هل كان العرب القدامى من سكان الشرق القديم ؟

هل كان العرب القدامى من سكان الشرق القديم ؟

هل كان العرب القدامى من سكان الشرق القديم ؟

هنري بدروس كيفا

لقد نشر الأستاذ Muthana Alhindawi هذا المنشور في صفحتي

السنة الماضية . سوف أنقله حرفيا لكم :

“نص مسماري من العراق للملك الآشوري آشوربانيبال (668-627ق.م) من الألف الاول قبل الميلاد (العصر الآشوري الحديث) ، يذكر فيه الملك استخدام العرب في بناء قصر (بيت ريدوتي) (قصر ولي العهد ومعناه بيت الخلافة أو الوراثة) في مدينة تاربيصو (حاليا شريف خان شرق نينوى شمال العراق) ، ان هذا النص واحد من نصوص قديمة ومنها المسمارية التي تذكر وجود العرب في العراق .

لدينا نصوص كثيرة تتحدث عن وجود العرب في العراق والشام منذ الالف الأول قبل الميلاد .

شَرّاني ميش ماتو آ – رِ – بي شاَ إِينا آ – دِ – ايا إِخ – طو – او شا إِينا قا بال

تَم – خا – ري بال – طو – اُس س ُ نو او صا بِ تو إِينا كاتا انا اِبي اِش

بِت رِ – دو – أُ – تِ شُ آ تُ إِصو آل لو توب شِ كُ اُ شا آش شِ شو نو تي

((ملوك العرب الذين اخلّوا بمعاهدتي امسكتهم في المعركة احياءً بيدي ، (و) جعلتهم يحملون معول السخرة لبناء بيت ريدوتي)).

أولا -” الشرق القديم ”

١- كثيرون يفكرون أن سوريا و العراق و فلسطين و شبه الجزيرة العربية و بلاد مصر و حتى شمالي إفريقيا كانت موحدة تاريخيا و جغرافيا . الإعلام العربي يردد يوميا ” الوطن العربي ” و ” الهلال

الخصيب ” و ” سوريا الكبرى ” ….

٢- إذا تعمقنا في التسميات التاريخية الجغرافية لمنطقة الشرق الأوسط

نلاحظ الأمور التالية :

* مصر و شمالي إفريقيا لم تكن ضمن الشرق القديم .

* شبه الجزيرة العربية هي أيضا لم تكن ضمن الشرب القديم لأن الصحراء كانت حاجزا طبيعيا منعت الشعوب القديمة من أكادية أو

أشورية أو آرامية أو فارسية من السيطرة عليها .

* العراق و سوريا كانت مقسمة الى عدة كيانات و ممالك و شعوب مستقلة : سرجون الأكادي في الألف الثالث ق٠م قد سيطر على مناطق

عديدة من الشرق و هذا لا يعني أنه ” وحد ” الشرق .

*” الشرق القديم ” هو مصطلح إستخدمه علماء الآثار في القرن التاسع

عشر بعد فك رموز الكتابة المسمارية الأكادية . و هم يقصدون بشكل

عام سوريا و العراق و إسرائيل و فلسطين و شرقي الأردن .

* قدامى اليونان هم الذين أطلقوا تسمية ” الشرق ” لشرقنا و عندما

إستولوا عليه مع الإسكندر و خاصة مع الإمبراطورية البيزنطية التي

ستسمي إداريا مناطقنا ب ” ولاية الشرق ” و كانت عاصمته إنطاكيا.

* ملاحظة مهمة جدا : كانت بادية سوريا ( شرقي لأردن و شمالي

السعودية اليوم المنطقة التي تفصل بين الشرق القديم و شبه الجزيرة

العربية : النصوص الأكادية التي تركها الأشوريون كانت تسميها

” بادية نباطيا ” أي بادية الأنباط و هم من القبائل الآرامية الشهيرة.

ثانيا – دراسة نقدية للنص الأكادي :

” ((ملوك العرب الذين اخلّوا بمعاهدتي امسكتهم في المعركة احياءً بيدي ، (و) جعلتهم يحملون معول السخرة لبناء بيت ريدوتي)).

النقد الداخلي للنصوص القديمة هو واجب كل باحث نزيه , و طبعا

لا يحق لأحد ” تحميل ” النص أو تفسيره على هوانا .

١ – هذا النص يستخدم ” ملوك العرب ” و هو يقصد ” شيوخ ” القبائل

العربية القديمة .

