ما هي لغة الموارنة القديمة؟

ما هي لغة الموارنة القديمة؟ هنري بدروس كيفا

ما هي لغة الموارنة القديمة؟
هنري بدروس كيفا
أهدي هذا المقال الى جميع الأخوة الموارنة الذين يناضلون مثلنا لإحياء اللغة السريانية بين جميع مسيحيي لبنان بشكل خاص و بين مسيحيي شرقنا الحبيب بشكل عام .
قبل ذكر الجواب البديهي العلمي أحب أن أؤكد أن ما أذكره قد وقع فعلا لي و نظرا لإلحاح بعض الإخوة سوف أنشر هذا الموضوع و إنني أكيد أن رفاقي ( ١٩٧٨) في الجامعة اللبنانية الفنار يتذكرون هذا الموضوع …
أخيرا الغاية الأولى هي النقد البناء …
كما أن لي هدف غير مباشر و هو الرد على أحد الإخوة الذي ذكر لي ” لما تقول أن الدكتور صوما هو باحث أكاديمي نزيه !
فكل باحث في التاريخ يجب أن أكاديميا …” سأسرد حادثة وقعت معي تثبت أن بعض الباحثين يزيفون التاريخ من أجل مبادئهم السياسية .
أولا : ما هو الموضوع الذي و بعد ٣٤ لا يزال عالقا في ذاكرتي ؟
* سنة ١٩٧٨ كنت في السنة الثانية في قسم التاريخ و كان عندنا سبع مواد إو مواضيع تاريخية في برنامجنا الدراسي.

