على دروب تل رفعت …. الجزء الأول – الرابع 2012

قصة سبقت محاولة اختطافي من عيادتي 2012

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏يبتسم‏، و‏‏وقوف‏‏‏‏

أريد أن أكتب لكم قصة جرت معي وهي تتعلق بالتهديدات التي سبقت محاولة اختطافي من عيادتي 2012 …
ولكن في البداية , وحتى تفهموا البداية ولماذا بدأتُ حياتي المهنية في عيادات ريف حلب , لا بد أن أبدأ بملخص بسيط جداً جداً عن الحلقات السابقة جميعها :
أنا ابنة عائلة مقتدرة مادياً من ريف طرطوس , تزوجتُ بعد تخرجي من كلية الطب وفي بداية اختصاصي بزميلي في الاختصاص وهو من غير ديني وغير مدينتي , فأنا من مسيحية من طرطوس وهو مسلم من حلب … لذلك تم إقصائي خارج جنة عائلتي ورُميت في الفراغ لأبدأ حياتي ليس من الصفر , بل من تحت تحت الصفر …
زوجي ابن عائلة موظفين وعقليته عقلية موظف , هو في لعبة طرنيب الحياة مساعد , وعليّ أنا أن أسميّ الرقم الذي سأحصله في اللعبة , وبحكم طبعي وشخصيتي فقد اخترت النزول ب 13 ………… 13 من أصل 13 أو لا شيء …………

لذلك , ولأني لا أملك المال الكافي لاستئجار عيادة في مدينة حلب , كان عليّ أن أرحل إلى الريف لأبدأ من هناك , واخترتُ الريف الشمالي لحلب ……………
هذا مشهد صار معي منذ 21 عاما , وقد سبق ونشرته على صفحتي بتاريخ 5 / 11 / 2018 , وهو تمهيد لقصة الغد …..
طبعاً لا داعي لتذكيركم أن ما أرويه لكم هو صورة سينمائية مطابقة تماماً لما حدث في الواقع …………
تابعوني …………..
………………
هذه ليست قصة خيالية , ولا حكاية قديمة … هذه أنااااا
تخيّلوا معي المشهد :
كانون الثاني عام 1998 , مدينة حلب , ساحة سعد الله الجابري , الساعة 9 إلا ربع صباحاً , المطر يهطل بغزارة , والحرارة لا تتجاوز ال 5 درجات مئوية , والهواء يعصف في الساحة الباردة الواسعة المفتوحة من كل الجهات حاملاً معه حبات المطر التي تصفع الوجوه …
طبيبة في الثلاثين من عمرها تلبس معطفاً سميكاً وتغطي رأسها بوشاح صوفي , تقطع الشارع من جهة إلى أخرى لتأخذ سيرفيس حلب ـ تل رفعت وتسافر ل 45 كم إلى البلدة الريفية الصغيرة وتداوم في عيادتها البسيطة …
الطبيبة لا تملك شيئاً في هذه الحياة سوى زوج محبّ مكافح مثلها وطفلة صغيرة في الروضة … تسكن بيتاً صغير جداً جداً كأنه غرفة واحدة مقسمة بحيطان لما يشبه الغرف يقع في حيّ شعبي مزدحم وفقير , ولأن طبيبتنا فقيرة فلا قدرة لها على فتح عيادة في مدينة حلب , هي لا تملك حتى الإيجار المرتفع لعيادة في حلب , لذلك فقد استأجرت دكاناً في بلدة تل رفعت الشمالية البعيدة وحولته إلى عيادة , والحمدلله صار لها معارفها ومريضاتها والعمل لا بأس به والقرش على القرش بيعبوا المطمورة ………
الطبيبة كما حكيت لكم لا تملك شيئاً , شيئاً مادياً بالطبع , لكنها تملك روحاً كبيرة , روحاً رقيقة كأرواح الملائكة , صلبة كالحجارة السود في ضيعة أجدادها , روحاً لا تهزم ولا تعرف الهزيمة ولا اليأس … روحاً وادعة حالمة يستوقفها أي شيء ويلفت انتباهها كل شيء , كأنها تود أن تذوب في العالم وتتشربه ويتشربها لا أن تعيش به , لذلك كانت طبيبتنا تسير على الأرض كأنها تطير , تمشي في شوارع حلب الباردة كأنها تمشي في دورب خيالية لمدينة خرافية في حكاية قديمة لا يصدّقها اليوم أحد …
وفي لحظة وقوفها على الرصيف تمهيداً لقطع الطريق الغارق في الأمطار , لمحتْ من بعيد سيرفيس تل رفعت قادماً من الكراج باتجاه الشمال , ففرحتْ لأنه لم يتأخر كعادته , وخشيتْ ألا تتمكن من اللحاق به لصعوبة قطع الطريق المزدحم وبالتالي ستضطر إلى انتظار السيرفيس التالي الذي قد لا يأتي لنصف ساعة …
انتظرتْ طبيبتنا قليلاً والمطر يهطل بغزارة وينقط من وشاحها على وجهها وعينيها فيحجب رؤيتها , وعبرت الشارع بسرعة … للأسف لم يكن الشارع خالياً فهناك سيارة شيفروليه حديثة فاخرة سوداء اللون آتية بسرعة أيضاً في اللحظة نفسها , وخلال أجزاء من الثانية توقفت الطبيبة قبل حصول الاصطدام مباشرة , ومثلها توقفت السيارة بعد أن رشتها بشلال من الماء الموحل تغلغل إلى ملابسها وحذائها مبشراً ببرد قارس سوف يلحق بقدميها طيلة يومها في البلدة …
وقفتْ الطبيبة في منتصف الشارع تقطر ماءً ومطراً وخجلاً تحت أنظار الناس الفضولية , بينما فُتح شباك السيارة كاشفاً وجه امرأة أنيقة :
ـ شبك ؟؟؟ ما عم تشوفي بعيونك ؟؟؟ كنتِ رح تضربي السيارة …
ـ أنا آسفة … تمتمتْ الطبيبة وهي تدير وجهها بالاتجاه المعاكس لتخفيه …
ـ العمى على هالناس , بيمشوا متل العميان …
وأغلقتْ السيدة شباك سيارتها وتابعتْ طريقها …
أما طبيتنا فقد تمكنت من اللحاق بالسرفيس وصعدته مسرعة وضربات قلبها تتلاحق خافقة كقلوب العصافير الخائفة …
لم تجرؤ طبيبتنا على التفكير بالموقف الذي حدث قبل دقائق , وتريثتْ حتى يهدأ روعها ويخفّ خوفها وينجلي فكرها …
سار سيرفيس تل رفعت باتجاه الشمال , شارع فيصل , شارع النيل , شارع تشرين , الليرمون , وأخذ أوتوستراد حلب إعزاز خارجاً من المدينة وسائراً باتجاه البلدات والقرى الشمالية … تغيّرت المناظر فقد غابت الأبنية تدريجياً وبدأ الريف يلوح , أراضٍ زراعية خصبة خصبة بنية بلون خضاب الدم مترامية المساحات تمتد ملء النظر , هذه مزروعة حنطة وتلك شعيراً والتالية عدساً وبعدها حمصاً , وخلفها في الأفق تلوح أشجار الزيتون الزيتية اللون المنتظمة الصفوف السحيقة القدم …
