مطارحة شعرية بين الاستاذ ايليا آبو ماضي والأب بولس بهنام في قصيدة “الطلاسم”

كلمة شك : لخص الاستاذ ايليا أبو ماضي فلسفته وآراءه في الحياة والوجود في قصيدة الطلاسم وهي قطع شعرية سداها الشك ولحمتها الحيرة , تدخل اليها وكلك آمال براقة وأحلام مجنحة , وتخرج منها وقد فقدت جميع آمالك ودفنت كل أحلامك المذهبة في تراب الحيرة . تلقاها وكلك ايمان بالله , وتغادرها وقد تسرب الى نفسك الف شك وارتياب . وما كان أغنى الجيل الطالع من هذه الأفكار المليئة بالشك والريبة والمنتهية كل منها بعبارة “ لست أدري “ .

كلمة ايمان : معارضة القصيدة ليست في اغاظة استاذنا الشاعر ولا حباً في المعارضة , بل لكي أظهر لمن يقرأ هذه الأبيات وهذه الشكوك وأحذره من أن تتسرب الى نفسه , فاسمعني يا قارئي العزيز في هذه الأسطر الصغيرة المفعمة بالأمل والرجاء والايمان “ ولا تكن غير مؤمن بل مؤمناً “ وهذا ما سميته “ كلمة ايمان “.

الأب بولس بهنام

رأينا انه من الأفضل مزج كلاً من “ كلمة شك “ و كلمة ايمان “  بطريقة مطارحة شعرية وبالتتابع , فوضعنا الأولى ورمزنا اليها بحرف ) أ ( وهو الحرف الأول من اسم مؤلفها الاستاذ ايليا أبو ماضي , ووضعنا الثانية وأشرنا اليها بحرف ) ب ( وهو الحرف الأول من اسم ناظمها الأب بولس بهنام واليك ذلك:

        الطلاسم

الاستاذ ايليا أبو ماضي

كلمة شك

الاستاذ ايليا أبو ماضي

أ ـ جئـت لا أعــلـم مـن أيـــــن ولكنـي أتيــت

ولقـد أبصــرت قـدامـي طريقــاً فمشـيـت

وسأبقى ماشيـاً ان شئـت هـذا ام ابيـت

كيـف جئــت؟ كيـف ابصــرت طريقـي ؟

               لــسـت أدري!

كلمة ايمان

الأب بولس بهنام

                                                                                               ب ـ انا في الدنيا وأدري كيـف للدنيا أتيت

رأيـت الـدرب قدامي ضياء فمشيت

وسأبقى ماشياً في النور هذا ما رأيت

أنا أبصرت بعين العقل والقلب طريقي

           أنـــــــا أدري!

أ ـ أجديـد أم قديـم أنـا فـي هـذا الـوجـود

هل أنـا حـر طليـق أم أسيـر فـي قيـود

هل أنا قائد نفسـي فـي حياتـي أم مقـود

أتـمـنـى أنـنــي أدري ولــكــن …….

لــسـت أدري!

ب ـ ولـئن كنت جـديداً أم قديمــــاً في الوجـود

فأنــا حـــرّ طليــق منـذ حطمــــت قيـــودي

وأنا في النور أمشي خلف قيثاري وعودي

كيف لا أدري سبيلي وأنا في النور أمشي

أنـــــا أدري!

 

أ ـ وطريقـي مـا طريقي؟ أطويـل أم قصيـر؟

هـل أنـا أصـعـد أم أهبـطـ فيـه وأغـور؟

أأنا السائر فـي الـدرب أم الـدرب يسيـر

ام كـلانــا واقــــف والـدهـــر يـجـــري؟

لــسـت أدري!

ب ـ وسـواء دربي وعـر أم طويل أم قصير

أم أنا أصـعد حينـاً أم أحايين أغـــور

أمشي في الدنيا أواناً ثم للخلد أسـير

انني أمشي ومثلي هذه الأدهار تجري

أنـــا أدري

أ ـ ليت شعري وأنا في عالـم الغيـب الأميـن

أتــرانـي كنـت أدري أننـي فـيــه دفـيـــن

وبأنـي ســـوف أبـدو وبـــأنـي ســـأكـون

أم تـــــرانــي كـنـــت لا أدرك شــــيـئـاُ؟

لــسـت أدري!

ب ـ ليت شـــعري ما أحـلى عــالم النـور الأمين

لم أكـــن قبل مجيئي في دجــى الليــل دفين

واذا ما جسمي يفنى روحي في الخلد تكون

هــذا ايمــاني واني أدرك الايمـــان وحـــدي

أنـــا أدري

أ ـ أترانـي قبلمـا أصبحـت إنسـانـا ســـويـا

أتراني كنت محـوا أم ترانـي كنـت شيئـا

الهــذا اللغـــز حــل أم سيــبـقـى أبــديـا

لسـت أدري ….. ولمـاذا لـسـت أدري؟

لــسـت أدري!

