قصة قصيرة . موهوب . جوزيف شماس

قصة قصيرة

موهوب


دخلتُ غرفتها وفي يدي طاقة من الأزهار جامعة لكل ألوان الورد وطيب روائحها، باقة كنت أحلم أن أقدمها لها يوم قدوم مولودنا حلمنا البكر، وحين اقتربت منها لأقبّل جبينها لمحته يتجرع ويرضع متلذذاً حالماً وينظر لي وكأنه يسألني: أليس من حقي أن أرضع وأحلم مثلما يطيب لي؟
صحيح أنا من مواليد هذا اليوم لكن ما الضرر في أن أحلم مثلما يحلم الآخرون؟ وهل من قانون يمنع أيّ رضيع مثلي من أن يحلم؟ ويرمقني ويؤكد لي معبراً:

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏لقطة قريبة‏‏‏

 


أنا منذ اللحظة الأولى لتكويني. منذ أن وجدتُ جنيناً في رحم أمي انتابني إحساس بأنني موهوب في رؤية الأحلام، وعندما رغبت أن أتأكد من موهبتي استدرت حول نفسي فلم أجد من أسأله عن صدق إحساسي، ووجدت نفسي وحيداً في رحاب المكان، فغفوت متكوراً على جذعي ولصقت رأسي على صفحة بطن أمي.
وصمتَ طويلاً وأسدلَ جفنيه غير مبال بوجودي وحضن ثدي أمه وتلمّس حلمته وخبأها بين شفتيه وتابع في الرضاعة وهو يتلذذ بمذاق سائل الحياة.
وما إن قررت البعاد عنه وعن أنفاسه حتى فتح عينيه ورمقني مجدداً، وكأنه أراد أن يوقفني ليقول لي: قبل أن تذهب عليك أن تعلم بأنني قد أدركت بوجود موهبتي في رؤية الأحلام منذ اللحظة الأولى لبزوغ بواكير سمعي، حينها فجأة سمعت دقات قلب أمي رغم أنني كنت غائصاً في ماء الخلق، ومذاك الزمان بدأت أعي مكان وجودي، وهجرني شعور الغربة والإحساس بالوحدة، وأصبحت دقات قلب أمي جزءاً من سر تكويني، وصرت أستمتع بالاستماع إلى كل ما يدور حولي.
وما إن صمتَ مجدداً حتى عادَ ونظرَ إلي بنظرة أمر، وكأنه يفرض عليّ الانتظار لأسمعه بعد أن ينتهي من مداعبة ثدي أمه ويعاود قوله لي: سمعت يومها أمي تقول لإحداهن ” أنا امرأة حالمة وزوجي رجل حالم مثلي، وأننا في الحلم الواحد نرى أحلاماً كثيرة، حتى أصبحنا لا نجد للحياة معنى دون الأحلام، وحقيقة الأمر نحن أناس مدمنون على رؤية الأحلام، ومدمنون على الخوف من أن نستيقظ يوماً ونرى الواقع كما هو على حقيقته، ذاك الواقع الذي فقد كل أهداف وجوده وصدق معانيه بسبب موت آماله وفساد أخلاقه، وإنسانيته نامت في غرفة الإنعاش، إذن أليس من الأفضل لنا أن نعشق عالم الأحلام يا جارة أحلامي؟ وما هو رأيك بالمولود القادم هل سيكون مثلنا؟
وقد سمعت جواب جارتها وهي تقول: ” إنها نعمة من الله لمن يولد في يومنا هذا، وهو موهوب بملكة الأحلام، وحسب معرفتي المتواضعة بعلم الوراثة يقال إن موهبة الأحلام هي من العوامل الوراثية أيضاً، والله أعلم”.
وسمعت والدتي تضحك وتجيبها: “باركك الرب، ومن كل قلبي آمل لك أحلاماً سعيدة لأنك أزحت الهم عني مهما كان صدق كلامك ولن أفكر بعد اليوم إن كان المولود ذكراً أم أنثى، لأن الأهم من كل هذا، هو أن يكون المولود موهوباً بالأحلام ليسعد بالحياة ..

وما إن أدركتُ أنه قرر الصمتَ حتى غادرتُ وتركته غافياً على صدر أمه وذهبتُِ لأنغلق على ذاتي في سر أحلامي.

انتهت