كان رئيس قسم التاريخ بنفسه يلقي علينا درس تاريخ لبنان الوسيط .
و كنا نهتم كثيرا في هذا الموضوع لأن استاذنا الدكتور (…) كان رئيس قسم التاريخ و كان من المؤيدين لأحد أكبر الأحزاب اللبنانية المسيحية في ذلك الوقت !
* لقد ركز كثيرا الدكتور (…) على موضوع الإختلافات بين العرب القادمين الذين إحتلوا أراضي لبنان حسب قوله (الإسم التاريخي في ذلك الوقت لتلك المنطقة كان فينيقيا الأولى أو فينيقيا الساحلية ) و سكان لبنان و كان يسميهم تارة الموارنة و طورا السكان الأصيلين .
* الإختلافات الرئيسية هي كما كتب على اللوح : الديانة الإسلامية للعرب و الديانة المسيحية لسكان لبنان , ثم الجغرافيا العرب قادمون من الصحراء بينما سكان لبنان يعيشون في مناطق جبلية دفعتهم للدفاع عن حريتهم !
* هل يرى القارئ إختلافا جوهريا بين العرب و” الموارنة ” سنة ٦٣٦م؟
أنا السرياني الشاب ( ٢٢ سنة ) الطالب الجديد في علم التاريخ رفعت يدي و قلت و بكل ثقة ” يا أستاذ هنالك إختلاف جوهري و هو اللغة فالعرب يتكلمون اللغة العربية بينما الموارنة يتكلمون اللغة السريانية !”.
لم يعلق الأستاذ على ما أنا ذكرت و لا أعرف إذا رفاقي قد نقلوا تعليقي أم لا …
ثانيا : المشكلة إمتحانات آخر السنة ( صيف ١٩٧٨ )!
* مثل الوزنات … كل إنسان عنده مواهب عديدة كما ورد في الإنجيل :
منهم عشر وزنات و منهم خمس وزنات و أخيرا وزنة واحدة فقط .
لقد كنت أشعر في تلك السنة أنه يجب أن أنمي معرفتي في التاريخ و أحصل على علامات عالية تسمح لي أن أكون من المتفوقين كي أكمل تحصيلي العلمي في فرنسا.
* كانت مادة ” تاريخ لبنان الوسيط ” تأخذ مني كثيرا من الوقت ربما لأن أستاذي الدكتور (…) له نظرة سياسية لتاريخ لبنان أكثر من أن تكون أكادمية فطبعا لم يذكر يوما أن الموارنة هم سريان و عندما تكلم عن المردة لم يذكر أيضا أن علمهم كان رسم صليب مكتوب عليه باللغة السريانية ” بك نطعن أعدائنا “!
* عندما كنت أراجع دروسي وقع نظري على موضوع ” الإختلافات بين العرب و الموارنة ” و فجأة تذكرت أن أستاذي لم يعلق أي لم يؤيد و لم ينف مما دفعني أن أسأل نفسي ” و إذا طرح نفس الموضوع في الإمتحان ماذا تجيب يا هنري الشاطر ؟ “.
أعتقد أن من يعرفني عن كثب يعرف ما هو الجواب !
* حظي السعيد !
نعم ثم نعم السؤال مطروح في أسئلة الإمتحان و قد أجبت كل ما علمنا إياه الأستاذ (…) و قد ذكرت أيضا (أنظروا كم كنت شاطرا) أن الموارنة كانوا يتكلمون السريانية لغتهم الأم بعكس العرب!
هدفي كان بسيطا جدا (ليس فقط النجاح كما كان يفكر غالب الطلاب) و لكن الحصول على أعلى علامة ممكنة!
* هل كان حظي تعيسا أم أن أستاذي (…) لم يكن نزيها!
لقد نجحت في ست مواد و حصلت على أعلى علامة في ثلاث مواد و ثاني علامة في ثلاث مواد و لكنني رسبت في مادة ” تاريخ لبنان الوسيط “!
و هذه كانت المرة الوحيدة التي أسقط فيها خلال دراستي في الجامعة اللبنانية (٤ سنين ليسانس و سنتين ماجيستر).
* لقد أجبرت في نهاية صيف ١٩٧٨ على إعادة تقديم إمتحاني في مادة تاريخ لبنان الوسيط و بالرغم من تمضية الصيف في التحضير فإنني كنت خائفا أن يسأل مرة ثانية حول هذه المواضيع الحساسة التي يحاول الموارنة تجاهلها !
الشكر لله لقد نجحت في الإمتحان الثاني و أشفق علي أستاذي (…) و أعطاني علامة ٥٠ على مائة أي أقل علامة حصلت عليها في الجامعة !
الخاتمة
سألني صديقي : ” هل تكلمت مع أستاذك و شرحت الأمر له ؟ ”
لقد كنت حزينا جدا لحصولي على هذه العلامة ٥٠ على مئة و لكنني لم أشعر بالرغبة في فتح الموضوع مع ذلك الأستاذ ربما لأنني كنت في تلك الفترة مؤمنا مسيحيا متشددا.
لقد حققت الكثير من أهدافي و كنت من المتفوقين في قسم التاريخ و حصلت على منحة دراسية (دكتورا دولة لخمس أعوام) و سافرت الى باريس في نهاية سنة ١٩٨٢ و كنت أذهب الى الكنيسة المارونية في قلب باريس .
و قد إلتقيت في صالون الكنيسة بعدة أساتذة لي و طبعا سلمت عليهم بحرارة لأنهم كانوا يطلبون لقائي!
في أحد الأيام كنت في صالون الكنيسة و إذا بي ألتقي وجها لوجه بأستاذي الدكتور (…) و طبعا مررت بالقرب منه بدون أن أسلم عليه لأنني تعرفت في جامعة السوربون على أساتذة أمينين لعلم التاريخ !
أخيرا ما هو الجواب على السؤال ” ما هي لغة الموارنة القديمة ؟ ”
الجواب العلمي هو اللغة السريانية و أكثرية ساحقة من الموارنة تتجاهل هذه الحقيقة ربما لإخفاء تخاذلها في تعليم اللغة السريانية ( على الأقل ) في مدارسها الخاصة!
أشكر الله بأنني تعرفت على عشرات الشباب من الموارنة الذين تعلموا اللغة السريانية و يعلموها بدورهم و هم يؤمنون بأننا جميعا ننتمي الى شعب واحد و لنا لغة أم واحدة هي اللغة السريانية الآرامية!
ملاحظات مهمة :
١ – إن الطفل قد يفقد أمه و ربما يتزوج والده و لكن – إن كان الطفل لا يتذكر أمه – فإن جميع أفراد العائلة يعرفون جيدا من هي والدته الحقيقية
٢- اللغة الأم لأخوتنا من السريان الموارنة هي اللغة السريانية الآرامية
و إن كانوا اليوم يتكلمون بطلاقة اللغات العربية و الفرنسية و الإنكليزية !
٣- مهما إبتعد بعض مسيجيي لبنان عن هويتهم السريانية الآرامية فإن
لهجتهم اللبنانية لا تزال تحمل مئات المفردات و التعابير السريانية
الآرامية .
٤- الحمدلله هنالك اليوم مؤسسات سريانية مارونية تناضل من أجل إعادة
تعليم اللغة السريانية لأنها تعلم إنه من المستحيل أن نتنكر لهويتنا و للغتنا
الأم و أن ندعي الغيرة و التقدم الحضاري .
٥ – لا أحد من السريان الشرفاء يريد أن يفرض على مسيحي لبنان أن
يتعلموا اللغة السريانية و لكن النضال من أجل إستمراريتهم يفرض عليهم
تعلم لغتهم الأم .
٦ – صحيح إنني لم أصافح ذلك الدكتور الذي تلاعب بتاريخ مسيحيي
لبنان و كان يدعي بتواجد السريان الموارنة قبل الإحتلا ل العربي المسلم
و لكنني متفائل و أشكر كل الأخوة في لبنان الذين يناضلون لتعليم اللغة
السريانية.