هدأ قلب طبيبتنا وصفا عقلها , صارت تستطيع استعادة الموقف الذي جرى : هي من هي وقد صرتم تعرفونها , طبيبة فقيرة لا تملك شيئاً في الحياة تذهب من بيتها الفقير في الحي الشعبي إلى عيادتها الفقيرة في الضيعة البعيدة تلبس معطفاً قديماً ووشاح حماتها الطيبة وقد وضعته على رأسها وهي تدعو لها عند الصباح قبل أن تخرج , أما السيدة الثرية في السيارة الفارهة فمن هي ؟؟؟ أنتم لا تعرفونها بالطبع لكن هي تعرفها , إنها زميلتها الدكتورة فلانة الفلاني , طبيبة مثلها , مثلها تماماً , كانت معها في كلية الطبّ تسبقها بسنتين أو ثلاثة , قبل 10 سنوات فحسب كانتا متساويتين , مع فارق أن طبيبتنا دوماً متفوقة وتلك تدفش تدفيشاً وتشحط المواد شحطاً , واختلفت الخيارات وتباينت المصائر … طبيبتنا تابعتْ الدراسات العليا في سوريا وتزوجت رفيقها الفقير مثلها , وتلك سافرتْ إلى بلد أوروبي مع زوجها الثري ابن العائلة العريقة وعادتْ تحمل شهادة تحتاج إلى أربعة مترجمين ليتمكنوا من ترجمتها لفخامتها …
طبيبتنا تسكن البيت الذي حكيت لكم عنه , وتلك تسكن شقة فاخرة في أرقى حيّ بحلب , طبيبتنا تسافر في السيرفيسات إلى الضيع البعيدة , وتلك تركب سيارتها السوداء الفارهة بطول 8 أمتار وهي تنتقل من شقتها الفارهة لعيادتها الفارهة , طبيبتنا ترتدي وشاح حماتها وتلك ترتدي معطف الجلد والفرو , طبيبتنا تعاين أهل الريف بأجور زهيدة وتلك تعاين الأثرياء مثلها وتتقاضى أجوراً هاي هاااي … فكيف ستتمكن طبيبتنا من كشف وجهها أمام تلك في هذه اللحظة التي تقاطعتْ فيها مصائرهما ثانية ؟؟؟
فكرتْ هكذا طبيبتنا وهي تتأمل الرؤوس الخضراء الصغيرة للقمح النامي في التربة التي تتلقى المطر كرحم أمّ وتغذي بذورها بحنان أمّ … فماذا برأيكم قالت الطبيبة لنفسها ؟؟؟ ولي على حظي المعتر ؟ ليش الدنيا مو عادلة لهالدرجة ؟؟ يا ريت الأرض انشقت وبلعتني ؟؟؟ طيب بشو أنا بفرق عنها لحتى أركب أنا السيرفيسات للضيع وتركب هي الشيفرولات للعيادات الخاصة والمشافي 5 نجوم والقصور أم ال 10 أندونيسيات وفليبينيات ؟؟؟
لالا … أبداً دكتورتنا ما قالت هيك … أصلاً هي ما زعلت حتى , بالعكس , ابتسمت في سرها وقالت : فليكن … العبرة ليست في السيارات والقصور , العبرة فيمن يقدم خدمات أكبر لوطنه , العبرة فيمن يترك أثراً أكبر في بلده وأهله وناسه والإنسانية أجمع , العبرة لمن يسير بخطى صغيرة لكنها واثقة معطاءة ثابتة , وأنا من تسير بهذه الخطى , أنا من هنا , من هذه الحقول , من دكاني في تل رفعت , من سيرفيس تل رفعت الحبيب … من هنا … من هذه الطرقات الباردة البعيدة سأسير حتى أصل لكل العالم , لكل امرأة في العالم , سأصعد بهذا السيرفيس القديم لألمس الغيوم , سيأتي يوم إن شاء الله ألمس فيه غيمة , وأسكن غيمة , وأغنّي أغنيتي الخاصة بي من فوق غيمة …
طيب ……..
تلك الطبيبة الثرية غادرت سوريا في أول أيام الحرب , في منتصف عام 2011 , غادرتها لتعمل في وظيفة ليلية بسيطة في مشفى من مشافي مدن أوروبا , طبيبة مناوبة لا يعترف باختصاصها أحد …
أما طبيبتنا فهي لم تترك سورياها رغم التهديد والحرب والقذائف والدمار , وسارتْ مع ناسها وأهلها ومريضاتها درب آلام طويلاً وصعباً , لكنهم جميعاً لمسوا الغيوم …
أنا هي هذه الطبيبة …
من عريني عيادتي أحييكم …….
~~~
د . ريم عرنوق

تتمة لما رويته لكم البارحة حول بداية حياتي المهنية في تل رفعت القصية البعيدة في الشمال الشمال ………
………..
الزمان : خريف عام 1996 …
المكان : عيادتي في بلدة تل رفعت التي تبعد 45 كم شمال حلب ….
الوضع : طبيبة فقيرة لا تملك شيئاً في الحياة , زوجها طبيب يخدم العسكرية وهو مناوب بشكل شبه دائم في المشفى , ابنتها طفلة في السنة الثالثة من العمر والسنة الأولى من الروضة …..
سأصف لكم طبيبتنا في تلك الفترة من الخارج ومن الداخل أيضاً :
صبية في نهاية العشرينات , لا يميزها أيّ شيء , فهي ليست بيضاء ولا سمراء , لا طويلة ولا قصيرة , لا فاتنة الجمال ولا قبيحة , لا نحيفة ولا بدينة , عيناها لا شهلاون ولا سوداوان , لا كبيرتان كعيون المها ولا صغيرتان كعيون الشرقيين , صبية عادية كأي فتاة تركب باص الجامعة أو تقف في الشارع تنتظر عودة ابنها من المدرسة ………. لكنك إن نظرت إليها للحظة واحدة , لحظة واحدة فحسب , أخذتْ بمجامع قلبك للأبد ……… إن فيها سحراً لا تدريه هي نفسها , لعله نابع من طبيعة عملها كطبيبة نسائية وتوليد , أي خادمة في محراب الله لشؤون الخلق , تتعامل بشكل دائم مع إشراقة شمس الحياة وصرختها الأولى , هي محترفة صناعة الحياة …. ومن يلمس طهارة الأطفال حديثي الولادة ودفئهم وعبقهم لابد أن يصبح مثلهم …………
طبيبتنا مجدة مجتهدة شاطرة اختصاصية ماهرة , وباستثناء جهاز ايكوغرافي صغير هي لا تملك أي شيء في الدنيا , حتى عينيكِ وأحزاني لا تملكهما …….
قررت طبيبتنا أن تفتح عيادة ريفية لأنها لا تستطيع دفع الإيجار الغالي لعيادة في حلب , ومثل قائد عسكري ثاقب النظرة درست كل قرى وبلدات ريف حلب من السفيرة حتى خناصر , ومن عفرين حتى جنديريس ومعبطلي , ومن جرابلس ومنبج ( التي أمضت فيهما الفترة بين 1994 ـ 1996 طبيبة ) , حتى اعزاز وجبل سمعان ………
هي تريد ريفاً قريباً بحيث تستطيع أن تذهب وتعود كل يوم إلى بيتها في حلب , ولكن الأرياف القريبة مليئة بالأطباء , بالإضافة إلى سهولة نزول أهلها للمعالجة في حلب …. وهذا لا يناسبها بالتأكيد , فهي تريد أن تفتح فتحاً مبيناً لا أن تلتقط رزقها من الأرض كالدجاج …. هي صاحبة مبادئ أخلاقية عالية جداً ولكن مسؤولياتها تحتم عليها أيضاً الإنفاق على العائلة : الزوج العسكري والطفلة في الروضة …..
درست المنطقة ودرست ودرست , ولم تصل إلى نتيجة , فاستشارت عمها والد زوجها :
ـ عمو … وين بتنصحني أفتح عيادة ؟؟؟
ـ افتحي وين ما بدك دكتورة ( كان عمي الحبيب ولا زال يخاطبني بلقبي وليس باسمي ) , كلو خير وبركة … ولكن إياكي … إياااااكي …… أن تقتربي من تل رفعت ………
ـ ليش عمو ؟؟؟
ـ تل رفعت منطقة متعصبة دينياً جداً , وفي أحداث الثمانينيات فظعت لدرجة أن الجيش خرج من حلب كلها إلا تل رفعت , بقي فيها حتى فترة قريبة …. وأنتِ يا دكتورة صبية صغيرة ومسيحية ولست حلبية … سيأكلونكِ هناك ……
ـ خير إن شالله يا عمو ………
……….
