كلمة Évêque Jean Elias في مبنى الأمم المتحدة جنيف 04 تموز 2019:

الكلمة التي ألقيتها في مبنى الأمم المتحدة جنيف 04 تموز 2019:
.

‏‎Évêque Jean Elias

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏
بما أننا إخوتي وأخواتي جمعنا الله في هذا اليوم هنا لنلتقي حول السلام فاسمحوا لي أن أبدأ كلامي بهذه الجملة :
.
بسم السلام والمحبة
.
إننا نستشعر قيمة الأشياء الحقيقية فقط عندما نفقدها ..
فعندما نمرض نشعر بقيمة الصحة ..
وعندما نفتقر نشعر بأهمية الازدهار المادي ..

فعبر تاريخ العرق البشري وفي نظرة سريعة فاحصة، نرى كمَّاً هائلاً من الصراعات والآلام والمجازر والحروب نرى :
( الفقر .. المجاعات .. والأوبئة )

وعبر التاريخ كنا ندور في حلقةٍ مفرغة، وتكرارٍ رتيب للأحداث بأشكالٍ وألوانٍ مختلفة.

لقد انتقل الكائن البشري عبر مراحل عمره على هذه الأرض من مرحلة الطفولية البدائية إلى مرحلة التنظيم والإدارة ثم إلى الدول والكيانات.

وهنا بدأ تضارب المصالح بين الجماعات البشرية المختلفة. وهذا التضارب في الرغبات والمصالح كان عبر التاريخ يفضي إلى مزيد من الأوجاع والآلام والحروب التي ربما لها جانب واحد إيجابي فقط وهو أن تشعرنا بأهمية وقيمة السلام العالمي والتواصل والحوار.

في المراحل السابقة كان حالنا كحال الطفل الذي يريد أن يستكشف كل شيء ويختبره ولابد من أن تصيبه بعض الأضرار ليتعلم ألاَّ يقترب من الأشياء المؤذية.

لكن المعرفة والخبرة التراكمية وما قدمه لنا السادة المعلمين الكبار وأساتذة العرق البشري جعلتنا أكثر قدرة على اختيار أسلم الطرق لحل المعضلات.

نحن اليوم على أعتاب منعطفٍ حسّاسٍ ودقيق جداً في تاريخ البشرية على مستوى الفكر والنضوج والمعرفة. فإما أن نتعلم من تاريخنا الطويل، ونستفيد من عثراتنا ونضع خلافاتنا موضع الحل وندرك أننا عائلة كبيرة ومتنوعة وهذا التنوع والاختلاف يثري ويغني هذا العرق، أو أن نختار البقاء في الدوران حول أنفسنا ومشاكلنا والغرق في الظلمات.
.
لماذا ندعو إلى السلام والحوار والمحبة ؟!
.
لأننا تعلمنا أن الأشياء تُحارب بأضدادها وليس بأمثالها.
تحارب الكراهية بالمحبة ..
والظلام بالنور ..
والجهل بالمعرفة ..

إذ لا يستقيم أن تُطْفأ النار بالنار. ولا يستوي أن تُعالج الكراهية بالكراهية. فهنا نقع في حلقة الفعل ورد الفعل التي لا تنتهي.

فمن أجل هذا على الجماعات البشرية أن تُدرك وتعي أنَّ الحل الأمثل لكل مشكلة وخلاف هو الحوار والتقارب وفهم الآخر.

وكلنا يعلم أنه في كل مكان وزمان، هناك أناسٌ أبرياء يدفعون الثمن ضريبة باهظة جداً نتيجة عدم قدرتنا على إيجاد الحلول بطرق مغايرة لما اعتدنا عليها.

ذلك الطفل المُمدد على قارعة الطريق يرتجف من الخوف والبرد حافياً جائعاً على ناصية شارعٍ في وطني سورية لا يمكنه أن يفهم ما الذي تعنيه كلمة عقوبات دولية.
هو يراقب سياراتٍ فارهة تمر على الطريق، محمية بجنود مدججين بالسلاح، يوقظه من هذا المشهد أنين معدته الخاوية، وهو يسمع أخْبَار حروبٍ وصراعاتٍ وأساليب معاقبة يدفع وحده ضريبتها ويتحمل على كتفيه الصغيرين أعباءها.

فإن أنت جلست في زاويتك، وأنا جلست في زاويتي، ستظل أنت ترى ما تراه، وأنا أرى ما أراه، ولا شيء سيتغيّر.

قم ضع يدك بيدي، لترى بعيني وأرى بعينك، تفهمني وأفهمك، ثم نلتقي على ما يجمعنا ويوحدنا.

