تل موزان سوريا 2

تل موزان – أوركيش
الجريدة السريانية

الموقع:
يقع تل موزان إلى الشرق من ناحية عامودا على بعد (7كم)، ويبلغ طوله حوالي (700م)، وعرضه (500م)، وهو يرتفع عن السهول المحيطة به (28م)، بينما يبلغ طول المدينة الخارجية حوالي واحد ونصف كيلو متراً. وقد توسعت المدينة خلال الألف الثالث ق.م، وبلغت مساحتها حوالي (140هكتاراً).

اكتسب تل موزان أهمية خاصة لوقوعه في سهول مروية بشكل جيد بجانب وادي دارا ضمن مثلث الخابور الأعلى، وعلى طريق التجارة من كافة الاتجاهات في المنطقة الواقعة عند سفوح جبال طوروس شمال سورية وتحت الممرات الجبلية المؤدية إلى سلسلة جبال طور عابدين التي كانت منطقة الصيد الأولى لأوركيش وبالتحديد تحت ممر مدينة ماردين المعبر الرئيس إلى سهول الخابور من الطريق المؤدي إلى منطقة إرجاني (Ergani) الغنية بالمعادن.

 


أسد يحمي رقيم تأسيس يعود لـ 2000 ق.م
(متحف اللوفر)

وقد أظهرت الوثائق و المستندات العائدة إلى فترة أور (III) أن هذه المنطقة كانت مركز نشاط حوري في أواخر الألف الثالث ق.م، وكذلك نقوش الأسود العائدة إلى فترة ملك أوركيش تش – أتال (Tish-Atal) التي اهتمت بالمعبد المخصص لـ نرجال (Nerigal)، وقد عثر على هذين الأسدين اللذين احتويا نقوشاً في منطقة منتصف مثلث الخابور، وتم بيعهما في سوق الآثار عام (1948 م)، وهما الآن موجودان في متحف اللوفر والميتروبوليتان.

في بداية الألف الثاني ق.م ذكرت /أوركيش/ في النصوص العائدة إلى الفترة البابلية القديمة وذلك في يوميات الرحالة البابليين كمحطة لهذه الرحلات مما يعني أن أوركيش كانت مدينة أساسية خلال هذه الفترة وأنها كانت نقطة عبور هامة. وجميع الدلائل تؤكد أن الموقع هو مدينة /أوركيش/ وإن لم يكن فمن الأكيد أن مساحة تل موزان كانت منطقة ذات التأثير الأساسي للحوريين، وأنها المركز الرئيس القديم للحوريين في المنطقة.

البعثات العانلة في الموقع:
يعتبر “ماكس مالوان” أول من اكتشف تل موزان حيث أجرى فيه أسباراً صغيرة لمدة أسبوع، إلا أن هذه الأعمال لم يذكرها مالوان في منشوراته العلمية، لكن زوجته “أغاثا كريستي” ذكرتها في كتاباتها حول ثلاث سنوات لها في الخابور، والتي يمكن رؤيتها فقط في مجلته غير المنشورة والموجودة الآن في المتحف البريطاني التي تتحدث فيها عن ثلاثة أسبار أجراها في تل موزان.

ومنذ عام (1984م)، وبهدف التعرف على حضارة الحوريين خلال الألف  الثالث ق.م في منطقة الخابور، بدأت بعثة أثرية أميركية من جامعة لوس أنجلوس أعمال التنقيب الأثري في تل موزان برئاسة جورجيو بوتشيلاتي Giorgio Buccellati.

السويات الأثرية و التاريخية:
يحوي تل موزان على عدة سويات أثرية هامة جداً، وهي:
–  فترة ثقافة حلف.
–  فترة أوروك المتأخرة.
–  فترة حكم السلالات الباكرة.
–  الفترة الأكادية.
–  العصر البابلي القديم.
–  العصر البابلي الوسيط.

المكتشفات الأثرية:
تبين من خلال أعمال التنقيب المنهجي التي قامت بها البعثة لعدة مواسم في عدة قطاعات أنَّ تأريخ الاستيطان في هذا الموقع بدأ منذ الألف الخامس ق.م، وذلك من خلال العثور على سوية أثرية عثر في داخلها على مجموعة من الكسر الفخارية تعود إلى فترة حلف، تتوضع فوقها سوية تعود إلى فترة فجر السلالات الباكرة الأولى (2900ق.م)، وتعتقد البعثة أن بناء مدينة أوركيش تم في هذه الفترة.


