هجرة الأحلام و آرام إلى بلاد ما بين النهرين

هجرة الأحلام و آرام إلى بلاد ما بين النهرين

Karta

خارطة الممالك الآرامية وأهم مدنها

اقدم الوثائق التي تذكر اسم آرام كإقليم تعود إلى عهد الملك الأكدى “نارام سن” (نرام – اين زو = حبيب الرب سين) (2270 – 2233 ق.م.) وهي نسخة بابلية لكتابة أكادية، تتحدث عن انتصار نارام سن على “شيخ آرام” خرشامتكي وغيره[6] .


ومن المرجح ان هذا الاقليم يقع في أعالي الخزيرة في سورية. وتقول وثيقة أخرى، اكتشفت بمدينة خفاجة في العراق، أن نارام سن إياه، قد انتصر على مدينتي “شيموروم” و “آرامي”.

ويستدل من سياق الآحداث المذكورة في الوثيقة، أن هاتين المدينتين تقعان في منطقة شرقي الدجلة بين نهري الزاب الأسفل والديالى[7]

ومن هاتين الوثيقتين استنتج “شنايدر”[8]، ان مدينة “آرامي”، واقعة بالقرب من مدينة أشنونة، على الدجلة، وقد أسسها الآراميون الذين هاجروا إلى بلاد سومر وأكاد تباعاً،

وهم أسلاف الآراميين، الذين ظهروا على مسرح السياسة بعد ذلك بنحو الف عام.

وفي مدينة ماري الواقعة على ضفة الفرات الأوسط، همزة الوصل بين بلاد الشام والجزيرة الشامية، وبين بلاد الشام وبلاد الرافدين الجنوبية، اكتشفت دار محفوظات تعود إلى القرن الثامن عشر/ السابع عشر ق.م.

وتضم فيما وثائق ذات طابع اقتصادي ذكر فيها اسم “احلامو” واسم “آرام”[9] .

وهما يدلان على ان جماعات بدوية، أو افراداً من قبيلة آرام أو أحلامو، كانوا يفدون إلى “ماري” للمتاجرة.

وان هذه الوثائق التي ذكرت، والتي تتوزع على الفترة الممتدة من عهد الملك الأكادي نارام سن / 2270 – 2233/ وحتى القرن السابع ق.م.

فقيرة بالمعلومات، وليس فيها سوى سماء ربما تمت إلى الآراميين بصلة.

ومنذ القرن الرابع عشر ق.م. كثرت الوثائق التي تتحدث عن الاحلامو والآراميين ففي رسالة موجهة من حكم دلمون (جزيرة البحرين)، إلى والى “نفر” جنوبي بغداد، وتعود إلى نهاية القرن الخامس عشر، اشتكى حاكم دلمون من الاحلامو الذين نهبوا تمور بلاده.

والوقع ان بلاد بابل اياها لم تكن في مأمن من خطرهم اذ يسببون المتاعب للحكم المجليين ويتدخلون بشؤونهم ويعيقون المواصلات بين مدنهم[10].

هذا في بلاد بابل، أما في بلاد الجزيرة الشامية، فقد اجتازت القبائل البدوية وخاصة الاحلامو نهر الفرات إلى أراضيها ووصلوا ضفاف دجلة، مما اضطر الملك الآشوري اربك دين ايلو (1317 – 1306 ق.م.)

لمحاربتهم على حدود الدولة الآشورية لردهم عنها[11] حسبما رواه هدد نيراري الأول خليفة اربك دين ايلو (1305- 1274 ق.م.)

ويستفاد من رسالة تاجر آشوري اكتشفت في مدينة “دور كورى كالصو” (= تل عكركوف) عاصمة الكاشيين، ان عصابة من آل حيرانة تساندها جماعة من آل خصمي حاولت التعدي على التجار، فلاحقها ضباط آشوريون، وقضوا عليها بعنف.

وقد ذكر تجلات فليصر الأول (1112- 1074 ق.م.) فيما بعد انه حارب وطارد القبيلة الآرامية حيرانو على أواسط حوض الفرات.

فمن المرجح أذن أن يكون آل حيرانو المذكورين في الرسالة إياها، والتي تعود إلى عصر الملك الآشوري هدد نيراري الأول 1305- 1274 ق.م.) قبيلة آرامية توغلت في أعالي بلاد النهرين آنذاك وبقيت بطون منها في بلاد سوحي و ماري على أواسط الفرات[12]

وفي الواقع لم يبق حاكم في المناطق المشار إليها إلاّ وشكا منهم. فهذا هو الملك الحثي حاّتوشيلي الثالث (1282 – 1250 ق.م.) يشكوهم إلى ملك بابل قداش- انليل الثالث[13] لانهم جعلوا الطريق بين البلدين محفوفة بالمخاطر.

