مجمع القسطنطينية لعام ٥٣٦ م الدكتور متي موسى

مجمع القسطنطينية لعام ٥٣٦ م

الدكتور متي موسى

لم تغيّر وفاة البابا اغابيتس الوضع في العاصمة . فقد كان المناوئون لسويريوس الأنطاكي ، الذين ناصرهم الإمبراطور ، مصمّمين على إدانته وإدانة رفاقه . وفي مطلع أيار من عام 536 ، اجتمع المجمع في القسطنطينية بأمر من الإمبراطور حضره فقط خصوم سويريوس الأنطاكي وأنصاره ، بطرس أسقف أفاميا ، والناسك زعورا . عُقدت المحكمة التي كان غرضها الأساسي إدانة القادة ” المونوفيزيين ” الذين رفضوا مجمع خلقيدونية وفرض الإيمان الخلقيدوني بسلطة إمبراطورية عليهم وعلى كنائسهم . ويلاحظ المستشرق اي .و .بروك في هذا الصدد قائلاً بكل حقّ : ” إذا استثنينا العدد من الرسائل التي حررها سويريوس الانطاكي لا نجد فيما يتعلق بأحداث بطريركيته سوى النزر القليل من تحريضات أعدائه التي قدمت الى المجمع سنة 536 ” . وإذا أضفنا إلى هذا القول بأن نصوص اعمال مجمع القسطنطينية الذي التأم عام 536 كانت ناقصة ، متنافرة وخاطئة في العديد من المواضع ، وبأن أفضل اختيار لهذه الاعمال قد تُرك لاجتهاد محرّر القرن السابع عشر اليسوعي فيليب لابي الذي التقط منها ما وجده مناسباً سندرك عندئذ مدى الشك الذي يحيط بجوهر هذه الاعمال والوثائق التي قدمت إلى هذا المجمع وحوافزها .

ان جلّ ما قدم إلى هذا المجمع هو بضعُ وثائق قوامها رسائل يستـشهد بها الموارنة للبرهان على أن دير مارون كان قد وجد على الأقل منذ بداية القرن السادس وبأن رهبانه كانوا خلقيدونيين . واكثر هذه الرسائل اهمية هي التي جرى ذكرها سابقاً ، والتي رفعها رؤساء الأديرة والرهبان في سورية الجنوبية إلى مجمع 518 والتي اتهمت سويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي بقتل رهبان من دير يُفترض بأنه دير مارون

اوردنا سابقاً جزءاً من نص هذه الرسالة مع مناقشة للظروف التي أدت إلى مقتل الرهبان والذي قام به سويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي . ان كيفية معالجة مجمع 536 لهذه الرسالة مهمة جداً سيما وانها تضمنت دليلاً عارماً ضد سويريوس الأنطاكي وأحد أساقفته . ومن المدهش أن المجمع الذي افتتح جلساته في 2 أيار 536 ، لم يناقش هذه الرسالة او يكترث بها . ولو أن أعضاء المجمع ناقشوا هذه الرسالة ملياً ، لكانوا عبروا على الأقل عن صدمة أو اسى للرهبان المقتولين . بل ليس هناك من دليل بأنهم أدانوا سويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي لتسببهما قتل هؤلاء الرهبان أو لمناهضتهما ايمان خلقيدونية وطومس لاون . نحن نعلم من الملحق المرفق بالرسالة أن البابا هرمزدا كان قد أدان سويريوس وبطرس بسبب أضاليلهما ( اي عقيدتهما الدينية ) لا بسبب قتلهما رهباناً أبرياء ماتوا من أجل إيمان خلقيدونية . غير ان هذا الملحق بالذات قد احتوى على ادانة أساقفة من بعض اصقاع إيطاليا إذ جاء فيه:

ليست مؤلفات سويريوس الشريرة ، والتي تجرأ فيها على شجب ايمان مجمع خلقيدونية المقدس ورسائل لاون الطيب الذكر بكلام تجديفي فحسب بل تشتمل على ادانات زعورا ومن هم في شركة معه ومع سويريوس أو الذين ظلوا ظالعين في ضلالهما