عمي نطق بنصف الحق , فكنته صبية فعلاً ومسيحية وليست من حلب , لكنه أغفل أمراً مهماً : كنته عنيدة جداً وصاحبة حدس خارق : في بلدة تبلغ هذه الدرجة من التعصب والتخلف الروحي لا يوجد طبيبة تجرؤ على فتح عيادة فيها وبالطبع لا يوجد إيكوغرافي ….. ستكون هي الطبيبة التي تقتحم هذه البلدة وتدخل إليها العلم والمعرفة والطب والإيكوغرافي أيضاً ………..
من كل القرى والبلدات في ريف حلب الطويل العريض الواسع الخصب زرعياً المزدحم بشرياً حيث بيوت القرى المتجاورة تتلامس فلا تفرق أين تنتهي القرية الأولى وتبدأ الثانية , اختارت طبيبتنا تل رفعت وإليها شدت الرحال ………
استقبلها أهل تل رفعت الطيبين بترحاب شديد , واحتضنوها ورعوها وشعروا بالفرق الطبي الذي أحدثته في القرية ….. كانت نساء تل رفعت بلسم لجراحها فهن طيبات كريمات ككل نساء سوريا , ورغم قلة لطفهن الناجمة عن انعزالهن الاجتماعي إلا أنهن مرحات للغاية ……….
في تل رفعت احتكت طبيبتنا بالنساء فقط , فالرجل لا يرافق زوجته للعيادة النسائية , وهناك علمت للمرة الأولى في حياتها أن الأنثى إذا خرجت من بيتها دون حجاب فهي ” عريانة ” أي عارية بنظرهم , وأن الطفلة إذا ارتادت المدرسة بعد الصف السادس فهي غريبة وأهلها لا يغارون عليها , وأنها ما أن تبلغ الصف الثالث الابتدائي حتى يوضع لها الحجاب ويفضل أن تلزم البيت , وأن 90% من النساء في تلك الفترة كن أميات , وأن الفتاة من عمر ال 12 حتى زواجها لا تخرج من البيت أبداً أبداً إلا بمرافقة الأهل , وبعد الزواج كذلك لا تخرج من بيت الزوج إلا بمرافقة أهل الزوج , وأنها يجب أن تتعدى عمر معين هو 35 ـ 40 سنة كي تصبح قادرة على السير في الشارع لوحدها ولمنطقة قريبة جداً من دارها بالطبع , أما زيارة مدينة حلب فهو أمنية مستحيلة لأي امرأة ………..
في تل رفعت تغيرت طبيبتنا كثيراً , اختبرت ماذا يعني أن تنجب المرأة 8 أولاد وتشعر بالحاجة لإنجاب المزيد , فهي وعاء جنس وإنجاب وإن فقدت هذين الأمرين فقدت جدوى وجودها في الحياة , وهناك أيضاً عرفت طبيبتنا لم تبدو المرأة في الأربعين كأنها في السبعين بينما يبدو الرجل في الأربعين كأنه في الثلاثين , فهي تبدأ بالإنجاب باكراً , وتحمل وتلد وترضع , وتحمل من جديد وتلد وترضع … هكذا دواليك …… , وفي هذه الأثناء تستمر بالعناية بزوجها وأولادها وبيت حماها وأراضيهم , أي تستمر امرأة للمتعة وأم حامل ومرضعة وخادمة وطباخة وفلاحة في الأرض من الفجر للمغيب ……. كل ذلك بينما هو , الرجل , يجلس في المقهى الريفي يحتسي الشاي ولا يتزحزح عن كرسيه إلا للصلاة في الجامع , وسرعان ما يعود للمقهى …………
75% من الرجال في تل رفعت يعملون في وظائف الدولة , وسلك الشرطة والبلدية مفضلان لكثرة ” الرزقة ” فيهما وهذا من فضل ربي , وبعد الوظيفة يعود الرجل للبيت حيث تنتظره صينية الغداء , ومن ثم بوجهه إلى المقهى ………..
لا يعمل الرجل أبداً بالأرض …. الأرض وأشغال الزراعة لا تليق بالزلم , الزلم للوجهاهة والأرض للحريم …………..
ولا أدري كيف يجتمع التعصب والغيرة على أهل البيت من النساء في عقل الرجل مع نزول نفس أهل البيت للأرض والعمل بها منحنيات قائمات قاعدات من الصبح لعشية ……..
لم أفهم هذا التناقض أبداً ولا زالت حتى اليوم لا أفهمه ………….
لم تحتك طبيبتنا بالرجال بشكل مباشر في تل رفعت , كان تعاملها مع النساء حصراً بحكم كونها طبيبة نسائية وبحكم حساسية الوضع في تل رفعت …..
طبعاً طبيبتنا لتحمي نفسها في مجتمع ريفي لا يرحم ارتدت ” المانطو ” و” الحجاب ” ………….
لم يمضِ على وجودها في تل رفعت إلا أقل من شهر وأصبحت حديث الناس الدائم وشغلهم الشاغل … بحضورها الآسر ومهارتها واجتهادها وأسلوبها المميز وجهاز الإيكوغرافي المتطور لديها استقطبت كل النساء في تل رفعت وجوارها من القرى : كفرنايا , دير جمال , الشيخ عيسى , منغ , قبتان الجبل …… الخ
بُهرت النساء بالإيكوغرافي والتصوير به لدرجة أنهن أحضرن حتى قريباتهن المسنات اللواتي يعانين من الآلام المفصلية والعظمية للمعاينة بالإيكو , وازدحمت العيادة بالمراجعات …………
طبعاً العيادة ليست عيادة بالمعنى الحرفي للكلمة , هي دكان له درابية معدنية كدكاكين الخضرة , تقسمه ستارة قماشية إلى قسمين : قسم للفحص وقسم للانتظار ….
كان كل شيء يسير عال العال , والطبيبة سعيدة تسافر يومياً عبر طريق طويل طويل لتصل دكانها وتفحص مرضاها وتقبض معاينتها الرخيصة جداً , وتعود عند المساء إلى بيتها لتشتري لابنتها الأكلات التي تحبها والألعاب التي ترغب بها ….
طبيبتنا اعتبرت نفسها محظوظة جداً بوجودها في تل رفعت إلى أن أتى يوم … وحدث الاصطدام مع رجال تل رفعت ………..
كيف ؟؟؟
سأترك التتمة لما بعد زيارة أمي وأختي , عازمتن ع الغدا …..
تفضلوا تغدوا معنا , رح أعمل تسقية وجنبا مخلل لفت بيطير العقل جاييني ضيافة من مريضاتي حبيباتي …..
انتظروني يا رفقاتي ……..
~~~
د . ريم عرنوق

على دروب تل رفعت …. الجزء الثالث

الزمان : شتاء 1996 ـ 1997 …
المكان : عيادتي في تل رفعت …..
…..
أنا في تل رفعت منذ 3 أشهر وكل شيء عال العال , الدكان الذي حولّته إلى عيادة يسير على ما يرام , ونساء تل رفعت الجميلات الطيبات المرحات ذوات الأصوات العالية واللهجة المميزة يحطن بي وقد وقعن في غرام طبي وتصويري على الإيكوغرافي …
الأمور تتطور من حسن إلى أحسن لدرجة أنني فكرت : كم كان عمي مخطئاً حين حذرني من العمل في تل رفعت والتي سيطر عليها الأخوان المسلمون في وقت ما خلال أحداث الثمانينات البعيدة …
وشطحتُ أيضاً بتفكيري الإيجابي المتفائل المصرّ على رؤية كل ما هو جميل وطيب فحسب , شطحتُ في تفكيري لدرجة أنني بدأت أدرس جدياً قرار بقائي في تل رفعت بشكل دائم ونقل بيتي وعائلتي إليها بدل مواصلات 3 سيرفيسات في الروحة و3 في الرجعة من وإلى حلب …..
