قصة من القامشلي زالين كنزنا المفقود…

قصة من القامشلي زالين كنزنا المفقود… بقلم المهندس سمير شمعون …

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏نبات‏ و‏طعام‏‏‏
عندما نخرج عن المشهد … وتغيب الاشياءعن أعيننا…ويصبح الزمن من الماضي… تتحول أشياؤنا كلها … ومهما كانت مهملة…لزمن جميل ..لذكرى جميلة …نتدفأ عليها في ليال… يأكلنا فيها الحنين …
منذ بداية نشوء القامشلي زالين ، تحديداإبتداء من عام ١٩٣٠م، كان نفس التقليد متبع بين الناس ،في شهر المونة.
إنه عام ١٩٦٨م، نهاية شهر طباخ (آب اللهاب) وبداية شهر إيلون(ايلول) ، تكون القامشلي زالين كلها تبدأ بصناعة وتخزين المونة ، يجتمعون نسوان الحارة في الليل ، كل العوائل أمام باب الحوش (الدار) الذي يسكنونه ،وطبعا كل حوش كان يسكنه ثلاثة عوائل او اربعة، فقالت لهم والدتي :
(هذا الأسبوع يا جماعة الخير دورنا هوي تنعصر بندور)
ونكون بذلك حجزنا دور، كي لا يعمل احد غيرنا بندورة.

