شــــفــــاء الأبــــــــرص

شــــفــــاء الأبــــــــرص
“إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني”
بهذه الكلمات كان توسل ذلك الأبرص الذي جثا أمام المسيح ليخلصه من برصه.فأشفق عليه يسوع ومد يده ولمسه وقال له “قد شئت فابرأ”.فزال عنه البرص لوقته.


هدف “خروجه” لا من كفرناحوم إلى البريّة، بل خروجه أيضًا من حضن الآب إلى العالم: لقد أتى يقود الإنسان من عبوديّة الخطيئة إلى حياة النّعمة بإشراكه في الحياة الإلهيّة. دعوتي هي التّعرف إليه كل يوم والدخول في علاقة شخصيّة معه، علاقة صلاة، علاقة صداقة، علاقة معرفة وقبول لإرادته في حياتي مع كل ما يمكن أن يتطلبه هذا الأمر من صعوبات.
أحبائي: عديدة هي المواقف والمعجزات الواردة في الإنجيل المقدس التي تظهر بوضوح قدرة الرب يسوع المسيح على شفاء الإنسان من كل أمراضه، لم تتوقف عن شفاء الجسد بل أيضا شفاء النفس التي مسّها المرض من الداخل وقادتها إلى الإهتداء إلى الله. فالغاية الأساسية أن يقود ويؤمن ويثق به.
الشعب يُخطىء والربّ ينتظر، الشعب يتوب والربّ يغفر، المكان القفر هو مكان الخيانة والتوبة، مكان الحب الجريح والحب الشافي، حُبّ الإنسان المتردِّد وحُب الله الثابت. في البريّة جاع الشعب فأعطاه الله مأكلاً، عطش الشعب فأعطاه الله الماء العذب في صخرة قاسية. هذه هي البريّة، مكان قاسي مُقفر خطر، فيه يكتشف الإنسان مدى حاجته الدائمة لحضور الله في حياته. لذلك يعود الربّ إلى البريّة، يدخل في صحراء الوجود الإنساني ليُعلن من جديد أنّه أتى يجدّد الشعب القديم، جاء يعلن للإنسان من جديد أنّ الله لا يزال معه حاضراً في حياته يقوده ويعتني به، وهو وحده قادر على إعطائه الخلاص.
دعونا نتكلم الآن عن هذا المرض الجلدي المعدي الذي ينتشر بسرعة ويظهر على الجسم بشكل أورام يخرج منها التقيح وينقطع جريان الدم وعندما يتقدم المرض يبدأ جسم المصاب بالإلتهابات مثل أصابع اليد والأنف وجفون العين ويبدأ المرض بتآكل وتساقط الأطراف، فالبرص مرض خطير ومخيف رائحته كريهة إلى درجة النتانة من المصاب ومن الصعب أيضا إيجاد طريقة لعلاجه. فهنا المصيبة فالمصاب بهذا المرض ينفى من بيته ومن مدينته ليعيش في مكان بعيد عن الناس لكي لا يعديهم وينظر اليه على أنه إنسان نجس لا ينظر إليه أحد ولا يلمسه أحد خوفا من العدوى، ويبقى هناك حتى يشفى أو يموت. فالمصاب بهذا المرض أيضا يشعر بالرفض واليأس والخوف والقلق. فمرضه الجسدي يتحول إلى مرض نفسي فيعامل كشخص ميت وهو حي، وكان يلبس أكفان الموتى وتتلى عليه صلاة الموتى قبل أن يبعد أو يحجر عليه ليعيش بعيدا في عزلة.
المرض والشريعة اليهودية: لقد اعتبر اليهود هذا المرض لعنة من الله وعقابا منه على خطيئة أرتكبت. وترى الشريعة أيضا من يلمس نجسا يتنجس، لذى كان اليهور يرمون الحجارة على المريض لكي يبعدوه عنهم مسافة حتى لا يصابو بالمرض.ولم يسمح له بالاشتراك في الأنشطة الدينية أو الاجتماعية أو دخول الهيكل بسبب مفهمم الشريعة القائم على أن البرص نتيجة خطيئة ارتكبت لتعيق مسيرته نحو الله. وتكون حاجزا بين الله والإنسان. .”آثامكم صارت فاصلة بينكم وبين إلهكم وخطاياكم سترت وجهه عنكم حتى لا يسمع”.”. وهذه الحقيقة يؤكدها مشهد عرفناه عندما أخطأ آدم وخالف وصية الله فطُرد من الجنة وهناك حصلت العزلة بين الله والإنسان. لهذا جاء المسيح ليصالح الاثنين معاً الله والإنسان.