نعلم من هذا الملحق أن البابا هرمزدا وأساقفة من بعض اقطار إيطاليا لم يحاطوا علماً بأن مئات من الرهبان في سورية الجنوبية قد قتلوا بتحريض من سويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي . وجلّ ما يحتوي عليه الملحق في الحقيقة هو أن سويريوس أدين لمهاجمته مجمع خلقيدونية والرسائل (المقصود بها طومس البابا لاون) في مؤلفاته . إن الإشارة الوحيدة إلى قتل رهبان في سورية في قرارات مجمع القسطنطينية لعام 536 هي التي احتوتها رسالة الرهبان لمجمع 518 . من المدهش حقاً ألا تحظى وثيقة تروي جريمة منكرة كهذه بمناقشة أعضاء المجلس

أما الوثيقة الأخرى التي يستـشهد بها الموارنة لاثبات ادعائهم فهي رسالة رهبان سورية الجنوبية إلى البابا هرمزدا . من المهم الملاحظة أن رسالة الرهبان إلى مجمع 518 قد ادرجت في جدول اعمال مجمع القسطنطينية عام 536 ، بينما لم تدرج فيه الرسالة الموجهة إلى البابا هرمزدا ، بالرغم من احتوائها على اتهامات مماثلة اخصّها قتل رهبان من سورية الجنوبية . والسؤال هنا هل كانت هذه الرسالة أقل أهمية من تلك الموجهة إلى مجمع 518 ، أم أن الأمر كان مجرد إهمال أولئك المسؤولين عن تقديم وثائق إلى مجمع القسطنطينية عام 536؟ ومما يستحق الذكر هو ان كلتا الرسالتين كتبهما رهبان من سورية الجنوبية كانوا على ما يظن ضحايا دسائس سويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي للقيام بالمذبحة ، وأنهما تضمنتا احداثاً لها نفس الخلفيات والظروف . ومما يبعث على الدهشة أن رسالة الرهبان إلى البابا هرمزدا لم تدرج في مجمع القسطنطينية لعام 536 بالرغم من أنها كانت موجهة إلى حبر كنيسة روما (اي البابا) والذي كان الرهبان كما يبدو من رسالتهم الموجهة إلى هرمزدا ، يجلونه جداً . ومما يستوجب الذكر ايضا هو ان الموارنة وغير الموارنة من الكتّاب قد أشاروا إلى هذه الرسالة أو استشهدوا بها للبرهان على وجود الطائفة المارونية منذ القرن السادس والطعن بسويريوس الأنطاكي وبطرس الأفامي واشهارهما كقاتلين ومجرمين عاديين . لذا فإن مصداقية رسالة الرهبان إلى البابا هرمزدا أمر ذو أهمية كبيرة لا بالنسبة للموارنة والخلقيدونيين وحسب ، بل لأولئك السريان الأرثوذكس الذين يعتبرون سويريوس الأنطاكي قديساً لا غبار عليه ، فهو موضع فخر لهم والمدافع عن ” الإيمان الأرثوذكسي للقديس كيرلس الاسكندري ” . ولأجل إظهار مدى أهمية هذه الرسالة بالنسبة للموارنة ، فقد عمد كاتب ماروني بربطها برسالة الرهبان الموجهة إلى مجمع 518 للدلالة على أن الأحداث والظروف في كلا الرسالتين متـشابهة وبأن الكهنة الذين وقعوا كلتا الرسالتين كانوا في الغالب موارنة من سورية الجنوبية . إلا أن ما يثير دهشتنا إلى حدٍّ كبير هو أن هذه الرسالة لم تقدم إلى مجمع القسطنطينية عام 536 أو تتم مناقشتها فيه

ومهما يكن من امر فالذي يظهر ان المجمع لم يكن معينا جدا بقراءة مثل هذه الرسالة بل انه لم يستمع الى قراءة رسالتين من البابا هرمزدا ، بناءً على طلب الأساقفة الإيطاليين والشمامسة الرومان حتى الجلسة الخامسة المنعقدة في 4 حزيران . إحداهما مؤرخة في العاشر من شباط ، 518 ، والتي يعتقد بعض الكتّاب خطأً بأنها جواب البابا على الرسالة التي يزعم بأن الرهبان من سورية الجنوبية قد وجهوها إليه . أما الرسالة الثانية المؤرخة في 26 آذار521 ، فهي موجهة إلى ابيفانيوس بطريرك القسطنطينية الجديد تحتوي توجيهات تخصّ معاملة الكنيسة التي ” اضلّها ” سويريوس الأنطاكي والعمل على مصالحتها . وبأمر من البطريرك مينا ، قرأ أمناء سر كنيسته قرارات المجمع الذي عُـقد في سورية الجنوبية عام 518 والوثائق المتعلقة به . إلا أنه لا وجود لدليل بأن رسالة الرهبان الموجهة إلى البابا هرمزدا قد قُرأت في هذا المجمع . مما يقودنا إلى الاستـنتاج بعدم توفر وثيقة أخرى تثبت اصالة هذه الرسالة أو صحتها وبأن علينا أن نعتمد كلياً على البرهان الضمني لنص رسالة الرهبان إلى هرمزدا

