قصة (لا يا رفيقي ..قصتي مع الصداقة)

قصة (لا يا رفيقي ..قصتي مع الصداقة)
قصتي مع الصداقة
قبل أكثر من عشرين عاماً كنت في المرحلة الأبتدائية وكان لي أروع مجموعة رفاق كنا نجتمع
في ساحة الحي الترابية قبل الذهاب إلى المدرسة وكانت أمي تطلب من أبن جارنا محمد
الأعتناء بنا لأنه أكبرنا فكان يقول لا تخافي يا خالة فهم مثل أحمد ولا يهمك
كنا نسير لمسافة برغم طولها لكن كانت تقصرعلينا بحوارنا عن أحلامنا فكنا نقطع
مسير أكثر من نصف ساعة لنصل إلى المدرسة وقدرت الزمن لأن أمي كانت توقظني
وتقول لي الساعة الآن هي السادسة هي لتحضر نفسك وتفطر ثم تذهب للمدرسة
وعندما كنا ننطلق كان والدي يستيقظ من النوم ليشرب فنجان القهوة الذي أعدته
أمي وهكذا كنا ننطلق في تمام السابعة من الساحة لنصل مع قرع الجرس في تمام
السابعة والنصف .وبرغم طول المسافة وثقل الحقيبة المدرسية كانت أحلى لحظات
لأنني برفقة أصدقائي نمرح ونركض ونغني ونتسابق ومرت السنوات ومنا من تابع
الدراسة بعد أن أنتقلنا إلى المرحلة الأعدادية وآخر ترك الدراسة ليعمل مع والده
ولكن برغم أختلاف طرقنا كنا نلتقي في الساحة ونتسامر وفي أيام العطل كنا نلعب
وكانت أجمل الأيام تلك التي يكون فيها أعياد فكانت الفرحة أكبر وفرص اللعب أكثر
ومن رفاقي الطفولة أذكر: أحمد – علي- جوزيف – أسماعيل – شيخموس
هاكوب ..وكان هناك رفيق يهودي أسمه زكي لكن بعد أن سمح لهم بالسفر هاجروا
إلى أورشليم ولم أعرف بعد عنه شيئاً .
وهكذا مرت الأيام علينا فمنا من حاز على الشهادة الثانوية وأكمل دراسته
ومنا من لم يحالفه الحظ ترك الدراسة وألتحق بمهنة وآخر تطوع في الجيش
وأما أنا لقد تابعت دراستي في الهندسة المعمارية وأثناء دراستي ألتحقت أخت رفيقي
أحمد بكلية العمارة فطلب مني أحمد الأهتمام بها فقلت له لا توصيني بأختي ولايهمك
أجل قدمت لها كل أنواع المعونة والنصح لمواصلة الدراسة وكنت حاضراً في كل
لحظة لتقديم العون لها والنصح كوني أملك خبرة أكثر فكنت في السنة الثالثة
ومرت السنوات في الكلية ورافقني فيها أسماعيل وشيخموس وعلي
أما جوزيف ألتحق بخدمة العلم وتطوع فيها بعد تخرجه محامي
وهاكوب درس في المعهد صناعي وعمل في ورشة والده الصناعية أما أحمد كان قد ترك
الدراسة بعد المرحلة الأعدادية لأنه لم يحب الدراسة كبقيةأخوته أخذ يعمل لدى تاجر
يبيع بالجملة فكان يأخذ الطلبيات إلى المحال وبعدها ألتحق بخدمة العلم وبعد أن أنهى
الخدمة قرر السفر إلى السعودية للعمل بعد أن تعرف على بعض التجار وأقنعه أحدهم
بالسفر للعمل هناك فسافر وكان يأتي في الصيف لمدة شهر واحد فقط.لقد تبدل حاله
وأصبح يلبس الزي الخليجي وأطال لحيته وكنا نعتقد بأنه أعتاد على هذا الزي وطريقة العيش
ولكن ما شعرت به هو تغيره نحوي وكلامه الغير منطقي في كل مرة كان يجادلني
بالدين وكنت أتهرب منه لتفادي التصادم وكنت أقول هو شهر سوف يسافر لا تزعله.
مرت عشرون سنة على صداقتنا بحلوها ومرها ولم نشعر يوماً بأي فرق أو فروق
كنا مثل الأخوة في الحي ولم نعرف معنى الجيرة بل كنا مثل الأهل فعيد أي واحد منا
كان عيد الجميع وفرح أي بيت كان فرح الحي وحزن أي بيت كان حزن الجميع .
