فاعلية الأيقاع بين الشاعر بشير الطوري والمتلقي نزار حنا الديراني

فاعلية الأيقاع بين الشاعر بشير الطوري والمتلقي
نزار حنا الديراني

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏بما في ذلك ‏‎Bashir M Altorle‎‏‏‏، و‏‏أشخاص يبتسمون‏، و‏‏‏بدلة‏ و‏نظارة‏‏‏‏‏

العملية ُالإبداعية في الشعر وكما هي في الفنون الأخرى لا بد أن تتوفرُ على ثلاثة أركان أساسية كي تكتمل، وهي المرسل (الشاعر) ، والمستقبل (المتلقي) ، والقصيدة… والعلاقةُ بين المبدع أديبا أم فنانا ، والمتلقي شائكة ٌومعقدة حيث يظل المتلقي هدفا أساسيا ينشده الشاعر المبدع وحيث يسعى من خلال شعره إلى التميز والصدق ، وهو بحاجة دوما لأن يخاطب متلقيا معينا لأنه يعرف أنه ( المتلقي) هو الذي يقدم التقييم الحقيقي للقصيدة التي هي المحور، فالشاعر بطبيعته يريد الوصول إلى ذلك المتلقيوهو يعلم جيدا إن عملية الذائقة تختلف من شخص لآخر وحسب ثقافة المتلقي، قالشاعر يريد أن يدخل عالم المتلقي ، ويحاوره وينال إعجابه، ويريد أن يصل بما يليقبه من خلال صقل قصيدته بالخصائص المعنوية والفنية بما تؤهله لجذب إنتباه المتلقي..
فالشاعر د. بشير الطوري يعي جيدا ماذا يعني الشعر من خلال تجربته وقراءته لعشرات الشعراء السريان بدءً من مار أفرام وليومنا هذا … يعرف جيدا إن الشعر فن الكلمة، إنه الروح للروح… يجمع بين القطبين، قطب الأدراكية الحسية المباشرة وقطب ذاتية الشعور والفكر… ومن هنا تأتي أهمية الأيقاع في الشعر لدى الشاعر بشير الطوريلما للمفردة من حضور ذاتي تفرزها جسدها الصوتي الذي يتدفق في عروق القصيدة ليشكل مع العناصر الاخرى البناء الشعري الذي شكلته أحاسيس الشاعر وأبرزته عواطفه لتخلق فاعلية وتناغما بين الشاعر والمتلقي ، ومن خلال ايقاع القصيدة يعطي الشاعر للمتلقي إحساسا كي يسحبه الى دائرته …

 

والايقاع في الشعر السرياني هو مجموعة اصوات متشابهة تنشأ من العلاقة بين الصوتية والموسيقية أي بين الاصوات والكلمات ، ويعد الأيقاع من أبرز مظاهر جمال القصيدة لدى الشاعر السرياني د. بشير متي الطوريفموسيقى الشعر لديه عنصر جوهري في القصيدة ، ترجع أساسا إلى الوزن والقافية إذ ينشأ عنهما وحدة النغم (الوزن الذي تسير عليه القصيدة) والإيقاع (وحدة هذا النغم أي التفعيلة)وهو على مستويين:
1 –مستوى خارجي صوتي: الناتج عن حركة صوتية تنشا عن نسق معين بين العناصر الصوتية في القصيدة أي تردد ظاهرة صوتية على مسافات زمنية محددة ويدخل ضمن هذا المستوى كل ما يوفره الجانب الصوتي من وزن وقافية . فالشاعر يشدد كثيراً على الإلتزام بالأوزان التقليدية وكما في قصيدته ( ܥܺܝܪܽܘܬ̣ܳܐ – اليقظة ) :
ܟ̇ܰܕ̇ܽܘ ܠܰܢ ܣܶܕ̣̈ܩܶܐ ܘܚܶܪ̈ܝܳܢܶܐ ܟ̣ܰܕ̇ܽܘ
ܟ̇ܰܕ̇ܽܘ ܠܰܢ ܣܶܢܐܬ̣ܳܐ ܘܦ̣ܽܘܠܳܓ̣̈ܶܐ ܟ̣ܰܕ̇ܽܘ
ܟ̇ܰܕ̇ܽܘ ܠܰܢ ܐܰܟ̇ܬ̣ܳܐ ܘܶܐܠܡܳܐܘܡܰܨ̈ܘܳܬ̣ܳܐ
ܗܘܰܝܢܰܢ ܓ̇ܶܝܪ ܒ̇ܶܙܚܳܐ ܘܟ̣ܽܠܶܗ ܡܽܘܝܳܩܳܐ
ܒ̇ܰܝܢܳܬ̣ ܕ̇ܶܝܢ ܥܰܡ̱ܡ̈ܶܐ ܘܟ̣ܽܠܗܶܝܢ ܐܶܡ̈ܘܳܬ̣ܳܐ
ܚܣܰܪܢܰܢ ܬ̇ܰܫܥܺܝܬ̣ܰܢ ܘܟ̣ܽܠܶܗ ܐܺܝܩܳܪܰܢ
القصيدة موزونة على البحر العاشر وعلى نسق واحد ( 5 +5) حركة بمعنى الشاعر أوجد في قصيدته هذه نظاماً منسقاً بين الدعامات أو لنقل مجموعة من المقاطع الصوتية المتشابه في كل بيت مما أفرزت لنا كتلة موسيقية متناغمة .
