هل الآشوريون، من الشعوب السامية حقاً..؟

هل الآشوريون، من الشعوب السامية حقاً..؟

خالص مسور

الآشورين شعب جبلي مقدام سكن المنطقة الواقعة بين نهري الزاب الأعلى والأدنى في مناطق كردستان العراق الحالية، منذ حوالي خمسة الآف عام تقريبا، أي في حوالي العام 3000 ق.م. في منطقة تحيط بها جبال زاغروس من الشمال، أما في الجنوب والغرب فهي منطقة مفتوحة وأراض سهلية لاتعوقها عوائق طبيعية(1) . ومع هجرة الاكاديين هاجرالاشوريون أيضاً، وحلوا في المنطقة الواقعة إلى الشمال الشرقي منهم- أي من الأكلديين- وقد كان الآشورين آنذاك يعيشون تحت ظلال دول المدن السومرية والأكادية، ثم لم يلبث أن قويت شوكتهم وشكلوا دولة خاصة بهم كما سنرى لاحقاً. وكان موطن سكنى الآشوريين مكاناً رحباً لامتزاج الشعوب السامية القادمة من الصحاري العربية في الجنوب، مع الشعوب الهندوأوربية القادمة من سهول الدانوب وروسيا الجنوبية في الشمال. ولهذا كانت الحروب والفتوحات تتوالى على المنطقة بكثافة، والشعوب المغلوبة فيها تقتدي بالغالب وتغير لغاتها أو تقتبس الكثير والكثير من مفردات لغات الغزاة والفاتحين الجد من الشعوب الوافدة، من سومريين، وآموريين، وحوريين، وميتانيين، وحثيين…الخ. ولهذا لانستغرب أن يكون الآشوريون قد اختلطوا مع هذه الشعوب وقد غير الكثيرون منهم لغاتهم إلى اللغة الآشورية الحالية والتي هي على مايعتقد فرع من الآرامية الشرقية.

وبدأ الآشوريون يحاولون تأسيس مملكتهم الخاصة بهم بعد فترة قصيرة من سقوط سلالة أور الثالثة السومرية، أي منذ عام 2015ق.م، وتمكنوا بالفعل من إقامة دولتهم القوية في التاريخ عام 1900 قبل الميلاد،وسميت عاصمتهم آشور التي حملت اسم إلههم الأكبر (آشور)، ويعتبر الملك (بوزورآشورالأول) مؤسس السلالة الآشورية التي حكمت الدولة القديمة فترة طويلة من الزمن.

وهذا قد رأينا أن المنطقة التي سكنها الآشوريون تميزت بطابع جبلي في معظمه، وكانت مقراً وممراً لفسيفساء من الشعوب وثغراً بين الجبهة الفاصلة بين الشعوب السامية والهندو- أوربية، وقد خضعت لحكم الساميين من أكاديين وبابليين أحياناً ولحكم الهندو- اوربيين من حوريين وميتانيين أحايين أخرى، ولهذا كانت فروع الشعوب السامية والهندو – اوربية تختلط هنا أي في المنطقة الآشورية بكثرة، ويجري استبدال اللغات والتزاوج ونشوء تركيب جنسي معقد جداً. ولهذا يمكن التأكيد على أن القبائل الآشورية قد اختلطت مع الساميين والسوباريين الهندوأوربين وغيرهم من القبائل الآسيوية والآرية التي تواردت جميعها إلى المنطقة منذ عصور سحيقة في القدم، فتشكل نتيجة هذا الإختلاط ماعرف بالشعب الآشوري. ولكن وبعد قيام الدولة الآشورية اتخذت هذه الدولة اللغة الأكادية وبعدها الآرامية – التي كانت لغة عالمية آنذاك- لغة رسمية للدولة إسوة بباقي شعوب المنطقة، حيث تمكنت الآرامية من إزاحة الأكادية والإحلال محلها في بدايات القرن الخامس قبل الميلاد، والسبب في ذلك هو السهولة التي تتميزبها الحروف والأبجدية الآرامية، فأصبحت بذلك الآرامية لغة العلم والحضارة والمبادلات التجارية في منطقة واسعة من العالم، وذلك لتسهيل التجارة والامورالكتابية وما شابه، إلى أن تقلصت هذه اللغة بعد إحتلال الرومان للأنباط وتدمر عام 273م ثقافة السريان- تأليف نينا بيغوليفسكايا- ترجمة الدكتور خلف الجراد.  ثم تطورت اللغة الآشورية المتفرعة عن الآرامية وأصبحت مع الزمن اللغة الرسمية للدولة، وقد استوعبت اللغة الآشورية كلمات من مختلف اللغات الأخرى، وخاصة السوبارتية والسومرية والأكادية وغيرها(2). لأن آشور كانت واقعة تحت تأثيرات الميتانيين والحوريين في الشمال، والسومريين والبابليين في الجنوب، فلم يفلحوا في الإستقلال الحضاري عن هؤلاء الذين سكنوا يجوارالآشوريون ولم يكن كلهم – كما نرى- من الأصل السامي.