٢- لا يحق لنا الإدعاء بأن ” ملوك العرب ” يعني وجود ” ممالك عربية”

في سوريا و العراق .

٣- إن الآراميين كانوا يشكلون أكثرية السكان في الإمبراطوية الأشورية.

و كانت الملكة ناقيا زاكوتو قد أدخلت في الإمبراطورية لأشورية إستخدام

” القسم أو المعاهدة للملك” .

٤- إن أغلب النصوص الأكادية التي تتكلم عن ” العرب القدامى ” هي

في الفترة التي كان ملوك أشور مستولين فيها على بلاد أكاد .

٥- للأسف هذه النصوص لا تذكر لنا أين كان ” العرب القدامى ”

متواجدين ؟ و بكل تأكيد لا يحق لنا الإدعاء ” بوجود عربي مكثف

في سوريا و العراق و شرقي الأردن …

٦ – هذا النص يؤكد لنا أن ” ملوك العرب ” هنا كانوا محارببين مرتزقة

في الجيش الأشوري الذي كان يواجه مقاومة آرامية عنيفة في بلاد

أكاد. هذا النص يؤكد لنا أن الجيش الأشوري قد ألقى القبض على هؤلاء

العرب و إستخدمهم الملك في بناء قصره .

٧ – أقدم ذكر للعرب القدامى هو في نص أكادي حول معارك قرقر

سنة ٨٥٣ ق٠م حيث يعدد الملك الأشوري شلمنصر الثالث القوى و أسماء

الملوك المتحالفة لصده . لقد ورد ذكر ” جندب العربي ” مع ١٠٠٠ هجان

بينما جيوش الآراميين تفوق ٤٠ ألف مقاتل . و نحن نجهل من هو جندب

و من أين جاء ؟ بعض الباحثين يؤكد أنه نظرا لإستخدامه الجمال بأنه

قدم من شبه الجزيرة العربية !

ثالثا – أين هي المشكلة الحقيقية ؟

١ – لا شك أن وجود دولة إسرائيل قد دفعت الحكومات العربية الى

التشدد و للأسف لقد تحول الإعلام فيها الى ترديد طروحات تاريخية

خاطئة .

٢- الإسلام قد وحد القبائل العربية و إستطاع خلال ٧٥ سنة من الإستيلاء

على نصف العالم القديم من إفغانستان الى شمالي أفريقيا وصولا الى

إسبانيا !

٣ – العرب المسلمون قد إحتلوا سوريا و العراق و مصر في النصف

الأول من القرن السابع الميلادي . للأسف الإعلام العروبي يؤكد بأن

العرب قد حرروا سوريا و العراق ؟

٤ – لا أحد يقبل من الصهاينة المتشددين أن يدعوا بأن أرض إسرائيل

هي من الفرات إلى النيل لأنه طرح تاريخي خاطئ : إنني أتعجب لماذا

علينا أن نتقبل الطرح العروبي الذي يضخم من أهمية الغساسنة و المناذرة

كما لو أنهم كانوا يشكلون أكثرية السكان في سوريا و العراق ؟

٥ – الشعب السرياني الآرامي ظل يشكل أكثرية السكان في الشرق حتى

القرن الثالث عشر . الفرنج إحتلوا أوطاننا التاريخية و حملات المماليك

هي التي أدت الى تقلص عدد الآراميين نسبة الى العرب المسلمين

في شرقنا الحبيب .

٦- ” الوطن العربي ” ؟

* لقد حاول حزب الإتحاد و الترقي العثماني الشوفيني ممارسة سياسة

” تتريك ” الشعوب العربية و السريانية الآرامية و الأرمنية و هذا مما

أدى الى عميليات إبادة جماعية بحق الأرمن و السريان .

* الإعلام العروبي يردد ” الوطن العربي ” و الويل لكل آرامي أو

أمازيغي أو أرمني أو قبطي لا يقبل بهذه التسمية !

* الإنتماء الى وطن تاريخي يجب أن يكون صادقا و علميا و ليس

نظرة عاطفية بدون براهين علمية .

* إذا كان مواطنا مصريا يؤمن أن مصر هي وطن عربي اليوم فهو

لا يحق له أن يدعي أن مصر الفرعونية كانت عربية أو أن يفرض على

الأقباط سكان مصر الأصيلين أن مصر كانت عربية .

رابعا – الكتابات الأكادية و العرب القدامى .

