم.