لمحات من تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية

لمحات من تاريخ الكنيسة السريانية الشرقية

الدكتور أسعد صوما أسعد

(الجزء الاول)

(اقوم بنشر هذه الدراسة المتواضعة هنا بعدة اجزاء، لأسلط الضوء على عظمة هذه الكنيسة عندما كان ابناؤها جسماً واحداً متحداً قبل ان ينقسم الى كلدان وآشوريين، حيث صنعوا امبراطورية كنسية عظيمة امتدت من الشرق الاوسط الى سنترال آسيا والصين والهند.

الآشوريون والكلدان اليوم هم احفاد هؤلاء الأبطال الذي تلمذوا عشرات الشعوب وادخلوها في المسيحية عندما كانوا كنيسة واحدة وشعباً واحداً، فهل هناك اية فرصة لهم للتعاون والتآلف والتقارب وربما الاتحاد؟

ربما تساعدهم هذه الدراسة على اكتشاف الأصل المشترك والتاريخ المشترك فيتلاشى الانغلاق على الذات، وتخف حدة الاصولية وتزول الكثير من مشاكل اليوم)

(ملاحظة: قمتُ باستعمال تسمية “الكنيسة السريانية الشرقية” لان هذا هو اسمها العلمي الذي نستعمله في العالم الاكاديمي، كما ان بقية الاسماء والاصطلاحات هنا اوردناها كما كانت مستعملة حينها)

أثناء ظهور التعاليم المسيحية كانت البلاد السريانية وهي سوريا القديمة والعراق ترزح تحت حكم امبراطوريتين كبيرتين متنافستين هما الامبراطورية الرومانية (البيزنطية بعدئذ) في الغرب والامبراطورية الفرثية Parthia (أو الفارسية الساسانية منذ القرن الثالث الميلادي) في الشرق، باستثناء بعض القطاعات والجيوب التي كات تشغلها بعض الدويلات والامارات الارامية المتفاوتة الحجم والاهمية ومنها:

الرها (أورفا) وأمد (دياربكر، في تركيا)،

الحضر Hatra وسنجارا (في العراق)،

وتدمر وحمص ودمشق (في سوريا)،

ودولة النبط (في الاردين)،

الخ، يحكمها امراء آراميين أو عائلات برجوازية ذات تبعية سياسية للفرس أو الرومان.

وكانت العداوة المستحكمة بين هاتين القوتين الجبارتين الفرس والرومان، قد أثّرت سلباً على المنطقة السريانية الى حد كبير.

فالحدود بينهما غير مستقرة وكثيرا ما كانت عرضة للتغيير بين مد وجزر عند تخوم نصيبين والقامشلي في الجزيرة السورية وشرقي تركيا الحالية، التي كانت تشكل ساحة المعارك والصدامات بين الفرس والرومان، والتي كانت تخلف وراءها في كل مرة الخراب والدمار وسفك دماء الشعب السرياني الذي لم تكن له يد في تلك الحروب المدمرة على اراضيه.

وقد اثرت تلك الحدود مع مرور الزمن بين الرومان والفرس على السريان الآراميين الى حد كبير جداً لانها عملت على تجزئتهم وتقسيمهم.

وما زالت نتائج ذلك تتفاعل ليومنا هذا.

ذاك ان تلك الحدود قسمتهم جغرافياً الى سريان شرقيين (تقريبا في العراق الحالي وايران) وسريان غربيين (الى الغرب منها ولغاية البحر المتوسط في سوريا)، وسياسياً خضعوا لدولتين متعاديتين الفرس في ايران والرومان البيزنطيين في سوريا، ودينياً الى كنيستين (على الاقل)، ولغوياً الى لهجتين آراميتين (على الاقل).

وابعدتهم عن بعضهم وزرعت في عقولهم انتماءين وشخصيتين متباينتين.

ان تلك الحدود التي عملت على تقسيم السريان تشابه الى حد ما الحدود الحالية ما بين دولتي سوريا والعراق.

ولقد ازدادت العداوة بين الامبراطوريتين بعد ان أصدر قسطنطين الكبير مرسوم ميلانو الشهير عام 312م حين أطلق الحرية الدينية معترفاً بشرعية الديانة المسيحية التي اعتنقها بعدئذ وجعلها دين الدولة الرسمي، مخلفاً بذلك نتائج سلبية في المسيحية لاحقاً.

