هل التسمية الكلدانية تدل على هوية أم مهنة عالم الفلك ؟

هل التسمية الكلدانية تدل على هوية أم مهنة عالم الفلك ؟

رد على مقال” ألتوراة وبرديصان والكلدان

يحاول بعض إخوتنا من السورايي الذين يؤمنون بالتسمية الاشورية أن يفرغوا التسمية الكلدانية من مدلولاتها التاريخية : بعض البسطاء منهم يرددون أن التسمية الكلدانية قد أطلقت على إنفصلوا من الكنيسة الأشورية و إنضموا الى الكنيسة الكاثوليكية و بالتالي إن التسمية الكلدانية قد أطلقت على الكاثوليك من ” الشعب الاشوري” . و هذا رأي غير صحيح لان الكلدان قد إنفصلوا – إذا صح التعبير – عن الكنيسة السريانية الشرقية التي عرفت بالنسطورية ، و كان آباء و علماء هذه الكنيسة السريانية ( و ليس اشورية أو إسبانية) متمسكين بهويتهم السريانية/الآرامية . و لا زلنا نرى بعض ” المغامرين” يستخدمون هذه الحجة للتأكيد على ” إنتماء الكلدان الى الشعب الاشوري” و لكنهم -بدون معرفتهم و لفرط جهلهم و لتعصبهم الاعمى – يؤكدون إنتماء الكلدان الى السورايي أي الشعب السرياني / الآرامي !

الأخ صبري يعقوب إيشو في مقاله الأخير و هو بعنوان “ألتوراة وبرديصان والكلدان” يغامر بطرح محاولة جديدة – لن تكون الأخيرة بإذن الله – لتفريغ التسمية الكلدانية من مدلولها التاريخي و القومي .

أولا – هل الكلدان المعاصرون هم أحفاد الكلدان القدامى ؟

الأخ صبري يشك كثيرا إذ يكتب ” فأبقى أنا في شك كبير أن يكون هناك ما يربطني بهم من رابط أو صلة ” ثم و بكل ثقة يقدم لنا شرحه أو بالاحرى نظريته ” لأن كلمة الكدان ليست سوى تسمية أطلقت على سكان بابل في فترة ما قبل المسيح …” سوف نرى لاحقا أن الأخ صبري ” بحث ” و وجد أن التسمية الكلدانية تعني عالم الفلك و السحرة، فالتسمية الكلدانية لا تشير الى ” هوية” بل الى مهنة و الكلدان المعاصرون ليسوا علماء فلك و سحرة بل هم “سورايي ” و قد وعد الأخ صبري أنه سيشرح ما معنى ” سورايي” في بحث قادم .

قبل الإنتقال الى بقية النقاط أحب أن أذكر القراء أن تسمية الكلدان لم تطلق على سكان بابل كما يتوهم الأخ صبري . التسمية الكلدانية القديمة قد أطلقت على منطقة جغرافية على حوض الفرات في جنوب مدينة بابل . و قد وردت تسمية ” مات كلدو ” في كتابات اكادية تركها بعض ملوك أشور . لقد نشر و ترجم العالم COLE سنة 1996 أرشيف مدينة نيبور و هو مجموعة كبيرة من الرسائل باللغة الاكادية تعود الى منتصف القرن الثامن قبل الميلاد حيث وردت التسمية ” مات كلدو” و هي تسمية جغرافية تقع على حوض الفرات حيث سكنت القبائل التي نسبت الى ” مات كلدو” أي ” القبائل الكلدانية ” . من يريد أن يتعرف على تواجد القبائل الكلدانية عليه أن الى المراجع العلمية مثل كتاب. ST.W. COLE , Nippur IV , The Early Neo_Babylonian Governor\’s Archive from Nippur. in Oriental Institute Publications Tome 114 ( 1996)

و هنالك كتاب آخر و بالرغم من قدمه 1968 يبقى مرجعا علميا لتواجد القبائل الكلدانية و الآرامية في بلاد أكاد . و هو كتاب

BRINKMAN, J.A., Political History of Post_kassiteBabylonia ( Rome , 1968 )

و من الممكن الإطلاع عليه على هذا الرابط

http://books.google.com/books?id=iykVSx

ثانيا – هل التسمية الكلدانية ” تعني ” عالم فلك ؟

 