تستهل رسالة الرهبان إلى هرمزدا بالعبارة التالية : ” إلى هرمزدا السامي القداسة والتبجيل ، بطريرك المسكونة جمعاء ” . واول ما يسترعي الانتباه هو عدم وجود دليل على أن ايّ من باباوات روما قد اتخذ يوماً مثل هذا اللقب أو وافق عليه . كان الباباوات قبل القرن السادس يدعون إما بالأساقفة أو بكبار كهنة روما . والحقيقة ان مجمع القسطنطينية عام 536 اشار إلى البابا هرمزدا بكونه ” المدبر الرسولي ” . ولكن إطلاق لقب ” بطريرك المسكونة ” على هرمزدا يدلّ إما على أن الرهبان كانوا يجهلون الأعراف الكنسية أو أن أحداً ما دسَّ هذا اللقب للبرهان على أنه كانت للبابا السيادة على كل العالم المسيحي . إلا أن هناك دليل على أن لقب ” بطريرك ” كان يستعمل حصراً لبطريرك أنطاكية ، بينما كان لقب بابا يستعمله أساقفة الاسكندرية الأقباط وبعدئذ ، في القرن السادس ، بدأ أساقفة روما باستعماله اعتباطاً . أما الأساقفة الآخرون ، كأساقفة القسطنطينية وأورشليم ، فكانوا يدعون فقط برؤساء الأساقفة . هناك دليل أيضاً على أن بطريرك القسطنطينية يوحنا الثاني ، الكابادوكي (518ـ520) كان يُخاطب في بداية القرن السادس على أنه بطريرك مسكوني أو بطريرك المسكونة ، وأن البابا لاون الأول قد اعترض على هذا اللقب

وحسبما يقول البابا غريغوريوس الكبير والبابا لاون التاسع بأن مجمع خلقيدونية أنعم بلقب البطريرك ” المسكوني ” على البابا لاون الأول إلا أن البابا وخلفاءه رفضوا هذه التسمية غير المناسبة . وبالرغم من أن قرارات مجمع خلقيدونية ورسائل البابا لاون صامتة حول هذه النقطة ، فهناك دليل وافر على أن الباباوات الذين خلفوه رفضوا هذه التسمية . كما اعترض باباوات روما أيضاً على استعمال بطريرك القسطنطينية لقب بطريرك المسكونة ، وقد احتدم الجدل بشأنه بين كرسي روما وكرسي القسطنطينية

وفي عام 587 ، التأم مجمع في القسطنطينية برئاسة يوحنا الصائم ، بطريرك القسطنطينية ، وأنعم رسمياً بلقب بطريرك المسكونة على بطاركة القسطنطينية . ولكن بيلاجيوس الثاني ، بابا روما ، اعترض على التئام المجمع دون معرفته وجادل بشأن استعمال بطاركة القسطنطينية لقب ” مسكوني ” . كما أوعز إلى نائبه في القسطنطينية بأن يتوقف عن شركة يوحنا ما لم يتخلَ عن لقبه . بالطبع رفض يوحنا التخلي عن لقبه هذا مما حدا ببيلاجيوس بإحالة المسألة إلى بطاركة الاسكندرية وأنطاكية الخلقيدونيين . وفي الوقت نفسه كتب بيلاجيوس رسالة إلى يوحنا قال فيها بأنه ما من بطريرك استعمل في أي وقت من الأوقات ” لقباً تجديفيا ” كهذا . كما اعترض أيضاً خليفته غريغوريوس الأول (590ـ604) على استعمال هذا اللقب . ويروي غريغوريوس بأن البطريرك ، يوحنا القسطنطيني سمى نفسه ” الأسقف المسكوني ” في المجمع المنعقد في القسطنطينية عام 578 . ثمّ يستـشهد البابا بتصريح غريغوريوس ، بطريرك أنطاكية الخلقيدوني في ذلك المجمع قائلاً : ” نحيطكم علماً أيها الأخوة أن يوحنا القسطنطيني ، كان في مجمع القسطنطينية يتصرّف بكونه مسكونياً متكبراً مفسداً للأخلاق ” . أي أنه اغتصب لقب مسكوني . وفي رسالته إلى يوحنا القسطنطيني ذاته ، يعترض البابا غريغوريوس الاول مرة أخرى على لقب “مسكوني” فيقول : “خوَّل يسوع القديسَ بطرس السلطة ، ومع ذلك لم يُدع بطرس رسولاً مسكونياً . مع ذلك نجد أن هذا الإنسان القديس ، زميلي الكاهن يوحنا ، يحاول أن يدعو نفسه بالأسقف المسكوني . إنني مرغم على الصراخ قائلاً : ” تبّاً لهذا الزمان ، تبّاً لهذا التصرف ”