ب ـ مذ براني الله ربي كنت انساناً سـويـا

ســكب النـور بقلبي فغـدا قلبي ضويــا

وحيــاتي ووجــودي ليس لغــزاً أبـــديا

انني أدري لماذا صرت أدري كل شيء

أنـــا أدري

الـبـحــر:

أ ـ قد سألت البحر يوما هل أنا يا بحـر منكـا؟

هل صحيح ما رواه بعضـهم عنـي وعنكـــا؟

أم ترى مـا زعمـوا زورا وبهــتانـا وإفكــــا؟

ضحـكـت أمـواجـه مـنـي وقـالـت :

لــسـت أدري!

                                    ب ـ موجة في البحر قالت اننا يا رب منكـا

هذه الآفـــاق تروي خبر التحنــان عنكـا

ليس ايماننــا زوراً لا ولا كذبــاً وافكـــا

قد خلقت الكون طراً لم تدع للقلب شكا

هذه الأجســـام تــرب هذه الأرواح منـه

هذا ايمــاني وهــذي حكمتي منــه وعنه

أنــا أدري

 

أ ـ أيها البحر أتدري كـم مضـت ألـف عليكـا

وهـــل الشـاطـئ يـدري أنـه جـاث لديــكـا

وهـــل الأنهـــار تـدري أنهـا منــك إليكـــا

مـا الـذي الأمـــواج قـالـت حيـن ثـــارت؟

لــسـت أدري!

ب ـ  يا بحرنا تدري “ كم مضت ألف عليكا “

لا ولا الأنهــــار تدري أنها تجـــري اليك

هذه الأمواج تجثو ســجداً في مقدسيكا

وكذا الشاطئ يهفو خاشعاً في قبتضيكا

وشعاع الشمس يرنو بالضيا في مقلتيكا

وظلام الليــل جيش حارس في جانبيكا

أنت والموج وهذا الــزبد الماشـ/ي اليكا

دفقة النور وهذا الشاطئ الجاثي اليكا

كل شيء كهباء في الفضا عند القــدير

حامللا الكون ومحصي كل ذرات الأثير

هذا ايمــاني واني أرقب الصبح المنيــر

أنـــا أدري

أ ـ نت يا بحـر أسيـر آه مـا أعظـم أسـرك

أنت مثلـي أيهـا الجبـــــار لا تملـك أمـرك

أشبهت حالك حالي وحكـى عـذري عـذرك

فمتى أنجو مـن الأسـر وتنجـو؟……..

لــسـت أدري!

ب ـ لستَ يا بحـــر أســيراً آه ما أتفه أســرك

لستَ مثلي في عذابي آه ما أعجب أمـــرك

غير اني سوف أنجو بعح يأسي من عذابي

سوف أسمو بعد بؤسي نحو آمالي العذاب

ان للكــــون الهـــاً ســـوف يعطيني ثــوابي

هـــذا ايمـاني وأدري كيف أعطيه جــوابي

أنـــا أدري

أ ـ ترسل السحـب فتسقـي أرضنـا والشجـرا

قـــد أكلـنــاك وقلنــا قــد أكلـنـــا الثـمـــرا

وشــربنـاك وقلنـا قـــد شــربـنــا المـطـــرا

أصـــواب مــا زعمـنـــا أم ضـــلال ؟ …

لــسـت أدري!

ب ـ لم نعـــش للخبــــز يومـــاً لا ولا للثمــــر

بــل لقـــول الحــق والحــق حيـاة البشـــر

ان أكلنـــا كل خيــــر من نتــــاج الشـجر

أو شـــربنا كل كأس من دمـــوع المطـــر

نعمــة هــذا من وفضـــل من الــه خيـــــر

ليس للبـــحر علينا أي فضــــل أو جميــل

لا ولا للغــيث فينا منــة العـيش الخضـيـل

من الـــه الكـــون يـــأتي كل انعـــام جليل

يبعث الغيث ويعطي فضله السامي الجزيل

يمنح الأكــوان ريــاً من ميـاه الســــلسبيل

***

نحــن منـه واليـه فيــه نحيــا ونمــوت

هو للأرواح ذخــر وهو للأجساد قوت

منه نحـن منذ كنـــا فهو رب الجبروت

هذا ماندري وهذا فشل رب العظموت

أنـــا أدري

أ ـ قد سألت السحب في الآفاق هل تذكر رملـك

وســألت الشـجر المـورق هـل يعـرف فضــلـك

وســألت الدر في الأعناق هـل تذكـر أصـلـك

وكأنـي خلتهـا قالـت جميـعـا :………..