وحلمتُ …. حلمتُ بعيادة حقيقية كبيرة وجميلة في تل رفعت , ومن ثم مركز طبي , ومن ثم مشفى و و و و ……..
إلى هذه الدرجة كنت سعيدة ومستبشرة خيراً بهذه البلدة ……

حلّ كانون الأول ونزل البرد كغيمة ثقيلة تنخر العظام , وجثم على صدر البلدة الشمالية البعيدة ….. هواء بارد , سماء رمادية , أرض مشبعة بالماء خضابية اللون تشبه مساحات واسعة من الدم المتخثر , أشجار عارية من الأوراق تمدّ أغصانها بيأس مثل هياكل عظمية تناشد السماء , برك من الوحل , وبرد برد برد كأنه مسامير حديدية تجلد البدن …..
تحت معطف سميك وحجاب صوفي ولهب مدفأة بحثت عن الدفء في عيادتي البسيطة , واستمرت المريضات بزيارتي وهن يقطرن مطراً ويرتجفن برداً ويمسحن أحذيتهن المطاطية الحبلى بالوحل على مدخل عيادتي …..
في يوم أربعاء , أذكر ذلك بوضوح فأنا أتمتع بذاكرة سينمائية لا تخيب , دخلتْ إلى عيادتي امرأة في الثلاثينات , كانت تبدو متعبة حزينة شاحبة , جلستْ بصمت تنتظر دورها خلف الستارة , وعندما آن وسألتها عن اسمها وعمرها وعدد ولاداتها أجابتني بأن اسمها فاطمة ســــ…. ( اسم وهمي ) , وزوجها اسمه مصطفى ســـــ… ( أيضاً اسم وهمي ) , ولديها خمسة أطفال ذكور , وهي حامل بشهرها السادس بطفلها السادس , وتريد أن تطمئن على صحة الجنين بالإيكوغرافي وجنسه فرد مرة ……
أجريتُ التصوير للسيدة القلقة التي قاطعتني أكثر من مرة هامسة بضعف ولهفة :
ـ دكتورة … بيّن معك صبي ولا بنت ؟؟؟
ـ دقيقة دقيقة … هلئ ببين … شوفي هي راسو وهي عيونو وهي إيديه وهي دقات قلبو … اسمعي صوتن ( دوم دوم دوم دوم دوم ) … وهي بطونو وهي رجليه , وهي مقعدو …. هون منشوف جنسو …..
ـ إيه دكتورة إيه … صبي ولا بنت ؟؟؟ صبي ولا بنت ؟؟؟ بيّن ؟؟؟ ما بيّن ؟؟؟ بيّن ؟؟؟؟
ـ يا ستي هادا بنت … شوفي : هي الأعضاء التناسلية الأنثوية …….
ـ بنت ؟؟؟؟؟؟!!! وشهقت السيدة مفزوعة … متأكدة دكتورة ؟؟؟ الله يخليكي تأكدي …
ـ طبعاً بنت ( أجبتها بفخر وفرح من تزف بشرى أول فتاة لأمّ لديها خمسة أبناء ذكور ) …. متأكدة 100% …..
نهضتْ المرأة عن طاولة الفحص , أصلحتْ ثيابها , شكرتني باتسامة حزينة وغادرتْ العيادة دون أن تقول أي كلمة , حتى دون أن تأخذ وصفتها …..
ولأن ما يفصل غرفة الانتظار عن غرفة الفحص هو مجرد ستارة قماشية فقد سمعتُ المراجعات يتحدثن عنها بشفقة وإحداهن تقول : يا حرام … ما رح تخلص من زوجها هلئ …. الله يعينها ….
وتردّ أخرى : أكيد رح يتزوج عليها … ليلتا سودا المسكينة ……….
لم أفهم حينها لم ليلتها سوداء ما دامت ستنجب أخيراً أنثى بعد خمسة ذكور , وتابعتُ دوامي كالمعتاد …..

في اليوم التالي الخميس , جئتُ إلى عيادتي الساعة التاسعة صباحاً كالمعتاد , واستقبلت مريضاتي أيضاً كالمعتاد … كان يوماً شديد البرودة عاصف الرياح وقد انطفأت مدفأتي أكثر من مرة بسبب الهواء القوي …. المطر يهطل بغزارة سيل , هو يصفع زجاج الباب الخارجي كأنه نقرات أصابع رجل غاضب أو مجنون , والهواء يصفر عبر الباب المغلق كأنه عواء ذئب وحيد …..
حوالي الساعة الحادية عشرة , فتح الباب الخارجي بعنف وسمعت أصوات أقدام ثقيلة تدخل العيادة , كنتُ قد انتهيت لتوي من فحص مريضة وأنا أعطيها وصفتها الطبية حين سُحبت الستارة فجأة ودخل رجل شبه عملاق ووقف أمام مكتبي …
ـ أنتي الدكتورة ريم ؟؟؟ قالها بفحيح …
ـ نعم أنا الدكتورة ريم …….
وخبط بيده الكبيرة كالمجرفة على مكتبي فصدر صوت كالرعد ….
جفلتْ المريضات , وساد الصمت … حتى المريضة التي كنت أناولها الوصفة أخذتها من يدي وانسحبتْ بهدوء خلف الستارة دون أن تجرؤ على مغادرة العيادة …..
ـ بقى أنتي الدكتورة ريم ……
ـ إيه أنا يا أخي … خير شوفي ؟؟؟
ـ أنتي مين مفكرة حالك آآآآ ؟؟؟ دكتورة ولا الله ؟؟؟؟
ـ شو هالحكي يا أخي … فهمني شوفي …..
وخبط الرجل بكفه القوي مرة أخرى على المكتب :
ـ مين أنتي مين ؟؟؟ مين مفكرة حالك ؟؟؟ وليه أنتي شقفة حرمة , شقفة حرمة حقها فرنكين … حطيتي حالك محل الله يا كافرة ؟؟؟ يا ذمية يا علمانية يا كافرة …..

توقف قلبي أو كاد …
كانت المرة الأولى في حياتي التي يخاطبني فيها إنسان بهذا الشكل , المرة الأولى التي يصرخ بوجهي إنسان , المرة الأولى التي أوصف بها بأني ” ذمية ” وكافرة ……
ابتلعتُ ريقي بالعافية فقد جفّ حلقي وخارت قواي ولم أستطع الوقوف …. كنتُ في التاسعة والعشرين من عمري فحسب , ولم تعجنني الحياة بعد ….
همستُ : يا أخي … هل أخطأت بحقك في أمر ما عن غير قصد حتى تخاطبني بهذه الطريقة ؟؟؟ هل أعرفك أنا ؟؟؟
أجاب والشرر يتطاير من عينيه :
ـ أنا المهندس مصطفى ســـــ….. , امرأتي زارتك البارحة من غير إذني , وأنتِ صورتها بهذا الجهاز من غير إذني , وأخبرتها بجنس الجنين من غير إذني ….. من أنت لتخبريها أنها حامل بالبنت السادسة ؟؟؟ من أنتِ لتبشريها بالأنثى السادسة ؟؟؟ من أنتِ لتعلمي ما في رحمها ؟؟؟ من ؟؟؟؟
وانتصب بقامته الماردة وكتفيه العريضين , رفع سبابته للأعلى نحو السماء وصرخ :
ـ الله وحده يعلم ما في الأرحام …… الله وحده …….
وانحنى من جديد باتجاهي وأشار بنفس السبابة الكبيرة المغطاة بالشعر إلي :
ـ الله … وليس أنتِ يا حرمة ………..
