لا تسألوني . جوزيف شماس

لا تسألوني

على بساط غيمة من الرغبة في دنيا مليئة بالهدوء والسكينة التقيا على مروج سهول مشبعة بعبق أريج الأزهار المنثورة ومع هفهفات هواء عليل لأوراق الشجر وبرودة طقس ناشط تنّدَّتْ روحه برطب كلمات صادقة رشيقة من غزل قد أسمعته

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

أسمعني يا حبيب القلب
ها أنا أدق باب مكتبك
أستأذنك وأتفقد أشياءك
وأقبل أقلام لمستها يداك
يا حبيبي
أكتبني في مطلع القصيدة
أو في قصاصة نثر عتيقة
أو على صفحات الذكريات
على وجوه ليالي السهرات
على صدري على شفاهي
على سحاب حبلى بالمطر
إن ضوء القمر يفضحني
وأنا ألملم دموع أشواقي
كُنْ ما شئت من أحلامي
وأوراق عمري وأمنياتي
وأكتب عليها ما شئت من
خواطر ومن قصائد الغزل
وأنثر عليها أجمل الكلمات
لأرتشف منها دفء الحنين
وأسمع فيها همسات الشفاه
لا تنسى أن قلبي بين يديك
عطره وطيب هواه برئتيك


فلم يستطيع الإفلات من دفء إغرائها الكامن بصوتها الحنون مستمتعاً بصدى أنفاسها الآتية من تلك المسافات البعيدة المدى حاملاً معه نسيم حب مسكر يروي النعيم من نظرات مقلتيها وتزهر أفنان سنين عمره وتورق أضلعه وتميل أنفاسه للهدوء وتطيب له ذكريات سهر الليلي لقبلات من جمر وحلو المذاق فيروق له قدوم ضوء النهار ودفئه حين بَدَتْ بوجهها الصبوح
فينشد لها طرباً:

المتيم

أربعون عاماً أنتِ لي حبيبتي
وما زلتُ ذاك المتيم في هواك
أتوق لحمرة خديك وهمس فاك
وفي ليلي ونهاري أرنو لرؤاك
و أحبو كالطفل على ثنايا رباك
وأستنشق من أريج عطر أنثاك
أنا المتيم حتى الثمالة في هواك
أموج كالعاشق على حب رضاك
لتسرح آهاتي وتحلق إلى سماك
فهل لي من أن أسمع صدى شفاك
أنت قدري وأنا غاف على ظلالك
توبي حباً لا غير لي حبيبة سواك

وما إن فرش الصباح كمال نوره على وجه الكون حتى تراكضا على دروب ترابية لقرية وديعة حاضنة لجدول ماء جعفر قادم من نبع ماء صخري واقع على حافة جبل مطلٍّ على سهول القرية منذ يوم التكوين. وما إن وصلا نبع الماء قبل كلِّ زواره من العشاق حتى افترشا ضفة مرجه الأخضر وبدأ يغنيان معاً
لا تسألوني عن حبيبي
هو نبع الماء الصافي
هو الخافق في صدري
هو ذاك النجم المعلق
في قبة صدر السماء
هو ذاك النور المنبثق
من جوف كلِّ صباح
هو أنغام ذاك العشق
لود صباحي ومسائي
فيه قد غنيتُ أشجاني
فيه قد زرعت الأماني
وشربت كاس المُدامِ
لعشق لا يعرف التوبة
وحب يرفض الغفران
ساد الصمت وسكن الكون مع هبوب نسيم هواء عليل. تعانقا وغفيا مطمئنين حالمين في ظلال وارفة لشجرة دلبي عامرة على ضفاف النبع منذ أن ولد الحب في قلوب أهل القرية الطيبين.

جوزيف شماس