سوا ربينا … سوا مشينا…د . ريم عرنوق

سوا ربينا … سوا مشينا … سوا قضينا ليالينا
معقولة الفراق يمحي أسامينا
ونحنا سوا … سوا ربينا ؟؟؟!!د . ريم عرنوق


هكذا بدأت ناديا حديثها معي , وناديا ( اسم وهمي ) هي إحدى مريضاتي الغاليات التي صارت بحكم المحبة والزمن صديقتي …


ناديا معلمة مدرسة , آنسة رياضيات للصفوف الإعدادية في إحدى قرى الريف الشمالي لحلب , أعرفها منذ زواجها وحملها الأول قبل 25 عاماً , يوم أن كانت في منتصف عشرينياتها فتاة مثقفة خجولة بمنتهى الأدب والرقة …
راجعتني في حمولها الثلاثة , وعلى يديّ ولد أطفالها الثلاثة ….
لا أعرف دينها وطائفتها , لا بد أنها مسلمة لأنها محجبة ومحتشمة , كل ما أعرفه أنها بالأصل من ريف شمال حلب أو ادلب ….
قبل الحرب بسنة , أي عام 2010 جاءتني بأختها الصغرى العروس المتزوجة حديثاً لمعاينتها , وأسرت لي أن أخا صهرها زوج أختها , وهو من قرية مجاورة تماماً لقريتهم , يخطب ابنتها البكر البالغة من العمر يومها 16 ـ 17 عاماً , وهي تستشيرني بصفتي عرابة أولادها كما تسميني حول الموافقة على الخطبة …
ولأنني أعرف ابنتها جيداً , فهي قد ولدت على يديّ وأعلم أنها في الصف الحادي عشر ومجتهدة كأمها , فقد نصحتها بالتريث حتى تكمل الفتاة تعليمها …
ـ بالتأكيد … أجابت ناديا … فلتخطب بعد أن تنال الشهادة الثانوية , ولتتزوج في سنتها الجامعية الثانية أو الثالثة …
ـ وهل الشاب أخو صهرك جدير بها ؟؟؟
ـ هم جيراننا يا دكتورة وأبوه صديق والدي , وهم يسهرون عندنا كل يوم , يشربون الشاي ويتعشون ويتسامرون معنا حتى ساعة متأخرة من الليل … ولذلك أعطينا أختنا لابنهم الأكبر الذي هو الصديق الحميم لزوجي , وهاهم يخطبون ابنتي لابنهم الأصغر … نحن وهم أهل يا دكتورة ريم … يعني كما تقول فيروز سوار ربينا , سوا مشينا , سوا قضينا ليالينا …
ـ على بركة الله إذاً … مع أن قلبي الذي لا يخطئ أبداً يخشى أن تكتمل أغنية فيروز : معقولة الفراق يمحي أسامينا ونحنا سوا ربينا ؟؟!
ـ مستحيييييل يا دكتورة … عم قلك نحنا جيران وأهل ……….
……………….
ودار الزمان وبعد في كومة حجار … تصرخ يا أيام الصغر لا تهربي …………
……………
دار الزمان ومرت 4 سنوات , تغير الكثير الكثير خلال هذه السنوات الأربعة فقد صرنا في عام 2014 …….
4 سنوات لم تزرني فيها ناديا ولو لمرة واحدة … لم يثر هذا الأمر استغرابي فمن يعلم التسونامي الذي مرّ بنا في حلب خلال الفترة بين 2012 ـ 2014 لا يستغرب ضياع الناس جميعاً …
في بداية 2014 جاءت ناديا إلى عيادتي …
دخلت وسلمت عليّ وقبلتني … لم أتعرف عليها … لقد تغيرت هي أيضاً كثيراً جداً كما تغيرت سوريا وحلب ……….
نحلت بشكل خطير كأنها صارت هيكلاً عظمياً , وغار خداها , وبرزت عظام وجنتيها , واختفى ألق عينيها , وغزت التجاعيد وجهها الحلو …..
لقد هرمت 40 سنة خلال 4 سنوات …
ـ ما بكِ يا ناديا ؟؟؟ سألتها … ما الذي حدث ؟؟؟
ـ جار علي الزمان يا دكتورة ريم ….
ـ لماذا يا حبيبتي ؟؟؟ احكي لي …
ـ شو بدي أحكي لأحكي ؟؟؟ … آآآآه من حرقة هالقلب ……..