وحيث انه لابد للطريق بين الإمبراطورية الحثية وبلاد بابل ان تمر عبر حوض الفرات الأوسط، لذلك نستنتج ان قسماً من قبائل الاحلامو كان قد استقر في تلك المنطقة، ولم تمض سوى سنوات حتى انتشر في كافة أنحاء الجزيرة.

ففي هذا الوقت نسمع ان الملك الآشوري شلمانو – اشيرد (سلمانصر)الأول (1273 – 1244 ق.م.) يقارع الحثيين، والاحلامو، لانهم اقتطعوا أجزاء من مملكة “خاني – جلبات” خليفة الدولة الحورية الميتانية، حيث بقع القسم الأكبر من بلاد الجزيرة في أراضيها[14] .

ام خليفة سلمانضر الأول ابنه تيكولتي نينورتا الأول (1243ـ1207 ق.م.) فقد احتل جبال احلامو بعد احتلاله بلاد “ماري” و “عانة” و “ريبقو”.

ويستفاد من هذا ان الاحلامو كانوا قد استقروا في منطقة الفرات الأوسط ونسبت جبال بشري الحالية اليهم.

ثم توغلوا شمالاً حتى جرجميس (جرا بلس)، اذ يقول آشورـ ريش إشي (1130ـ1113 ق.م.) مفتخراً انه فرق عصابات الاحلامو، عندما كان على رأس حملة كبيرة.

ففي يوم واحد دمر بلاد الاحلامو الممتدة من بلاد سوحي على الفرات الأوسط، حتى جرجميش على الفرات الأعلى، ولاحقهم حتى نظف الصحراء منهم.

ويخبرنا الملك الآشوري تجلات فلصر الأول (1112ـ1074 ق.م.) انه خرب في يوم واحد بلاد “احلامو آرام” الممتدة من بلاد سوحي على أواسط الفرات، حتى جرجميش في أعاليه.

ثم اجتاز الفرات إلى البادية الشامية، ودمر ستاًمن مدنهم على سفوح جبال بشري[15] ، التي نظن انها هي جبال الاحلامو التي سبق ذكرها.

لقد اضطر هذا الملك لأن يجتاز الفرات ثمان وعشرين مرة ليحارب الاحلاموـ آرام وغيرهم من القبائل مثل السوتيين الذين انتشروا في بلاد سوحي على أواسط الفرات وإلى جرجميش وسهل سروج إلى الشرق منها.

وأظن ان هذا كافٍ للتعرف على موطن الاحلاموـ آرام الذي هو البادية الشامية.

ولا تعود أهمية أخبار حروب تجلات فلصر الأول مع ” الاحلاموـ آرام” لأنها أشارت إلى موطن الاحلاموـ آرام، بل لا نها حوت اسم الاحلامو مقترناً باسم آرام.

ومن عصر هذا الملك فصاعداً، أصبحت الغلبة لاسم آرام.

ولم يذكر اسم الاحلامو إلاّ في القليل من النصوص الآشورية المتأخرة كما سنرى. وهذا التبدل يسترعي الانتباه ولم يحدث مصادفة.

وقد عالج الأستاذ كوبير هذا الموصوع ببحثه عن واقع القبائل البدوية السامية التي ذكرت في وثائق ماري في النصف الأول من الألف الثاني ق.م.

فقال ان السؤال المطروح والملح هو التميز بين الـ “سوتيين”، والـ “الاحلامو” والـ “آراميين”. والحقيقة الأساسية ان هذه الأسماء الثلاثة لا ترد وفق تسلسل زمني، بل كثيراً ما تذكرهم الوثائق في آن واحد.

ففي افتخر أريك ـ دين ـ ايلو و سنحاريب بانتصارهما على السوتيين و الاحلامو، ذكرت كتابة تعود إلى عصر آشور بل ـ

كالا الآراميين والسوتيين والاحلامو معاً. وها هو “شرّوكين” (سارجون) يفتخر بانتصاراته على هذه القبائل الثلاث ايضاً.

ومع ان “الاحلامو” هم همزة الوصل بين السوتيين و الآراميين.

يبدو ان دورهم في الاحداث التاريخية اقل اهمية من دور الفئتين الأخريين، لأن النصوص التي تذكرهم قليلة. وهذا كله ادى إلى اهمال دراسة أحوالهم، وتضارب الآراء حولهم، ودمجهم بـ الآراميين.