تدلّ هذه الشهادات على أنه ليس واحداً من أسلاف البابا غريغوريوس استعمل مثل هذا اللقب ، وإلا لما اعترض غريغوريوس نفسه عليه بهذه الشدة . والنقطة الاساسية هنا هي أن لقب ” بطريرك المسكونة ” لم يكن متداولاً أو معروفاً في عام 517 ، عندما كتبت رسالة الرهبان من سورية الجنوبية إلى البابا هرمزدا ، وربما تكون التسمية قد اضيفت في وقت متأخر . وتمضي مقدمة الرسـالة فتصف هرمزدا بأنه ” مالك كرسي بطرس ، هامة الرسل ” . وهذا واضح في صلب الرسالة حيث يخاطب الرهبان هرمزدا قائلين : ” ألا انهض أيها الأب القديس وتعال لإنقـاذنا ، ثبت عينيك على بطـرس هامة الرسـل ، أنت يا من تحتل كرسيه ” . وهنا لا نريد ان نبحث شرعية التقليد البطرسي الذي تلتزمه كنيسة روما وتاريخيته ، ولكن بقدر ما يسعنا تأكيده ، فإن تقليد كنيسة أنطاكية يدل على أن القديس بطرس أسس كنيسة أنطاكية وكان أول أسقف لها . ولا ادلّ على ذلك من ان البابا انوسنت الأول (402ـ 417) يقول في رسالته إلى اسكندر بطريرك أنطاكية ، أن القديس بطرس ، هامة الرسل ، كان أول من تبوأ كرسي أنطاكية . وهناك دليل قاطع على أن كنيسة روما تحتفل بتأسيس القديس بطرس لكرسي أنطاكية في 22 شباط من كل عام . فضلاً عن ذلك ، يبدو من مخطوطة سريانية تعود الى القرن الخامس او أوائل القرن السادس أن أنطاكية ، وسورية ، وكيليكية ، وغلاطية وحتى بلاد البنط قد تلقت الكهنوت من سمعان كيفا (القديس بطرس) ، الذي أرسى أساس الكنيسة وبنى كنيسة في أنطاكية( والأكثر اهمية لما نرمي إليه هو أن ادعاء الرهبان الذين كتبوا الرسالة الموجهة إلى البابا هرمزدا ووقعوها ، سواء كانوا موارنة ( أي من دير مارون ) أم رهباناً من سورية الجنوبية ، بأن البابا هرمزدا كان ” المتربع ” على كرسي بطرس أو ” من يحتل ” هذا الكرسي هو ادعاء واهٍ لا يستند على اساس تاريخي . لأن الرهبان الذين عاشوا في سورية الجنوبية كانوا بحسب القانون الكنسي خاضعين لسلطة كرسي أنطاكية وبطريركها . بل كان هذا البطريرك أعلى سلطة يتطلع إليها هؤلاء الرهبان مع آلاف الرهبان في الأديرة في جميع أنحاء سورية لأجل القيادة والإرشاد . وليس هناك من دليل على أن هؤلاء الرهبان قد تطلعوا إلى روما او زعامتها