ـ احكي يا ناديا … فضفضي … مو أنا رفيقتك ؟؟؟
ـ آآآآه يا رفيقتي … تتذكري كلامنا قبل 4 سنين ؟؟؟ وقت جبتلك أختي العروس وخبرتك أنو أخو زوجها الصغير عم يخطب بنتي ؟؟؟
ـ طبعاً بتذكر …
ـ ووقتا سألتيني عنن وجاوبتك سوا ربينا ؟؟؟ وقلتي أنتي الله يستر الفراق يمحي أسامينا ؟؟؟
ـ بتذكر يا ناديا بتذكر …
ـ الفراق يا دكتورة لم يمحي أسامينا فحسب , لقد محانا كلنا على بعضنا …
ـ كيف ؟؟؟
ـ رح أحكيلك …
وحكت ناديا :
ـ سوا ربينا … نعم سوا ربينا يا دكتورة ريم , فنحن جيران في قريتين متقابلتين ولا تبعد دارنا عن دارهم إلا شلفة حجر , وسوا مشينا طفولتنا وصبانا ودراستنا … وسوا قضينا ليالينا وسهرنا معاً في حديقة دارنا … جارنا الأب صديق والدي الحميم وزميله في العمل , وجارنا الابن الأكبر زوج أختي صديق زوجي ابن عمي وزميله في الدراسة , وجارنا الابن الأصغر خطيب ابنتي … كل ما فينا يجمعنا , أقصد كان يجمعنا , حتى بدأت الأحداث عام 2011 , واكتشفنا فجأة يا دكتورة أننا كفار مجوس روافض مرتدون , وأنهم أهل الجماعة وأصحاب الصراط المستقيم …..
ـ لم أفهم …….
ـ هم من بنش يا دكتورة , ونحن من الفوعة …….
ـ وماذا يعني ذلك ؟؟؟
ابتسمت ناديا بمرارة : يعني هم سنة ونحن شيعة يا دكتورة …
ـ أنتِ شيعية ؟؟؟ أقسم بالله هذه المعلومة أعرفها للمرة الأولى رغم أنني أعرفك من ألف سنة …
ـ أنا شيعية , يعني مجوسية رافضية مرتدة بنظرهم يا دكتورة , وزوجي كذلك ووالدي كذلك ………
ـ يا إلهي ………
ـ بدأت الأحداث , وخرجت بنش بالمظاهرات ضد الدولة وضد النظام وضد الكفر والكفار … انقلب جيراننا 180 درجة وتوقفوا فجأة عن زيارتنا … صار والدهم إذا التقى بوالدي لا يحييه بل يشيح بنظره , وابنهم إذا التقى بزوجي يثبت فيه عينين تتطايران بالكره والشرر ..
2012 حاصرنا إرهابيو الجيش الحر , حاصروا كفريا والفوعة بشكل شبه كامل وبدؤوا بقصفنا بكل أنواع الأسلحة … وطبعاً أهل بنش , وجيراننا على رأسهم , كانوا من ضمن من حاصرنا وقصفنا …
بالزور وبمنتهى الصعوبة استطعنا إقناع والدي السبعيني والمصاب بالداء السكري وارتفاع الضغط ونقص التروية , استطعنا إقناعه بالخروج من الفوعة … كان غير مصدق لما حدث وعقله المسالم لم يستطع استيعاب أن جيراننا وجماعتهم يشكلون خطراً علينا … المسكين كان يريد البقاء في القرية … كان يظن أن ما يحدث فورة دم وتنتهي ويعود الود والصفاء والمحبة ….
خرجنا يا دكتورة عدة عائلات تحت جنح الظلام , ومن بين البساتين وكروم الزيتون في ليلة باردة ممطرة معتمة لا قمر فيها , ركضنا 10 كيلومترات متخفين زاحفين حتى تمكنا من الوصول لنقاط الجيش , ومنها إلى حلب …..
وفي حلب بدأنا حياة جديدة , دون مال دون عمل دون أدنى مقومات الحياة … درسنا أنا وزوجي في مدارس بنش يا دكتورة 20 سنة متواصلة , ولا نجيد مهنة سوى التدريس … في حلب سكنا جميعاً في بيت مستأجر من غرفتين , وتحولت أنا إلى ربة منزل , وتحول زوجي إلى بائع خضار على البسطة …
معلش … الحمدلله … غيمة وبتزول ومنرجع لضيعتنا وبيوتنا وأراضينا …..
ولكن والدي … والدي من يصبره على فراق زيتوناته وأشجاره ؟؟؟ كل يوم يبكي ويسأل من يعتني بالدار ؟؟ من يراعي الزيتونات ؟؟؟ صار أوان العزق والحفر والتشذيب والقطاف و و و ……
والدي يعيش هوس دارنا وأرضنا وكرمنا ….. هو يرفض التأقلم ولو لحد بسيط في حلب … الحنين يفتك به ويشده من صمامات قلبه المتعب ……
وفي يوم , وبعد سنة من إقامتنا في حلب , فاجأنا بنغمة أنه يريد زيارة الضيعة وتفقد الدار والأرض ….