المخطط الطبوغرافي لتل موزان

وقد عثر ضمن السوية العائدة إلى فترة فجر السلالات الباكرة الثانية (2650 ق. م) على مصطبة المعبد الضخمة، وعلى سور المدينة الداخلي ، وعن مدافن في المدينة المنخفضة، وضمن سوية فترة فجر السلالات الباكرة الثالثة (2400 ق.م) تمّ التعرف على المعبد (BA)، ويبدو أن سور المدينة الداخلي الذي أهمل خلال هذه الفترة، وتم إعمار سور المدينة الخارجي، بالإضافة إلى تشييد المجمع الإداري في المدينة الخارجية، وكشف عن منشآت معمارية عثر بداخلها على طبعات أختام، كماضمَّت السوية العائدة إلى الفترة الأكادية (2300 ق.م) القصر (القطاع AK) العائد إلى فترة الملك توبكيش وزوجته أوكنيتوم وتأرم – أجاد ا ابنة الملك الأكادي نارام- سين في /أوركيش/ وإيشار- نابشوم، إضافة إلى المجمع السكني  وعن استمرارية استخدام المعبد (BA).


جانب من المكتشفات الأثرية في تل موزان

أما في السوية العائدة إلى الفترة ما بعد الأكادية أي خلال فترة أور الثالثة (2150 ق.م) فقد تعرفت البعثة على منازل خاصة، وقبور في أعلى القصر، وحفرة مقدسة (Favissa)، وطبعات أختام، وأنه تم تجديد بناء المعبد (BA)  واستمر استخدامه.
وضمن السوية العائدة إلى الفترة البابلية القديمة تم الكشف عن منازل خاصة وقبور في أعلى القصر، ومبان عامة، ومنشآت وقبور، إضافة إلى منشآت في أعلى المعبد.

واستمر الاستيطان في الموقع خلال الفترة الميتانية (1500-1400ق.م)، وقد عثر ضمن هذه السوية على منازل خاصة وقبور في القطاع ومخزن في القطاع (A17-18)، وكان آخر استخدام لمصطبة المعبد، أمَّابعد هذه الفترة فقد تمَّ هجر الموقع ليغفو غفوته الأبدية.

وقد دل الكشف الأثري من خلال المادة الأثرية (العمارة – اللقى الأثرية) أن المدينة الخارجية توسعت لأقصى بعد لها في منتصف الألف الثالث ق.م، وأنه في هذه الحقبة من الزمن لم يعد هناك استخدام لسور المدينة الداخلي ، إلا أنه بقي يوفر حداً فاصلاً بين المدينة الداخلية والمدينة الخارجية التي سكنت، واستخدمت لأغراض مختلفة منها المساكن والمباني الإدارية والمقابر حتى نهاية الألف الثالث ق.م، وتقلصت المدينة إلى حدود التل الحالي في الألف الثاني ق.م.


تخيل للقصر والمعبد في فترة الملك توبكيش (2250 ق.م)

هذا وقد بني القصر الذي ربط وحدتين معماريتين مقدستين سابقتين له تاريخياً في عهد الملك توبكيش وزوجته الملكة أوكنيتوم حوالي عام (2250 ق.م)، واستخدم  خلال عهدي خليفتيه زوج تأرم- أجادا، وإيشار – نابشوم، فالوحدة المقدسة السفلى تكونت من منطقة مفتوحة تؤدي إلى بناء تحت مستوى الأرض يشبه الكهف، وهو البناء المغطى بشكل القبة وهو (الأبي) أي المكان الذي كان يهبط إليه  الملك ليستشير فيه أرواح العالم السفلي، أما إلى أقصى اليمين فيتوضع المعبد عالياً على مصطبة ضخمة الذي يرتبط بالقصر بواسطة ساحة عريضة، وبذلك فإن عناصر هذا المجمع كونت وحدة عضوية واسعة الأبعاد (250 متراً) من الغرب إلى الشرق.


مخطط القصر-أوركيش

وقد تألف القصر من مستويين: المستوى الأول المنخفض يمثل جناح الخدمات الذي احتوى على المطبخ، وعلى مخزن المواد التموينية الخاص بالعائلة الملكية، ومنطقة خدمة يرجح أنه نفذت فيها احتياجات القصر الملكي، أما القسم الرابع فقد حالت عوامل التعرية الطبيعية دون إمكانية التعرف على وظيفته. ومثل المستوى الثاني الأعلى الجناح الرسمي للقصر الذي يرتفع عن مستوى جناح الخدمات حوالي (2,5 م)، والذي لم يكشف على مدخله بعد وفيه عاش الملك وعائلته ومنه أدار شؤون حكمه.

وفي نهاية الألف الثالث ق.م لّوحت شمس هذا القصر بالمغيب، حيث تم هجره فتوسعت المستوطنات فوق المكان الذي كان يشغله. في البداية كانت المنازل محصورة شمالاً، أما فوق جناح خدمات القصر فقد أصبح موقعاً أقيمت عليه نشاطات اجتماعية، وخزنت فيه مؤقتاً مواد تموينية في العراء وهي المرحلة /4/ والتي تم التعرف على أسماء ثلاثة من ملوك أوركيش خلالها هم :”سادار – مات، وأتال – شين، وأن –أتال”.