وهكذا في قصيدته (ܚܽܘܝܳܕ̥ܳܐ – الإتحاد)
ܐܰܚܰܝ̈ ܟ̊ܰܕ̊ܽܘ ܠܰܢ ܣܶܕ̥̈ܩܶܐ
ܪ̈ܳܚܡܰܝ ܢܶܫܒ̊ܽܘܩ ܚܶܪ̈ܝܳܢܶܐ
ܥܰܠܡܽܘܢ ܗܳܠܶܝܢ ܦ̊ܽܘܠܳܓ̥̈ܶܐ
ܘܡܶܛܽܘܠ ܡܳܢܳܐ ܡܰܨܘ̈ܳܬ̥ܳܐ
ܡܽܘܢ ܩܰܕ̊ܺܝܢܰܢ ܡܶܢ ܣܶܕ̥̈ܩܶܐ ؟
الشاعر يستخدم الوزن الأفرامي (4+3) حركة وعلى نسق واحد إلا في البيت الأول فقد جاء (5+2) .
الشاعر بشير الطوري يخلق أيقاعه الأولي من الوزن فضلاً عن إستخدامه القافية الى حد ما والتكرار و… وهو يقوم بإنشاءمن هذا التوالي نواة نغمية نسميها الدعامة (والتي تقابلها في العربية التفعيلة) التي تتردد على مدى البيت الشعري، ومن ترددها يتولد الأيقاع، ثم من مجموع هذا التردد في البيت الواحد يتكون ما يدعى أصطلاحا بالوزن الشعري.
ومن الجدير بالذكر في شعرنا السرياني الوحدة الأيقاعية هي الدعامة والتي تتكون من توالي مجموع الحركات بدون أخذ بنظر الأعتبار عدد السواكن، وبتكرار عدد الدعامات او بالأكتفاء بدعامة واحدة يتكون الوزن الشعري.
فالوزن ( البحر) الذي تسير عليه قصائد الشاعر بشير الطوري يوفر لها توازنا في جميع العناصر الموسيقية عن طريق نظام محكم في توزيع حركاته على الدعامات بشكل منسق فتكون تموجات النغم لديه منتظمة متسلسلة ليس فيها اضطراب ولا نشاز وتمضي محتفظة بالرنين نفسه إلى نهاية القصيدة .وكما في قصيدته ܬ݁ܶܢܰܚܬ݂ܳܐ
ܟ݁ܳܬ݂ܒ݁ܺܝܢܰܢ ܘܠܳܐܩܳܪܶܝܬ݁ܽܘܢ
ܦ݁ܳܪܣܺܝܢܰܢ ܘܠܳܐ ܙܳܒ݂ܢܺܝܬ݁ܽܘܢ
ܐܳܡܪܺܝܢܰܢ ܘܠܳܐ ܫܳܡܥܺܝܬ݁ܽܘܢ
ܪܳܫܡܺܝܢܰܢ ܘܠܳܐ ܚܳܝܪܺܝܬ݁ܽܘܢ
ܠܳܐܶܝܢܰܢ ܘܠܳܐ ܡܝܰܩܪܺܝܬ݁ܽܘܢ
الشاعر يستخدم دعامة واحدة سباعية على طول القصيدة ، فتسيل الموسيقى فيها سلسة ومنسجمة وأحيانا يستخدم البحر اليعقوبي ( 12 حركة ) وعلى نسق واحد (3*4 حركة ) وعلى مدار القصيدة .
2- مستوى داخلي: فهو حركة موقعة في بناء القصيدة او نسيجها، تتمثل من وحدات ايقاعية ( التكرار ، التماثل الصوتي ، إلقافية الداخلية ، الحروف الجرسية ،……) تزين النص وتساعد على إبراز جماليات النص .
