” إنتشار الآراميين في الشرق “

” إنتشار الآراميين في الشرق “
هنري بدروس كيفا

لقد علق الأخ الياس ما يلي حول هذه الخريطة

Elias S. Zakko

” بس هالخارطة كان لازم تكون فيها البقعة الزهرية أكبر! مثلاً مملكة سمأل الشهيرة هي لشمالي غربي قمة الهلال شمالي الحدود التركية السورية حاليا…”
كم من المرات أحببت أن أرد على تعليق الأخ إلياس لأنه تعليق منطقي
و لكن لم يكن عندي الوقت الكافي :
أولا – تطور العلوم :
أ – الجغرافيا : قد بدأت في القرن الخامس عشر مع إكتشاف العالم الجديد ثم الدوران حول العالم مع مجلان و كثرة الدراسات حول الشعوب
و الحيوانات و النبات في المناطق المكتشفة .
ملاحظة مهمة جدا : كرستوف كولومبس مات سنة ١٥٠٦ – أي بعد
١٤ سنة من إكتشافه لقارة أميركا – و لكنه مات دون أن يعلم بأنه قد
إكتشف قارة جديدة ليس لها علاقة بالهند الغربية كما كان يتوهم !
أمريكوس فسبوشي هو الذي أكد أن العالم الجديد هو قارة مستقلة
لذك سميت ” أميركا ” نسبة له !

