السريان واللغة السريانية لدكتور أسعد أسعد

السريان واللغة السريانية
لدكتور أسعد صوما أسعد
باحث متخصص في تاريخ السريان ولغتهم وحضارتهم

اقتبسنا هذه الكتابة من مقدمة كتاب “تفسير مار أفرام لسفر التكوين” من تأليف الدكتور أسعد صوما أسعد/السويد

ينحدر السريان من الآراميين الذين كانوا يشكلون في القرون الاولى قبل وبعد الميلاد الغالبية العظمى لسكان منطقة بلاد الشام، حيث وحدوها بوجودهم البشري وبلغتهم الارامية وبعوامل حضارتهم. ولما ظهرت تسمية سريان على الآراميين عمت هذه التسمية الجديدة سائر المنطقة الآرامية تدريجياً.

ونفهم من خلال الترجمة اليونانية السبعينية للعهد القديم والتي أنجزت في القرن الثالث قبل الميلاد، كيف ان الاسم السرياني اصبح بديلاً ومرادفاً للاسم الآرامي، حيث ان التراجمة قاموا بترجمة تسمية “آرامي” من النص العبري للعهد القديم الى لفظة “سرياني” في النص اليوناني.

وقد استعمل الكتّاب السريان في مختلف العصور التسميتين السريانية والآرامية بشكل متلاحم ومترادف، وكتبوا بانهم “سريان آراميون” وان لغتهم هي “السريانية الآرامية”.

وهذا واضح لكل من يطالع الكتب والنصوص السريانية القديمة، فعلى سبيل المثال وليس الحصر نستشهد باحد أكبر العلماء والمؤرخين السريان يعقوب الرهاوي (المتوفي عام 708 ميلادي) أثناء شرحه لإسم الله بقوله:

ܗܘ ܗܟܘܬ ܐܦ ܚܢܢ ܐܪ̈ܐܡܝܐ ܐܘܟܝܬ ܣܘܪ̈ܝܝܐ “وهكذا نحن الآراميين أي السريان” (انظر شرحه للاسم الالهي المنشور في Patrologia Orientalis مجلد 29، صفحة 196)، وكذلك في تعليقه على موضوع اتجاهات الرياح الاربعة اذ يقول الرهاوي ܠܪܘܚܐ ܕܝܢ … ܗܟܢܐ ܕܡܝܐ ܕܐܫܬܡܗܬ ܬܝܡܢܐ. ܘܐܦ ܠܘܬܗܘܢ ܕܥܒܪ̈ܝܐ ܘܐܦ ܠܘܬܢ ܐܪ̈ܐܡܝܐ … ܗܝ ܕܝܢ ܕܓܪܒܝܐ ܠܐ ܝܕܝܥܐ ܠܢ ܕܡܛܠ ܡܢܐ ܗܟܢܐ ܐܬܩܪܝܬ ܡܢ ܥܬܝܩ̈ܐ ܒܢ̈ܝ ܐܪܐܡ “وهكذا يبدو ان هذه الرياح سُميت “تيمنا” (الجنوبية) عند العبرانيين وعندنا نحن الآراميين …

اما الرياح التي سميت “غربيا” (الشمالية) فلا ندري لماذا سماها قدماء الآراميين كذلك”. (انظر كتاب يعقوب الرهاوي الايام الستة “هكساميرون” طبعة جان باتيست شابو، صفحة 83. انظر ايضاً ترجمته العربية للمطران صليبا شمعون، طبعة حلب 1990، صفحة 59).

لقد انقسم السريان مع مرور الزمن الى كتلتين بشريتين في منطقتين جغرافيتين فتسموا بالسريان المشارقة والسريان المغاربة.