ففي قصيدتهܡܳܬ݂ܳܐܪܚܺܝܡܬ݁ܳܐ–الوطن الحبيب )
ܐܰܪܥܳܐ ܪܚܺܝܡܬ݁ܳܐ ܕ݂ܐܰܒ݂̈ܳܗܳܬ݂ܳܐ ::: ܡܶܢܶܟ݂ܝ ܫܳܦ݂̈ܥܳܢ ܟ݁ܽܘܠ ܛܳܒ݂̈ܳܬ݂ܳܐ
ܐܰܪܥܳܐ ܚܠܺܝܬ݂ܳܐ ܕ݂ܐܰܒ݂̈ܳܗܳܬ݂ܳܐ ::: ܡܶܢܶܟ݂ܝ ܢܳܒ݂̈ܨܳܢ ܟ݁ܽܘܠ ܟ݁ܰܠ̈ܠܳܬ݂ܳܐ
ܐܰܪܥܳܐ ܒ݂ܪܺܝܟ݂ܬ݁ܳܐ ܕ݂ܐܰܒ݂̈ܳܗܳܬ݂ܳܐ ::: ܡܶܢܶܟ݂ܝ ܢܳܒ݂̈ܥܳܢ ܟ݁ܽܘܠ ܥܰܠ̈ܠܳܬ݂ܳܐ
ܐܰܪܥܳܐ ܕ݂ܟ݂ܺܝܬ݂ܳܐ ܕ݂ܐܰܒ݂̈ܳܗܳܬ݂ܳܐ ::: ܢܶܒ݂ܥܳܐ ܚܰܠܝܳܐ ܕ،ܟ݂ܽܘܠ ܡܰܪܕ݁ܽܘܬ݂ܳܐ
ܐܰܪܥܳܐ ܟ݂ܰܠܬ݂ܳܐ ܕ݂ܟ݂ܽܘܠ ܦ݁ܰܐܝܽܘܬ݂ܳܐ ::: ܐܶܡܳܐ ܐܺܝܬ݂ܰܝܟ݁ܝ ܕ݁ܰܚܬ.ܺܝܪܽܘܬ݂ܳܐ
الشاعر يخلق أيقاعه الداخلي من خلال إيقاع حركات المد الداخلية المتصلة بنظام التقفية في النص ( ܐܪܥܐ؛ܪܚܡܬܐ؛ܐܒܗܬܐ؛ܛܒܼܬܐ،ܟܠܠܬܐ…).
إن أصوات المد بأشكالها المختلفة تكاد تسيطر سيطرة شبه كاملة على الواقع اللغوي للقصيدة، فأصوات المد الطويلة المرفوعة فضلا عن التكرارتترك وقعا موسيقيا علىالمتلقي.
وجاء التكرار ( تكرارالجملة) التي يراها الشاعر أساس البناء ، ليبني عليها الشاعر أيقاعه الداخلي كتكراره (ܐܰܪܥܳܐ ܪܚܺܝܡܬ݁ܳܐ ܕ݂ܐܰܒ݂̈ܳܗܳܬ݂ܳܐ–أرض الآباء الحبيبة ) فهو يكرر هذه الجملة في جميع أبيات القصيدة بإستثناء البيتين الأخيرين . من أجل إستثمار “إيقاع الجملة وعلائق الأصوات والمعاني والصور، وطاقة الكلام الإيحائية والذيول التي تجرها الإيحاءات وراءها ..
وهكذا في قصيدته ( ܥܡܢ ܛܠܝܡܐ –شعبنا المظلوم ) حيث يكرر عبارة ( ܡܪܝܐ ܡܪܝܐ ܠܡܘܢ –يا رب يا رب لماذا ) خمس مرات وكذلك المفردة ( ܐܡܬܝ –متى ) . كل هذا لخلق أيقاعه الداخلي والتأكيد على أهمية الجملة في قصيدته . وفي قصيدته في قصيدته ( ܥܺܝܪܽܘܬ̣ܳܐ – اليقظة ) نجد الشاعر يستعمل نوع آحر من التكرار اي بداية ونهاية السطر لأهمية المفردة (ܟ̣ܰܕ̇ܽܘ) المستخدمة لديه :
ܟ̇ܰܕ̇ܽܘ ܠܰܢ ܣܶܕ̣̈ܩܶܐ ܘܚܶܪ̈ܝܳܢܶܐ ܟ̣ܰܕ̇ܽܘ
ܟ̇ܰܕ̇ܽܘ ܠܰܢ ܣܶܢܐܬ̣ܳܐ ܘܦ̣ܽܘܠܳܓ̣̈ܶܐ ܟ̣ܰܕ̇ܽܘ
وأحيانا يخلق الشاعر أيقاعه من خلال التوازي الحركي والتنتسيق بين الحركات المشبعة والمطبقة كقوله في قصيدته ܒ̇ܳܥܽܘܬ̣ܳܐ– النداء:
ܢܰܘܕ̇ܶܐ ܘܢܶܣܓ̇ܽܘܕ̣ ܘܰܢܫܰܒ̇ܰܚ
ܠܡܳܪܰܢ ܘܰܐܠܳܗܰܢ ܝܶܫܽܘܥ
ܥܰܠ ܫܦ̣ܺܝܥܽܘܬ̣ ܛܰܝܒ̇ܽܘܬ̣ܶܗ ܥܠܰܝܢ
ܘܣܰܓ̇ܺܝܐܽܘܬ̣ ܪ̈ܰܚܡܰܘܗ̱ܝ ܠܘܳܬ̣ܰܢ
ܘܢܶܫܐܰܠ ܡܶܢܶܗܚܽܘܠܡܳܢܳܐ
هذه البنى الإيقاعية هي التي مكنت الشاعر بشير الطوري من خلق إيقاعه الداخلي، كي يخصب قصيدته بالمداخلة بين هذا الإيقاع والإيقاع الخارجي وبين مستويات أخرى أكثر اتصالاً بمكونات النص كاللغة والصورة والبناء العام.