قد لا يكون بوسعنا أن ندرك النوايا الحقيقية لهؤلاء الرهبان ، ولكن يمكننا ان نستـنتج من هذه القصة أن باباوات روما والبطاركة الموارنة معاً يدّعون بأنهم وحدهم يتربعون على كرسي بطرس . والأكثر من ذلك ، فانه من غير المحتمل ألا يكون أولئك الرهبان ، أو على الأقل بعضٌ منهم ، وكذلك رئيسهم على معرفة بالجدل الذي قام بين روما والقسطنطينية حول القانون الثامن والعشرين لمجمع خلقيدونية ، والذي منح كرسي القسطنطينية امتيازات كافية تجعله اكبر منزلة من كرسي روما . ولهذا اعترض البابا لاون الأول على هذه الامتيازات . وفي رسالته إلى الإمبراطور مرقيان ، المؤرخة في 22 أيار 452 ، كتب بأنه من غير الممكن ان يستخدم أناطاليوس ، بطـريرك القسطنطينية هذه الامتيازات لإلحاق الاذى برؤساء الكنائس الأخرى . ونبّه لاون الإمبـراطور بأن امتيازات الكنائس التي ” حددتها قـوانين الآباء القديسين والتي اثبتتها مراسيم مجمع نيقية الموقر ، يجب ألا تداس ظلماً او يصيبها التغيير لمجرد ابتداع آراء جديدة ” . كما طلب البابا من الإمبـراطور بألا يؤيد ” محاولات أناطاليوس الآثمة التي تشكل خطراً على الوحدة المسيحية والسلام المسيحي وبأن يكبح رغبته الشريرة إذا ما تمادى بها ” . يمكن للمرء أن يعترض بالقول بأن هؤلاء الرهبان (كما يظهر من الرسالة المزعومة الموجهة إلى هرمزدا) كانوا قد أوفدوا أولاً اثنين من الرهبان يدعيان يوحنا وسرجيوس لعرض قضيتهم على الإمبراطور أناستاسيوس . ولما لم يعرهما الإمبراطور انتباهه بل طردهما لم يجد هؤلاء الرهبان جميعاً مناصاً سوى الالتجاء الى البابا هرمزدا طلباً للمساعدة . ومن المهم معرفته هنا هو ان العلاقة بين الإمبراطور أنستاسيوس والبابا هرمزدا كانت متوترة جداً كما تدل عليه الرسائل المتبادلة بينهما . كما ان العلاقة بين القسطنطينية وروما كانت بدورها متوترة ولم تعد إلى طبيعتها الى ان ارتقى يوسطين الأول العرش عام 518 . ولما كان يوسطين لاتينياً ومناصراً قوياً لمجمع خلقيدونية صمم على المصالحة مع هرمزدا

يضع أحد الكتّاب المعاصرين التماس الرهبان من سورية الجنوبية الموجه إلى هرمزدا في سياق مختلف كلياً لكنه أكثر قابلية للتصديق . يقول بيتر شرانس ، الذي اسهب في دراسته لسياسة أنستاسيوس الدينية بأن العلاقات بين سويريوس الأنطاكي وبعض أساقفته كانت متوترة وبأن العديد منهم رفضوا قبول سلطته . كما ان الإمبراطور وان كان قد انحاز إلى جانب سويريوس لكنه رفض في إحدى المرات استعمال سلطته الإمبراطورية لإرجاع الأساقفة المنشقين إلى النهج القويم . حاول أنستاسيوس تحسين علاقاته مع البابا هرمزدا وكان يتوقع وفداً من روما . إلا أن الجهود الرامية للمصالحة من جانب الإمبراطور لم تغير من موقف سويريوس حيال الأساقفة المنشقين وهذا ما أدى في النهاية إلى اتجاه العديد من الكنسيين من سورية الجنوبية إلى روما وتوقيعهم على Libellus وهو اعتراف هرمزدا الإيماني الذي لم يحرم فيه هؤلاء الأساقفة فقط مناوئي مجمع خلقيدونية بل حرموا أيضاً القادة الذين كانت لهم يد في انفصال بطريركية القسطنطينية عن روما . ربما يبدو موقف سويريوس الانطاكي من الأساقفة المنشقين الذين حاول أن يرجعهم إلى الطاعة عن طريق الصبر وتطبيق القوانين الكنسية على شيء من الصلابة . ولكن الاكثر أهمية هو أن شرانس ، الذي كان قد درس الوضع الديني في عهد أنستاسيوس بشكل واف ، وبالاخص اهتمام العلاقات المتوترة بين سويريوس الأنطاكي ورهبان وأساقفة سورية الجنوبية لا يُـشير أبداً ، بشكل مباشر أو غير مباشر ، إلى رسالة الرهبان إلى البابا هرمزدا والتي يتهمون فيها سويريوس وبطرس الأفامي بقتل 350 راهب منهم . كما أن المؤرخ أ . أ فاسيلييف ، الذي اشبع هذا الموضوع درساً وتمحيصاً لا يذكر أيضاً هذه الرسالة أو محتوياتها . اليس هذا مدعاة للغرابة ؟ أما التـفسير الوحيد لصمت هؤلاء الكتّاب بخصوص هذه الرسالة فهو أنهم ربما اعتبروها عرضة لانتقاد شديد بحيث لا تستحق الانتباه . والأكثر غرابة من ذلك هو عدم قيام أي كاتب ، وخاصة بيتر شرانس بالإشارة إلى أن رهبان سورية الجنوبية قد ارسلوا مبعوثين يدعيان يوحنا وسرجيوس إلى الإمبراطور أناستاسيوس للشكوى من جرائم سويريوس الأنطاكي وأسقفه بطرس المزعومة ، أو أن الإمبراطور أهان هذين المبعوثين وطردهما . من المدهش أن تُترك مسألة هامة كهذه دون تدوين رسمي أو سواه ما عدا ورودها في هذه الرسالة . ومما يدعو إلى المزيد من الدهشة أن رسالة ” هامة ” كهذه قد فاتت انتباه الكتّاب اجمعين منذ عام 517 وحتى القرن السابع عشر