وتشبه الحدود السورية العراقية اليوم، الى حد ما، الحدود التي كانت تفصل بين السريان المشارقة (في العراق وايران) والسرين المغاربة (في سوريا وتركيا ولبنان اليوم). لقد صادف انقسام السريان في بداية القرن الخامس الميلادي وكانت القسمة على محاور عدة:

سياسية ولاهوتية وكنسية ولغوية ومناطقية، فسياسياً كان السريان المشارقة يتبعون دولة الفرس والسريان المغاربة بيزنطة، ولاهوتياَ تبع السريان المشارقة الفكر النسطوري في تحليل لاهوت المسيح وناسوته ورفضهم لقب مريم “والدة الله”، ولغوياً استعمل السريان المشارقة في الكتابة والادب والطقوس الكنسية الفرع الشرقي من اللغة السريانية الفصحى التي تسمى لديهم ܠܫܢܐ ܥܬܝܩܐ “لشانا عتيقا” (أي اللغة القديمة) و ܠܫܢܐ ܣܦܪܢܝܐ “لشانا سفرانايا” (أي اللغة الادبية)، وتكلموا ولا زالوا يتكلمون لغاية اليوم اللغة “الآرامية الشرقية الشمالية الحديثة” North-Eastern Neo-Aramaic.

واستعمل السريان الغربربيون اللغة السريانية الفصحى بلهجتها الغربية حيث يسمونها ܣܘܪܝܝܐ ܟܬܒܝܐ (أي السريانية الكتابية، بمعنى السريانية الفصحى)، وتكلموا لهجات آرامية غربية تسمى اللغة “الآرامية الغربية الحديثة” Western Neo-Aramaic و “الآرامية المتوسطة الحديثة” Central Neo- Aramaic . وكنسياَ تأسس من السريان المشارقة الكنيسة السريانية الشرقية[1] تحت سلطة اسقف المدائن والذي سمي بعدها جاثليق/ بطريرك، بيما كان السريان المغاربة تحت سلطة اسقف/بطريرك انطاكيا قبل انقسامها، ومناطقياً تمركز السريان المشارقة حول “المدائن” عاصمة الفرس على نهر دجلة ضمن حدود الدولة الفارسية، وأما السريان المغاربة فتمركزوا حول عاصمتهم الروحية “انطاكيا” ضمن حدود الامبراطورية البيزنطية.

وبالرغم من ان السريان المغاربة انقسموا بعد عام 451 لاهوتياً وكنسياً الى فرقتين وفي القرن السابع الى ثلاث فرق فقد كانت غالبيتهم من رعايا الدولة البيزنطية. وبعد سيطرة العرب المسلمين على منطقة الشرق الاوسط تحول معظم السريان الى رعايا في الدولة العربية المسلمة الفتية، وزالت الحدود السياسية القديمة من بينهم. الا ان القسمة الكنسية واللاهوتية واللغوية استمرت بين السريان وما زالت ليومنا هذا. ورغم ان غالبية السريان الآراميين قد فقدوا لغتهم الآرامية الأم من التخاطب اليومي الا انه ما زال العديد يتكلمها وخاصة في العراق وسوريا.

أما اللغة السريانية فهي ذلك الفرع من اللغة الآرامية التي كانت محكية في الرها ونضيبين والمناطق المجاورة لها في بيث نهرين.

اذا ان الارامية تطورت هناك لغة وكتابة بشكل مستقل عن الفروع الآرامية الاخرى لتصبح ما يعرف اليوم باللغة السريانية الفصحى، والتي تميزت بخصائصها المعروفة كاستعمالها حرف النون في بداية الفعل المستقبل بدلا من حرف ” الياء” الموجود في معظم الفروع الآرامية الاخرى. وقد نالت السريانية مكانة رفيعة وتطورت وانتشرت بسرعة لظروف سياسية وتجارية ودينية خاصة بدولة الرها السريانية ودورها في سياسة المنطقة منذ القرن الثاني قبل الميلاد لغاية القرن الثالث الميلادي، وكذلك لتحوّل السريانية الى لغة رسمية للكنيسة المسيحية المحلية ولا زالت، ولكون التجار السريان حملوها معهم في رحلاتهم فاوصلوها الى الهند والصين واسيا الوسطى، ولا زالت مستعملة في جنوبي الهند لغاية اليوم.