ب – التأريخ : كان أدبا يكتبه الأدباء و الشعراء حيث يؤرخون سيرة هذا
الملك أو ذلك الأمير… ظل “أدبا ” أي بدون منهجية علمية حتى أواخر
القرن التاسع عشر . فك رموز الكتابة الهروغليفية ثم الكتابة المسمارية
قد وسع و طور علم التأريخ . اليوم يعتبر التأريخ علما و إن كان يدرس
في كليات الآداب . إذا كان طبيعيا من “المؤرخ ” في الماضي أن يؤكد أن الملك الفلاني كان عادلا و كريما و لو كان من أظلم و أبخل الملوك في العالم !
إن ” المؤرخ ” و ” الباحث ” اليوم هو مقيد بمنهجية علمية متبعة في
كل الجامعات الراقية في العالم و هدف هذه المنهجية هو ذكر الحقائق
التاريخية كما هي أو كما كانت في الماضي !
ج – علم الآثار : لا شك إنه تطور كثيرا في البلدان المتطورة و هي
غالبا ما ترسل البعثات للتنقيب في أماكن مختلفة في العالم . من المؤسف
إننا لا زلنا نعاني من بعض العروبيين في الشرق الذين – بدون أية براهين – يؤكدون أن الأكاديين و الآراميين قد خرجوا من شبه الجزيرة
العربية و بالتالي ينتمون الى العرب القدامى و يرددون أن أثارات الأكاديين هي عربية علما بأنه لا يوجد أي عالم متخصص في تاريخ
الأكاديين قد ذكر بأنهم ينتمون الى العرب !
ثانيا – مشكلة تأريخ الآراميين و دورهم في تاريخ الشرق .
هنالك مشاكل عديدة و أهمها :
أ – حتى أواسط القرن التاسع عشر تكاد معرفتنا بتاريخ الآراميين تنحصر
بما ورد في أسفار التوراة ! بينما المصادر اليونانية تتكلم بكثرة عن
الفينيقيين و هذا مما دفع بعض أحفاد الآراميين بالإدعاء بجذور فينيقية
وهمية !
ب – لم يؤسس الآراميون إمبراطورية واسعة ( و هذا صحيح تاريخيا )
و لكنهم إنتشروا و أسسوا ممالك مستقلة عديدة في مناطق مختلفة
في الشرق : في إسرائيل نفسها و في جنوب العراق و ليس فقط في
سوريا !
ج – العروبيون يزيفون تاريخ الآراميين لأسباب سياسية .
العربي الأصيل هو كل عربي يحترم تاريخ شرقنا القديم و العروبي هو
كل مفكر يدعي أن العرب قد بنوا إهرامات مصر أو أن سرجون الأكادي
هو عربي فقط لأن فكرة خاطئة قد إدعت إن الأكاديين قد خرجوا من شبه
الجزيرة العربية !
بعض العروبيين يؤكدون أن مملكة الرها كانت عربية بسكانها فقط
لأن إحدى المصادر اليونانية قد ذكرت أن أسرة الأباجرة كانت من الأنباط
و المخجل هو أن الأنباط هم آراميون في الجنس و اللغة و قد إختلطوا
مع القبائل العربية قبيل مجيئ الإسلام ! المصادر العربية كانت تطلق
على السريان تسمية ” نبيط ” و على لغتهم ” اللغة النبطية “!
المصادر العربية هي نفسها تؤكد أن الأنباط لم يكونوا عربا و تؤكد
زيف الطروحات العروبية !
ثالثا – الخرائط التاريخية :
من المفروض على ناشر الخريطة التاريخية أن يستعين بمؤرخ متخصص في الموضوع الذي تتحدث عنه الخريطة التاريخية .
للأسف أغلبية ساحقة من الخرائط التاريخية هي غير أمينة للمعلومات
التاريخية التي نملكها حول تاريخ الشعوب القديمة في شرقنا :
أ – صحيح أن العلماء اليهود عندما إكتشفوا ” نصب تل دان / القاضي”
في الجولان المحتلة فإنهم أكدوا بأنه ” نصب آرامي و كتابة آرامية “
و لكن هنالك الكثير من اليهود يدعون أن أرض إسرئيل هي من النيل
الى الفرات معتمدين على أسفار التوراة ! علما أن اليهود لم يكن لهم
أي وجود في العراق قبل سبيهم على أيدي الأشوريين و الكلدان الآراميين!
ب – ليس كل خريطة تاريخية تعطي حقوق تاريخية :
صحيح أن الرومان قد حولوا البحر الأبيض المتوسط الى ” بحيرة رومانية”
في زمن الإمبراطورية الرومانية و لكن هذا لا يعني أن سكان مصر و
سوريا كانوا من الروم أو الرومان ! و هذا لا يعطي الحق لموسوليني
أن يحاول إسترجاع ليبيا …
ج- ” الخريطة التاريخية ” يجب أن تكون أمينة للمعلومات التاريخية
التي تحتويها : كم من المرات رأينا خرائط تاريخية حول تواجد الآراميين
في الألف الأول ق٠م مع ذكر مدينة ” إديسا ” كما و لو أن هذه المدينة
كانت موجودة في أيام الممالك الآرامية ١٢٠٠ – ٧٣١ ق٠م ؟
رابعا – سأعيد نشر الخريطة التي علق الأخ إلياس حولها مع هذه
التصحيحات :
أ – صحيح أنه في المنطقة التي عرفت ب ” أبواب سوريا ” في المصادر
اليونانية أي منطقة A باللون الأحمر كان يوجد مملكة سمأل الآرامية
و لا تزال آثاراتها باقية حتى اليوم . و لقد إكتشف مؤخرا كتابات آرامية
جديدة و مهمة و بصراحة لا أعرف إذا نشرت أو ترجمت .
ب – تاريخ سمأل يؤكد لنا أن الآراميين قد إنتشروا بين بقايا الحثيين
و الكنعانيين و إنهم صاهروهم و صهروهم رويدا رويدا … و غاب ذكر
الحثيين و الكنعانيين ( الفينيقيين في المصادر اليونانية )…
ج – المنطقة رقم C باللون الأحمر أي الساحل السوري فإنه أيضا
كان تابعا للمملكة حماة الآرامية حيث إختفى العنصر الحثي و الكنعاني
بينما صمد العنصر الآرامي و هذا واضح جدا مع تاريخ الملك ذكور
ملك حماة و لعاش !
د – إن المنطقة B باللون الأحمر أي البادية السورية التي كان الأشوريون
يسمونها ” نباطو ” و ذلك لإنتشار قبيلة الأنباط فيها . بعد زوال الحكم
الأشوري بأكثر من ٦٠٠ سنة ظل الأنباط مسيطرين على الباديا
السورية !
ه – أغلب الخرائط التاريخية اليوم تؤكد أن منطقة B كانت تسكنها
القبائل العربية و هذا غير صحيح تاريخيا: الأنباط كانوا آراميين و قد
إستعربوا قبيل مجيئ الإسلام و ربما بعده !
الخاتمة
لقد مات كريستوف كولومبوس بدون أن يعرف أنه إكتشف قارة جديدة !
سؤالي البسيط هو هل يبقى المسيحي الشرقي و بعض الإخوة المسلمين
يجهلون أن أجدادهم الآراميين قد إنتشروا في كل الشرق و كانوا يشكلون
أكثرية سكانه لأكثر من ٢٥٠٠ سنة !
السريان الآراميون و إن خف عددهم اليوم هم السكان الأصيلين لهذا الشرق !