جمد الزمان في تلك الثانية , فهمتُ كل شيء , أدركتُ سبب حزن المرأة البارحة , والسر وراء تعليقات المراجعات بعد خروجها … كذبتْ المرأة وقالت لديها 5 صبيان بدل 5 بنات كي تضمن أني سأصارحها بجنس المولود ….
كنتُ لا أزال جالسة خلف مكتبي والرجل العملاق ينحني نحوي , نظرتُ في وجهه مباشرة للمرة الأولى ورأيته بوضوح : رأسه ضخم , بشرته حنطية اللون , وعلى جبهته العريضة بقعة سمراء خشنة داكنة علامة كثرة سجوده , شعره يتناثر بخصل شائبة قليلة حول رأسه , شارباه محفوفان وشعيراتهما تبرز سوداء قصيرة من تحت الجلد كأشواك ناتئة , ذقنه طويلة يخطها الشيب , وعيونه صفراء ملتهبة بعروق حمراء محتقنة بالدم …..
كان قريباً من وجهي لدرجة أنني شممت رائحة عطره الحادة التي تشبه رائحة بخور ثقيل تمازجها رائحة عرق ودخان …. كانت الرائحة نفاذة جداً , غريبة ومنفرة ومخيفة في الوقت نفسه … سأل عقلي خلال ومضة : لمَ رائحة الرجل مخيفة إلى هذه الدرجة ؟؟؟ وأجاب عقلي نفسه خلال الومضة ذاتها : لأنها رائحة رجل , رائحة ذكر ……….
كانت المرة الأولى في حياتي التي أشم فيها رائحة ذكر …….
كل الرجال الذين مروا في حياتي قبل تلك اللحظة كانت روائحهم حلوة ومريحة : أبي ورائحته تشبه رائحة الخبز الطازج في تنور ضيعتنا , أخي الذي يصغرني ورائحته تشبه رائحة مزيل العرق اللطيفة , زوجي ورائحته تشبه رائحة المعقمات والكفوف الجراحية , عمي ورائحته تشبه رائحة صابون الغار الحلبي الطاهر …….
هذه الرائحة الذكرية لا أعرفها , لم أعرفها في السابق , ولن أنساها ما حييت …..
رائحة ذكر حيوان غاضب ومخيف …….
استجمعتُ شجاعتي فقد أدركتُ أنه بمواجهة ضبع متحفز لا يجوز إظهار الضعف …
أجبتُ الرجل بكلمات لا زالت ترن في أذني :
ـ يا أخي … أنا لست الله تعالى لأعرف مافي الأرحام , وحاشا أن أكون … أنا مجرد طبيبة استعملت هذا الجهاز ورأت فيه جنيناً له أعضاء أنثوية ….
ـ جهاز الكفار هذا ؟؟؟ أشار الرجل للإيكوغرافي …..
ـ يا أخي أنت مهندس , وهذا الجهاز ليس نتاج الكفار , بل هو نتاج العقل البشري الذي أعطانا إياه الله تعالى , نتاج العلم الذي أوصانا رسول الله بطلبه ولو في الصين ……..
ـ بعلمكم هذا ستدمرون بلاد المسلمين …… والله لن أكون ابن تسعة ولا اسمي مصطفى إن تركتك تنشرين كفرك في تل رفعت أكثر ……..

في هذه اللحظة صدح أذان الظهر من المسجد القريب معلناً حيّ على الصلاة , تمتم الرجل الشهادتين وهم بالذهاب إلى الجامع لأداء صلاة الظهر , وقبل أن يغادر التفت إليّ كأنه سها عن أمر كان سيقوله وتذكره فجأة … رفع سبابته الضخمة من جديد وهزها في وجهي وهو يهددني :
ـ ريم عرنوق ….. سيأتي يوم أجعلك فيه تدفعين الثمن ….. تذكري ذلك جيداً ….
وخرج …..
في الدقيقة التي خرج بها من العيادة عادت الحياة للمراجعات الصامتات المطرقات إلى الأرض كأنهن تماثيل من حجر , واندفعن نحوي بلهفة :
ـ دكتورة ريم لا تزعلي حبيبة قلبي … هاد واحد عصبي ومجنون ….
ـ دكتورة ريم ولا يهمك ولا تردي عليه …..
ـ دكتورة ريم ما بيسترجي يدوس على طرفك … لا تخافي ……
ـ دكتورة ريم … هاد اللي عم يحكي عن الدين وعن الله , أمه الختيارة بالشارع ع الزحافة والناس عم تتحنن عليها ……
ـ دكتورة ريم ما شفتيها ع مدخل الضيعة ؟؟؟ قاعدة ع زحافة خشب بهالبرد وعم تشحد الخبزة ؟؟؟
ـ كبّ أمو دكتورة ريم … رماها بالطريق …. وبيحكي عن الله ……..
………..
في طريق العودة إلى حلب , وعند مدخل تل رفعت الجنوبي , قرب بيوت حجرية بيضاء , لمحتُ من شباك السيرفيس ومن خلال قطرات المطر الغزير امرأة عجوز نحيلة كأنها كمشة عظام في أسمال بالية , تجلس على دكة خشبية صغيرة ينخرها السوس وتحركها دواليب صدئة , وتمد يدها إلى رجال يغطون رؤوسهم بكوفيات ويمشون مسرعين تحت المطر دون أن يلتفتوا إليها …..
عرفتها فوراً … هي أم مصطفى … عرفتها وأشحت بوجهي عنها وأغمضت عيني الدامعتين وأنا أصغي لصوت قلبي يقول : ” انتهى حلم تل رفعت يا ريم … لا عيادة كبيرة ولا مركز طبي ولا مشفى … تل رفعت ليست نساءها الطيبات المرحات … تل رفعت هي هذا الرجل الذي هددك قبل قليل وتوعد أنه لن ينساك وسيجعلك تدفعين الثمن , ثمن جنسك المختلف عن جنسه فهو رجل وأنتِ ” حرمة ” , ثمن دينك المختلف عن دينه فهو مؤمن وأنت كافرة , هو مسلم وأنت مسيحية ذمية , وثمن علمك المختلف عن علمه , فهو خريج دروس الجوامع الإخوانية , وأنتِ خريجة كلية الطب الإنسانية , وأمثاله لا ينتمون لبني الإنسان , بل لعرق متفوق مغرور له الحياة الدنيا والآخرة , له اليد الطولى على الأرض وفي السماء , عرق اسمه الإخوان المسلمون ….. لا مكان لكِ بعد اليوم يا ريم في تل رفعت … استعدي للرحيل , واستعدي أيضاً لدفع ثمن اختلافك ….. ”
………..
احتاج مني الأمر أربع سنوات أخرى للرحيل عن تل رفعت والعودة لحضن حلب بشكل نهائي , و16 سنة لدفع الثمن …
وقد دفعته , عام 2012 دفعته , في مركزي الطبي , عندما فتك الإرهاب بسوريتي ….
هذا ما سأرويه لكم غداً , إذ لم تنته قصتي مع مصطفى بعد … وأخشى أنها , رغم كل ما جرى عام 2012 , لن تنتهي أبداً ………
تابعوني أصدقائي ……….
~~~
د . ريم عرنوق

على دروب تل رفعت …. الجزء الرابع والأخير ….
ـــــــــــــــــــ
الأجزاء الثلاثة السابقة تجدونها منشورة على صفحتي بتاريخ 14 , 15 , 16 شباط ….