لــسـت أدري!

ب ـ قد سألت السحب يوماً هل حباها الكون رملك؟

وسـألت الشـــجر المــورق هل ربـــاه فضــــــلك؟

وسـألت الـــدر من ذا صـاغه هل تــرى أصـلك؟

فأجــاب الكــلّ هــذي قــدرة لله فينــــا

أنـــا أدري

أ ـ يرقص المــوج وفي قاعـك حــرب لــن تـزولا

تخلق الأسـماك لكن تخلـق الحـــوت الأكـولا

قد جمعت الموت في صدرك والعيش الجميلا

ليت شعري أنت مهد أم ضريـح؟…….

لــسـت أدري!

ب ـ تعلــن الأمــواج في قاعــك حــرباً لن تزولا

فابتلاع الحــوت للأســماك حـرب لن تحولا

قد جمعت الموت في قلبك والعيش الخضيلا

هكــذا دنيــانا أضحت أم ضعيفاً أم أكـولا

حكمــة لله هـذي وهـــو في معنــاها أدري

أنـــا أدري

أ ـ كــم فتــاة مثــــل ليــلـى وفتًـى كابــن الملـــوح

أنفقا الساعات في الشاطئ تشكو وهو يشرح

كلمــــا حــــدث أصــغـت وإذا قالـــت تــــرنـح

أحفـيـف الـمـوج ســر ضـيـعـاه؟………..

لــسـت أدري!

ب ـ عند ذلك الشاطئ كانت زهرة حمراء تمرح

في شذاها ألف سرٍ ألف معنى ليس يشرح

قد رآهـــا البــلبــل الغــريد يومــاً فتـــرنــح

صـــورة للــدنيا هــذي ســاعة تبدو فتــبرح

أنـــا أدري

أ ـ كم ملوك ضربوا حولك فـي الليـل القبابـا

طلع الصبـح ولكـن لـم نجـد إلا الضبابـا

ألهـم يــا بـحـــر يوماً رجـعـة أم لا مـآبـا

أم هم في الرمـل؟ قـال الرمـل إنـي….

لــسـت أدري!

ب ـ ألف جيل قد تبدى فوق شـــطيك وغابــا

وملــوك وعصـور رفعـــت فيــك القبـابــــا

قد رآها الدهــر يوماً ثم خلاها سرابــــا

كلها يا بحر تمضي قد رأيناها ضبــابـا

غير أن الله يعطي مرئة تبــدي العجابـا

تنبت الأجسام منها مثل زهر الحقل آبـا

قدرة الله تقيم الموتى ان أضـحت ترابـا

هذا يا بحـر رجانا نحن ندري كيف ثابا

أنـــا أدري

أ ـ فيك مثلـي أيهـا الجبـــار أصـداف ورمـل

إنما أنت بلا ظـل و لـي فـي الأرض ظـل

إنمــا أنت بلا عقــل ولـي يـا بحـر عقـــل

فلمـاذا يـا تـرى أمضـي وتبـقـى؟……

لــسـت أدري!

ب ـ فيك قلب مثل قلبي فيه أصداف ورمل

فيــه أمــواج جســام فيه أنـوار وظـــل

سوف نمضي ليس يبقى فوق ذاك الزهر طــل

سوف يذور الزهر لكن في شذاه الزاهي نهــل

ان ذوى الجســم ســـتبقى هذه الـــروح وتعلـو

سوف تبقى رغم بؤسي عيشها في الخلد يحلو

ان دعاني الرب أمضي حيث أدري أين أمضي

أنـــا أدري

أ ـ يا كتاب الدهـر قـل لـي ألـه قبـل وبعـد

أنـــا كالـزورق فيـه وهـو بحـر لا يحـد

ليس لي قصد فهل للدهر في سيـري قصـد

حبـذا العـلـم ولـكـن كـيـف أدري؟….

لســت أدري!

ب ـ تلك أدهــار تقضت ولهـا قبــل وبعـد

وأنا كالزورق الطافي وذاك الموت حدّ

انمـا قصـدي الهي فهو خيـر لا يحـد

فيه آمــالي وأدري أنـه للــروح قصـد

أنـــا أدري

أ ـ إن في صدري يـا بحـر لأسـرارا عجابـا

نزل السـتتـر عليهـا وأنـا كنـت الحجابـا

ولـذا أزداد بعـدا كلـمـا ازددت إقتـرابـا

وأرانـي كلـمـا أوشـكـت أدري………

لــســت أدري!