هنا جاء دور المسيح والأبرص:
“إن شئتَ فأنتَ قادِر أن تُطَهِّرني”:
ما يُمَيّز هذا الأبرص عن الحُشود التي تتبع يسوع هو الإيمان والإتّكال. بكلماته القليلة أعلن الأبرص إيمانًا كبيراً، أعلن عن قُدرة يسوع على شفاءه، إنّما أعلن أيضًا عن ثقته بإرادة الربّ التي تقود وجوده. لم يقل “إشفني” بل أعلن عن إيمانه بقدرة الربّ وتَرَك له حريّة التصرُّف.
من المؤكد والواضح هنا شعور الإنسان الأبرص والمريض وإحساسه بحضور يسوع القادر عل شفائه من مرضه لذي عجز عن الشفاء منه وليغير حياته، ولكنه وثق بيسوع ثقة عمياء، فتقدم إليه وسجد له وتوسل إليه برغية داخلية مؤمنة ومسلما حياته له،وبرغبة حقيقية صادقة وبإيمان راسخ قائلا له:”إن أردت فأنت قادر أن تطهرني”. . فموقف يسوع دائما موقفا إيجابيا وموقف استجابة لكل من يسأله، ففي هذه الحال استجاب سريعاً ومن دون تردد واعلن رغبته في شفاء الأبرص فمد يده ولمسه، وهو الآتي ليحمل آلامنا وأوجاعنا وأحزاننا وآثامنا ويشفي جراحنا ويصالحنا مع الله.
“فانتهره يسوع وصرفه”
هذه القساوة التي يُعطيها مرقس ليسوع هي ذات بعد لاهوتي، هو يسوع الذي يحذِّر الأبرص من إعلان هويّته، فالخطر الأكبر هو أن يُعلَن المسيح للبشر كالمسيح الشافي، مجترح المعجزات والشافي، المتكلِّم بسلطة، ويُهمَّش المسيح المصلوب، المتألَّم. الخطر، كل الخطر، هو في إعلان مسيح منتصر وإهمال المسيح المصلوب.
نستنتج من هذا المثل ان هناك رغبة وإرادة بالتغيير. والثقة في حضور المسيح في مراحل حياتنا. والسعي للحصول على الشفاء والاعتراف بضعفنا وعجزنا وطلب العون من الرب المخلص. وتقبل مشيئة الله والإيمان بقدرته على العمل في حياة الإنسان. وضع أي مشكلة نعاني منها تحت نظر الرب وانتظر بصبر تدبيره وخطته الخلاصية. وطلب معونة الروح القدس الساكن فينا للتخلص من برص الخطيئة فهوه القوة الدافعة للتغيير في داخلنا، وهو العون الإلهي الذي سياعدنا على الشفاء. وإننا نعرف جيدا كل ما طلبتم بإسمي فإني أفعله لكم لو كان طلبنا فوق إرادته يكون. وننظر إلى الإنسان الآخر بمقياس نظرة الله له فهو يحب الخاطيء لكنه يكره الخطيئة. ونوجه الآخر إلى الله حتى يعرفه ويحبه ويشعر برحمته وخلاصه له. ومد يد العون والمصافحة لكل من أشعر تجاهه بالإساءة أو النفور فالكلمات وحدها غير كافية للتعبير بل الملامسة ضرورية لأنها تعني الاهتمام بالآخروتكريمه وحبه وتقديره.
أحبائي: لنتأمل في هذا المثل من جميع جوانبه ونتعلم ماذا يجب أن نعمل!!!
في هذا الأحد الأوّل بعد أحد مدخل الصوم، نتأمّل في إنجيل له بُعْد رمزيّ عميق لصومنا. إن هذه الفترة التي نعيشها هي ليست مجرّد انقطاع عن المآكل، إنّما هي بدرجة أولى فترة تطهُّر، فترة فحص ضمير وتأمّل في حياتنا، ندرك أن برص الخطيئة يُبعدنا كلّ يوم عن الله، نصبح مثل هذا الأبرص، دون علاقة مع الله، لأنّنا بإرادتنا قرّرنا الإنفصال عنه وفَضَّلنا الشّر. نجد أنفسنا منفصلين عن الكنيسة، جماعة القدّيسين، لأنّ الحياة المسيحيّة هي حياة سعي إلى القداسة، واختيار دائم لله في حياتنا.
أخطر ما في الخطيئة هي أنّها تجعلنا ننغلق على ذواتنا، مِثل الأبرص في عزلته، تجعلنا نتقوقع على فقرنا وعزلتنا، على جراحنا وخطيئتنا، على تعاستنا ويأسنا. نحيا في حالة موت دائم ونعلم أنّ حياتنا هي في المسيح وفي جماعة المؤمنين، نعلم ولا نبادر، تنقصنا الشجاعة لنعترف بخطأنا، ونعود. المسيح يريد أن يشفينا، ينتظرنا، كما انتظر كلمات الأبرص فلمسه.