والآن نصل إلى الجزء الحاسم في رسالة الرهبان إلى هرمزدا حيث يدّعي الرهبان الذين وقعوا الرسالة بأنهم هوجموا في الطريق إلى دير القديس سمعان العمودي في أمر يخص الكنيسة . يقول الرهبان :

هاجمنا سويريوس وبطرس الوقحين في الطريق وقتلا ثلاثمائة وخمسين منا وجرحا آخرين . اما الذين تمكنوا من اللجوء إلى المذبح المقدس فقد ذُبحوا فوراً وأُحرق الدير . هذان الرجلان المتوحشان ذاتهما طردا ليلاً عدداً كبيراً من الناس الذين اصابهم الرعب وآخرين استبقوا على حياتهم بدفعهم الفدية ، بينما كانا في هذه الأثناء ينهبان الممتلكات الضئيلة للكنيسة

تدل هذه الرسالة على أن سويريوس وبطرس لم يتهما فقط بقتل 350 راهباً ، بل أيضاً بجرح آخرين وحرق الدير وتهديمه . ان الرسالة لا تذكر هذا الدير بالاسم ، لكن يظهر من السياق أنه دير القديس سمعان العمودي . فضلاً عن ذلك ، كما يُزعم ، قد تمّ قتل العديد من الرهبان الآخرين الذين تمكنوا من اللجوء إلى المذبح المقدس لذلك الدير . واذا عدنا الى رسالة الرهبان إلى مجمع 518 نجد انها تضيف جرائم اخرى منها أن سويريوس وأسقفه بطرس استخدما يهوداً وعواماً ورهباناً تحت أمرتهم لمهاجمة الرهبان وقتل بعضهم وأسر البعض الآخر . وبعد تجريدهم من ملابسهم اخذوا باستعراضهم علانية أمام الملأ . (تمَّ الاستـشهاد بجزء كبير من هذه الرسالة في الفصل السابق)

هذه ” الجرائم ” المنسوبة إلى سويريوس الأنطاكي وأسقفه ليست جرائم تافهة . فنحن هنا نواجه عدداً من الجرائم المنكرة ذهب ضحيتها أناس أبرياء بالاضافة الى نهب كنائس والقيام باعمال منافية للاخلاق كاستخدام عاهرات لشبان متهورين من خارج الدير . من الصعب جداً تصديق أن هذه الجرائم ارتكبتها شخصيات كنسية شهيرة مثل سويريوس وبطرس وفي الوقت نفسه لم تعر انتباه السكان والسلطات في سورية أو انتباه السلطات المدنية في القسطنطينية . ومما لا سبيل إلى تصديقه ايضاً هو أن هذه الجرائم فاتت انتباه خصوم سويريوس الأنطاكي ، اخصهم اعداؤه من الكتّاب والكهنة الخلقيدونيين . والاكثر من ذلك فانه من المحال التصديق أن يكون سويريوس الأنطاكي قد ذهب إلى القسطنطينية بدعوة من الإمبراطور يوسطنيان الخلقيدوني النزعة ومع ذلك لم يكترث الإمبراطور أو أعداء سويريوس بإثارة موضوع هذه الجرائم أو مواجهته بها ، بالرغم من أنه مكث أكثر من سنة في القسطنطينية مغادراً إياها فقط قبل وقت قصير من انعقاد المجمع في تلك المدينة عام 536 . والامر الذي لا يمكن تصديقه اكثر من ذلك هو أن الإمبراطور يوسطنيان الذي دعا سويريوس إلى العاصمة لمناقشة وحدة الكنائس ، لم يكن يدري أن يدي هذا البطريرك المسن كانتا ملطختين بدماء بريئة . إلا أن هناك دليلاً أن الإمبراطور ، ولأسباب عقائدية دينية بحتة ، نشر في السادس من آب 536 ، مرسوماً عاماً ( مرسومه الجديد الثاني والأربعين ) يدين فيه سويريوس ، وانتيموس ، وبطرس الأفامي وزعورا ، ويعرضهم وأنصارهم لأقصى العقوبات . إضافة إلى ذلك ، أمر الإمبراطور بأن يقوم كل من اقتنى كتب سويريوس الأنطاكي بإحراقها . كما أمر بمصادرة منزل ومقتنيات كل من استقبل سويريوس ، وانتيموس ، وزعورا وبطرس أو أنصارهم في منزله وتسليمها إلى الكنيسة . من الغريب جداً أن يغفل الإمبراطور الذي اطلق مثل هذا الحكم القاسي على سويريوس وبطرس الأفامي الإشارة إلى الجرائم الفظيعة التي يُـزعم بأنهما قد ارتكباها