ب ـ ان في قلبي يا بحـــر لأطيــافا عجابــا

هي تـبدو في ليالي الوحي الهاماً عبابـا

كم شربنا النور فيها فغدا البعد اقترابا

تلك أطياف خلودي ليس ايمـاني سـرابا

انني أدري لماذا صـرت للأســرار أدري

أنـــا أدري

أ ـ إننـي يـا بحـر، بحـر شاطئـاه شاطئكـا

الغـد المجهـول ولأمـس اللـذان اكتنفاكـا

وكلانا قطـرة يـا بحـر فـي هـذا وذاكـا

لا تـسلني ما غد ، مـا أمـس …إنـي

لــســت ادري

ب ـ انني يابحر طيف قد حواني شــاطئاكا

ان أمسي مثل يومي هذا يا بحر كذاكا

والغــد المأمـون يأتي هل رأته مقلتـاكــا

ان قلبي مطمئن قد فـدى نفســي ذاكـا

هذا قلبي يا الهي فامنحن قلبي رضاكا

انني أدري لمــاذا حبـك الغــالي بقــلبي

أنـــا أدري

الديــر

أ ـ قيل لي في الدّير قوم أدركوا سرّ الحياة

غيــر أنّي لـم أجــد غيـر عقـول آســنات

وقلـوب بلـيت فيـها المنـى فـهي رفـــــات

ما أنتتا أعمى فهـل غيري أعمى؟…..

لست أدري!

ب ـ في ظلال الدير نور يجتلي سرّ الحــياة

وضيـــاء ليس يبـدو للعقول الآســـنات

في حمى الدير قلوب ونفوس طاهرات

أنا أدري أي نـور للعيون الســاهرات

أنـــا أدري

أ ـ قيل أدرى النّاس بالأسرار سكّان الصوامع

قلت إن صحّ الذي قالــوا فإن الســرّ شائع

عجبا كيف ترى الشّـمس عيون في البـراقع

والتي لم تتبرقع لا تراها؟.. ….

لست أدري!

ب ـ قد حبانا الله وحيا في دجى تلك الصوامع

فاســـتنار اللـب منّا بعد ان جــزنا المـوانــع

تلــك كفّ اللــه فينــا مزقــت كــلّ البــراقــع

فــرأينـا الحقّ نــوراً فــوق هاتيــك المــرابــع

أنا أدري كم شربنا النور من تلك المــرابــع

أنـــا أدري

أ ـ إن تك العزلــة نســكا وتقى فالذّئب راهب

وعـرين اللّيـث ديـر حبّــه فــرض وواجــب

ليت شعري أيميت النّسك أم يحيي المواهب

كيف يمحو النّسك إثما وهو إثم؟…….

لست أدري!

ب ـ في سكون الدير كنا نستقي كلّ المواهب

ونصـلي وننـاجي اللـه في تلــك الغيـاهـب

نملأ الدنيـا صياء في دجـى تلك المصـائب

فنصون العلم والعرفان من أيدي النـوائب

أنــا أدري

أ ـ أنني أبصرت فيّ الدّير ورودا في سياج

قنعت بعد النّدى الطّاهر بالمـاء الأجــاج

حولها النّور الذي يحيي وترضى بالديّاجي

أمن الحكمة قتل القلب صبرا؟……..

لست أدري!

ب ـ في ورود الدير عرف لم يمت خلف السياج

والنــدى المعطـار يهمي عند ذيــاك الـرتــاج

وشــعاع الصبح يبـدو خالعـاً ثـوب الديــاج

حكمة هذي وأدري كيف تحيي القلب صبراً

أنـــا أدري

أ ـ قد دخلـت الدّير عند الفجر كالفجر الطّروب

وتركـت الدّيـــر عنـــد اللّيـل كاللّيـل الغضـوب

كان في نفسي كرب صــار في نفسي كروب

أمن الدّير أم اللّيل اكتئابي؟ ………

لست أدري!

ب ـ أي كـــرب في قلـــوب حطمــت كــلّ الكــــروب

وسمت تبغي انطلاقاً من دجى الدهر الغضوب

يتســـاوى في حمـاها الليل بالصبح الطـــروب

أنــا أدري أي صبــح قـد جلا عنـي اكتئــابي

أنـــا أدري

أ ـ قد دخلت الدّير استنطق فيه الناسكينا

فــإذا القــوم من الحيــرة مثلي باهتــونا

غلــب اليأس عليهم ، فهم مسـتســلمونا

وإذا بالباب مكتوب عليه………

لست أدري!

