قصة من القامشلي زالين..

قصة من القامشلي زالين… بقلم سمير شمعون.. 13.5.2018
استيقظنا أولاد حارة عموسمعان وخالي شمانة ، وفرن ابو راكان (لاحقابالسبعينيات)، صباحا كان الشهر السابع من عام ١٩٦٨ ، على صيحة الصباح (آآآييأااااا) من هاري ابن حسنو ابو طوني (طوني كان عازف كيتار في فرقة ايزلا للملك جان كارات ) ،وخلال ربع ساعة اجتمعنا برأس الشارع تحت عامود الكهرباء ،وكان أمام بيت صديقنا فاهرام رشدوني (واليوم بناية سيمونيان اتصالات سيمونيان، وعادة كنا أولاد الحارة مروان شمعون (امريكا)، الإخوة فاهرام وفاجي رشدوني(لا اعرف اراضيهم ) جورج كركني( كندا )هانري حسنو واخوه ادور (سويد ) ابراهيم مطلوب (السويد) الإخوة فارس وفايز شماس (سوريا ) ، حنا هوبيل حنا ( المانيا ) ، الإخوة عبود واليأس بارومي ( السويد )، وجاك ابن بلحد بيري امريكا، سليمان مراد(solomon m mourad ) ( امريكا)، وكان هناك ايضا أولاد في الحارة نسيتهم بكثير من العائلات استأجرت في حارتنا ورحلوا بعدها إلى لبنان ، ومن هناك رحلوا لانحاء العالم .