وفي يوم على غفلة هبت رياح الفوضى فكان الكثير يعتقدها رياح تغيير فتحولت حياتنا
من نعيم إلى جحيم ودبت الفوضى في كل مكان والرعب أنتشر في قلوب الكبار قبل
الصغار كانت صدمة للجميع فبتنا نسمع تسميات غريبة ومصطلحات عجيبة لم نكن
نعرفها من قبل مثل السني والشيعي أو الكردي والسرياني والأرمني والجركسي
ربما بعد أن كبرنا بتنا ندرك بعض الأسماء تعني الأنتماء لمذهب أو طائفة ولكن
في العائلة الواحدة كان هناك تعدد في الأسماء وتمازج فيها مثل علي وأخته خديجة
أودرويش و أخته خاتون أو جوزيف وأخيه عيسى وهكذا ولم نعر لها أي أهتمام
لأن الصداقة والجيرة والأخوة كانت هي الأهم .ولكن مع الضخ الأعلامي الهائل ونشر
النعرات الطائفية عبر القنوات الفضائية وزرع الخوف من بعضنا جعل الكل يحتاط من جاره
وآخر من أخيه بعد أن حمل فكراً مغايراً له تحول الصراع السياسي إلى مسلح
وبات السلاح منتشراً في كل مكان والخطف أصبح مهنة العاطل عن العمل
ومهنة الزعران والمجرمين فتشكلت مجموعة بأسماء عجيبة وغريبة كلها تحمل الفكر التكفيري
بدأت بالسرقة فالحرق ثم أنتهت بعدالخطف بالقتل ولم تكتفي بالقتل بل التفنن به
مثل الرمي من أعلى المباني أو الذبح أو
التمثيل به وهو على قيد الحياة أو حرقه وهو حي في قفص ولم يسلم أخ ولا جار ولا
رفيق تحول الكل أعداء الكل و بعد مرور أشهر على هذه الفوضى ومرت الصدمة فكان
الفرز الذي أصاب الوطن بشرخ عامودي (قسم مع الوطن وجيشه
وآخر مع الفوضى والعصابات الدخيلة على الوطن) فباعوا أنفسهم لأطماعهم
وآخرون للخارج فكان المخطط الخارجي المعد مسبقاً منذ سنوات لتدمير البلاد
في أشعال حرب أهلية بين مكونات هذا الشعب للحصول على تقسيم جغرافي لاحقاً ,
وأخضاع البلاد لوصاية دولية وكما فرز كل الشعب هكذا تم فرزنا نحن الأصدقاء أيضاً
فمنا من أصبح سلفي يحمل الفكر التكفيري حتى لأهله مثل أحمد وآخر أشتعلت في داخله
مشاعر إقامة كيان له وبناء دولته المنشودة مثل شيخموس على عكس أخيه الذي تطوع في الجيش لحماية الوطن لأنه أدرك الحقيقة ولم يفضل المصلحة الشخصية على الوطن
لقد ألتحق شيخموس بمجموعة تطالب التغيير وإقامة كيان لها وأما علي فترك عمله
وألتحق بالحماية الشعبية ونحن السريان أسوة بغيرنا قمنا بتشكيل مجموعة مسلحة
تحت راية الدولة لحماية أبناء شعبنا بكل ألوانه وفتحنا الباب أمام الجميع للأنضمام
لنا لنحارب كل من يعتدي على الأرض والعرض وخاصة بعد تدفق الأرهاب عبر
الحدود بتخاذل الجيران ودعمهم لهم ومساندتهم عسكرياً فتحول الصراع في البلاد
إلى حرب كونية بدعم بعض دول الغربية والعربية للأرهاب بتقديم كافة أنواع الدعم
المالي والأسلحة واللوجستي وأحياناً كثيرة بالتدخل المباشر عسكرياً .
لم تمر أيام على حالنا وكل منا بات على مفترق طريق يبتعد عن الآخر ومنا من
أقترب أكثر من الآخر فباتت الأفكار والمعتقدات هي التي تفرز الصداقات.
لقد ترك شيخموس الحي وألتحق بجماعته وأما أنا فبقيت في الحي مع مجموعة
من الشبان السريان والأرمن منهم مهير وآخرون من أخوتنا العرب المسلمين المنتمون لعشائر منهم جاسم
وكنا جميعاً نحرس الحي من المسلحين التي تعيث في البلادخراباً ودماراُ وحرقا وقتلاً وخطفا .