١ – يجب ألا نضخم تعبير ” ملوك العرب ” و أن نؤكد وجود ممالك

عربية بدون أن نعرف جغرافيتها و أماكن تواجدها .

٢- لا شك كان يوجد قبائل عربية تتنقل بين شبه الجزيرة العربية و بين

بادية سوريا النبطية الآرامية , الإدعاء بأن الغساسنة كانوا ملوك سوريا

هو طرح عروبي مسيس .

٣- مصر كانت قبطية فرعونية و سوريا و شرقي الأردن كانت آرامية

بتاريخها و سكانها و لغتها و حضارتها . الكتابات الآرامية المكتشفة

في سفيرا قرب حلب ( موجودة في متحف دمشق) من أواسط القرن الثامن

ق٠م تثبت لنا :

* إن الآراميين كانوا يستخدمون تسمية ” آرام العليا ” و ” آرام السفلى”

و خاصة تسمية ” كل آرام ” بمعنى ” جميع الآراميين أو المناطق الآرامية “!

* هنالك نصوص يونانية عديدة نرى فيها ” سوريا العليا ” و ” سوريا

السفلى” و أيضا تسمية ” سوريا كولن “!

* لم يعرف العلماء معنى سوريا كولن لأن لفظة كولن هي غير موجودة

في اللغة اليونانية !

* سوريا كولن هي ترجمة حرفية ل ” كل آرام ” . إسم سوريا هو آرامي

مثل سكانها الأصيلين !

٤ – من هم سكان العراق في الألف الأول ق٠م ؟

* بين الألف الرابع و الأول ق٠م هنالك عدد كبير من الشعوب الشرقية

و الهندو أوروبية قد إستوطنت في مناطق عديدة من العراق القديم و لكن

تلك الشعوب قد سادت ثم بادت و لم تعد تذكر في المصادر القديمة و منها

الشعب السومري و الأكادي و الغوتي و العموري و الكاشي الميتني !

* هذه الشعوب و إن كنا نجهل أمور عديدة حولها مثلا من أين قدمت

الى العراق و لكننا نعرف أماكن تواجدها و أسماء ملوكها و الآثارات

التي تركتها : ملاحظة مهمة لا أحد من علماء الشرق القديم يعتبر

” العرب القدامى ” من سكان العراق القديمين ….

* بعد إحتلال الفرس لبلاد أكاد و قضائهم سنة ٥٣٨ ق٠م على المملكة

الكلدانية الآرامية , نلاحظ إنهم أطلقوا تسمية مدينة بابل على كل بلاد

أكاد و أصبح اسمها ” مرزبانة بابل ” ! قدامى اليونان سيستخدمون

تعابير ” الشعب البابلي ” و ” اللغة البابلية ” و ” الحضارة البابلية “؟

و للأسف لنا فإن العلماء في القرن التاسع عشر – هم دورهم –

سيأخذون التسمية البابلية من قدامى اليونانيين و سيتخدمون التسمية

البابلية كما لو أنها تشير الى شعب بابلي قديم !

* التسمية البابلية في الكتابات الأكادية القديمة تشير الى سكان مدينة

بابل و ليس الى سكان بلاد كاد و بمعنى آخر لا يوجد شعب بابلي

حقيقي و سكان مدينة بابل كانوا إتنيا أكاديين و ليس ” بابليين ” !

* القبائل الآرامية كانت منتشرة بكثافة في بلاد أكاد و منذ الألف

الأول ق٠م كانت أكثرية سكان بلاد أكاد من الآراميين .

* أخيرا – الى الأخوة المهتمين – هذه دراسة علمية للبحث COLE

عنوانها أرشيف نيبور و هي مجموعة من الرسائل المتبادلة بين

القبائل الآرامية و الكلدانية من أوسط القرن الثامن ق٠م

Nippur IV, The Early Neo-Babylonian Governor’s Archive From Nippur

( الرابط )

هذه الرسائل تؤكد لنا أهمية التواجد الآرامي المكثف في بلاد أكاد.

“مات آريمي ” في اللغة لأكادية ستتحول الى ” بيت آرامايا ” في

اللغة السريانية و هي تعني ” بلاد الآراميين ” .

السريان المشارقة النساطرة سيحافظون على تسمية بلادهم بيت آرامايا

مئات السنين و لم يستخدموا التسمية الفارسية بلاد بابل و كانوا يعرفون

أن التسمية البابلية في المصادر اليونانية تعني السريان الآرميين !