كتب الأخ صبري”وبعد البحث والتمحيص في مختلف القواميس والمعاجم اللغوية الصادرة قديماً كقاموس حسن بر بهلول وبر علي من القرن العاشر ألميلادي وغيرهما من القواميس الصادرة في أزمنة متأخرة كقاموس مار توما عودو وأوكين منا وغيرهما آخرون كثيرون لم أدرك معنىً لكلمة كلداني ـ كلداياـ سوى ما معناه, ألعارفون بالفلك والأبراج والسحر والتنجيم , وأطلقت بجدارة على سكان بابل قديماً لشهرتهم ومعرفتهم بهذا العلم وهذا يظهر جلياً في آثارهم ونقوشهم المكتشفة في العصور الحديثة وخاصة في القرن الماضي. حتى ما جاء بالعهد القديم والتوراة يدل على هذا المعنى ,حيث جاء في سفر دانيال ألأصحاح الثاني ـ ألآية 2 ( فأمر الملك بأن يستدعى ألمجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون ليخبروا ألملك بأحلامه …) “. تعليقات لا بد منها

أ – صحيح إن بعض الآيات في التوراة توصف الكلدان بعلماء الفلك و التنجيم و السحر .

ب – صحيح أن الآباء السريان قد فسروا التسمية الكلدانية بمعنى عالم الفلك .

ج – صحيح أيضا أن القواميس السريانية الشرقية ( التي تدل على هويتنا الآرامية و ليس الإسبانية ) قد فسرت إستنادا الى شروحات التوراة أن التسمية الكلدانية تعني علماء الفلك و التنجيم.

د – و لكن التسمية الكلدانية التاريخية القديمة هي تسمية تاريخية/جغرافية لقبت بها القبائل الآرامية بيث داكوري و بيث عموقاني و بيث يقين و بيث شئاللي و بيث شيلاني . لقد شرح العالم LIPINSKI المتخصص في تاريخ الشرق القديم معاني أسماء هذه القبائل الآرامية في كتابه

Edward LIPINSKI. The Arameans Their Ancient History . Culture , Religion . dans Orientalia Lovaniensia Analecta Tome 100( 2000).

ه – التسمية الكلدانية ” مات كلدو” مذكورة بحوالي 400 سنة من تدوين التوراة : السؤال العلمي هو هل كانت التسمية الكلدانية قبل تدوين التوراة تعني المنجمين ؟ أم أن التسمية الكلدانية ” صارت ” تعني المنجمين!

و – الأخ صبري و لأسباب معروفة يوحي للقارئ إن التسمية الكلدانية (منذ بدايتها ) تعني المنجمين فهو يكتب ” لم أدرك معنىً لكلمة كلداني ـ كلداياـ سوى ما معناه, ألعارفون بالفلك والأبراج والسحر والتنجيم”.

ز – إن أقدم ذكر للتسمية الكلدانية بمعنى منجمين هو سفر دانيال في التوراة كما ذكر الأخ صبري ، و لكن هذا ليس برهان قاطع أن التسمية الكلدانية التاريخية تعني المنجمين قبل التوراة !

ثالثا – متى صارت التسمية الكلدانية تعني المنجمين ؟

قبل الإجابة ، يجب أن نعلم أن التسمية الكلدانية ” مات كلدو” تعود الى حوالي 1000 سنة قبل الميلاد و إن التوراة قد دونت في حوالي 600 سنة قبل الميلاد . بعض أسفار التوراة كتبت في القرن الثاني ق.م .

الأخ صبري يتجاهل التسمية الكلدانية التاريخية مع مدلولها الصريح للهوية الآرامية و يحاول أن يقنع إخوته الكلدان أنهم لا ينتمون بصلة الى الكلدان القدامى !

الأخ صبري ” يزيف ” التسمية الكلدانية عن عمد فهو يكتب “لأن كلمة الكدان ليست سوى تسمية أطلقت على سكان بابل في فترة ما قبل المسيح … لم أدرك معنىً لكلمة كلداني ـ كلداياـ سوى ما معناه, ألعارفون بالفلك والأبراج والسحر والتنجيم , وأطلقت بجدارة على سكان بابل قديماً لشهرتهم ومعرفتهم بهذا العلم وهذا يظهر جلياً في آثارهم ونقوشهم المكتشفة في العصور الحديثة وخاصة في القرن الماضي . حتى ما جاء بالعهد القديم والتوراة يدل على هذا المعنى ,حيث جاء في سفر دانيال ألأصحاح الثاني ـ ألآية 2 ( فأمر الملك بأن يستدعى ألمجوس والسحرة والعرافون والكلدانيون ليخبروا ألملك بأحلامه …( تعليقات جديدة

أ – الأخ صبري يتجاهل إنتماء القبائل الكلدانية الى الآراميين !