…………

احتاج مني الأمر 4 سنوات لمغادرة تل رفعت والعودة إلى حضن حلب , عاشرتُ خلال هذه السنوات الأربعة كل أنماط البشر في الريف الشمالي الحلبي : أهل تل رفعت البسطاء منهم والمتعلمون , أهل دير جمال اللطفاء الراقون المثقفون , أهل كفرنايا الفلاحون منهم و تجار الزيت والزيتون , أهل منغ الذين يتزاوجون من بعضهم لدرجة ترسخ الأمراض الوراثية فيهم , أهل حيان النزقون ذوو الحمية والنخوة , أهل عندان المتعصبون المنغلقون على أنفسهم , أهل حريتان الأغنياء المتعالون , أهل كفر حمرة المتشبهون بسكان حلب , أهل الزيارة الأكراد الأثرياء أصحاب كروم الزيتون والفيلات البيضاء الحلوة , أهل نبل والزهراء الكرماء الطيبون ……….
جميع هؤلاء نساء ورجالاً عرفتهم خلال رحلتي في قطار الحياة بين محطتي تل رفعت وحلب …………
بالطبع صدمتُ أكثر من مرة بالتعصب الموجود عند جزء من الرجال في تل رفعت , وما صدمني أكثر هو التخلف المستحكم في بعض البيوت والأسر يقابله انفتاح وتطور أسر أخرى , وهذا التخلف غير متعلق بدرجة التعليم , فقسم من أصحاب الشهادات الجامعية العليا ينتمون لهذه الأسر المتخلفة وهم لا يتميزون عن الجهلاء والأميين فيها بشيء , بمعنى لم يزحزح التعليم في أذهانهم أي قيد من قيود الماضي الصدئة ……….

لم ألتق بمصطفى ســـــ…. بعد تلك الحادثة قط , تلك الحادثة كانت مفصلية في خطط حياتي المعدة سلفاً , وقد حرفتْ مسار أحلامي باتجاه العودة لحلب بقوة , هذا ما سعيت إليه وعملت على تحقيقه بعد ذاك اليوم الشتوي من عام 1996 ….
ولأن الحياة تشبه المياه لا يمكن لأحد أو لشيء أن يوقفها , فقد تدحرجت أيامي صعوداً وهبوطاً … في منتصف عام 2000 انتقلتُ إلى حلب وافتتحت أول عيادة لي في حي الأشرفية , وكانت مكونة من غرفة واحدة فقط لا غير …..
عام 2002 تحولت الغرفة إلى غرفتين , عام 2003 صارت 3 غرف , عام 2005 صارت 5 غرف : 3 للانتظار ومكتب وغرفة فحص …..
القفزة الكبرى كانت عام 2011 عندما افتتحتُ مركزي الطبي في حلب المكون من 10 غرف : 4 انتظار , عيادة حوامل , عيادة نسائية وكشف مبكر عن السرطان , عيادة أطفال , غرفة أرشيف وإدارة , مخبر , كافتيريا ………..
بعد دكاكين الريف البعيدة الباردة , صار لي مركز طبي كامل متكامل في مدينة حلب الرائعة …. صحيح أن 75% من ثمن المركز قرض مالي كبير جداً باهظ الفوائد جداً جداً اقترضته من بنك عودة في شباط 2011 , إلا أن ذلك لا يهم , فالعمل يسير بوتيرة رائعة وأنا أتحكم بخيوط حياتي ببراعة رئيس مجلس إدارة شركة عالمية مجلس إدارتها مؤلف من شخص واحد هو أنا ………
ثلاثة أرباع مرضى عيادتي كانوا من ريف حلب , أكثر من نصفهم من عيادتي القديمة في تل رفعت , استمرت علاقتي بمريضاتي في تل رفعت قوية بشكل متين وصارت أكثر ثباتاً وتشعباً وعمقاً …… كنتُ محبوبة جداً , ماهرة جداً , واثقة جداً من نفسي …… وهذا كان خطأي القاتل : أنا كنتُ محل ثقة , لكني أغفلت أمراً غاية في الأهمية وهو أن الحياة ذاتها ليست على الإطلاق محل ثقة ………. وبالفعل , عندما تربعتُ على قمة عرش النجاح والعطاء , ونصّبتُ نفسي مليكة أمري ومالكة زمام عملي وقبطان سفينة حياتي , انقلبتْ بي السفينة وهويت من ذروة العرش للدرك الأسفل , ويا ليتني هويت وحدي , بل هوتْ معي معبودتي حلب وأمي سوريا , فقد جاء منتصف آذار 2011 ….

منتصف آذار 2011 بدأت الأزمة في سوريا , الإعلام الخارجي يسميها ثورة شعبية ضد طاغية يقتل شعبه , والإعلام الوطني يعتبرها مشاكل عارضة وجزئيات خدمية , أما قلبي فهو يحدثني أنها كارثة ………
أدركتُ منذ اليوم الأول حجم المؤامرة , رأيتُ بأم عين بصيرتي ما نحن ذاهبون إليه , عرفتُ أننا مقدمون على خسائر رهيبة أقلها وأكثرها تفاهة هي خسارتي لبيتي ومركزي الطبي وعملي ………..
منذ بداية نيسان 2011 وصلت إلى مسامعي أخبار المظاهرات المبكرة جداً في تل رفعت , مظاهرات خرجت من الجوامع والمدارس , أبطالها أطفال الكتاتيب والصفوف الابتدائية يهتفون بإسقاط النظام ……. يقودهم شيوخ الجوامع وزعماء العائلات وكبارها المسموعي الكلمة ……..
كان جسدي في عيادتي بحلب , وروحي متشظية بين تل رفعت التي خلعتْ ثوب النظام وهيبة الدولة وبدأتْ تعود لوجهها الإخواني , وعفرين التي داستْ على العلم الوطني السوري ورفعتْ علم كردستان وصور عبد الله أوجلان , وعندان التي سيطرتْ عليها عصابات إجرامها , وإدلب التي كشفتْ عن شعاراتها الجاهلية , ودمشق التي صارتْ بعيدة جداً يفصلنا عنها غيوم سود وحواجز من شذاذ الآفاق المسلحين بالحقد التركي والإجرام الوهابي والبنادق الأميركية والقذائف الإسرائيلية ……

منذ الشهر الأول من السنة الأولى من تغريبتنا السورية انشقّّت تل رفعت كهيكل حجري شقه زلزال إلى قسمين كبيرين : قسم يجري في دمه حب الوطن والوفاء لقائده , وهذا القسم انضوى فيه كل الطيبين الشرفاء نظيفي العقول طاهري القلوب , وقسم معجون بالتخلف والحقد والخيانة والقسوة انضوى تحته كل المتعصبين الغارقين في جاهليتهم وعنفهم الدموي , اجتمعوا مع الفاسدين السارقين الناهبين الزعران معدومي الأخلاق ليشكلوا عصابة واحدة خارجة عن سيطرة الدولة ………
ما أدهشني في هذا الانشقاق أنه لم يحدث كما في مناطق أخرى كـ حمص مثلاً وفق معايير طائفية , فجميع سكان تل رفعت مسلمون سنيون , ولا وفق معايير عشائرية وقبلية , فلا انتماءات عشائرية لسكان ريف شمال حلب , ولا وفق معايير عائلية فالانشقاق كان عمودياً قسم العائلات الكبيرة إلى طرفين متحازبين ضد بعضهما البعض , حتى ضمن العائلة الواحدة انقسم الإخوة بين مؤيد مسالم ومعارض حامل للسلاح , ولا وفق معايير تعليمية وثقافية , فهناك متعلمون وجامعيون في كلا الشقين , وهناك أناس بسطاء وأشباه أميين في كلا الطرفين ……..
