الأحزاب المسيحية اللبنانية و ” الهوية اللبنانية “!

الأحزاب المسيحية اللبنانية و ” الهوية اللبنانية “!
هنري بدروس كيفا
وصلت الى باريس في الأول من تشرين الثاني سنة ١٩٨٢ و كانت المرة
الأولى التي أتعرف فيها على عاصمة عالمية كبيرة … إنني لا زلت أتذكر
بأنني إنبهرت بأشياء عديدة إكتشفتها و لكنني لا زلت أتذكر هذه “الدعاية”
و بكل صراحة ظننتها للوهلة الأولى- بسبب الأسد – دعاية للسيرك !
أولا- ماذا تعني هذه الدعاية ؟
١ – “بدون خياطة ” ؟؟؟بالخط الأصفر العريض…
٢- الأسد قد أمسك بأنيابه الحادة يد الرجل أو قطعة جلدية غير واضحة؟
٣-علينا أن نقرأ POTRE MONNAIE كي نفهم أن الأسد قد عض
المحفظة الجلدية المتينة و لكنه الأسد لم يستطع أن يمزقها لأنها لا تزال
بيد الرجل!!!
٤- أخيرا إنها من صنع Le Tanneur : أي إشتروا محفظتكم الجلدية
من هذه الماركة لأنها مصنوعة من جلد حقيقي حتى الأسد لا يستطيع
أن يمزقها بأنيابه !
٥- إنها تباع في كل مكان .
دعاية ناجحة لا تسيئ الى المشاهد بعكس الدعايات التي نراها اليوم .
طبعا هذه الدعاية هي لبيع محفظات جلدية و ليس دعاية لدخول السيرك !

ثانيا – ما هي ” المفاهيم التاريخية الشعبية ” ؟

١- لقد ظل الناس في التاريخ القديم يؤمنون بأن الأرض هي مسطحة
و أن الشمس تدور حول الأرض . مع إنتشار الديانة المسيحية لقد ترسخت
هذه الفكرة الخاطئة في عقول العلماء و المؤمنيين . لقد حارب البابوات
كل من يدعي أن الأرض هي التي تدور حول الشمس بحجة أن أسفار
التوراة تتحدث عن معركة بين اليهود و خصومهم حيث يطلب يشوع
بن نون من الشمس أن تتوقف عن الدوران !
* هذه المثل ليس لنقد المسيحي المؤمن و لكن لمعرفة موقف بابوات
روما من العلوم : بالنسبة لهم يجب أن نقول أن الشمس تدور حول الأرض! 
* هذا مفهوم تاريخي خاطئ لأنه منذ ملايين السنين الشمس لا تتحرك
و إن الأرض هي التي تدور حول الشمس (خلال ٣٦٥ و ٦ ساعات )
و تدور حول نفسها ( الليل و النهار ).
٢ – هل كانت جبال لبنان مسكونة في التاريخ القديم؟
*قبل الإجابة على هذا السؤال المهم أحب أن أذكر القارئ أن الجبال بشكل
عام لم تكن مسكونة في لبنان و لا في العالم القديم .
* إن لفظة ” جبل ” في التاريخ القديم كانت تطلق على المرتفعات العالية 
و طبعا على الجبال العالية . لم يكن الإنسان يستطيع أن يعيش في المناطق
الجبلية العالية ( إرتفاع ٨٠٠ متر أو أكثر ) خاصة بسبب البرد و عدم
وجود الطرق …
* جبال لبنان كانت تمدت من سوريا الشمالية قرب إنطاكيا حتى شمال
فلسطين و كانت مليئة بالغابات و عدم وجود الطرق كما هو اليوم .
الكتابات الأكادية العديدة تتكلم عن غابات جبل لبنان و كيف كان خشب
الأرز يستخدم لبناء القصور و المعابد .
*وجود بعض الأثارات في الجبال المرتفعة لا يعني أبدا أن جبال لبنان
كانت مسكونة ! و يا للأسف عدد كبير من الأخوة – لا يزال يردد –
هذا المفهوم الشعبي بأن السريان الموارنة قد نشروا عقيدتهم بين
” السكان” الذين كانوا متواجدين في جبال لبنان ! 
٣ – المفاهيم التاريخية الشعبية هي ” آراء” يرددها الناس حول مواضيع
تاريخية و مع الزمن لم نعد نعرف من قدم هذا الرأي و ما هي البراهين
أو الحجج التي دفعته الى تقديم هذا الرأي .
سوف أقدم لكم هذا المثال : في مدينة باريس هنالك عدة شركات سياحية
تنقل السواح على سفنها خلال ساعة تقريبا مع شرح حول تاريخ الجسور
و المباني المهمة . BATEAUX MOUCHES هو إسم أشهر شركة
سياحية و هي تستخدم سفن ضخمة تتسع لحوالي ١٢٠٠ سائح!
إذا سألت أحد سكان باريس : هل تعلم لماذا إسم هذه الشركة المشهورة هو
BATEAUX MOUCHES ؟ في أغلب الأحيان سيجيبك ” لأن
هذ السفن الضخمة تحمل عدد كبيرا من الركاب و هم مثل الذباب “!
هذا الجواب هو ” مفهوم شعبي ” ليس له أي علاقة مع تاريخ هذه
الشركة السياحية ! 
الجواب العلمي الصحيح هو أن فكرة نقل السياح في نهر السين قد
جاءت من مدينة ليون حيث كان يوجد عدة مصانع في القرن التاسع
عشر لبناء السفن السياحية التي تنقل الركاب على الأنهار .
مصنع MOUCHES قرب مدينة ليون هو الذي بنى أول السفن السياحية
لمدينة باريس و من هنا جاءت التسمية BATEAUX MOUCHES
أي السفن التي بنتها شركة MOUCHES !