لأنَّ هؤلاء الأطفال الذين يولدون الآن في هذه اللحظة في سورية .. العراق .. لبنان .. الصين .. ألاسكا .. فرنسا، أو أي دولةٍ في العالم. إنهم أنقياء مثل الله لم يتم إفسادهم بالأفكار الخاطئة بعد، ولم تتم برمجتهم ليكونوا ما يريد لهم الذين حولهم أن يكونوا.
“الحق أقول لكم لا يدخل ملكوت الله إلاَّ من كان كهذا الطفل”. هكذا قال المعلم الأكبر للبشرية.

وفي هذه المقولة أعماق وأغوار علمية وفلسفية وفكرية عظيمة جداً لمن يريد الحكمة والمعرفة.
نحن أيها السادة نتحمّل مسؤولية أجيال قادمة نلقي بها في عالم مضطرب وقلق ومتخبط في الظلمات والحروب والمجاعات والفقر.
.
قال لي أحد صنّاع القرار يوماً ما :
.
ما هو الحل الأفضل للتخلص من مشكلة المهاجرين واللاجئين فقلت : اجعلوا تلك البلاد مثل بلادكم فكرياً واقتصادياً، وآنئذٍ لن يأتوك إلاَّ كسيّاحٍ وتجّارٍ ومفكّرين.
كم هو أقرب إلى السلام أن تتعامل مع أشخاص مزدهرين فكرياً ومادياً، على أن يكون تعاملنا مع جموعٍ غفيرةٍ مشحونة سلبياً، ومتخمة بالقهر والإحساس، بالظلم والاضطهاد، وغياب العدالة والمساواة.

نحن اليوم نقف على أعتاب مرحلة جديدة من مراحل الوجود البشري على ظهر هذا الكوكب الذي يسمى (الكرة الأرضية).

إنها مرحلة النضوج الإنساني والوعي الكلّي. مرحلة التنوير الحقيقي للعقل البشري والروح الإنسانية.

نحن نسعى جاهدين لنحرق أرواحنا وعقولنا لننير ظلمة هذا العالم. قليل من النور يمحو الكثير من الظلمة.

نحن ندعو الجميع إلى فتح نوافذ أرواحهم لتدخل الشمس، وتحرق كُلَّ عفن الماضي.
نحن هنا لنشير إلى طريق الحب والسلام الذي لا آلام فيه ولا أوجاع ولا صراعات.
بل فيه ألف عامٍ من السلام والازدهار والتعاون والتقدم البشري ليس على المستوى المادي فقط، بل على المستوى الروحي والفكري والتنويري. وما الظلمة في حقيقتها سوى غياب النور.

نحن نقف اليوم تحت قبّة جمعيةٍ عريقةٍ وعظيمة قدّمت الكثير من الجهد والعمل المضني على مدار عقود طويلة من أجل خدمة المجتمع الإنساني في الإغاثة والتفاوض وحل المعضلات وإيجاد سبل أفضل للتواصل بين الأمم.

هذه الجمعية السامية النبيلة، نجحت في كثير من المواضع وبذلت جهداً كبيراً في مواضع أخرى، وفي بعض الحالات كان لها شرف المحاولة.

الأمم المتحدة .. تسمية عظيمة لقيادة العرق البشري نحو الخلاص والسلام والمحبة.
نحن بالحقيقة يجب أن نعمل جاهدين على أن نكون قولاً وفعلاً كأممٍ بشرية على هذه الأرض. أمماً متحدة ومتعاضدة ومتعاونة لأجل خير بني الإنسان.

لابد من إزالة كل الحواجز والمعوقات الفكرية والمادية التي تُقَّسِمنا إلى جماعات ضيّقة ومنغلقة وخائفة من بعضها البعض.

ولابد لنا من ترك كل ما تعلقَّ بنا من الماضي وذكرياته الأليمة وموروثه السلبي، لنعيش معاً عصراً جديداً بقلوب نقية ونظيفة ومنفتحة على الجميع، على أسس جديدة، وقيَّم جديدة، تفتح لنا كعرقٍ بشري آفاق أرحب وأكثر نوراً وسلاماً وتفاهماً.

لأنَّ أولئك الذين يعيشون في الماضي سيبقون عالقين هناك مقيدين بسلاسل فكرية وروحية.

أما الذين يعيشون الحاضر مستفيدين من خلاصة التجارب مُتَطَّلعين وساعين نحو مستقبل أفضل للبشرية، فأولئك هم مشاعل النور التي تنير الطريق.