ب- الأخ صبري يتلاعب بالحقائق التاريخية فالتسمية الكلدانية لم تطلق سكان بابل ” لشهرتهم بهذا العلم ” كما يدعي و لكن القبائل الكلدانية/الآرامية قد ” صهرت” بقايا الشعوب القديمة التي كانت تسكن في بلاد اكاد ( الشعب الاشوري لم يستوطن بلاد اكاد (.

ج – عندم كتب الأخ صبري ” وهذا يظهر جلياً في آثارهم ونقوشهم المكتشفة في العصور الحديثة ” يجب أن يفهم من فعل ” يظهر” أن الكلدان كانوا يتقنون علم الفلك و قد أخذوه عن الشعب الكوشي الذي كان يعيش في بلاد اكاد بين 1600 و 1200 ق.م . و يجب ألا يفهم القارئ أن النقوش تثبت أن التسمية الكلدانية كانت تعني علماء الفلك !

د – إن سفر دانيال قد دون في القرن الثاني قبل الميلاد ، و هذا يعني أن التسمية الكلدانية في سفر دانيال ” صارت ” تعني المنجمين ! إن سفر دانيال لم يكتب في ايام الملك نبوخدنصر و هو بالتالي ليس ” مصدرا ” أمينا للتاريخ . فقد ورد في هذا السفر عدة أخطاء تاريخية مثلا ذكره أن بلشصر هو إبن نبوخدنصر و هذا غير صحيح !

ه – لم يكتب سفر دانيال في القرن السادس قبل الميلاد ، لأنه في الإصحاح 11 / الآية 3 و ما يتبعها” و يقوم ملك جبار يتسلط تسلطا عظيما و يفعل ما يشاء . و ما ان يقوم حتى تنكسر مملكته و تنقسم الى أربع رياح السماء، و لا تكون لنسله في مثل تسلطه الذي تسلطه ، لأن مملكته تقتلع و تنقل الى غيرهم . و يتقوى ملك الجنوب ، لكن أحد أمرائه يقوى عليه و يتسلط …” من هو هذا الملك الجبار ؟ من هو ملك الجنوب ؟ و من هو الامير ؟ حسب مفسري التوراة الملك هو الإسكندر الذي ستنقسم مملكته بين قواده الأربعة ، ملك الجنوب هو بطليموس الذي حكم مصر و سوريا الجنوبية التي سيسترجعها سلوقس في ما بعد . كيف عرف كاتب هذا السفر تاريخ الإسكندر و دخول اليونان الى الشرق ؟

و – إن سفر دانيال الذي كتب في القرن الثاني ق.م ليس مصدرا أمينا عن الكلدان في عهد الملك نبوخدنصر لأنه يكتب بعد 400 سنة من حكم نبوخدنصر ! قصة تفسير الآحلام هي قصة رمزية و قد تكون لم تحدث في عهد نبوخدنصر !

ز – إنني لن أنف وقوعها و لكنني أريد من القارئ خاصة الكلداني أن يفهم أن التسمية الكلدانية قد تكون منذ القرن الثاني ق.م ” صارت” تعني الفلكيين و لكن ليس قبل هذا التاريخ .

ح – عاش العالم الكلداني برحوشا BEROSSUS في القرن الرابع قبل الميلاد ، و قد كتب تاريخ الشعب الكلداني القديم . الكتاب مفقود و لكننا نستطيع أن نطلع على بعض الأجزاء أو الفقرات التي نقلها المؤرخون اليونان عنه . تجدون هذه المقاطع عن تاريخ الكلدان على الرابط التالي

http://www.sacred-texts.com/cla/af/af02.htm
و من يريد أن يطلع على كل المقاطع عليه أن ينقر على Next . لقد وردت التسمية الكلدانية أكثر من عشرين مرة بمعنى شعب و لم ترد بمعنى المنجمين ! فهل يعقل أن برحوشا الكلداني الذي ذكر أمور عديدة حول تاريخ الكلدان لم يكن يعرف أن التسمية الكلدانية تعني المنجمين و السحرة ؟