وذات ليلة بينما كنت أحرس الحي سمعت صراخ فتاة تطلب النجدة فهرعت نحو الصوت
فوجدت بعض الشبان يحاولون خطف فتاة يبدو أنها كانت تعرفهم جيداً فكانت تنادي
عليهم بأسمائهم وتنعهتم بالفسق والعهر والنذالة فأسرعت عليهم وأطلقت رصاصاً في الهواء وناديت عليهم أننا قادمون فصرخت منادياً بأسماء وهمية( جاسم مهير أفرام تعالوا بسرعة)وذلك لطلب الدعم وجريت نحوهم ما أن سمعوا أزيز الرصاص وطلب الدعم حتى ولوا هاربين وعندما أتربت منها وجدتها أخت أحمد غادة فقلت لها لا تخافي
يا أختي أنا هنا ثم أخذتها للمنزل وطلبت منها أ تتوف عن البكاء وتجفف دموعها
ثم سألتها كيف تخرجين لوحدك في هذه الظروف؟قالت كنت ذاهبة لأعطي كتاباً
لزميلتي بالجامعة لدينا فحص بعد أسبوع وهي طلبته مني ولم أعرف بأنه فخ لي
لأن من أراد خطفي هو أخوها ولحسن حظي كنت هنا وأنقذتني منهم ألف شكر لك
فقلت لها لا تشكريني فهذا واجبي فأنت مثل أختي حنان ولكن ألم يكن أحد في المنزل
ليذهب معك؟ قالت أجل لكن قلت الحارة أمان والبيت قريب و لم أتوقع خيانتها لي
فقلت لها الحمدلله على سلامتك ولكن رجاءً لا تخرجي لوحدك في الليل أو النهار.
فوصلنا للمنزل فقرعت الباب لأنه لا يوجد كهرباء في أغلب الأوقات بسب ما دمره
الأرهاب والخونة فخرجت أمها وفتحت الباب فقلت لها أستليمي أختي وهنا أنتهت
مهمتي في هذه الأثناء بكت غادة وهرعت لحضن أمها وقالت لولا حنا كنت الآن
مخطوفة وهنا طلبت مني الأم الدخول لتفهم القصة فأعتذرت منها لأنني في نوبة حراسة
فقالت أرجوك تعالى غداً فقلت لها بمشئة الرب ثم عدت أدراجي ودخلت غادة وأمها
الدار وأغلقتا الأبواب خلفهما .
بينما دخلت غادة البيت فوجدت أخاها أحمد في المنزل على غير عادته لأنه كان يختفي أيام ثم يعود
وكان غاضباً بعد ما سمعه منا على الباب فصرخ على أخته قائلاً:
كيف ترافقين كافراً وفي الليل وأين كنت؟ فقالت له هذا الكافر أنقذ شرفك وشرفي
لولاه لما وجدتني هنا وأما أين كنت فذهبت لأعطي كتابي لمن هي بنت ديني ورفيقتي
لكن خدعتني ودبرت فخاً لخطفي.. أسكتها أحمد لا أصدق هذا فنحن لا نعتدي على
أبناء طائفتنا وديننا نحن نحارب الكفرة من الطوائف الأخرى .فقالت له أنت تغييرت
يا أحمد ونسيت أيام العشرة والطفولة فقال لها كانت تلك فترة طيش والآن عقلت
وبت أعرف من هم أعداء ديني وعلينا محاربتهم .هنا صرخت الأم عليه كفى
لم أعد أعرفك هل أنت أبني أم شحص آخر أذهب ربي يهديك وينير عقلك
فقالت لغادة هيا يا أبنتي للنوم الحديث لن يفيد معه فقط الله هو القادر على تغييره
بعد أن أخذ من المنزل بعض الطعام وكان لديه بعض الأسلحة أخذها وألتحق بجماعته
ليشنوا هجوماً على أحد الأحياء كما خطط لهم .
لقد عرفت هذه الأحداث منه بعد أعترفه لي بها قبل موته بعد هجوم فاشل لهم لحي مجاور لنا
فكنا ممن قدم المؤازرة للحماية الشعبية في ذلك الحي .
هناك بالصدفة وجدته بين الأشلاء والجثث المتناثرة بين المنازل يطلب النجدة فهرعت لمساعدته
وأنتشلته من بين الركام وقدمت له الأسعافات الأولية لأنني تذكرت أيام الطفولة
والأيام التي قضيناها سوية ولم أفكر بأنه كان يقاتلنا
فقال لي كفى يا حنا !! فدينك أصبح ثقيلاً علي ولن أتمكن من أن أوفيه
لأنني راحل ونادم على كل ما فكرت به وأقدمت عليه ها أنت تسعفني
برغم عدائي لك فقلت له مهما فركت بي فهو أمر سهل لكن أن تخون وطنك فهذا أكبر
مني ومنك أسفي عليك هو خيانتك لوطنك فقط ولكن أرجو أن تعيش لتصحح خطأك
وتمحي آثامك فقال لو عشت ألف عام فلن تمحى آثامي فقال أرجو فقط أسمعني
فسمعت له فقال ما سبق وذكرته وأضاف قائلاً عندما أنقذت أختي في تلك الليلة
كنا نخطط لخطف أختك ولكن لم نفلح وها أنت الآن تقدم لي الأغاثة .