إن السؤال الآخر الذي يتبادر الى الذهن هو كيف يمكن لجرائم منكرة كهذه أن تغرب عن بال المؤرخ إيفاغريوس . يعتبر إيفاغريوس ذا أهمية كبرى في ما يخصّ موضوعنا لعدة اسباب . فقد كان سريانياً ومن أهالي ابيفانيا (حماه حالياً في سورية) وهي غير بعيدة عن أفاميا ، كرسي بطرس الأسقفي . بعبارة أخرى وُلد وترعرع في سورية الجنوبية حيث عاش مارون . وفي ايام شبابه زار ايفاغريوس افاميا في صحبة أبويه لمشاهدة عرض خشبة الصليب المقدس . كان يعرف أنطاكية جيداً كما زار القسطنطينية . من ناحية المهنة كان محامياً ومن الناحية العقائدية كان خلقيدونياً ولم يكن بحال من الأحوال متعاطفاً مع سويريوس الأنطاكي ومن هم من عقيدته . عاش في الواقع في فترة قريبة جداً من مسرح الأحداث في سورية عندما كان سويريوس بطريركاً لأنطاكية (512ـ518) . وكان مولده عام 536 ، وهو نفس العام الذي أعلن فيه المجمع المنعقد في القسطنطينية إدانة سويريوس وبطرس الأفامي ، وإحراق مؤلفات سويريوس . نعلم من تاريخ أيفاغريوس بأنه بدأ كتابته عام 593 حيث كان هناك العديد من الناس في زمنه الذين شهدوا تعاقب الأحداث في سورية منذ الزمن الذي كان فيه سويريوس بطريرك أنطاكية على قيد الحياة . يقول أيفاغريوس في العـديد من المواضع ، بأنه تلقى معلوماته كما ” نقلت إلينا من آبائنا ” أو ” نقلت إلينا ممن جعلوها محط انتباه ” . لذا يبدو أن هناك ما يدفع على الاعتقاد بأن أيفاغريوس هو مؤرخ معقول الكلام حي الضمير