كان السومريون يعيشون في الألف الثالث قبل الميلاد بجوار الآشوريين، حيث كانت هناك بلدة سومرية قرب المنطقة التي سكنها أجداد الآشوريين مثلاً، فكان عن طريقها يتم التبادل التجاري والحضاري بين الشعبين.

وعن سكان آشور يقول وول ديورانت في كتابه قصة الحضارة المجلد الأول – ص- 469 مايلي: (كان ثلاثمائة ألف من الأهلين يسكنون في نينوى أيام مجدها في عهد آشور بانيبال، وكان الأهلون خليطاً من الساميين الذين وفدوا إليها من بلاد الجنوب المتحضر أمثال(بابل، وأكاد)، ومن قبائل غير سامية جاءت من الغرب ولعلهم من الحثيين أو من قبائل تمت بصلة إلى قبائل ميتاني، ومن الكرد سكان الجبال الآتين من القفقاس، وأخذ هؤلاء كلهم لغتهم المشتركة وفنونهم من سومر، ولكنهم صاغوها فيما بعد صياغة جديدة، جعلها لاتكاد تفترق في شيء عن لغة أرض بابل وفنونها)(3). أي وحسب ديورنت نرى أن الآ شوريين هم خليط من الشعوب وليسوا شعباً واحدا على الإطلاق، وفيهم من كل الأجناس الذين سكنوا قديماً بلاد مابين النهرين تقريباً. ويلاحظ أيضاً أن ديورانت ذكر الكرد بالإسم من بين هذه الشعوب التي يتأف منها الآشوريون، أي أن جزء من الآشوريين كانوا كرداً. ويقول عالم الآثار والتاريخ الشهير(جيمس برستد) – وهو حجة في علم الآثار والتاريخ-عن أصل ولغة الآشوريين في كتابه(إنتصار الحضارة) مايلي: الآشورين ( لانعرف من أين جاؤوا ولا نعرف إن كانوا من الجنس السامي أو من جنس غيره، ولكننا نعرف أنهم كانوا يتكلمون فيما بينهم لغة سامية قريبة من اللغة التي كان يتكلمها أهل أكاد)(4)..

ونلاحظ على قول بريستد شيئين:

1- أن أصل الآشوريين غير معروف تماماً، ولهذا لايستطيع أحد الجزم بالأصل السامي لهم.

2- ثم يقول: كانوا يتكلمون فيما بينهم لغة سامية، لاحظوا قوله /كانوا يتكلمون فيما بينهم/ أي أنه لم يجزم بأن ما كانوا يتكلمون به هو اللغة الأصل والأساس لهم.

ولهذا فالشيء الذي نؤكده هنا هو، أن اللغة الآشورية ليست لغة سامية صافية بل هي خليط من السامية والهندو- أوربية، تشوبها الكثير من مفردات الأكادية السامية، والكاشية، والسومرية، والحورية- الميتانية…الخ. ولكن  الشيء الآخر الذي نؤكد عليه أيضاً، هو الإختلاط والتمازج الذي جرى بين الآشوريين والشعوب الأخرى التي تعايشت معهم، فأخذوا بذلك الكثيرمن صفاتهم الجسمية المتشربة بالصفات الجسمية السومرية وكذلك بصفات الشعوب الجبلية الهندو- أوربية أيضاً. وحول ذلك الإختلاط والتمازج سنؤيد كلامنا ثانية بالدكتورنعيم فرح الذي يقول: ( وبدأ عدد العبيد يزداد(في آشور)  نتيجة الغزوات والحروب، وساءت الاحوال الإجتماعية والإقتصادية في عهد الأسرة الثانية. ولكن بالمقابل ازداد عدد السكان في آشور وتطعموا /عرقياً بالميتانيين/الذين كان تاثيرهم كبيراً…(5).