في اليوم الثاني عصرا ، اذهب الى بيوت الحارة بيتا بيتا، واجمع من عنهم الصواني والمغاضب النحاسية والسطول النحاسية والصافويات ( المصفاية)، ودست الغلي وعادة يكون دست الغلي واحد فقط وكبير ومن النحاس السميك، ويستخدم لغلي البندورة وصناعة قلية للمونة، والرز والبرغل في العزوات والعزائم الكبيرة .
في الصباح الباكر ومع طلوع الفجر، كان يذهب والدي إلى سوق الجملة الخضرا والفواكه ، ويذهب لعند ابو حنا دعبول (وهو من لواء اسكندرون)، وكان خلف سوق القصابين عند القابي او القلغ ( حدودنا مع تركيا ).
وكان والدي يوصيه ،على خمسة صناديق بندورة، وكل صندوق يحتوي على ثلاثين كيلو بندورة، وكان سعر الكيلو يصل بوقت عصر البندورة( نهاية اب وبداية ايلول)،
فرنك واحد ،وعشرين فرنك كانت ليرة سورية فضى،
فكانت الخمس صناديق، يشتريها والدي بسعر سبعة ليرات ونصف ،والتوصيلة بعربانة دولابين يجرها شخص، أما ثلاثينات اربعينات وخمسينات القرن الماضي، كانوا يوصلون البندورة للبيت بعربانة يجرها حصان او بغل او حمار ، وكان بسوق الجملة بائعين الخضروات:
١_ابو حنا دعبول ابو ملك :من لواء اسكندراني.
٢_عائلة يونان(ابو زكي يونان):وكانوا متخصصين ببيع الزيتون. ولا زالوا يعملون القيصرية فرنسا ( بحري الدلال).
٣_ بيت البزر :وكانوا يطلبون البندورة من قرية اسكندرون.
٤_ عائلة سليم موصللي
٥_ جميل كجو : وكان يسكن في قدوربيك
٦- كبرو ابو صليبا زوج مجيدة:
٧_فيليب شرلمان :
وعندما تصل البندورة كنا نفرغها على الأرض الاسمنتية التي يكونون أخواتي قد غسلوا الأرض قبل وصول البندورة ،وتبدأ والدتي بغسل البندورة الحمراء الممتلئة بالسوائل الحامضة اللذيذة ويكونون أخواتي قد اخبروا الجيران بأن البندورة قد وصلت ،ليساعدوننا بعصرها،و عندما يجتمع الجيران والأقارب تكون القهوة جاهزة، فيشربونها وينقسمون كل إثنين ، على مغضب واحد صينية بعمق ثلاثين سنتمتر، فكانوا يأخذون البندورة الواحدة ويقطعونها إلى اربع حزوز، ويضعونها في المغضب الذي امامهم، يبدأون بعصرها بأيديهم.
وتكون والدتي قد وضعت الدست على البابور ، وأصبحت تملأه بالبندورة المقطعة، وتشعل البالون تحته ، وتضع صينية على فوهة الدست لكي تغلي البندورة بسرعة، وعندما تبدأ بالغليان كانت والدتي تتركها تغلي فترة نصف ساعة ، وبعد ذلك تجلب اليندو (وهو وعاء مثل الطنجرة الصغيرة وله يد طويلة ) ، وتملأه من البندورة الموجودة في الدست الذي يغلي على البابور، وتفرغه بالمصفاية الموجودة على سطل النحاس او التوتياء،وكانت تتصفى البندورة بالسطل وتبقى قشرة البندورة في المصفاية وكان النساء والبنات يعصرون القشر الذي يبقى بالمصفاية ويجعلونه بشكل مدور ويدعى (الطبوس )وكان طعام البقرة التي عندنا.
وتعيد الكرة على عدة سطول ومصفايات بنفس الوضع ،وعندما يفرغ دست الغلي من البندورة السابقة المغلية كان يملئ ثانية بالبندورة من المغاضب، لكي تغلي، كي لا تنتزع مي البندورة (تقطن اذا كان فيها ماء )، وكان هناك من العائلات من لا يغلون البندورة ، كي يبقى لونها احمر قانئ هكذا كانوا يدعون ولكن كنا نعرف بأنهم يتكاسلون عن الموضوع بالطريقة السابقة.
وكان الشباب على السطح ،وبيدهم حبل مربوط بطرفه السفلي جنكل (خاطف ) ويضعون النساء السطل الممتلئ بماء البندورة المصفى بالجنكل ويرفعه الشب إلى السطح ليكون هناك شب اخر يأخذ السطل ليوصله لشب ثالث فيفرغ السطل الممتلئ ماء بندورة بالصواني الكثيرة الموجودة على السطح ويفضل أن يكون هذا السطح من الأسمنت كي لا يحتوي على التراب ، ففي هذه الفترة تبدأ زوابع الهواء (العلعول هكذا كنا نسميها ونحن صغار) وكانت تنقل تراب السطح للبندورة.
وهكذا تتكر كل الأحداث السابقة وعند الظهر تكون الصواني على السطح ممتلئة بماء البندورة ، ويكون الكل قد ناله التعب ، وتكون ايدي النساء قد أصبحت بيضاء ومتجعدة، من عصر البندورة باليدين، وكانوا يطلقون طرفة بهذا الخصوص فيقولون( اليوم نضفت ايدينا فمي بندورتكن )، وتكون اكلة البرغل بالبندورة والفليفلة الطبيعية والسمنة البقرية الطبيعية، جاهزة للغداء ، فكنا نهجم عليها، وخلال دقائق تكون طنجرة البرغل ،قد اختفى البرغل اللذيذ منها ،إلى بطوننا الجائعة وطبعا كنا الكل نأكل من الطنجرة مباشرة وبدون صحون ، الى جانب البصل المهروس بايادينا ،وليس بالسكين ،ولا زال طعم ذلك البرغل ،ونكهته الخاصة في يوم عصر البندورة بين أسناني،وذكرياته لا زالت تداعب خيالي .
وفي اليوم التالي صباحا ، كانت والدتي عندما نكون نائمين على السطح، وقبل طلوع الشمس،تذهب لعند البندورة وتقلبها، وتزيل منها الاوساخ التي نقلها الهواء اليها، واحيانا كنا نجد بماء بالبندورة نحل زلاقط (دباس ويشبهون النحل) او دبابير (زنابير) وبراغش فهم كانوا يحبون عصير البندورة ، وكانت امي ايضا عصرا بعد مغيب الشمس ، تطلع على السطح لتحرك ماء البندورة ، وكلما نشفت البندورة ، كانت تفرغها فوق بعضها ، وكان عدد الصواني كل يوم عصرا ،يقل إلى النصف، حتى في اليوم الأخير تبقى البندورة ، في أربعة مغاضب ، وبعد اسبوع ، كانت تضع والدتي البندورة في القطرميزات الزجاجية ، وكانت تترك القطرميزات مفتوحة يومين ، وتضع بعد ذلك في كل قطرميز قليل من الزيت ، وقماشة شاشية وتغلق فم القطرميز، ويبدأ وقت صناعة السندويشة المحببة لدى اهل القامشلي زالين ،بدهن البندورة على الخبز السميك او خبز التنور، ورشة نعناع وفليفلة حمرا ، ومنهم من كان يضع على السندويشة رشة زيت زيتون .
لقد عوضتنا العناية الالاهية ، ولو أن الأصل دوما هو الجزء الأغلى ، بأوطان جديدة رائعة …عوضتنا عن زالين … بمئات من زالين… لكن زالين الأصل القامشلي زالين… ستبقى أكبر انتصاراتنا التي نفاخر العالم بها…واكبر خسائرنا التي سنبكيها…. وإلى الأبد .
_الصورة الثانية الدست الأول والغير مشعول تحته النار …هو كان الدست الذي كنا البندورة نضعها به ونغليها على البابور.
المانيا _١٤_١٠_٢٠١٧

 

لا يتوفر وصف للصورة.
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏نبات‏ و‏طعام‏‏‏