بحث إيفاغريوس في ارتقاء سويريوس السدة البطريركية والتوتر الذي نشب نتيجة للاختلافات الحاصلة بينه وبين بعض الأساقفة الخاضعين لسلطته حول مجمع خلقيدونية . كتب سويريوس وفقاً للقانون الكنسي ما كان يدعى آنئذٍ برسائل ” مجمعية ” أو ” تـنصيبية ” (مماثلة لخطاب التتويج الملكي) إلى سائر أساقفته طالباً منهم الامتثال لعقيدته المخالفة لعقيدة خلقيدونية . ويقول إيفاغريوس في هذا الصدد أن بعض الأساقفة الخاضعين لأنطاكية أرغموا على الامتثال كمارينوس أسقف بيروت؛ كما “وافق آخرون بالقوة والإكراه على رسائل سويريوس المجمعية” . ويستمر إيفاغريوس قائلاً بأن أساقفة آخرين ، بعد ان ادلوا بموافقتهم بالإكراه ، ” سحبوها ومن بينهم الأساقفة الخاضعون لأبرشية أفاميا ” . أما الآخرون الذين اختلفوا مع سويريوس فقد تخلوا عن كنائسهم (جوليان أسقف بصرى ، على سبيل المثال ، وبطرس الدمشقي) . هنا نجد إيفاغريوس يستعمل تعابير ” القوة والإكراه ” بكونها استخدمت لحمل الاساقفة على الاذعان للرسائل المجمعية التي وجهها البطريرك ، لكنه لا يُـشير أبداً إلى استعمال العنف الجسدي أو إلى إراقة الدماء . ومع ذلك يحاول الكاتب المعاصر كلانفيل داوني ، الذي يستـشهد بإيفاغريوس بهذا الخصوص ، بقوله بأنه يظهر بأن إيفاغريوس كان يعني بتعبيري ” القوة ” و ” الإكراه ” العنف الجسدي ، بالرغم من أن نصه يبدو بأنه ينطوي على استعمال التعبير biai kai anagkei . إن داوني في قوله ” أن هناك سبباً وجيهاً يدعو إلى الاعتقاد بأن سويريوس واتباعه قد استخدموا العنف الجسدي ضد مناوئيهم ” ، يبدو مغالياً في وصف حقيقة الوضع . اليس من الغريب أن إيفاغريوس الذي اتهم سويريوس الأنطاكي باستعمال القوة والإكراه ضد معارضيه ، لم يذكر شيئاً حول دور سويريوس في مقتل ثلاثمائة وخمسين راهباً ؟ واكثر من ذلك ليس لدينا دليل على أن من شهدوا هذه المجزرة ، أو على الأقل سمعوا بها قد نقلوها إلى أبنائهم وأحفادهم . بل لم يقم ، في الواقع أي مؤرخ كنسي أبداً وخاصة ثيوفانس ، الذي لم يكن متعاطفاً مع سويريوس ، بذكر هذه المذبحة . من المعروف تاريخياً ان خبر هذه المجزرة اثير لأول مرة في أواخر القرن السابع عشر ، عندما بدأ بعض الكتّاب بالإشارة إليها . حتى العلاّمة يوسف السمعاني (1688ـ1768) ، وهو خلقيدوني صلب وأسقف ماروني ، وهو من يصفه الكاتب الماروني رشيد الشرتوني بـ ” سلطان العلماء ” كان صامتاً على ما يظهر حول هذه المسألة . فضلاً عن ذلك ، لا يمكننا أن نغفل رأي الكاتب الكاثوليكي السرياني المطران اقليميس يوسف داود الذي يصف سويريوس الأنطاكي بـ ” الملحد السيء السمعة ” . فقد ذكر داود بالفعل رسالة الرهبان الموجهة إلى هرمزدا مرة واحدة فقط . ولم يـشر إلى مقتل350 راهباً . والحقيقة ان داود يورد جزءاً من الرسالة فقط لغرض تفنيدها . ومهما يكن من امر فان البطريرك اسطفان الدويهي (ت 1704) كان احد أوائل الكتّاب الذين استـشهدوا بهذه الرسالة للبرهان على أن دير مارون كان موجوداً منذ القرن الخامس وبأن قاطني الدير اضطهدوا بسبب دفاعهم عن ” المجمع المقدس ” ، ويعني به مجمع خلقيدونية . هناك كاتب آخر من أوائل من أشاروا إلى المذبحة المزعومة لهؤلاء الرهبان وهو المؤرخ الانكليزي أدوارد جيبون ( 173ـ1794) الذي كتب عن اسباب سقوط الامبراطورية البيزنطينية . يقول جيبون أن ” طاغية سورية ، (يعني سويريوس) ، قد فرض عقيدته بالقوة وكان حكمه ملطخاً بدم ثلاثمائة وخمسين راهباً ، قتلوا بدون استفزاز او مقاومة تحت أسوار أفاميا ” . إن جيبون لا يقدم مصدراً لقوله هذا لكن محرره يحيلنا إلى رسالة رهبان سورية الجنوبية الموجهة إلى البابا هرمزدا . وبما ان جيبون لا يُضيف اية معلومات حول هذه القضية لذا كان من الصعب قبول قوله . وبالرغم مما أعلنه جيبون لم يقم أي كاتب في الغرب بتحليل ونقد مصدر هذه المذبحة المزعومة وظروفها كما روتها الرسالة . غير أن بعض كتّاب معاصرين كارنست هونيغمان ، روبرت س . كروفود ، وهـ .س فريند ، فرنسيس دفورنيك وغيرهم اشاروا إلى الرسالة والحادثة المزعومة ولكن دون دراستها موضوعياً او الاعتراض على صحتها

اترك تعليقاً