الانشقاق في تل رفعت حدث كما في العديد من أطياف المجتمع السوري وفق معايير أخلاقية : كل حاقد متعصب فاسد ردئ الأخلاق عنيف الروح أسود القلب انضم إلى المعارضة الإخوانية , سواء من هذه العائلة أو تلك , من هذه الحارة أو تلك , موظف في الدولة أو تاجر أو مزارع أو سائق سيرفيس على الخط ….. وكل شريف طيب صادق محب ودود رفض الانضمام للمعارضة ……
ولأن الحاقدين الفاسدين أكثر عدداً وأقوى تأثيراً من الوطنيين الأوفياء , ولأن تل رفعت بعيدة عن حلب وقريبة جداً من تركيا المفتوحة بسلاحها ومسلحيها , وأموالها ومموليها , وأخوانها ومحرضيها , وإجرامها ومجرميها , وجهادها ومجاهديها , فقد انتصر إخوان الشياطين على السوريين الشرفاء وطردوهم من تل رفعت تحت التهديد بالسلاح والقتل والذبح والتهجير من البيوت ومن ثم نهبها وإحراقها …….
هُجّر أهل تل رفعت الشرفاء إلى حلب , وسيطر الإخوان تحت مسميات مختلفة على البلدة , وكما حدث في تل رفعت حدث في العديد من قرى وبلدات ريف حلب الشمالي ك حيان مثلاً التي هدد بالقتل من رفض من أهلها دعم المعارضة الإرهابية المسلحة , وبالكاد استطاعت بعض عائلاتها الهرب تحت جنح الظلام إلى بلدة نبل المقابلة ………

وجد أهل الريف الشمالي أنفسهم في مدينة حلب بلا بيوت ولا أراضي ولا أعمال , خسروا كل شيء ,لكنهم لم يخسروا كرامتهم ولا ولاءهم لوطنهم ورئيسهم …
التحقت الغالبية العظمى منهم بالجيش والدفاع الوطني , وأخذوا يحلمون بتحرير بلداتهم الحبيبة والعودة إلى بيوتهم وأراضيهم وأشجار زيتونهم وفستقهم ….
كنتُ أتابع ما يجري بقلب يحترق وروح تتعذب , أرى مريضاتي مهجرات بلا مأوى , خرجن من بيوتهن حتى دون أن يودعنها , حتى دون أن يسقين أصص الورد ومساكب الفل …. خرجن بثيابهن التي يرتدينها , بالشحاطات في أقدامهن وبعضهن حافيات , حاملات أطفالهن , تاركات قراهن حيث ولدن ونشأن وعشن كل حياتهن , ليجدن أنفسهن في الفراغ , بلا بيوت ولا ذكريات ولا مستقبل ولا أمنيات ……
كنتُ أتقطع حزناً وشبح الإرهاب القاعدي يتحول لمارد جبار يقضم ريف حلب بلدة بلدة وقرية قرية وناحية ناحية حتى وصل إلى داخل أحياء حلب نفسها ……..
مرّ عام ونصف على بدء الأحداث , وجاء رمضان 2012 …….
1 آب 2012 سيطرت جبهة النصرة وأخواتها على معظم مناطق مدينة حلب ….
أنا في مركزي الطبي , لا زلتُ صامدة وأعمل دون توقف , إذ لم يبق طبيبة غيري في كل المنطقة الشمالية من مدينة حلب ….. جميع الأطباء تركوا حلب , بعضهم لمدن أخرى في سوريا , وبعضهم خارج سوريا …….
حجم العمل رهيب , فالعبء الملقى على عاتقي في المركز كبير جداً , يزيده وطأة عملي التطوعي بعد العيادة في مراكز الإيواء والمدارس والجوامع والكنائس التي احتضنت النازحين من الريف والأحياء الشرقية لحلب المحتمين بالدولة المؤمنين بها ……

السبت 6 آب … الساعة الواحدة ظهراً … أنا في مركزي الطبي …. خرجتُ من غرفة عيادة الحوامل إلى غرفة العيادة النسائية ….. ندهتني رئيسة ممرضات المركز إلى غرفة الإدارة … دخلتُ فوجدتها مع ممرضة أخرى تتهامسان بقلق …
ـ ما الأمر ؟؟؟ سألتُ …
أجابتني رئيسة الممرضات :
ـ دكتورة ريم … هناك شخص خطر في العيادة ……
ـ شخص خطر ؟؟؟ ما هذا الكلام ؟؟؟
تبادلتْ الممرضتان النظر … وبعد قليل من التردد أجابتْ إحداهما :
ـ دكتورة … ربما هو قائد في الجيش الحر …..
ـ قائد في الجيش الحر ؟؟؟ عندي هنا في المركز ؟؟؟ شو عم تحكوا ؟؟؟؟؟
ـ أجل دكتورة … هذا ما قالته إحدى النساء , أم محمد من حيان ….
ـ أين هذه المرأة ؟؟؟
ـ في غرفة العيادة النسائية ……..
دخلنا إلى هناك … كانت إحدى السيدات تقف وسط العيادة مع كنتها وهما ترتجفان …
ـ ما الأمر يا أم محمد ؟؟؟
أمسكتْ السيدة الستينية بكلتا يديي بين يديها , ونظرتْ إلي برجاء ممزوج بخوف مصيري :
ـ دكتورة ريم … حبيبتي …. أرجوك انتبهي إلى نفسك ….. هناك رجل عندك في المركز تعرف عليه ابني محمد , وأنتِ تعلمين أن ابني تطوع في الدفاع الوطني منذ خروجنا من حيان …. ما أن رآه محمد حتى غادر عيادتك سريعاً قبل أن يلاحظه الرجل ….. قد يقتله يا دكتورة ….. قد يقتل ابني …. جئنا إليك على عجل وقد ترك سلاحه في البيت …….
ـ اهدأي يا أم محمد …. اهدأي يا أماه ….. من هو هذا الرجل ؟؟؟
ـ أوصاني محمد أن أقول لكِ : انتبهي من هذا الرجل , هو من تل رفعت و ينتمي إلى لواء عاصفة الشمال …. اسمعيني دكتورة ريم ….. الرجل هو نائب قائد اللواء في تل رفعت …. نائبه وأخوه …. اسمه …… اسمه …… ما اسمه ؟؟؟ ( التفتت إلى كنتها تستنجد بها لتذكرها )
ـ اسمه يوسف ســ….
ـ أجل أجل ….. اسمه يوسف ســــ…. يا دكتورة هذا الرجل خطر وفي رقبته دم شهدائنا …. يا دكتورة قد يريد بكِ شراً …..
بحثتْ ممرضاتي عن الرجل في كل أرجاء المركز ولم تجدنه , هدئتُ من روعهن وأخبرتهن أنه ربما غادر المركز وعدت باتجاه غرفة العيادة النسائية عندما خرجت الممرضة المسؤولة عن عيادة الحوامل من غرفتها شاحبة وقد غاض الدم من وجهها ….. تقدمتْ نحوي وقالت بصوت لا يكاد يسمع :
ـ المريضة في الداخل ليست حاملاً , هي أتت فقط ليستطيع زوجها مقابلتك ….. أرسلني مع هذه الجملة : قولي لدكتورتك الشبيحة الكافرة يوسف ســــ….. ينتظرك منذ زمن ….
كان الرجل داخل عيادة الحوامل ينتظرني …. كان الإرهابي في عريني , في وسط عريني , ينتظرني …….

فتحتُ باب عيادة الحوامل وولجتُ برأس مرفوعة وخطى ثابتة وجلستُ خلف مكتبي …..
أدركتُ بحدسي أن هذه لحظة مصيرية , لكنها ليست لحظة نهائية ……
ابتسمتُ بفخر , فأنا الدكتورة ريم , وكائناً من كان هذا الإرهابي لن يستطيع أن ينتقص من اعتزازي بنفسي ……
ـ نعم ؟؟؟
ـ دكتورة ريم …… أنا يوسف ســـ…. هل عرفتني ؟؟؟
نظرتُ إليه , رجل قصير القامة , نحيل البنية , حنطي الوجه مع بقعة سمراء داكنة على الجبين , حليق الشارب ولحيته قصيرة مشعثة , عيناه صفراوان بعروق حمراء محتقنة …. أحسستُ أني رأيته سابقاً لكني لا أذكر بالضبط أين ومتى …… فتشتُ زوايا ذاكرتي عبثاً , التفتُ إلى زوجته الجالسة على طاولة الفحص مطرقة برأسها إلى الأرض خجلاً وقد رفعت نقابها الأسود عن وجهها , فعرفتها فوراً …..