ويبدو ان اللغة السريانية الفصحى ظلت مستعملة كلغة محكية حتى نهاية القرن الثالث عشر، اما بعض الفروع الآرامية الاخرى فلا زالت محكية في عدة مناطق مختلفة من الشرق الاوسط. ولا زالت السريانية تستعمل حتى الان في الكنائس السريانية وفي الكتابات الادبية وغيرها من المجالات كالتعليم.

وبامكاننا تقسيم اللغة السريانية الفصحى الى ثلاث مراحل على الاقل:

أولأ: مرحلة اللغة السريانية الكلاسيكية: ونتتهى في القرن السادس الميلادي، وتقع كتابات مار افرام في هذه المرحلة.

ثانياً: مرحلة اللغة السريانية المتوسطة:

وفيها تكرس انقسام السريانية على مستوى المورفولوجيا الى شرقية وغربية، وانقسم الخط السرياني ايضاً الى شرقي و غربي وكذلك حركات التشكيل، واصبحت نصيبين موطناً للفرع السرياني الشرقي والرها موطناً للفرع السرياني الغربي.

الا ان القسمة ازدادت بشكل تدريجي الى حد كبير فابتعدت السريانية الغربية عن الشرقية في طريقة اللفظ، اذ تخلت الغربية عن لفظ الشدة (التشديد على لفظ الحرف) واختلطت فيها الحركات الطويلة والقصيرة، وتساهلت تدريجياً في قراءة الحروف اللينة (المركخة).

وكانت النتيجة ان ابتعدت السريانية الغربية كثيراً عن السريانية الشرقية والسريانية الكلاسيكية.

ثالثاً: واخيراً: مرحلة اللغة السريانية الحديثة:[2]وتبدأ منذ القرن التاسع عشر أو ربما قبله بقرنين. اذ بالاضافة الى التطور الذي حصل في المرحلة الثانية، طرأت في هذه المرحلة الثالثة تغييرات على تركيب الجملة السريانية وموقع الفعل والفاعل فيها، وتطور استعمال الالفاظ بهدف تحديثها فابتعدت احياناً عن المعاني الدقيقة والصحصيحة التي تتضمنها في جسم مفرداتها ومصطلحاتها Terminology في مرحلتها الكلاسيكية، وهذا واضع في اي كتاب سرياني يظهر اليوم.

وقد تأثرت السريانية في هذه المرحلة بالآرامية المحكية وغيرها وخاصة في استعمال حروف الجر والظروف.

[1]

منذ القرن السادس عشر ولاحقاً التحق معظم ابناء هذه الكنيسة وبشكل متوتر بالكنيسة الكاثوليكية فتأسست منهم الكنيسة الكلدانية. أما بقية السريان من ابناء الكنيسة السريانية الشرقية فتسموا منذ نهاية القرن التاسع عشر باسم “الآشوريين”. لا زال السريان المشارقة من الفريقين الكلداني والاشوري يسمون انفسهم “سورايه” اي “سريان” عندما يتحدثون بلغتهم الآرامية، لكنهم عندما يتحدثون لغات اخرى فيسمون انفسهم “كلداناًَ” و “آشوريين”.

[2]

لا نقصد هنا بعبارة “اللغة السريانية الحديثة” اللغات التي يتكلمها السريان اليوم في سوريا و لبنان و تركيا و العرق و غيرها من البلدان، لان هذه اللغات المحكية اليوم تسُمى في العالم الاكاديمي ” آرامية حديثة” وليست سريانية حديثة حتى وان كان اصحابها يسمونها سورث/ سوريايا/ سوريويو.

 

 

اترك تعليقاً