الآراميون في التاريخ-الخاتمة

الآراميون في التاريخ
الخاتمة
الأب المؤرخ ألبير أبونا

في هذا الكتاب، استعرضتُ أهمّ المعلومات التي وصلتنا عن الآراميين، فألقيتُ نظرة على نشأتهم وانتشأرهم في مختلف المناطق من الشرقين الأدنى والأوسط، وتكوينهم إمارات أو دويلات عديدة لم تُفلح في توحيد صفوفها لتشكّل دولة كبيرة أو إمبراطورية قوية. وقد يُعزى ذلك الى انتشار هذه الدول في مناطق واسعة متداخلة مع تنظيمات أخرى.

مهما يكن من أمر، فقد امتدت هذه الدويلات من شرقي بلاد الأناضول (تركيا) حتى جنوبي بلاد النهرين، الى بلاد البحر أي الخليج، وشكلت طوقًا مزعجًا حول الإمبراطورية الآشورية. وخاض الآراميون حروبًا عديدة، وتحالفوا مع دول أخرى في المنطقة، في سبيل الذود عن كيانهم وعن حكمهم الذاتي الذي كانوا يتشبثون به ويسعون إلى الاحتفاظ به، حتى بأثمان باهظة أحيانًا.

ليس الكتاب، والحق يُقال، سوى موجز لتاريخ هؤلاء الأقوام الذين قاموا بدور لا يستهان به في مختلف صعد الحياة المدنية والعسكرية والثقافية والمهنية. وكان لهم باع طويل في نشر الثقافة بين مختلف الشعوب المجاورة، بفضل لغتهم الجميلة والسهلة، التي اقتبسوها من الفينيقيين، ولكنهم طوّروها بسرعة خلال الأجيال، حتى أصبحت من أهم اللغات المتداولة على الصعيد الدولي، فصارت لغة المداولات الدبلوماسية والمعاملات التجارية، وحتى المراسلات الاعتيادية، ريثما تصبح اللغة الأساسية لدى الشعوب التي تبنت الديانة المسيحية.

وكان للآراميين أيضًا دور كبير في السياسة الدولية وفي تغيير بعض البنى والنظم في المنطقة. وكثيرًا ما تحالفوا مع دول أخرى لدرء خطر الدولالتي كانت تهدّد كيانهم وحريتهم. وما أكثر المعارك التي خاضوها في سبيل إثبات وجودهم واستمراريتهم في المناطق التي كانوا يحتلونها.

وقد أشارت التواريخ أيضًا الى دور الآراميين في الأحداث الكبيرة التي جرت في ما بين النهرين. فإنهم انضموا إلى البابليين وقاموا بالاستيلاء على مدينة نينوى عامة الآشوريين الكبرى ودمروها سنة ٦١٢ ق.م. وقضوا على الحكم الآشوري في البلاد قضاءً مبرمًا. وفي وقت لاحق، تحالفوا مع الفرس الأخمينيين وقضوا على الحكم البابلي سنة ٥٣٩ ق.م.

هكذا انهارت الإمبراطوريات العظمى في الشرق الأوسط، وزالت على الدول المجاورة، وتشتت سكانها شذر مذر في مختلف أرجاء بين النهرين، في حين أن الدويلات الآرامية واصلت كفاحها طويلاً في سبيل البقاء. وإذا زالت تنظيماتها السياسية شيئًا فشيئًا، واندمجت حدودها بالدول الجديدة التي ظهرت في البلاد، أو تلك التي فرضت هيمنتها عليها عن طريق الاحتلال، فقد ظل التأثير الآرامي ظاهرًا من خلال اللغة الآرامية التي امتدت فروعها المتعددة الى دول كثيرة، فظهرت منها العبرية والعربية والنبطية والمندائية، وغيرها من اللغات التي ما تزال مستعملة حتى الآن.

ونحن مدينون لهؤلاء الآراميين بهذه اللغة التي تداولتها الأجيال السابقة للميلاد، ثم تبنتها الأجيال المسيحية، فأصبحت لها لغة التداول اليومي بمختلف تشكيلاتها، حسب البلدان والأقوام التي تداولتها، والأهم من ذلك أنها

أصبحت الوسيلة الممتازة للتعبير عن معتقداتنا وطقوسنا وآدابنا طوال قرون عديدة. إنها اللغة التي بها عبر آباؤنا وملافنتنا العظام عن أفكارهم، فنقلوها إلينا عبر الأجيال، وما زلنا حتى الآن نتغنى بأشعارهم ونتغذى بأفكارهم الروحية العميقة ونلتذ بتعابيرهم الرائعة التي وصلتنا بهذه اللغة الجميلة…

فشكرًا وألف شكر لآبائنا الآراميين على الهبة النفيسة التي قدموها لنا والتي يدعوننا ليس للاحتفاظ بها فحسب، بل لإنمائها وتطويرها لتساير متطلبات العصور الحديثة.

(الجزء السادس عشر والاخير)

 

_________________
صورة

هنري بدروس كيفا باريس – فرنسا

الاختصاصي في تاريخ الآراميين

اترك تعليقاً