المسيحية في الشرق:

ان تاريخ انطلاق المسيحية في المشرق يكتنفه الغموض تماماً. فلا نعرف بالضبط متى دخلت المسيحية تلك المناطق، لان المصادر التاريخية التي بين ايدينا شحيحة في هذا المجال ولا تزودنا بما يفي الموضوع حقه.

إلا ان التقاليد السريانية الشرقية (النسطورية والكلدانية) تفيد بانه منذ القرن الاول الميلادي بدأت المسيحية تنتشر في المشرق على يد الرسل الذين بشروا هناك واسسوا بعض الكنائس والمجتمعات المسيحية.

وتحدثنا التقاليد السريانية عن المجوس الذين زاروا الطفل يسوع في بيت لحم، وعددهم حسب التقاليد المعروفة اثناعشر، كانوا في ثلاث مجموعات حيث آمنوا به ونشروا التعاليم عنه اثناء عودتهم الى المشرق.

وتحدثنا كذلك التقاليد عن توما الرسول ونشاطه التبشيري ورحيله الى الهند وكذلك عن الرسول أداي وتلميذيه آجاي وماري.

ويُعتقد ان بعض التجار السريان المسيحيين الذين كانوا يقومون برحلات تجارية الى بعض المناطق والمدن السريانية الشهيرة مثل الرها ونصيبين قد نشروا معلومات عن الدين الجديد الذي ظهر في فلسطين سوريا ومهدوا الطريق امام المبشرين من الرسل والتلاميذ أو سواهم من المبشرين.

ففي تعاليم آداي ܡܠܦܢܘܬܐ ܕܐܕܝ نفهم ان أداي كان في الرها ونصر هناك بعض الرهاويين وبنى كنائس. وعند وفاته تبعه في الاسقفية آجاي، وان بيث نهرين سمعت البشارة من آداي.

كما هناك جملة من الكتابات والنصوص القديمة، واغلبها بالسريانية، تعتبر مصدرا هاماً عن انطلاق البشارة المسيحية في المشرق.

غير انها تتراوح بين اشارة خاطفة ولمحة عابرة الى ذكرِ موجز تفيد المؤرخين الكنسيين كمصدر هام عن دخول المسيحية الى المشرق ولكنها لا تفي الغرض حقه، منها كتاب تعاليم آداي المذكور، وقصة ذكر فيضان نهر ديصان في الرها، وكتاب شرائع البلدان لبرديصان الرهاوي وغيرها.

القرن الثالث:

نعلم من خلال الوثائق القديمة بانه كان هنالك ذكراً لمجتمعات مسيحية متفرقة في عدة مدن ومقاطعات من بلاد ما بين النهرين، التي كانت ترزح تحت حكم البارثيين.

لقد دخلت المسيحية اليها في فترات مختلفة منذ القرن الاول الميلادي وتوسع الانتشار في القرن الثاني، لكن لا تتوفر لديننا معلومات دقيقة في هذا الشأن.

ان المجامع الكنسية لكنيسة بلاد الفرس، وأولها مجمع عام 410 م وثقت تاريخ هذه الكنسية منذ نهاية القرن الخامس فصاعداً، وقدمت لنا معلومات دقيقة عن انتشارها الجغرافي وتنظيمها وكراسي اسقفياتها.

لكن تاريخ هذه الكنيسة قبل مجمع 410 م غامض بل غير معروف بشكل دقيق.

كانت الكنيسة السريانية في بلاد الفرس في القرون الاولى الاربعة جزءاً من المسيحية السريانية الملحقة حول بطريركية انطاكية.

وان هذه الكنيسة أخذت الكثير من مقومات وجودها من الكنيسة الانطاكية مثل نظامها الاسقفي وليتورجيتها المصاغة على نموذج انطاكي وكذلك رهبنتها ولاهوتها وقوانينها.

كانت هذه الكنيسة اثناء حكم الساسانيين في حالة دفاع عن النفس إزاء المجوس الذين كانوا يطالبون الملوك باضطهاها، لذلك كانت تنمو ببطء لكن بثبات.