ب ـ قد دخلت الدير أستوحي نفوس الناسكينا

فــاذا فيها ضيــــاء ســـــــاطع لليائســـينا

فاستقى قلبي رجــاءً من قلـوب الزاهدينــا

واذا بالباب سطر “ هذا حظ الخالدينا “

أنـــا أدري

أ ـ عجبا للنّاســك القـانت وهو اللّوذعي

هجر النّاس وفيهم كلّ حسن المبدع

وغــدا يبحث عنه المكــان البــــــلقع

أرأى في القفر ماء أم سرابا؟….

لست أدري!

ب ـ ما أحيلى وحــدة الناسـك وهو اللــوذعي

“ هجر الناس وفيهمـ” كلّ ضبـع أطمــع

يغرس الزهر ويسقي “ في المكان البلقع ”

يشرب النور بكأس الوحي من قلب العباب

أنـــا أدري

أ ـ كم تمادى أيّها النّاسك في الحق الصّريح

لو أراد اللّه أن لا تعشــق الشّيء المليــح

كــان إذ ســوّاك ســوّاك بـلا عقــل وروح

فالّذي تفعل إثم … قال إني …

لست أدري!

ب ـ ليس للناســك الّا شـــرعة الحق الصريح

يعشــق الطــهر ويصبــو نحو باريه المليح

قد يرى الله حجاه الأولى من عقل وروح

وحبــاه الخيــر وفــراً أنا أدري أي خيــر

أنـــا أدري

أ ـ أيّها الهارب إنّ العار في هذا الفــرار

لا صلاح في الّذي تفعل حتّى للقفــار

أنت جان أيّ جان ، قاتل في غير ثار

أفيرضى اللّه عن هذا ويعفو ؟.. …

لست أدري!

ب ـ أيها العــادل مهلاً ليــس في النســك فرار

قد بنى النسك صروح العلم في قلب القفار

وأحــال البلــقع الذاوي رياضاً واخضــرار

هذا ما يرضاه ربي أنا أدري كيف يرضى

أنـــا أدري

بين المقابـر

أ ـ ولقــد قلــت لنفســـي وأنـا بين المقــــابر

هل رأيت الأمن والرّاحة إلاّ في الحفائر؟

فأشارت : فإذا للدّود عيث في المحاجر

ثم قالت : أيّها السّائل إني……….

لست أدري!

ب ـ كنت يوماً أتمشى بين هاتيك المقــابر

حيث يغفو الجيل بعد الجيل في قلب الحفائر

فاذا الدود خطيب مصقع بين المحاجر

انني أدري حديث الدود طراً …….

أنـــا أدري

أ ـ أنظري كيف تساوى الكلّ في هذا المكان

وتلاشــى في بقايا العبد ربّ الصّولجـان

والتقى العاشــق والقــالي فما يفترقـــان

أفبذا منتهى العدل؟ فقالت ………..

لست أدري!

ب ـ قد غفـا الـظالم والمظـلوم في هذا المكان

وتساوى العبد والغطريس رب الصولجان

عبــر تتـرى وهـذا المــوت مثـل الديدبــان

أنا أدري الحكمة السمحاء منه ……..

أنـــا أدري

أ ـ إنّ يك الموت قصاصاً، أيّ ذنب للطّهاره

وإذا كـــان ثوابــاً، أيّ فضـــل للدعــاره

وإذا كان يوما وما فيه جزاء أو جساره

فلم الأسماء إثم أو صلاح؟………..

لست أدري!

ب ـ ليس في الموت قصاص أو عقاب للعهارة

لا ولا فيه ثــواب أو مجــازاة الطهــارة

انه للشر حدّ وارتياح للبـرارة

حكمة هــذي وأدري مبتغاهــا

أنـــا أدري

أ ـ أيّهــا القبــر تكلّـم واخبــريني يا رمـــــام

هل طوى أحلامك الموت وهل مات الغرام

من هو المائت من عــام ومن مليون عــام

أبصير الوقت في الأرماس محوا؟……

لست أدري!

ب ـ ليس عند القبــر حـدّ لا ولا عند العظام

انه مطلع خلد عند هاتيك الرمام

يتساوى الميت من “عام ومن مليةن عام”

كلهـم يـرجـو نهــوضاً من رقــاد

أنـــا أدري

أ ـ إن يك الموت رقادا بعده صحو طويل

فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميــل؟

ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرّحيــل؟

ومتى ينكشف السّرّ فيدري؟..

لست أدري!

ب ـ انما “الموت رقاد بعده صحو طويل”

يستحيل الظل حقاً والدجى نوراً جميل

وسواء ندري أو لم ندر آوان الرحيـــل

ذاك بدء اليقظة الكبرى وأدري

أنـــا أدري

أ ـ إن يك الموت هجوعاً يملأ النّفس سلاما

وانعتـاقـاً لا اعتقـالاً وابتـداء لا ختامــا

فلماذا أعشــق النّوم ولا أهوى الحماما

ولماذا تجزع الأرواح منه؟…………

لست أدري!

