قصة قصيرة أيام السهر.جوزيف شماس

قصة قصيرة

أيام السهر

على الرغم من ندمه في الوقت الذي لم يعد ينفع فيه الندم في غربته الذي ذهب لحضنها بضغط من زوجته وأولاده الذين فاجأنه بعدم انتمائهم للوطن. وحتى زوجته الحاصلة على التعليم الجامعي والمدرسة في أفضل مدارس الوطن قد تركت كل هذا جانباً ولحقت بالنسوة الأميات الجاهلات اللواتي ركبنا طريق الهجرة في أول فرصة متاحة لهنَّ إلى بلاد الاغتراب لكي يَسْتِرْنَ جهلهنَّ ويتفاخرن على أنهنَّ قد أصبحن من آل الحضر حتى ولو كان هذا المتحضر هو ذاك الجشع الطامع المجرم المتآمر على شعوبهم وسرقة خيرات أوطانهم ويعطيهم الفتات منها باسم الإنسانية والرفق بالإنسان.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏سماء‏، و‏‏شجرة‏، و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏ و‏طبيعة‏‏‏


لكنه تذكر بأن جلسات خلوته مع ذاته في الآونة الأخير قد كثرت وهو يفكر عن السبب أو عن الأسباب التي أدت إلى ما آلت إليه أمور الوطن. وأكثر ما كان يحيره ولا يصارح به الآخرين خجلاً؛ هو أفراد عائلته ويسأل نفسه على الدوام:
من كان السبب في قناعاتهم وتوجهاتهم الفكرية؟ أهل كنت أنا السبب لانشغالي بمكتبي الهندسي وبالمقاولات والسهرات والحوارات السطحية التي كانت تبنى دوماً على عدم الرضا والتذمر بناءاً على أقوال أو اتهامات دون التأكد من صحتها أو مصدرها وكنا نتكلم بها فقط لقتل الوقت؟؟؟ . أما السبب هو ركض زوجتي وراء أصول التربية الحديثة وتحرر المرأة والبحث عن الظالم والمظلوم بين المرأة والرجل. أم السبب هي المراكز الدينية التي أعطيناها الثقة والاحترام الزائدين لتربية أولادنا وخاصة في فترة تكوين شخصيتهم وتوجهاتهم الفكرية والاجتماعية والوطنية وغيرها أم يا ترى كما يقول الأغلبية فيتهمون دوماً الدولة والوطن. ويسأل نفسه في حيرة :
يا ترى من هو الوطن؟؟؟ !! ومن ماذا يتكون الوطن وما دور كل واحدٍ فينا فيما نسميه وطن هذا إذا اتفقنا على شيء أسمه وطن وحب الوطن والانتماء للوطن. وفجأة تبسم وقال:
لماذا لا أفكر مثل الأغلبية؛ صغاراً وكباراً ومن كافة الانتماءات والأعراق وبكل المستويات العلمية والفكرية فكلهم أوقات الشدائد يُحَمِّلون الله مسؤولية أخطائهم وفشلهم . فأنا لما لا ؟ أليس هو من وضع في رأسنا العقل لنفكر به ولكن بأمره وإرادته ؟ أليس هوى من خلقنا نحن في مجتمع جاهلٌ متخلفٌ أو هكذا يصفوننا الآخرين ونحن مقتنعين بذلك … أليس الله هو من خلقنا على أرض الخيرات وألهم الآخرين كي يتآمرون علينا ويحاربوننا ويرمون الفتن بيننا ويسرقون خيراتنا. أليس هو من خلق الديانات المختلفة والطوائف والأعراق ويراهم يختلفون ويتقاتلون ولا يحرك ساكنا. فما الفرق بينه وبين أي مدير عام يعتمد في أدارته على مبدأ فرق تَسُّدْ…
وهنا صحا على نفسه على أنه قد تخطا حدود الفكر المسموح به. وأن صوته عالي قد يسمعه الله ويعاقبه. فنطق فوراً بعبارات التوبة وشكر ربه على أنه وحيداً في الدار ولا يسمعه أحد كي يشي به إلى رجل الدين وكيل الله على الأرض. أو بالأصح مخبر الله على الأرض. وذلك لعلمه بأن زوجته قد ذهبت مع أولادهم للتنزه في الغابة القريبة من مكان أقامتهم. لعلها تقنعهم في أعادة النظر في تصرفاتهم ورغباتهم بالانفصال عن جسد العائلة بدافع من مفهوم الحرية الشخصية. وهي تحاول معهم لا لشيء سوى فقط للحفاظ على قوام العائلة ولو بالشكل الخارجي أمام الآخرين. وهبَّ واقفاً وبدأ يدمدم. ورويداً رويداً بدأ يعلو صوته وهو يقول:

آه .. أين أنت يا أيام السهر
الجرح ينزف والقلب أنكسر
وضحكات الأحبة قد انتحرت
وغرقت في جوف هذا القدر

فجأة سمع صوت زوجته تكلمه وتحثه على الاستيقاظ. وتتابع:
– ماذا بك أتكلم نفسك؟
يفتح عينيه بتثاقل ويجيبها:
– نعم لما لا وهل هناك مانع. ولتعلمي بأنه ليس من الأفضل سوى أن يكلم الإنسان نفسه في زمن الفوضى في كل شيء. وفي زمن الغدر والتيه.
– هيا أنهض لتشرب قهوتك وتسرع إلى درس اللغة.
– لا أرغب الذهاب إلى هذا الدرس اللعين
– يجب أن تذهب. فغيابك قد تكرر في الآمنة الأخيرة. وسوف يطردونك وهذا ليس من مصلحتنا.
– الآن تبحثين عن مصلحتنا.
– قم فلم يعد ينفع الجدل ولا الندم.
– لكنني سأعود
– لم يبقى لدينا شيء هناك لتعود من أجله. وكما تعلم بأنَّنا قد بعنا كل شيء هناك كي نستطيع المجيء إلى هنا. والمال الذي أحضرناه معنا قد قارب على النفاذ. وسنضطر للعيش فقط على المعونة التي يعطونها لنا.
– ألم أقول لك بأنني سأعود.
– قلت لك لم يبقى لدينا شيء هناك
– بل يوجد
– وماذا يوجد هناك شيء لم أعرفه؟
– نعم لم ولا تعرفينه ولن تعرفينه إذا بقيت على ما أنت عليه.
– وما هو ؟
– الوطن .. الوطن .. الوطن. وتوجه إلى سترته المعلقة وأخرج من جيبها ما كان يبحث عنه وبدأ يهمس لنفسه:
ما أجملك يا هوية الوطن وما أكرمك. أنت الكرامة أنت الأمل.
تغادر زوجته الغرفة لتجهيز طعام الإفطار وتكلمه بصوت عالي وتلح عليه بالتوقف عن الهذيان والإسراع للحاق بدرس اللغة. بينما هو فتح دفتره وبدأ يتصفحه باحثاً عن ما كتبه ليلة أمس . فكان التالي:

ظلمة ملأت الكون عتمة
فغابت الأنوار عن البشر
وبياض عبأ الكون عنوة
فتاهت متعة بريق القمر
والشمس تشرق وتغيب
والناسُ نيامٌ بحضن القدر
قد غابت عنهم أحلامهم
وحبهم إلى الليل والسهر
فيا تراب وطني الأسمر
أحنُّ لعطرك لوابل المطر
لسنابل القمح لعطر الشجر
لفلاح نشيط يحلم بالأمل
فيا غربتنا موتي في الوهن
وأهلاً بك ذكريات أيام السهر
ثم عاد إلى فراشه وزوجته ما زالت تنادي عليه…

انتهت