فقلت له:
لا يا صديقي ما هكذا تكون الصداقة والرفقة!!!!!!!
. فقال أرجوك أن تخبر أمي بأنني ندمت ولكن بعد فوات الأوان فأطلب منهم أن يسامحني الجميع وأسلم روحه .
فطلبت من رفاقي مساعدتي في حمله لأهله البعض تذمر فقال لي هذا خائن وآخر أرهابي ووو فقلت لهم:
الآن هو ميت فهو أبن حارتي وكان يوماً رفيق طفولتي ألا تستحق منا تلك الأيام
بعض التسامح . هنا الكل بادر في مساعدتي وحملناه لمنزله وبرغم ما أخبرت أهله به
لكن الأهل رفضوا أن يدخل الدار وترجتنا الأم أن لا نحملها عار أبنها .
فحمل إلى المقابر مباشرة ودفن هناك مع ندمه .
وهكذا أنطوت صفحة رفيق الدراسة ملطخة بسواد العار والخيانة لوطنه ولأهله ولرفاقه.
لم تمضي أيام حتى سمعنا أستشهاد البطل هاكوب الذي حارب عن وطنه وأرضه
أستشهد وهو يؤمن التغطية لرفاقه بعد هجوم كبير من قبل الأرهابيين داعش في حلب
فلف بعلم الوطن وزف عريساً مرة ثانيةلأنه لم يمض على عرسه سنة ولمحاسن
الصدف زوجته كانت حاملاً فقررت أن تسمي مولودها بأسمه وتحيي ذكراه
فكانت جنازةالبطل هاكوب أكبر عرس وطني وشرف لحارتنا لقد زينها بشهادته
أما البطل جوزيف لقد أصيب وبترت ساقه وهو تحت العلاج وصمم بعد الشفاء
سوف يركب ساقاً ويعود لجبهة القتال مجدداً لتطهير تراب الوطن ورجس الأرهاب.
ولقد ألتحق بنا شفان بعد مراسيم العرس لهاكوب فقال كلنا للوطن والوطن للجميع
يا شباب تقبلوني معكم فقلنا أهلا بك أخاً جميعنا هدفنا واحد هو حماية الأرض والعرض
وأما علي ودرويش لقد تم خطفهما أثناء تقديم المساعدات للمهجرين وأخلاء المناطق الساخنة
ولا نعرف عنهم أي خبر وكل مانرجوه هو عودتهم بخير.
ولا أنسى محمد أخ أحمد وأخي عبد المسيح وهوفيك وأسامة وفايزوسمير
الذين شكلوا لجنة لدعم المحتاجين وتأمين مطالب الحياة لكل الحي فكانوا جنود بواسل
بالطبع تأمين الطعام في مثل هذه الظروف أمر صعب وخطير ولكن بهمة الشباب
كانت الأمور بحال أفضل صحيح هناك تقشف وشح في المياه لكن الحياة مستمرة
والهمة عالية برغم الحصار والعدوان على الوطن.
وكان لدور المرأة أكبر أثر فكانت رفيقة القتال والأم والأخت والمسعفة والداعم الأكبر
وهكذا شارك كل شريف في مواجهة الأرهاب والتكفير منهم بالقلم وآخر بالسلاح و
آخر بالدعم المعنوي وآخر مادياً وهكذا أجتمع الجميع على ألم الوطن وجرحه
فكان المواطن الصالح في داخل الوطن كخارجه وفي المقابل كان هناك البعض
من باع نفسه في الخارج والداخل وباع وطنه وأهله ولم يحصد غير الندامة وأما
من جاء عبر الحدود والقارات فمصيره كان الموت أو الهروب خارج الوطن فليس له
مكان فيه وقريباً سترمى كل القذارات خارج حدود الوطن من أشلاء وجثث لهم
سيكون الوطن طاهراً نظيفاً من أي نجاسة وقذارة وستعم الفرحة أرجاء الوطن
ويزهر النرجس والياسمين ويعزف على ألحانهم الفل والجوري .
هكذا حيكت قصتي من خيوط البطولة والصمود وبخيوط التضحيات والشهادة
وبخيوط ألم أم وأب على أبنهما وحزن طفل تيتم وحرقة زوجة على زوجها
فكانت أسطورة العصر الجديد أسطورة سوريا الصمود .

اترك تعليقاً