ب ـ انمــــا المـــوت ونهايــات الجهــــــاد

تختفي الآلام عنه القبـــر في ذاك الرقاد

وتبيت النفس في الرجوى الى يوم المعاد

ترتجي الخلد وأدري ماذا تبغي

أنـــا أدري

أ ـ أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور

فحيـــاة فخــلود أم فنــاء ودثـــور

أكلام النّاس صدق أم كلام الناس زور

أصحيح أنّ بعض الناس يدري؟..

لست أدري!

ب ـ ان بعد الموت والقبر قياماً ونشوراً

وحياة وخلـــوداً وانطلاقاًً وظهــوراً

ليس وعد الله كذباً لا ولا افكاً وزورا

انمـــا المؤمـــن يدري أي نــــــــور

أنـــا أدري

أم ـ إن أكن أبعث بعد الموت جثمانا وعقلا

أترى أبعث بعضا أم ترى أبعث كلاّ

أترى أبعث طفلا أم ترى أبعث كهلا

ثمّ هل أعرف بعد الموت ذاتي؟…..

لست أدري!

ب ـ اننا نبعث بعد الموت جســـــماً وعقولا

ويصير الجسم منّا أسمى من هذه الهيولى

سوف نغدو مثل أملاك بخلد لن يــزولا

هذا ما نرجوه بعد الموت والقبر وندري

أنـــا أدري

أ ـ يا صديقي لا تعللّني بتمزيق الســـتور

بعدما أقضي فعقلي لا يبالي بالقشور

إن أكن في حالة الإدراك لا أدري مصيري

كيف أدري بعدما أفقد رشدي……

لست أدري!

ب ـ يا الهي انني أرجوك يارب النشـــور

هب سلاماً لفؤادي وأملأن روحي نور

أنت نوري وخلاصي أنت للنفس حبور

يا الهي انني أرجو وأدري ……

أنـــا أدري

تتمة قصيدة الطلاسم للأستاذ ايليا أبو ماضي

القصر والكوخ

ولقد أبصرت قصراً شاهقاً عالي القباب

قلت ما شادك من شادك إلاّ للخراب

أنت جزء منه لكن لست تدري كيف غاب

وهو لا يعلم ما تحوي؛ أيدري؟..

لست أدري!

يا مثالاً كان وهماً قبلما شاء البناة

أنت فكر من دماغ غيّبته الظلمات

أنت أمنية قلب أكلته الحشرات

أنت بانيك الّذي شادك لا … لا…

لست أدري!

كم قصور خالها الباني ستبقى وتدوم

ثابتات كالرّواسي خالدات كالنّجوم

سحب الدّهر عليها ذيله فهي رسوم

مالنا نبني وما نبني لهدم؟..

لست أدري!

لم أجد في القصر شيئاً ليس في الكوخ المهين

أنا في هذا وهذا عبد شك ويقين

وسجين الخالدين اللّيل والصّبح المبين

هل أنا في القصر أم في الكوخ أرقى؟

لست أدري!

ليس في الكوخ ولا في القصر من نفسي مهرب

أنّني أرجو وأخشى، إنّني أرضى وأغضب

كان ثوبي من حرير مذهب أو كان قنّب

فلماذا يتمنّى الثوب عاري؟..

لست أدري!

سائل الفجر: أعند الفجر طين ورخام؟

واسأل القصر ألا يخفيه، كالكوخ، الظّلام

واسأل الأنجم والرّيح وسل صوب الغمام

أترى الشّيء كما نحن نراه؟..

لست أدري!

الفكر

ربّ فكر لاح في لوحة نفسي وتجلّى

خلته منّي ولكن لم يقم حتّى تولّى

مثل طيف لاح في بئر قليلا واضمحّلا

كيف وافى ولماذا فرّ منّي؟

لست أدري!

أتراه سابحاً في الأرض من نفس لأخرى

رابه مني أمر فأبى أن يستقرّا

أم تراه سرّ في نفسي كما أعبر جسرا

هل رأته قبل نفسي غير نفسي؟

لست أدري!

أم تراه بارقاً حينا وتوارى

أم تراه كان مثل الطير في سجن فطارا

أم تراه انحلّ كالموجة في نفسي وغارا

فأنا أبحث عنه وهو فيها،

لست أدري!