المعبد العلوي في تل موزان (2400-2300 ق.م)

وكشف في الجزء السفلي من المقطع الشمالي الكبير على سوية تعود إلى النصف الأول من الألف الثاني ق. م دلت مكتشفاتها أن المدينة كانت في تلك الفترة تحت سيطرة ملك ماري الذي نَصَّب في الموقع حاكمين هما: “كانا تيرو-وهازيران”، وقد توضع تحتها سوية استيطان تعود إلى فترة الخابور، تلتها فترة استيطان تعود إلى الفترة الميتانية، وهي آخر المستوطنات في أوركيش القديمة.

ومن أهم الشواهد المعمارية التي تم العثور عليها المعبد، وهو الذي شُيد في الفترة حوالي (2400-2300ق.م) في قمة التل على مصطبة حجرية.

والمعبد عبارة عن بناء مستطيل الشكل تبلغ أبعاده (9×16,5م)، ويرتفع حوالي (27م) فوق مستوى السطح الأصلي للمدينة القديمة، كما تم التعرف على منشأة ضخمة لها شكل بيضوي وصل ارتفاع جدارها الجنوبي الشرقي إلى (7أمتار) فوق مستوى القصر والساحة، ولعل سبب محافظة جدران هذه المنشأة على حالتها بشكل جيد هو استمرارية استخدامها حتى أواخر فترة سكن أوركيش القديمة وصولاً إلى الفترة الميتانية التي شهدت آخر عهوده.

أهم اللقى الأثرية:


طبعة ختم – الملكة أوقنيتوم وحاشيتها

احتوى القصر في تل موزان عدداً من الغرف أهمها الغرفة (N6) التي عثر بداخلها على مجموعة من الرقم المسمارية، وعلى ما يزيد عن (1000) طبعة ختم نقش بعضها بحروف مسمارية تعود إلى فترة حكم الملك توبكيش وزوجته الملكة أوكنيتوم وحاشيتهم.

وكشف في الغرفة (N1) على طبعة ختم تأرم- أجادا ابنة نارام سين، وعثر في الغرفة (N3) على رقيم طيني مرسوم عليه مخطط يتطابق إلى حد كبير مع الغرف الثلاث13-1  (N4) ويعتقد أنه كان مخططاً صممه معماري لينفذه فريق عمال البناء المعني بإنشاء هذا القسم.


آنية فخارية على هيئة إنسانية

ومن بين اللقى الأثرية التي عثر عليها في الموقع، بعض الأواني والأشكال الطينية ذات هيئات إنسانية وأخرى حيوانية مما يشير إلى استخدامها ضمن شعائر وطقوس خاصة.

كما تم الكشف عن مجموعة من الرقم المسمارية والأختام الأسطوانية في أسفل الجدار الغربي من المبنى العائد إلى الفترة الأكادية القديمة أهم ما فيها كسرتان قدّما نصاً مدروساً من ستة أسطر يعرض قائمة بأسماء مهن، وتأتي أهمية هذا النص كونه يشابه نصين سبق أن عثر عليهما في موقعي تل أبو الصلابيخ وإبلا مما يرجح وجود علاقات ثقافية و اقتصادية بينهما، وبين تل موزان /أوركيش/، ومن ناحية أخرى يتضح من المشاهد المنقوشة على الأختام الاسطوانية أن مدينة أوركيش كانت مركزاً هاماً لفن صناعة الأختام في شمال سورية خلال الفترة الحورية.

المصدر: بغدو، عبد المسيح، 2009 (بتصرف)

المراجع:
بغدو، عبد المسيح: مائة وخمسون عاماً من البحث الأثري في الجزيرة السورية (محافظة الحسكة). دمشق، 2009.

Buccellati, G., Buccellati, M-K.: “Tell Mozan (Ancient Urkesh)”. In: Aruz, J., Wallenfels, R.: Art of the First Cities, The third millennium B.C from the Mediterranean to the Indus. New York & London, 2003.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Mozan 1. The Soundings of the First Two Seasons Bibliotheca Mesopotamica 20, Malibu.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: The seven season of excavation at tell Mozan. CAS I, 1992. Pp. 79-84.


مراجع للإستزادة:

Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Urkesh and the Hurrian, studies in Honor of Lloyd Costen. Bibliotheca Mesopotamica, vol. 26, 1998.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Urkesh as a Hurrian Religious Centre, SMEA, vol.47, 2005, pp.27-59.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Tar’am Agade, Daughter of Naram sin at Urkesh. in: Of Pots and Plans. Nabu Publication,2002, pp. 11-31.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: The Royal palace of Urkesh, Report of the 12th Season at Tell Mozan/Urkesh, MDOG, vol.132, 2000,pp. 133-183.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Towards a functional and historical Definition of the Royal Palace AP at Urkesh, MDOG, vol. 133, 2000, pp.59-78.
Buccellati, G., Buccellati, M-K.: Urkesh and the Question of the Hurrian Homeland, Bulletin of Geprgian National Academy of Sciences, vol. 175/2, 2007, pp.141-150.
Buccellati, G., :The Monumental Urban Complex at Urkesh, in: Studies on the
Civilization and Culture of Nuzi and Hurrians, vol. 15, 2005,pp.3-28
xc

اترك تعليقاً