رابعا – هل نجح الأخ صبري في تزوير هوية الكلدان ؟

لا تزال الدراسات التاريخية حول تاريخ الكلدان قليلة و لا يزال بعض إخوتنا – تحت شعار الوحدة القومية – يحاولون بكل الوسائل تهميش التاريخ الكلداني القديم . لا شك إن بعض إخوتنا من الكلدان لا يعرفون ما هي علاقتهم التاريخية مع الكلدان القدامى . الأخ صبري يحاول أن ” يستغل” هذا النقص في الدراسات كي يفسر التسمية الكلدانية بمعنى المنجمين كخطوة أولى ثم في خطوة جديدة سيكشف لإخوته الكلدان أنهم ” سورايي ” و أن السورايي هم (…)

كتب الأخ صبري ” ولتحقيق اليقين كما تأكد لي بأني لست كلدانياً قومياً كما يفهمه البعض أريد أن أؤكد لغيري من الشاكين بهذا الأمر. ” اليقين يا أخ صبري هو أن التسمية الكلدانية تشير الى هوية شعب هو الآرامي قبل أن تصبح مرادفة للمنجمين . ثم يقدم لنا الأخ صبري ما يعتبره برهان قاطع “لو قرأنا كتابه ألموسوم شرائع البلدان لبرديصان من إعدادي وترجمتي وصدر في ستوكهولم عام 1989 حيث في هذا الكتاب ترجمة حرفية ودقيقة لنسخة مما يعتقد بأنه من تأليف ألفيلسوف برديصان ونشره مع ترجمته الأنكليزية ألهولندي دريفرس عام 1966 حيث جاء فيه ص54 ما نصه ( قال برديصان : هل قرأت كتب الكلدان الذين في بابل التي كتب فيها ما تفعله الكواكب باقترانها مع أبراج الناس وكتب المصريين التي كتبت فيها كل الأمور التي تحدث للناس؟ قال عويدا : قرأت كتب الكلدانية , إلا أني لا اعرف أي منها للبابليين وأي للمصريين ؟ قال برديصان : إنه نفس العلم للبلدين . قال عويدا : هذا أمر معروف( “.

أخيرا يستنتج الأخ صبري ” وفي أعمق من ذلك يذكر عويدا بأنه قرأ كتب الكلدانية كعلم أو حرفة ولم يقل كتب الكلدانيين كشعب كما يريده البعض أن يكون .” البحث التاريخي المنزه هدفه ذكر الحقائق كما هي ، اما الأخ صبري فهو يتجاهل تاريخ و هوية الكلدان القدامى و يؤكد أن التسمية الكلدانية تعني المنجمين و يوحي للقراء ان التسمية الكلدانية تعني المنجمين منذ القديم و يذكر التوراة كأنه مصدر تاريخي أمين ثم يقدم برهانه الساطع نص لبرديصان و أخيرا إستنتاجه ( المنطقي) الكلدانية تعني حرفة أو علوم و لا تعني شعب له هوية !

الكلدان المعاصرون هم سورايي كما ذكرت أي أحفاد القبائل الكلدانية/الآرامية التي صمدت ضد حملات الاشوريين ثم إنتصرت عليهم و قضت على إمبراطوريتهم و كانوا يشكلون أكثرية السكان في بلاد أكاد التي ستعرف ببلاد الآراميين . السورايي عندهم هوية آرامية : إن الكلدان المعاصرين ينتمون الى القبائل الكلدانية/الآرامية التي قضت و صهرت بقايا الشعب الاشوري القديم. لقد ذكر مار افرام السرياني ( الآرامي) التسمية الكلدانية و كانت تعني له المنجمين و السحرة و قد نبه المسيحيين لمخاطر تعاليمهم. لا شك أنه تأثر بسفر دانيال و لا شك أن الكلدان الآراميين سوف يبتعدون عن إسمهم الكلداني لأنه صار يعني المنجمين. لا يحق لك يا أخ صبري أن توهم الكلدان أن اسمهم يعني المنجمين منذ القديم ، و لا تتعب نفسك في تفسير تسمية” سورايي” لأن هذه التسمية تدل على جذورنا الآرامية المتأصلة في كل الشرق !

هنري بدروس كيفا باريس – فرنسا

الاختصاصي في تاريخ الآراميين

الألف و التاء : منذ البداية ولدنا آراميين و سنبقى آراميين حتى النهاية.
نعيش معا و نموت معا و من الأفضل ألا نبقى مجرد متفرجين: دافعوا معا عن هويتكم و تراثكم من أجل الحفاظ على وجودكم!

تاريخ الشرق