صراع وعراك

إنّني أشهد في نفسي صراعا وعراكا

وأرى ذاتي شيطاناً وأحياناً ملاكا

هل أنا شخصان يأبى هذا مع ذاك اشتراكا

أم تراني واهما فيما أراه؟

لست أدري!

بينما قلبي يحكي في الضّحى إحدى الخمائل

فيه أزهار وأطيار تغني وجداول

أقبل العصر فأسى موحشا كالقفر قاحل

كيف صار القلب روضا ثمّ قفرا؟

لست أدري!

أين ضحكي وبكائي وأنا طفل صغير

أين جهلي ومراحي وأنا غضّ غرير

أين أحلامي وكانت كيفما سرت تسير

كلّها ضاعت ولكن كيف ضاعت؟

لست أدري!

لي إيمان ولكن لا كأيماني ونسكي

إنّني أبكي ولكن لا كما قد كنت أبكي

وأنا أضحك أحيانا ولكن أيّ ضحك

ليت شعري ما الذي بدّل أمري؟

لست أدري!

كلّ يوم لي شأن ، كلّ حين لي شعور

هل أنا اليوم أنا منذ ليال وشهور

أم أنا عند غروب الشمس غيري في البكور

كلّما ساءلت نفسي جاوبتني:

لست أدري!

ربّ أمر كنت لّما كان عندي أتّقيه

بتّ لّما غاب عنّي وتوارى أشتهيه

ما الّذي حبّبه عندي وما بغّضنيه

أأنا الشّخص الّذي أعرض عنه؟

لست أدري!

ربّ شخص عشت معه زمناألهو وأمرح

أو مكان مرّ دهر لي مسرى ومسرح

لاح لي في البعد أجلى منه في القرب وأوضح

كيف يبقى رسم شيء قد توارى؟

لست أدري!

ربّ بستان قضيت العمر أحمي شجره

ومنعت النّاس أن تقطف منه زهره

جاءت الأطيار في الفجر فناشت ثمره

ألأطيار السّما البستان أم لي؟

لست أدري!

رب قبح عند زيد هو حسن عند بكر

فهما ضدّان فيه وهو وهم عند عمرو

فمن الصّادق فيما يدّعيه ، ليت شعري

ولماذا ليس للحسن قياس؟

لست أدري!

قد رأيت الحسن ينسى مثلما تنسى العيوب

وطلوع الشّمس يرجى مثلما يرجى الغروب

ورأيت الشّر مثل الخير يمضي ويؤوب

فلماذا أحسب الشرّ دخيلا؟

لست أدري!

إنّ هذا الغيث يهمي حين يهمي مكرها

وزهور الأرض تفشي مجبرات عطرها

لا تطيق الأرض تخفي شوكها أو زهرها

لا تسل : أيّهما أشهى وأبهى؟

لست أدري!

قد يصير الشوك إكليلا لملك أو نبّي

ويصير الورد في عروة لص أو بغيّ

أيغار الشّوك في الحقل من الزّهر الجنّي

أم ترى يحسبه أحقر منه؟

لست أدري!

قد يقيني الخطر الشّوك الذي يجرح كفّي

ويكون السّمّ في العطر الّذي يملأ أنفي

إنّما الورد هو الأفضل في شرعي وعرفي

وهو شرع كلّه ظلم ولكن …

لست أدري!

قد رأيت الشّهب لا تدري لماذا تشرق

ورأيت السّحب لا تدري لماذا تغدق

ورأيت الغاب لا تدري لماذا تورق

فلماذا كلّها في الجهل مثلي ؟

لست أدري!

كلّما أيقنت أني قد أمطت السّتر عني

وبلغت السّر سرّي ضحكت نفسي مني

قد وجدت اليأس والحيرة لكن لم أجدني

فهل الجهل نعيم أم جحيم؟

لست أدري!

لذة عندي أن أسمع تغريد البلابل

وحفيف الورق الأخضر أو همس الجداول

وأرى الأنجم في الظلّماء تبدو كالمشاعل

أترى منها أم اللّذة منّي…

لست أدري!

أتراني كنت يوما نغما في وتر

أم تراني كنت قبلا موجة في نهر

أم تراني كنت في إحدى النّجوم الزّهر

أم أريجا ، أم حفيفا ، أم نسما؟

لست أدري!

فيّ مثل البحر أصداف ورمل ولآل

في كالأرض مروج وسفوح وجبال

فيّ كالجو نجوم وغيوم وظلال

هل أنا بحر وأرض وسماء؟

لست أدري!

من شرابي الشّهد والخمرة والماء الزّلال

من طعامي البقل والأثمارواللّحم الحلال

كم كيان قد تلاشى في كياني واستحال

كم كيان فيه شيء من كياني؟

لست أدري!