وهنا نلاحظ أن نعيم فرح يحاول الوصول إلى غايتين أساسيتين: الأولى هي، أن الشعب الآشوري قد تطعم عرقياً، بالكثيرمن الشعوب الساكنة بجوارهم، مثل الميتانيين الذين يقول أنهم تطعموا عرقياً بهم، فمثلاً كان مار كيوركيس فارسياً زرادشتياً اعتنق المسيحية وقتل عام615 م. والثانية هي تطعمهم بالأعراق الأخرى الذين جلبوا إلى آشوركعبيد وأرقاء ثم أصبح هؤلاء الأرقاء آشوريين أحراراً فيما بعد… وهكذا – وبالإعتماد على علم السلالات- نرى اختلاف التركيب الجسمي للآشوريين عن أجسام الساميين في كثير من مواضع الجسد، فالآشوريون القدماء يتميزون بالقامة الدحداحة القصيرة، والأنف المعقوف، والرأس المدور الشبيه بالرأس الأرمني، بينما الساميون فرؤوسهم مستطيلة الشكل، وقاماتهم أطول، وأنوفهم مستقيمة لاعقفة فيها. كما نلمس في سيكولوجية الآشوريين القدماء جلف وشدة متناهية وقسوة غير مألوفة، وهي سيكولوجية وطباع سكان الجبال الهندو- اوربيين تحديداً، ويذكر التاريخ اشتهارالآشوريين بالعنف والفظاظة تجاه الشعوب المغلوبة على أمرها، فكانوا كلما دخلوا حاضرة أفرغوها من سكانها وأسكنوا ناساً جدداً محلهم، فعلى سبيل المثال حينما دخلوا /ميدا/ نقلوا العديد من سكانها مع ملكهم(خوشتريت) إلى مدينة حماة الحالية في سورية، فبقي الملك في المدينة هناك حتى توفي فيها. وكان عملهم هذا يأتي ضمن محاولاتهم للحيلولة دون ثورات هذه الشعوب عليهم، ولهذا فكانوا يواجهونها بمثل هذه الفظاظة والقسوة والعنف، حتى أنهم دخلوا مرة كيليكا وسلخوا جلد ملكها حياً، كما هاجم الآشوريون بابل وأحرقوها عن بكرة أبيها، ونقلوا ممتلكاتها وآلهتها إلى آشور. وكان الآشوري لايعتبرمحارباً شجاعاً من الطرازالأول إذا لم يزين جدران بيته برؤوس من قتلهم من الرجال الأعداء في الحروب والمعارك الطاحنة التي تكاد لاتهدأ بينهم وبين أعدائهم. وهذا بخلاف السريان الذين اتصفوا بالعقلانية والوداعة، وبالميل نحو العلم والحضارة والإستقرار في القرى والمدن والحواضر الآمنة، وذلك لأن السريان كانوا سكان سهول، وكانوا أكثر الناس تديناً في الديانة المسيحية المتسامحة، وحول ذلك يحكي التاريخ أن (مارا بن سيرافيون) السرياني كان أسيراً لدى الرومان، ومن سجنه بعث برسالة إلى ولده، يحثه فيها على أن يكون متواضعاً لطيفاً مع الناس، وأن يطلب العلم والمعرفة ويعمل بهما. ورغم هذا فلم يسلم حتى الآراميين وهؤلاء السريان في سورية من قساوة هؤلاء الآشوريين والمحاربين الأشداء، ومن هجماتهم المستمرة على مدنهم وقراهم وحواضرهم. وأقصد من وراء ذلك، بأن لو شعرالآشوريون بوجود صلة قربى بينهم وبين الآراميين والسريان لما جابهوا بني جلدتهم بمثل هذه الغلظة والقساوة، وهذا بخلاف ما حدث بين الميديين والفرس تماماً والذين شكلا شعبين شقيقين، رغم تقويض الفارسي (كورش) للامبراطورية الميدية، الا أنهما عاشا – وكما قلنا- شعبين شقيقين على مر التاريخ.

ولهذا أتوصل إلى القول: بان الشعب الآشوري العظيم في التاريخ والذي أسس حضارة بشرية مدهشة ورائعة ليسوا – والحال هذه-  ساميين خلصاً من حيث الإنتماء العرقي والجسدي وهو ما نريد التاكيد عليه هنا، بل نذهب إلى القول: بأنهم خليط من شعوب وأجناس متعددة، انصهرت كلها في البوتقة الآشورية وتكون منهم الشعب الآشوري الحالي بمواصفاته العرقية، والجسدية، والحضارية، في آن واحد.