قصة قصيرة الشتاء الكافر جوزيف شماس

قصة قصيرة

شتاء كافر

شتاء كافر محاط بالصقيع من كلَّ الجهات. وقد امتطاه البرد القارص لأشهر طوال دون رحمة. هذا ما كانت ترويه ماري لوحدتها وتتابع همسات خواطرها وتراقب من خلف زجاج النافذة غيوماً قد تزاحمت على صدر السماء منذ انحلال آخر رزمة من ضوء النهار في جسد عتمة الليل.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏‏شجرة‏، و‏ثلج‏‏، و‏‏نبات‏، و‏‏سماء‏، و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏ و‏طبيعة‏‏‏

 

تلك العتمة التي كرت على الكون فجأة دون أن تأبه بالتائهين عن دروب العودة إلى دورهم. ولا عن حال ماري الحزينة على حب قد تمزق ذات يوم ولا يزال ممزقاً بسبب البعاد حبٌ لا ترحمه الأيام حتى بالنسيان وبعضاً من بذوره ما تزال عالقة هنا وهناك في تجاويف روحها على أمل أن تزهر يوماً شوقاً وحنيناً للأيام الخوالي عسى أن يتم الوئام ويكتمل الشمل. لكنها ظلتْ تحاكي نفسها : ” هذا مستحيل لا يمكن أن يحصل أبداً ” لقناعتها أنَّ الزمن غدر بهم بمساعدة أبن خالها الذي حّثْ والديها على الرحيل إلى بلاد الاغتراب. وقد أضاء لهم قناديل الغربة وكأنَّها دنان مليئة بالهدوءً والسكينة والسعادة التي لا تنتهي. وفعل ذلك كي يبعدها عن ديار الوطن حين فقد الأمل من حبها له وثباتها على التعلق بحبيبها الذي التحق بالخدمة العسكرية رغم الظروف الصعبة وقسوة الأيام. وها هي السنوات الخمسة تمضي حتى آخر يوم التقت فيه مع حبيبها وما تزال تتذكر ذاك الحوار بكل تفاصيله لكن ما الفائدة الآن. فهو الذي أصرَّ على البقاء هناك دفاعاً عن الوطن وعدم قناعته بالهروب مهما كانت الإغراءات. وها هي الأيام تمضي والغربة تطحن كل الأمنيات. فجأة سمعت نداءات والدتها:
– هيا يا ماري هاتفي لوالدك ثانية. لقد تأخر كثيراً عن موعد عودته إلى البيت
– يا أمي لقد هتفت له عدة مرات دون جدوى
– ألا تعرفين أو تتوقعين لماذا تأخر إلى هذا الوقت.
– حاولت لكن خطوط الاتصال مقطوعة وعلى الأغلب هناك تأخير بحركة سير القطارات بسبب تراكم الثلوج وزيادة سرعة الرياح فلا تقلق عليه.
– كيف لا أقلق وهو يشقى ويتعب في هذا البرد القارص وقد تخطى عقده الخامس بسنوات. فبعد أن كان مدرساً محترماً من كل أهل البلدة وهم يأملون رضاه وراحته. والآن يسافر يومياً عشرات الكيلو متر ويعمل بجدٍّ وشقاء كي يزيل الثلوج من على الأرصفة والطرقات احتراماً لأقدام أسيادنا الجدد. وتطلبين بكل برودة أعصاب أن لا أقلق عليه !!
– هوني عليك يا والدتي لِمَ هذا الكلام المغم الآن وأنت مريضة؟
– الله يلعن الذي كان السبب.
– لماذا تقولين هذا يا والدتي وابن خالنا هو واحد منهم وهو الذي حرضنا واستغلنا وأشترى بيتنا وسيارتنا والأرض الذي ورثها والدي بأبخس الأثمان.
– ليذهب إلى الجحيم هو وأسياده.
فجأة أنقطع الحوار بينهما حين سمعا رنين الهاتف وسمعا بعده صوت والد ماري يكلمهم ويطمئنهم عن حاله.
أغلق رياض سماعة الهاتف بعد أن طَمأنَ أهل بيته واطمأن هو أيضاً على وصول ولده إلى لبيت على غير العادة. وبدأ ينظر من خلال نافذة القطار يراقب نتف الثلج وهي تتمايل على زند الهواء ويلهي نفسه بمراقبة أضواء بعض البيوت المتناثرة هنا وهناك على طول مساحات مد النظر وبدأ يناجي الزمن ويتكلم همساً:
” ظلمات ملأت الكون عتمة. فغابت الأنوار عن البشر
وبياض عبأ الكون عنوة. فضاعت منه متعة الألوان
والشمس تشرق وتغيب. والناس نيامٌ بحضرة القدر
فتاهت الاحلام منا قسراً. كما تاه واقعنا بالغربة
فيا تراب وطني الأسمر. أحن لعطرك ولوابل المطر
ولسنابل تتمايل للعشق طرباً. على أنغام يوم الحصاد
فيا غربة موتي في تيهك. وأتركِ لنا عطر أيام زمان. ”
وهكذا يمضي الزمن بعيداً عن مداراته فسها في دربه حتى وصل إلى باب الدار وهو في غفلة منه. وما أن فتح الباب وأطلت زوجته قبالته حتى أخذها بين أحضانه وهي تجهش بالبكاء شوقاً لدفء حنانه وبصوت مرتجف سألته:
– كيف حالك يا بن عمي.
– الحمد لله . المهم أنت يا حبيبة العمر.
– عن أي عمر تتكلم يا بن العم؟
– أحمد الرب يا أم رائد. ها نحن كلنا بخير. وأنا لا ينقصني سوى أن أخذ حمام ماء ساخن وبعدها نتناول طعام العشاء فأنا جائع جداً.
– أمرك ودقائق….
وفجأة سُمِعَ صوت رباب قادماً من المطبخ وهي تقول:
– دقائق والطعام يكون جاهزاً يا أبي.
بعد العشاء وبينما أم رائد تسكب الشاي. وما إن ألتفت أبو رائد ليطمئن على مدرسة ابنه وعن أخر أخبار معادلة شهادة ابتنه حتى سمع زوجته تقول له :
– تفضل يا أبا رائد كوب الشاي. فأمور الأولاد ستسير أنشاء الله بخير مهما طال الزمن أم قصر. المهم صحتك أنت.
لكنه لا يعر اهتماماً لقلق زوجته عليه ويكمل حديثه مع أبنته:
– المهم تابعي الأمر يا بنتي.
– حاضر
– وهل سمعت شيئاً عن أخبار البلد يا بنتي ؟
– بشكل عام ليس هناك الشيء مهم. فالمعارك ما تزال دائرة في عدة مناطق. والأمور المعيشية والخدمية في تحسن بطيء .. هذا ما علمتُ به.
وهنا تتدخل أم رائد والدمع ملأ عينيها وتندب قائلة : آه يا بلد أه يا وطن كيف أصبح حالك الآن.
وما أن سمع أبو رائد آهاتها ولمحها وهي تمسح دموعها وكوب الشاي بين يديه. حتى فُرِشَتْ على محياه ظلال الحزن والأسى. وبدأ يرتشف قطرات من الشاي المعطر ويدمدم. يا هوى … آه يا هوى … حتى بدأ الجميع يدندنون معه ما ينشده دوماً في لحظات حضور ذكريات الزمن الآفل. وهكذا دامت سهرتهم وهم يرتشفون الشاي ويرتلون بالتناوب كلُّ حسب ما يجود به:
يا هوى يا مسافر إلى درب وطَنُّا
دخلك ميِّل شوي وسلم ع ضيعتنا
سلم على الأحبة وخبرهم بحالتنا
تهنا بالغربة وصار الرقم قسمتنا