اذ كثيراً ما نرى في الكتب التاريخية ان جميع الاحلامو هم “الآراميين”. ولكن يمكن للمرء ان يفترض ايضاً، انح ميع الاحلامو ليسوا “آراميين”.

وان اطلاق مثل هذه الصفة على الاحلامو، مجرد وصف عام. ونما أننا لا نستطيع التفضيل بين هاتين النظريتين فلابد من الرجوع إلى المصادر:

نلاحظ ان اسم احلامو قد ورد في نصوص ماري، و العمارنة، و “نفّر”، قبل قرون من ظهور اسم احلامو آرامي، الذي ظهر لأول مرة في عهد “تجلات فلصر” الأول كما ذكرنا.

ونلاحظ ايضا ان اسم آرام لم يصبح مألوفاً إلاّ بفضل الآشوريين.

واذا استثنينا ما ورد في حوليات آشور بل كالا عن إريمي، فان الوثائق الأخرى التي لها صلة بتاريخ الآراميين المبكر ليست معاصرة لزمن وقوع الأحداث، اذ ان تدوينها فيه شيء من التحريف.

واذا كان الآراميون وحدهم قد ذكروا في حوليات آشور دان الثاني فقد تحدث هدد نيراري الثاني و آشور ناصربال الثاني عن الاحلامو والآراميين.

ويتميز الخبر المنقول عن آشور ناصربال الثاني بان شقي الاسم احلامو ـ آرام قد استخدما الواحد بدلاً من الآخر.

وهناك شاهد آخر مماثل في حوليات تجلات فلصر الثالث. واخيراً وفي عهد اسر حدون و آشور بانيبل، لم يذكر الاحلامو في النصوص التاريخية، بل ذكر اسمهم في النصوص الدينية أو السحرية. وبالختام يستطيع المرء ان ربط الأحداث، وفهمها على النحو التالي:

خلال وقت ما مشّل الاحلامو اقوى القبائل البدوية في البادية الشامية، فتجولوا فيها، وطمعوا في المناطق المجاورة.

ثم تبعهم الآراميون فاختلطوا بهم ثم تغلبوا عليهم. ومنذ مطلع القرن الثالث عشرة ق.م.

بدأت هجرة الآراميين، إلى بلاد النهرين. والصراع الذي دار بينهم وبين تجلات فلصر الأول يسمح بالافتراض، انهم كانوا قد اتخذوا الخطوات الضرورية للتوسع والاصطدام عند نهاية القرن التالي.

ومنذ هذه اللحظة أصبحت الأوضاع غامضة. ولم يعد بالامكان التمييز بين الاحلامو، والآراميين.

وعلى كل حال فان عبارة الاحلامو فقدت معناها الأصلي في النصوص الحديثة وحافظت على هذا المعنى في الأساطير[16].

وبعد ان بينت رأي كوبير، أحب ان اشير إلى ان قبائل البادية الشامية ذات اصل مشترك، وقد تكلمت لغة واحدة متعددة اللهجات، وان كلمة احلامو هي بالأصل أغلام وتعني الشباب.

وأرجح ان تكون كلمة احلامو قد قصد بها الإشارة إلى طلائع الآراميين الذين اصطدم بهم الآشوريون، ولم يقصد بها قبيلة.

وبعد ان عرضنا إلى أخبار الهجرات الآرامية في بلاد النهرين، ننتقل إلى تتبع أخبار هجراتهم إلى بلاد الشام.

هوامش
6- H. Hirsch, Die Inschriften der Könige von Agade AfO 20 (1963).P.21.

7-J. R. Kupper, Les nomades en Mésopotamie au TempsdesRois des Mari (1957), P. 113 -114.

8-P. N. Schneider, Aram und Aramäer in der Ur – III – Zeit, Biblica 30 (1949), P. 109 -110.

9- Archives Royales de Mari IX (1960), P. 267: M. Birot, Textes Economiques De Mar RA (1955,No.1,P.21

10- J. R. Kupper, op.cit.P. 108.

11- J. R. Kupper, op.cit.P. 108.

12- J. R. Kupper, op. Git. p. 114 -115.

13- A. Dupont – Sommer, op. cit. P. 17.

14- W. F. V. Soden, Herscher im Alten Orient (1954), P. 67 – 68.

15- E. A. Wallis Budge – L. W. King, Annales of the Kings of Assyria I (1902), P. 72 – 74

16- J.R. Kupper op cit.132- 136

 

_________________

اترك تعليقاً