ـ لم أعرفك أنت يا أخي , ولكني عرفتها هي ( وأشرتُ إليها بإصبعي ) …. هذه مريضتي أسماء كـ….. وقد راقبتُ حمولها ثلاث مرات وولدتها ثلاث مرات آخرها منذ عامين أو أكثر قليلاً …..
ـ هي زوجتي … ذاكرتك قوية يا دكتورة , إن شالله تتذكري أخي فهو من أرسلني إليك ……
ـ ومن يكون أخوك ؟؟؟
استدار الرجل بكامل جسده نحوي وثبت حدقتاه في حدقتي :
ـ أخي المهندس مصطفى ســـ….. هل تذكرينه ؟؟؟؟؟
يا الله ……..
البشرة الحنطية ذاتها , الشوارب المحفوفة , اللحية المشعثة , البقعة السمراء الداكنة على الجبين , العيون الصفراء المحتقنة , النظرة الحاقدة المسعورة …. لكن الرائحة , رائحة ذكر الضبع الخانقة غائبة , فمن هو أمامي , الأخ يوسف , صعلوك مهرج أما مصطفى فضبع عملاق …
ـ طبعاً أذكر السيد مصطفى ….
ـ الأخ والقائد مصطفى بيسلم عليكي , وبيقلك : بتتذكري لما كنتي بتل رفعت وكنتي تنشري الكفر ؟؟؟ وحلف يمين يطالعك من تل رفعت ؟؟؟ وضليتي غصباً عنو 5 سنين بالضيعة …
ـ 4 سنين …..
ـ 4 سنين يا ستي … هلئ بيقلك رح يطالعك من حلب كلهااااا …. استنيه … كم يوم وبيصيروا الأخوة الثوار من لوائنا بفسط حلب …. وهداك الوقت بيستحق حسابك وحساب كل الكفار والشبيحة أمثالك ….. حلب رح تصير إلنا , وسوريا إلنا , ورئيسك هاد ( وأشار بيده إلى صورة السيد الرئيس التي تعلو مكتبي , ذات الصورة التي أشارت إليها مجاهدة جبهة النصرة قبل يومين فقط ) رئيسك هاد رح نحرقوووووو …..

ابتسمتُ بحزن , كنت خائفة بشدة , ولكن حزني كان أقوى بما لا يقاس من خوفي …
ـ يا يوسف …..
ـ نعم …..
ـ أنا ولّدتُ امرأتك هذه يا يوسف ………
صمتَ يوسف ونظر إلى زوجته التي كانت الدموع تترقرق في عينيها ….
ـ ثلاث مرات ولدتها يا يوسف …..
حوّل يوسف نظراته الصامتة إليّ ….
ـ أولادك يا يوسف ولدوا على يديّ هاتين ….. بيدي هاتين حملت أولادك يا يوسف …
تأمل يوسف يديّ المرفوعتين بأسى ….
ـ وجاية اليوم تهددني يا يوسف ؟؟! بدك أترك حلب يا يوسف ؟؟!
حار يوسف قليلاً وأطرق إلى الأرض ليستجمع شتات نفسه , ثم رفع عينيه إلى وجهي وتأمل كل قسماته , مسح بعينيه شعري وحاجبي وكحلي وخدودي وأقراطي وشفاهي وذقني وعنقي … توقفت عيناه طويلاً على عنقي ، ثم هز راسه كمن يجبر نفسه على الصحو من منام مزعج وقال بصوت خفيض :
ـ يا دكتورة … نحنا منحبك … والله منحبك … بس خلص … ما ضل إلك محل بيناتنا …. اسمعي مني و روحي من حلب … روحي قبل ما … قبل ما ….. يوصلولك ……
…………………..
ما حدث بعدها أنني لم أرحل عن حلب , حتى بعد محاولة اختطافي من مركزي في 8 آب بعد يومين , عدت إلى مركزي خلال فترة قصيرة , مركزي الذي دمره تفجير المشفى السوري الفرنسي وعشرات قذائف الهاون …. عدتُ إلى حطامه وبقيتُ على رأس عملي أردّ لحلب ولسوريا دينهما العظيم , فكل ذرة من ذرات كياني تنتمي لسوريا …….
أطلال مركزي الذي كان عامراً يوماً ما في حي الأشرفية استمر يتلقى قذائف الحقد الأسود لمدة 4 سنوات كاملة , لم يبق حائط أو شباك إلا مرّت عليهما شظايا الحقد , استشهد عدد كبير من مريضاتي وهاجر جزء أكبر عبر رحلات موت برية وبحرية إلى مكان ما في تركيا أو أوروبا , وغادرتني كل ممرضاتي , ولم يبقَ قرب هذا الدمار إلا أنا والصامدون من أهل حلب وريفها , لم يبقَ إلا الصابرون العنيدون العاشقون لتراب سوريا المتيمون بها ……
عملتُ في حطام مركزي 4 سنوات , وبلهفة وحب عالجت كل نساء تل رفعت وحيان ونبل والزهراء وقرى حلب وأحياء حلب …. عالجتهن بلا كهرباء ولا أمان , ولكن بإيمان لا يتزعزع بالنصر القادم ……
بلهفة وحب قدمت لهن علمي ودوائي , وبحزن وحبّ قدمت لهن واجبي وعزائي باستشهاد الأحبة الأبطال الذين غادرونا واحداً واحداً على جبهات القتال …. واحداً واحداً أناروا درب آلام سوريا كالشموع , وكالشموع انطفؤوا وودعناهم …….
وخلال هذه السنوات الأربعة وصلتني قصص تقشعر لها الأبدان من هول الإجرام الذي جرى في تل رفعت بزعامة مصطفى ســـ….
ماذا أحكي لكم ؟؟؟
هل أحكي لكم كيف أحرق بمواد كيميائية شديدة الاشتعال تحترق بلا لهب , أحرق كل بيوت الأوفياء لسوريا في تل رفعت ؟؟؟؟
هل أحكي لكم كيف اختطف أقاربه وجيرانه الذين لهم أخوة في الجيش وطالبهم بفدية لقاء العفو عن رقابهم ؟؟؟؟
أم كيف باع بالمال , بالدولار والريال , بعض من اختطفهم لجبهة النصرة وداعش , باعهم كالأغنام وقبض ثمنهم غالياً جداً , فداعش تدفع بالدولار ثمن التقرب إلى الله بذبح مرتد , باع أقاربه الذين اختطفهم لداعش والنصرة وهو يعلم أن مصيرهم قطع رؤوسهم ؟؟؟
أم لعلي أحكي لكم كيف جمع 7 من أولاد عمه المؤيدين للدولة والذين لم يتمكنوا من الفرار من تل رفعت في الوقت المناسب , جمعهم في ساحة القرية وقتلهم جميعاً وأحرق جثثهم في محرقة عظيمة ؟؟؟!!!!!
……….
أنا أكتب لكم الآن وأكاد أتمزق ………..
إن إخراج هذه الذكريات من عقلي وتحويلها إلى كلمات يمزق شرايين قلبي ……..
رواية مشهد واحد مما حدث يستنزفني ويدمي روحي , فكيف برواية كل ما حدث ؟؟؟
كيف بكتابة ما جرى بعد يومين فحسب مع محاولة عصابة أحرار الشام اختطافي في 8 آب وطلب فدية 5 مليون ليرة ؟؟؟؟
…………………..
………………..
الصورة من مركزي الطبي في حلب , عيادة الحوامل حيث التقينا أنا ويوسف ســــ….. ذات يوم ……
~~~
د . ريم عرنوق