أما رعيتها الاولى بالاضافة الى السريان فكانت فيها ايضاً مجموعات من المتنصرين الوثنيين والزرداشتيين ومن اسرى الحروب من العالم الروماني.

كان الملكان أردشير الاول وابنه شابور الاول متسامحين دينياً.

إذ أن شابور سمح للأسرى من سوريا الرومانية حينها وخاصة من أنطاكية، ومعظمهم من المسيحيين، بممارسة طقوسهم الدينية بحرية في عام 256-260 م.

لكن في نهاية حكم شابور قويت سلطة الكاهن الاعلى الزرداشتي وبلغ نفوذه الذروة أثناء حكم هرمز الاول (272-273) وبهرام الثاني (276-293). وترجم ذلك الى اضطهادات شنيعة ضد المسيحيين في تلك الفترة.

وفي عداد الشهداء الذين سقطوا “قنديرا” زوجة الملك بهرام الثاني المسيحية.

(تم كشف حوالي ستين قبراً على الضفة المرجانية لجزيرة “خرج” مقابل البحرين في الخليج الفارسي تحمل نقوشاً سريانية.

يعتقد العلماء ان هذه القبور تعود لمسيحيين سقطوا ضحية الاضهادات في القرن الثالث الميلادي، ويُعتقد ان هؤلاء الشهداء المسيحيين دفنوا هنالك بعيداً عن رقابة الكهنة الزرداشتيين).

كان القرن الثالث هادئاً نسبياً في حياة الكنيسة عدا بعض حوادث الاضطهادات التي اثارها رئيس الكهنة الزرداشتي الاعلى.

وكان لأسرى المسيحيين الذين اتى بهم ملوك الفرس من سوريا دور بارز وهام في نشر وتقوية تعاليم المسيحية في العراق وفارس.

لقد احتل شابور الاول انطاكية مرتين، الاولى عام 256 م والثاني عام 260، وفي كلتا المرتين كان يجلب معه اعداداً كبيرة من الاسرى المسيحيين واليهود والوثنيين.

وكانت مجموعة من الاسرى الاولى تضم في عدادها ديمتريانوس اسقف انطاكية والذي بمساعيه اصبحت كنيسة بيث لافاط كرسياً اسقفياً هاماً في بلاد فارس.

وكان اغلب الاسرى الانطاكيين من المسيحيين السريان وقلة من اليونانيين، قد استوطنوا في عدة مناطق مثل فارس وبارثيا وخوزستان وغيرها.

وهذا ما يؤكده التاريخ السعرتي (Chronique se Seert, in: Patrologia Orientalis 4, pp. 221-222) حيث يروي بشكل رومانسي بان الاسرى قد منحوا أراض للحراثة ومنازل للسكن، وان هؤلاء الاسرى أصبحوا طاقة بشرية هائلة بتصرف الدولة الفارسية لتحقق بهم مشاريع عمرانية ضخمة كبنيانهم سد شوستار.

ولقد سار شابور الثاني على نسق شابور الاول عندما احتل سنجارا عام 360 جالباً الاسرى الى فارس، وكذلك لما احتل بيث زبداي حيث وقع في الاسر مطران المنطقة ايضاً.

ان الاسرى المسيحيين، عندما كانت تسنح لهم الظروف الملائمة، كانوا يتّصلون بالمسيحيين من ابناء المنطقة مما ساعد على تقوية المسيحية ورسوخها في بلاد فارس.

ويشير التاريخ السعرتي الى اديرة وكنائس منها كنيستان في أردشير، احداهما تعتمد اللغة اليونانية في ليتورجيتها والاخرى اللغة السريانية.

ومن الاساقفة التي وصلتنا اسماؤهم “حيران الأربيلي” ( من أربيل) (225-258 م) الذي كان من اقليم بيث آرامايى ܒܝܬ ܐܪ̈ܡܝܐ “بلاد الآراميين” الواقع في وسط وجنوب العراق، وكذلك الاسقف “شحلوفا الأربيلي” (258-273) وكان ايضا اصله من اقليم بيث آرامايى Beth Aramaye، وكذلك “أحادابوي الأربيلي” (273-291) حيث يرد في قصته “بان الشعب اختار بالاجماع فافا الآرامي عام 310 لانه كان رجلاً حكيماً وفطناً” (القصة منشورة في Sources Syriaques، المجلد الاول، صدر في لايبزيغ عام 1908، صفحة 119).