أأنا أفصح من عصفورة الوادي وأعذب؟

ومن الزّهرة أشهى ؟ وشذى الزّهرة أطيب؟

ومن الحيّة أدهى ؟ ومن النّملة أغرب؟

أم أنا أوضع من هذي وأدنى؟

لست أدري!

كلّها مثلي تحيا، كلّها مثلي تموت

ولها مثلي شراب ، ولها مثلي قوت

وانتباه ورقاد، وحديث وسكوت

فيما أمتاز عنها ليت شعري؟

لست أدري!

قد رأيت النّمل يسعى مثلما أسعى لرزقي

وله في العيش أوطار وحق مثل حقي

قد تساوى صمته في نظر الدّهر ونطقي

فكلانا صائر يوما إلى ما …

لست أدري!

أنا كالصّهباء ، لكن أنا صهباي ودّني

أصلها خاف كأصلي ، سجنها طين كسجني

ويزاح الختم عنها مثلما ينشّق عني

وهي لا تفقه معناها، وإني…

لست أدري!

غلط القائل إنّ الخمر بنت الخابيه

فهي قبل الزق كانت في عروق الدّاليه

وحواها قبل رحن الكرم رحم الغاديه

إنّما من قبل هذا أين كانت؟

لست أدري!

هي في رأي فكر ، وهي في عينّي نور

وهي في صدري آمال ، وفي قلبي شعور

وهي في جسمي دم يسري فيه ويمور

إنّما من قبل هذا كيف كانت؟

لست أدري!

أنا لا أذكر شيئا من حياتي الماضية

أنا لا أعرف شيئا من حياتي الآتيه

لي ذات غير أني لست لأدري ماهيه

فمتى تعرف ذاتي كنه ذاتي؟

لست أدري!

إنّني جئت وأمضي وأنا لا أعلم

أنا لغز … وذهابي كمجيتي طلسم

والّذي أوجد هذا اللّغز لغز منهم

لا تجادل ذا الحجا من قال إنّي …

لست أدري!

ان يك الموت قصاصـا ً اي ذنـب للطهـارة

واذا كـان ثوابـا ً ، اي فضـل ٍ للـدعـارة

واذا كـان ومـا فيـه جـزاءٌ او خـسـارة

فـلـمَ الاسـمـاء اثـــم ٌ وصـــلاح ٌ

لـــــــــســـــــــت ادري

ايهـا القبـر تكلـم واخبرينـي يـا رمـام

هل طوى احلامك الموت وهل مـات الغـرام

من هو المائت من عام ومـن مليـون عـام

ايصيـر الوقـت فـي الارمـاس مـحـوا ً

لـــــــــســـــــــت ادري

ان يك الموت رقـاداً بعـده صحـوٌ جميـل

فلماذا ليس يبقـى صحونـا هـذا الجميـل

ولماذا المرء لا يدري متـى وقـت الرحيـل

ومـتـى ينكـشـف السـتـر فـنــدري

لـــــــــســـــــــت ادري

ان يك الموت هجوعا يمـلأُ النفـس سلامـا

وانعتاقـا لا اعتقـالا وابتـداءً لا ختـامـا

فلمـاذا اعشـق النـوم ولا اهـوى الحمـام

ولـمــاذا تـجــزع الارواح مــنــه

لـــــــــســـــــــت ادري

أوراء القبـر بعـد المـوت بعـث ونشـور

فحـيـاة فخـلـود ام فـنــاءٌ فـدثــور

أكلام النـاس صـدقٌ ام كـلام النـاس زور

أصحيـح ٌ ان بـعـض الـنـاس يــدري

لـــــــــســـــــــت ادري

ان اكن ابعث بعـد المـوت جثمانـا وعقـلا

اتـرى ابعـث بعضـا ام تـرى ابعـث كـلا

اترى ابعـث طفـلا ام تـرى ابعـث كهـلا

ثـم هـل اعـرف بعـد البـعـث ذاتــي

لـــــــــســـــــــت ادري

يـا صديقـي لا تعللنـي بتمزيـق الستـور

بعدما اقضـي فعقلـي لا يبالـي بالقشـور

ان اكن في حالـة الادراك لا ادري مصيـري

كـيـف ادري بعـدمـا افـقـد رشـــدي

لـــــــــســـــــــت ادري

اننـي جئـتُ وامضـي وانــا لا اعـلـم ُ

أنـا لغـزٌ، وذهابـي كمجيـئـي طلـسـمُ

والـذي اوجـد هـذا اللغـز لغـزٌ مبـهـمُ

لا تجـادل ..ذو الحجـى مـن قـال انــي

لـــــــســـــــت ادري ……