إن صلة الشعر بالموسيقى صلة مصيرية وغير قابلة للفصل مطلقاً، وهي صلة قديمة تمتد إلى الجذور الأولى لنشأة الشعر عند السريان وخصوصا حين وظف الشاعر برديصان ( المولود سنة 154 للميلاد )الجوقة والموسيقى لتلقين قصائده على الشبيبة ونشر أفكاره في مدينة اورهاي وتطورت هذه الصلة لدى الشاعر مار أفرام في القرن الرابع ومن بعده بتطور الفن الشعري حتى أصبح الشكل الشعري المنظوم محكوماً بهندسة موسيقية منتظمة.
فالموسيقى في الشعر هي التي تُنَظِّمُ الوحدات الصوتية، وتهندس التشكيلات الإيقاعية، وتوزعها على حيز من الزمن كي يستفرغ الشاعر من خلالها الشحنات العاطفية، بما يصاحبها من إثارة الفكر والخيال في خضم التجربة الشعرية، فيندفع المتلقي نحو الشاعر محاولا سَبْرَ أغواره السحيقة واستكناه أسراره.
كما نجح الشاعر بشير الطوري في إدراك الكيفية التي يقوم عليها الجرس الخاص لكل حرف من الحروف المستعملة في البيت،من خلال الجرس المؤتلف الذي تصدره الكلمات الصفيرية في اجتماعها في البيت كقوله :
ܢܺܝܫܰܢ ܚܰܕ݂ܗ̱ܽܘ ܦ݁ܪܺܝܣܽܘܬ݂ ܡܶܠܰܬ݂ ܡܳܪܰܢ ܝܶܫܽܘܥ
ܣܰܒ݂ܪܰܢ ܚܰܕ݂ܗ̱ܽܘ ܢܽܘܚܳܡ ܐܽܘܡܬ݂ܰܢ ܘܚܽܘܕ݂ܳܬ݂ ܫܽܘܒ݂ܚܰܢ
نجد المفردات (ܢܺܝܫܰܢ ، ܝܶܫܽܘܥ ، ܫܽܘܒ݂ܚܰܢ ، ܣܰܒ݂ܪܰܢ ،ܦ݁ܪܺܝܣܽܘܬ݂ ،) حين تواجدها في البيت تخلق نوع من الموسيقى .
واخيرا نقول :
ولكون الشاعر على دراية بأسرار اللغة الصوتية وقيمها الجمالية، لذا تؤثر الموسيقى تأثيرا فعَّالا في بلورة التشكيل الجمالي للنصِّ الشعري لدى الشاعر بشير الطوري، حيث تتضافر الأصوات اللغوية، وفق نظام خاص في النسق النصي لتحدث إيقاعا يعبر عن مختزنات الحالة الشعورية لدى المتلقي كي يدغدغ فيها مشاعرهالحسية ،
وهذا لا يتأتى للشعر إلا بالموسيقى التي تتفاعل فيها الموسيقى الخارجية الناتجة عن الوزن الشعري، وأنظمة تشكيل القوافي، مع الموسيقى الداخلية المنبثقة من خلال توزيع النغم الصوتي على طول القصيدة من خلال إستخدامه لدعامات تتناسق فيما بينها كيتنتج الإيقاع الشعري ، الذي يثير ويبعث مشاعر البهجة في نفسية المتلقي من أجل تكوين لديه ذائقة صوتية يستطيع من خلالها إنشاء قصائده ، بمعنى آخر الشاعر يريد أن يمهد المتلفي وحسب طبيعة التجاوب النغمي ليكون شاعراً للمستقبل.