الصوم هو تفتيش عن لمسة المسيح في حياتنا، ننالها من خلال معرفة محدوديّتنا وخطيئتنا، ننالها بفعل ثقة وإيمان. كلّ واحد منّا يجد ذاته في صورة هذا الأبرص، إنّما كلّ واحد منّا يمارس قسوة جماعة المؤمنين التي تفصل الخاطىء ايضاً.
كم من الأشخاص هم اليوم مثل هذا الأبرص في حياتنا وفي مجتمعنا؟ كم من الأشخاص نهمّش ونعزل؟ نترك الخاطىء خارج باب قلبنا، لأنّه خاطىء، نُهمّشه بحكمنا الفرديّ والجماعيّ، نزيد ألم جراحه بعزله.
كم من الأشخاص يموتون روحيّاً كلّ يوم لأنّنا نتركهم وحيدين؟ نعزلهم لأنّ في ماضيهم وصمة ما، نتحاشاهم لأنّهم قد اقترفوا خطأ ما، لأنّ المجتمع يَصِمَهم بوَصمة ما، وَصمة غفرها المسيح ولا نزال نذكرها نحن. نعزل الآخر لأنّه مختلف، لأنّه يخالفني الرأي والمعتقد أو السياسة أيضاً؟ ننتقد مجتمع إسرائيل البدائي ومجتمعاعتنا المتمدّنة تمارس عزلاً وتهميشاً أخطر وأشمل: كم من فقراء يعانون الجوع والبرد؟ كم من أيتام وأرامل لا يُعارون اهتماماً؟ كم من مرضى في مستشفيات لا يزورهم أحد؟ كم من أشخاص حولنا يحتاجون الى مجرّد لمسة، الى كلمة تعزية وتشجيع، إلى أن نذكّرهم أنّهم ليسوا وحيدين في العالم، فالله إلى جانبهم من خلالنا؟ لا نخاف منّ حُكْم المجتمع في وقفتنا إلى جانب من وصمه المجتمع بعلامة سوداء، فدينونة السيّد سوف تكون: “ماذا فعلت لإخوتي الصغار؟”.
الصوم هو فترة تطهّر وتنقية للذات من كلّ برص خطيئة، هو زمن عودة إلى المسيح، هو سماع المسيح يقول لكلّ واحد منّا: “إذهب إلى الكاهن وأرِه نفسك، وأدّ التكفير”. إيماننا المسيحيّ لا يكون بمعزل عن الوصايا وعن جماعة المؤمنين، فالمسيح يقودنا دوماً نحو جماعة المؤمنين، نحو الكنيسة، نحو الكاهن.
إيماننا ليس إيماناً فرديّاً، وتوبتنا ليست فرديّة أيضاً، فالخطيئة التي جرحت جسم الكنيسة بأسره تنال الغفران من خلال سرّ الكنيسة نفسه. نجرح جماعة المؤمنين بشرّنا ونسمع منها، عبر الكاهن، كلمات المغفرة.
لا نخفي كبريائنا أو خجلنا بستار العلاقة المباشرة مع يسوع، بقولنا: “أعترف بخطيئتي مباشرة لله”، فالكنيسة هي استمراريّة لحضور السيّد، والأسرار هي وسيلة تقديس، والتوبة والإعتراف هما فعل تواضع، فعل ثقة بقدرة الله على المغفرة وبرحمة المؤمنين أيضاً. الكنيسة هي واحة حبّ، ومكان مغفرة دائمة. أنا مدعوّ لأنّ اؤديّ الكفّارة عن خطيئتي، بالصلاة والتكفير والتوبة، وبعمل الرحمة نحو الآخرين: ” إن الصدقة، تجعلنا قريبين من الآخرين، تجعلنا قريبين من الله ويمكنها أن تتحوّل إلى أداة حقيقيّة للتوبة وللمصالحة معه ومع المؤمنين ” الصوم هو انتقال من حالة واحد من مجموعة إلى حالة تلميذ للمسيح. في فترة الصوم نفحص معنى إيماننا، ومعنى علاقتنا بالسيّد المسيح: لماذا أتبعه؟ ألأنّه قادر أن يشفيني؟ ألأنّه يعطيني ما أريد؟ ألأنّه يصنع المعجزات؟ هي كلّها صفات الجموع، تتركني دون هويّة، دون علاقة شخصيّة بيسوع المسيح. دعوتي هي أن أكون تلميذاً لا فرداً من مجموعة، التلميذ يثق بيسوع وبمخطّط الله في حياته، يقبل صليب يسوع في حياته برجاء وثقة. الفرد هو تاجر، يؤمن بيسوع يلبّي رغباته، والتلميذ هو صديق، يعلم أن يسوع حاضر دوماً يرافق وينمّي وينير الطريق.
الأب الياس عبدو
المرشد الديني

 

 

اترك تعليقاً