أخبرنا صديقنا بالحارة دكتور حنا هوبيل حنا ، أنه وصل إلى القامشلي البارحة، السيرك الأيطالي العالمي، وحط رحاله كالعادة ، في الملعب البلدي لكرة القدم واتفقنا بأن نذهب للملعب لرؤية السيرك، بدلا من لعب كرة القدم التي كنا نلعبها كل يوم بالصيف صباحا في الحارة .
انطلقنا الى الملعب باتجاه ( الجول) اي باتجاه مكان موقع فوكسات الحسكة (حاليا ) ، ورأينا أكوام الزبالة حيث كان هذا المكان في ذلك الوقت هو أول مكان ، ترمي فيه تركتورات الزبالة ، زبالة حي الوسطى صباحا ، لترمى لاحقا في أماكن بعيدة خارج المدينة .
وهذا المكان كان سابقا ثلاثينيات واربعينيات القرن الماضي ، مكان يضع المزارعون اشكارات القمح والشعير فيه.
ونعبر الجول مرورا خلف مدرسة زكي الارسوزي ، وطبعا منطقة الجول هذه لم يكن فيها منازل ، بل كان ينبت فيها الشوك والحسوك ، وفي الشتاء أيام الثلج ، كنا نصطاد فيها الزرازير والبلابل بالجطل وبالفخ ، ونتابع السير حتى نمر بطرف المشتل البلدي ، وبعد مئة متر نصل باب الملعب ، لنرى بأن أعضاء السيرك خلية عمل ، فكل الحيوانات موجودة في اقفاصها ذات الدواليب ،التي تجرها السيارات ، وتكون متوضعة إلى جانب بعضها بشكل هندسي ،هو نفسه كل عام ، هذا قفص الفيلة، وهذا الفهود وهذا الاسود وهذا النمور، وهذا الخيول الكبيرة والخيول القزمة ،وهذا قفص الدببة ، وهذا قفص الجمال ذو السنامين .
وهناك كرفانات نوم لاعبي السير ك ، ونشاهد لاعبي السيرك وهم يركبون الخيمة الكبرى للقيام بالعاب السيرك .
ونقضي هناك كم ساعة ونحن نرى ، كيف العمل وكيف يطعمون حيوانات السيرك ، وبعد أن نطمأن بأن السيرك سيعمل يوم السبت القادم ننطلق عائدين لمنازلنا .
وكان كل يوم حفلتين سيرك، الأولة عصرا والثانية سهرة، وكان زمن الحفلة الواحدة اربع ساعات ، وثمن الدخول خمس ليرات، وكان وقتها غرام الذهب اربع ليرات سورية ، كانت وقتها العملة من الفضة ولها قوة شرائية قوية كيلو اللحمة ليرة ونصف كان وقتها . وكانت وقتها كل حفلة ممتلئة (كومبليه).وطبعا نحن أولاد الحارة ، كل فترة وجود السيرك، نكون هناك صباحا نطمئن على الحيوانات ،ونراقب كيف تأكل ،وفي المساء نكون قد عرفنا مداخل ومخارج خيمة السيرك، ونكون ايضا قد عرفنا من يعمل بالسيرك من القامشلي، لكي يتركوننا ندخل مجانا للسيرك ، في حال رأونا ونحن نتسلل لداخل خيمة السيرك .
لقد كانت الخمسة ليرات رقم كبير جدا لطفل، يريد أن يحضر حفلة السيرك أكثر من مرتين ، وبعد أن نكون داخل الخيمة نجلس في البداية في آخر صف ، وطبعا يكون السيرك ممتلئة حضور من عائلات القامشلي زالين ،وبعد ربع ساعة من بداية السيرك ، نكون في الصفوف الأمامية .
لقد كان سيرك عالمي ، ومن ايطاليا، بما في الكلمة من معنى، لم أجد سيرك بنفس ذلك المستوى ، إلا الآن في المانيا ، كان فيه زخم كبير من اللاعبين ، يصل العدد تقريبا المئة شخص بين رجال ونساء ، و كانوا عادة متزوجين من بعض، ومعهم أطفالهم الذين كانوا ايضا يشاركون في تقديم العروض كلها .
كانوا يبقى السيرك اسبوعين فقط ، ويكون اخر عرض لهذا السيرك مميزا ، وعادة يكون يوم الاحد العرض الثاني السواريه (هكذا كنا نسمي العرض الثاني دوما) من الاسبوع الثاني والأخير، ويستمر حتى منتصف الليل . ونعود بعد منتصف الليل انا واولاد الحارة لبيوتنا ، ونحن في قمة السعادة ،وأتذكر ذات مرة واحد من لاعبي السيرك ، خطب فتاة من القامشلي ابنة خالة سمير الأحمر لاعب وهداف نادي الجهاد ،ولا اتذكر اذا تزوجوا ام لا .
وفي الصباح نستيقظ كالعادة مبكرا ، على صيحتنا (آاااايآااااا) والذي يطلقها اول من يستيقظ ،ونجتمع
كالعادة برأس الحارة وأمام العامود ، ونتفق للذهاب الى السيرك لنرى حيوانات السيرك للمرة الأخيرة ، ونبدأ الركض للملعب ، ونصل هناك كلنا ، لنجد أن الملعب هو ،فقط ملعب لكرة قدم ،وكأنه لم يكن في ليلة أمس، يضج بالحياة الجميلة، مثلما جاؤا فجأة رحلوا فجأة ، ليحل الصمت مكان ذلك الضجيج المفعم بالسعادة.
ونعود إلى الحارة لحياتنا الأعتيادية ، ولنتكلم أشهر السنة كلها عن تلك الاسبوعين المميزين في حياتنا.هذا السيرك استمر عدة سنوات ، وانقطع بعدها ، لنرى مجددا سيرك في القامشلي عام ٢٠٠٧ ، وكان بالاسم فقط سيرك، لا يشبه السيرك الإيطالي العالمي السابق، إلا بالاسم فقط .
هذه كانت القامشلي زالين في الزمن الجميل …. ودوما في مدن الزوابع… تموت احلام الربيع … في الخريف .

اشكر الصديق جاك حنا الذي ساهم بتذكيري بفكرة البوست

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏أشخاص على المسرح‏‏ و‏أشخاص يجلسون‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص أو أكثر‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏شخص أو أكثر‏ و‏حصان‏‏‏