القرن الرابع:

لا شك ان المعلومات قليلة ايضا عن الكنيسة في القرن الرابع، غير أن الذي نعلمه بالتفصيل هو خبر الاضطهادات التي تعرض لها المسيحيون بامر شابور الثاني وبهرام الرابع، حيث تردد صداها في الغرب (سوريا).

ان الوضع السياسي العام وخاصة علاقة الروم مع الفرس كانت تؤثر سلباً او ايجاباً على المواطنين المسيحيين في المشرق الفارسي.

إذ كانت العلاقة بين قسطنطين الكبير وشابور الثاني (309-379) ودية وطيبة، لذلك كان السلام يسود المنطقة.

ولما علم قسطنطين بوجود مسيحيين في الدولة الفارسية كتب الى شابور يطلب منه حماية المسيحيين في دولته وان يشملهم برعايته وانسانيته، غير ان اهتمام قسطنطين بمسيحيي المشرق سبب لهم الكثير من المتاعب والاذى لأن مستشاري شابور أوهموه بان مسيحيي دولته يجدون في قسطسنطين بطلاً للمسيحيين، وان ولاءهم للعرش الساساني هو موضع شك.

لذلك وبعد وفاة قسطنطين عام 337 م بدأ شابور باضطهاد الكنسية في حدود دولته وقد استمر هذا الاضطهاد طوال عهده وذلك تحت تأثير النفوذ السياسي المتزايد للمجوس.

بدأ الاضطهاد عام 340 م في سلوقية بصدور الامر بتوقيف مار شمعون برصباعي اسقف سلوقية-قطسيفون وهو ثاني جاثليق للمسيحيين في الدولة الفارسية. ثم عرض عليه اطلاق سراحه شرط ان يجمع الضرائب من رهبانه ومن المسيحيين في أقليم بيث آرامايى ܒܝܬ ܐܪ̈ܡܝܐ الذي كان يشمل وسط العراق وجنوبه (وكان فيه كثافة آرامية عالية لذلك سمي باسمهم “بلاد الاراميين”) كما ورد في التاريخ السعرتي (ص. 300).

ولما رفض مار شمعون هذا الشرط قطعوا راسه عام 341 (او 344؟).

ثم أعلن الملك اضطهاداً عاماً على جميع المسيحيين، وتقول قصة استشهاد مار شمعون “ان شابور وجّه امره برسالة من خوزستان الى حكام اقليم بيث آرامايى بهذا الخصوص” (مخطوطة المكتبة الفاتيكانية Vat. Syr رقم 161، عدد 3، صفحة A20)، إلا انه عاد وخفف الاضطهاد وجعله وقفاً على الاكليروس المسيحي.

وقد تباينت قسوة الاضطهاد من اقليم الى آخر وذلك تبعاً لرغبات الحكام المحليين ونزواتهم.

لكن اكثر المناطق التي اصابها الضرر كانت بيث غرماي ܒܝܬܓܪܡܝ و حدياب ܚܕܝܒ وذلك بسبب الوجود المسيحي الكثيف فيها.

وقد ذهب ضحية الاضطهاد بعض افراد حاشية الملك والوجهاء والقادة الكنسيين.

ففي العاصمة وحدها أعدمت السلطة 120 شخصاً من أفراد الاكليروس. يقول المؤرخ سوزومٍن (ص 14،2) بان عدد الضحايا كان ستة عشر الفاً.

كان الجاثليق مار فافا الآرامي Papa the Aramean اسقف سلوقية يدرك أهمية مركزية كنيسة المشرق واستقلالها، لذلك تزعم حركة لتحقيق هذا الهدف الا انه أُقيل من منصبه في مجمع 315م فالتجأ الى كنيسة انطاكية التي ابطلت عزله وأُعيد الى منصبه.

وكان مار شمعون بر صباعي قد مثله في المجمع الكنسي النيقاوي 325م ثم خلفه على الكرسي بعد وفاته.

وعند استشهاد مار شمعون خلفه مار شاهدوست الذي استشهد ايضاً عام 342، ثم استشهد خليفته مار بربعشمين عام 346 كذلك.

اترك تعليقاً