أدعوكم اليوم أيها السادة لكي نفتح معاً بوابة العصر الجديد.
بوابة تغيير النظام الذي نقود به أبناء هذا العرق.
بوابة الإنطلاق نحو التوحّد الحقيقي بين أمم الأرض.
بوابة الإنعتاق من كل القيود والمعوقات التي تشدنا نحو الخلف وتُجَّمد حركة انطلاقنا. لنفتح معاً بوابة العصر الجديد نحو الحب والسلام والتآخي. حيث تغدو الرماح سككاً للحراثة، والسيوف معاول للزراعة.

ألا ترون معي أن ذلك الشخص الذي ينتقل من مجتمعٍ منغلق على ذاته ويتعَّرف إلى شعوبٍ أخرى وثقافات مغايرة لثقافته، يصبح أكثر حكمة ومعرفة، وأكثر نضجاً، ويرتفع مستوى وعيه الإنساني ليدرك أن الاختلاف هو مجموعة من الألوان التي تضفي جمالاً وروعة على كل شيء.

كم هو مقيتٌ ومحدود العقل ذو اللون الواحد. والمجتمع ذو اللون الواحد.
تعالوا معاً نكسر كل الحدود والحواجز الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعلنا غرباء عن بعضنا وخائفين بنفس الوقت من بعضنا لنتحاور ونتبادل المعارف ووجهات النظر والآراء على أسس المحبة والهدف الجامع وهو خير الكل.
.
تعالوا نتعاون كما قال الكاتب لافونتين :
“ساعدوا بعضكم بعضاً فواحدكم ليس وحيداً في الطريق، بل هو جزءٌ من قافلةٍ تمشي نحو الهدف”.
وكما يقول المفكر العربي ابن خلدون:
“النوع الإنساني لا يتم وجوده إلاَّ بالتعاون”.
وتقول الناشطة الأمريكية والكاتبة هيلين كيلر :
“وحدنا يمكننا أن نفعل القليل .. معاً يمكننا أن نفعل الكثير”.
.
لذلك: أعطني فكرة وأعطيك فكرة، أصبح لدى كل منّا فكرتان. هكذا بتبادل الأفكار والمعارف والحوار والسلام، يمكننا أن نخلق جيلاً جديداً متطوّراً من النسخ البشرية التي تمتلك وعياً كونياً أكبر وثقافات أوسع، وتُرَى من كل الزوايا.

وهكذا يمكننا كما ابتدعنا الكمبيوتر الكمّي واخترقنا حدود فيزياء الكم.

يمكننا أيضاً أن نُحَّسن من الإنتاج البشري لنقدّم منتجات بشرية أكثر حكمة وقدرة وتطوّراً عمَّا سبق.

ومن منصة الجمعية العمومية للأمم المتحدة في جنيف، اسمحوا لي أن أهنئ جميع أهلنا السوريين الشرفاء الذين مازالوا يعيشون على أرض الوطن ورفضوا المغادرة ليقدموا لأبناء شعبنا خدماتهم وعلاجاتهم، للذين تضرروا من جراء هذه الحرب من إصابات وتشوهَّات، بالمجان وأخص بالذكر منهم الأخ والصديق د. نزير سلوم. بارك الله جهوده وجهود كل أمثاله.
.
التوصيات:
.
– نطالب مساعدتكم لوقف الإجراءات الاقتصادية الأحادية الجانب المفروضة على سوريا والتي تسبّبت بمعاناة كبيرة لمواطنيها عامة ولأطفالها خاصة. والدعم اللازم لعودة الأمن والأمان والسلام والاطمئنان لربوع وطننا الحبيب سورية.
– الدعم الكامل واللازم لمساندة جميع المشافي والمستوصفات والعيادات للاستمرار في تقديم خدماتهم.
– الدعم الكامل لعودة النازحين والمهجرين إلى بيوتهم ومناطقهم التي عاد الأمان إليهم بدل دعم المخيمات الذي لا يقدم ولا يؤخر في مسيرة حياتهم اليومية، فالمواطن السوري ابن دولة عريقة ولا يستحق أن يستمر بالعيش تحت ظل خيمة محرومة من كافة الخدمات المعيشية التي من حق كل إنسان حسب حقوق الإنسان في ميثاق الأمم المتحدة أن يتمتع بها.
.
إن استطعنا أن نحقق ذلك بمساندتكم لنا ..؟ عندئذ سنقف جميعاً كأمة بشرية واحدة لنقول:

المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام وفي الناس المسرة.
وسلام الرب معكم يا رعاة السلام والداعين إليه.
.
وفي ختام اللقاء تم منحي شهادة تكريم ودرع رجل السلام لعام 2019

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٤‏ أشخاص‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏‏‏وقوف‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٤‏ أشخاص‏، و‏‏‏‏أشخاص يقفون‏، و‏بدلة‏‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