ثالثا – الأحزاب المسيحية اللبنانية و ” الهوية اللبنانية “!
لقد إنتشرت عدة مفاهيم شعبية خاطئة حول تاريخ لبنان و حول الهوية
اللبنانية و خاصة حول هوية مسيحيي لبنان .
١ – الكتابات الأكادية من أسطورة غلغامش و غيرها تذكر ” جبال لبنان”
و ليس ” شعب لبناني ” . صحيح أن سواحل لبنان قد إستوطنها الكنعانيون
و لكن الصحيح أيضا هو أن الآراميين قد إستوطنوا لبنان الداخلي البقاع
و لبنان الشمالي . و لكن كتب التاريخ في المنهاج المدرسي تتجاهل هذه
الحقيقية . 
٢-” لبنان الحديث ” هو صناعة فرنسية بإمتياز و هنالك فرق كبير
بين تعبير ” لبنان الحديث ” و ” جبال لبنان “! 
* جبال لبنان موجودة منذ الأزل و قد وصلنا هذا الإسم في الكتابات
السومرية و الأكادية منذ أكثر من ٤٥٠٠ سنة !
*” لبنان الحديث ” أو ” دولة لبنان الكبير ” فهو بعد دخول الفرنسيين
مع الإنتداب أو الإستعمار المبطن .
٣ – المسلمون في لبنان رفضوا دولة لبنان الكبير و المسلمون اليوم
يعتبرون أنفسهم ” مواطنيين لبنانيين من جذور عربية ” أو أنهم ” عرب
أقحاح ” …
٤-الأحزاب المسيحية اللبنانية و بحجة إنها قدمت مئات الشهداء من
أجل ” حرية لبنان ” لا تزال تدعي بوجود ” هوية لبنانية تاريخية “
أو بمعنى أخر المسلم في لبنان هو عربي أما المسيحي فهو يتحدر من
” شعب لبناني ” ؟ 
٥- بعض المفكرين لا زالون يتوهمون أن ” المفاهيم الشعبية ” هي
أهم و أقوى من الحقائق التاريخية و يتسرعون بإتهام كل من يرفض
” الهوية التاريخية اللبنانية ” بأنه مؤيد للفكر القومي السوري أو بأنه
عروبي !
٦- لا زلنا نرى بعض رجال الدين المسيحيين يتلاعبون بالحقائق التاريخية كي تتلائم مع ” المفاهيم الشعبية ” !
* أحدهم يؤكد بأن المسيحيين في سوريا و العراق أي السريان الآراميون هم ” ذميون ” لأنهم خضعوا للإحتلال العربي بينما المسيحيون في جبال
لبنان أي السريان الموارنة فهم ” مقاومون أبطال ” لأنهم صمدوا في
الجبال في أيام المردة ( بعضهم يؤكد إنها دولة واسعة دامت ٦٠٠ سنة)!
* أحدهم إدعى إن مار مارون قد يكون عموريا و إن تكلم باللغة السريانية و بالتالي أن أسماء القرى و الينابيع و المناطق التي هي باللغة
السريانية لا تعتبر براهين على تحدر الموارنة من السريان الآراميين !
*هنالك مفهوم شعبي خاطئ يردد أغلب رجال الدين الموارنة هو بأن
البطريرك يوحنا مارون عندما هرب الى جبال لبنان فإنه نشر العقيدة
المارونية بين السكان المحليين و قدامى الكنعانيين .

الخاتمة المحزنة
١-“الدعاية ” قد تكون ناجحة و لكن ” المفاهيم التاريخية الشعبية ” أغلبيتها هي خاطئة!
٢- نحن نعشق لبنان الذي غنت له فيروز و لكن مثلما المسلم يعتبر نفسه
مواطنا مخلصا للبنان و هو من جذور عربية نتمنى من رجال الدين في
لبنان و الأحزاب اللبنانية المسيحية أن تكون شجاعة و تصحح كل المفاهيم
الشعبية التي منعتهم من الإعتراف بهويتهم السريانية الآرامية !
٣- ما الفائدة من تعليم اللغة السريانية بالتقطير و التقصير في معرفة
الهوية التاريخية لمسيحيي لبنان ؟ كل من يدعي بأنه يناضل من أجل
” لبنان ” عليه أولا أن يؤمن بتاريخه العلمي و ليس الشعبي و المسيس!
٤- كل من له إلمام بسيط في تاريخ شرقنا القديم يعرف أن الآراميين قد
صهروا بقايا الكنعانيين في مناطق عديدة قبل مجيئ المسيح . و إن الرهبان السريان من سوريا و بيت نهرين قد توافدوا الى جبال لبنان
للعيش في جباله كنساك . هؤلاء الرهبان السريان هم الذين بنوا المناسك
و الضيع الصغيرة و هم الذين إنضموا الى الكنيسة المارونية! 
٥- الموارنة كانوا من السريان الآراميين قبل هربهم الى جبال لبنان
و بعد إنتشارهم فيها ظلوا أوفياء لهوية آبائهم و أخوتهم ! لا يوجد
أي نص سرياني يتحدث عن شعب لبناني أو بقايا كنعانية كانت في
جبال لبنان !