يا هوى يا مسافر إلى قلوب أهالينا
خبرهم الحضر باعوا واشتروا فينا
والضحكة صارت حلم وماتت فينا
وراحت الأيام والذكرى نامت فينا

يا طير يا طائر إلى سماء وطننا
انشر الخبر وقول الزمن غدرنا
رمانا بالغربة ورحل عنَّا ونسينا
وضاعت حكايتنا في عتمة ليالينا
يا نسيم يا مسافر إلى دروب بلدنا
خذنا معك وارمينا ع خدود وطنّا
لنسلم على الأحبة ونطمر غربتنا
ونمرح ونروي حكايات طفولتنا

يا هوى يا مسافر لقلوب أهالينا
سلم عليهم وخبرهم عن خيبتنا
مهما مد الزمن وطالت غربتنا
الوطن فينا مزروع وهو دنيتنا

وما إن انتصف الليل وزار ملاك النعاس أجفانهم وهَمَّ كل واحد منهم بالذهاب إلى سريره. وما إن أطفئت أنوار الدار حتى سمعوا صوت قادم إليهم رغم السكون والعتمة. وبدؤوا يصغون بكل شوق وحنين إلى زائرهم الخفي وهو يقول:
يا هوى المهاجر إلى غربة أحبابنا
أحمل سلامنا وحدِّثهم عن جمعتنا
خليهم يرجعوا حتى تكمل فرحتنا
بان النصر والأفراح ملأت دنيتنا
وأنقطع الصوت وغار في جوف حلم المشتهى حتى مسح كلٍّ منهم دموعه السارحة على خدوده وغفا على آمل أن تجلب لهم الأيام القادمة بشائر فرح اللقاء.

انتهت

جوزيف شماس