يا بابا شو عم تحكي ؟؟؟ يا حاج صلي على النبي … يا عمي هالموضوع مستحيل …..
لا شيء يجعل أبي يعدل عن فكرته … يريد أن يذهب للضيعة من طريق ترابي , وهو متأكد أنه سيدخل ويخرج دون أن يشعر به المسلحون ……
رفضنا فرفض شرب أدويته , وشعرت أمي أنه يهيأ نفسه للذهاب وحيداً …
تحادثنا وتشاجرنا وعلت أصواتنا … وأخيراً اتفقنا على أن يرافقه زوجي …..
وبالفعل صبيحة يوم الأربعاء قبل عام بالضبط , انطلق والدي وزوجي إلى الفوعة التي قرروا التسلل إليها عبر الكروم والطرق الترابية الخفية ……….
……..
وصمتت ناديا وأطرقت بنظرها إلى الأرض … دام صمتها لدقيقة كاملة ….
ـ وبعد يا ناديا ؟؟؟ هل وصلا ؟؟؟
رفعت رأسها المتعب وتأملتني , كأنها تستمد العزيمة لإكمال حكايتها من وجهي :
ـ وصلا قبل أرضنا بأمتار , بأمتار فقط , وتم أسرهما …….
ـ أسرهما ؟؟؟؟؟؟؟؟ قبض عليها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
هزت ناديا رأسها بأسى ……….
ـ نعم … أسرا من قبل عناصر جبهة النصرة …..
وعاودتْ ناديا الإطراق والصمت …..
ـ ما الذي حدث يا ناديا ؟؟؟ أكملي أرجوكِ ………
ـ لم يعودا واختفت أخبارهما … جن جنون أمي وصارت بلا نوم ولا طعام ولا حديث سوى أين هما ؟؟؟ ماذا فعلوا بهما ؟؟؟
ـ وماذا فعلوا بهما يا ناديا ؟؟؟
ـ اتصلوا بنا بعد شهر من هاتف والدي , وطلبوا منا …
ـ فدية ؟؟؟
ـ لا … طلبوا منا أن ندخل إلى النت ونشاهد فيديو …
ـ فيديو شو ؟؟؟
ـ فيديو ذبحهما …
ـ يا الله دخيلك …………..
ـ ذبحوهما يا دكتورة … كالنعاج …. كخواريف العيد …. كما تذبح فراخ الحمام ذبحوهما … جعلوهما يركعان على الأرض وسموا بالله الرحمن الرحيم , وأعلنوهما كفاراً مرتدين روافض عملاء للمجوس وللنظام ويجب إقامة الحد عليهما …. كبروا بأصواتهم الخشنة ونحروهما من الرقبة … قطعوا رأسيهما ووضعوهما على ظهريهما ……..
ـ يا اللـــــــــــه يا اللـــــــــــــــــــه ………
ـ والدي يا دكتورة في السبعين … حين أركعوه في الفيديو آلمته ركبته أو وركه على ما يبدو فاحتج … صفعوه وأركعوه بالقوة … وحين ذبحوه كان لا يزال يتمتم بشيء ما … أما زوجي فركع مباشرة , وعندما وضعوا السكين على رقبته قال جملة أخفوا صوتها من الفيديو , ابني يؤكد أن الجملة هي : هيهات منا الذلة ……
ـ يا ربي … يا إلهـــــــــــــي …….
ـ ذبحوهما على مشارف أرضنا تماماً , فزيتونات أبي واضحة خلفه في الفيديو … وهل تعرفين من هو واضح خلفه أيضاً ويكبر مع المكبرين ؟؟؟
ـ من ؟؟؟
ـ جارنا من بنش …….. صديق والدي الذي كان يسهر عندنا كل ليلة …. كل ليلة يا دكتورة يسهر في بيتنا …… وعندما ذبحوا والدي وزوجي كان يصيح بعالي الصوت : الله أكبر ……. هل أقول لك أمراً آخر ؟؟؟
ـ قولي ما شئت ….
ـ من ذبح والدي رجل غريب عن سوريا , شيشاني أو أوروبي , أما من ذبح زوجي أنا وقطع عنقه فقد تعرفنا عليه جيداً في الفيديو , رغم قناعه الأسود الذي يخفي وجهه … كلنا تعرفنا عليه …
ـ من ؟؟؟
ـ صديق زوجي ورفيق عمره … صديق زوجي يا دكتورة هو من ذبح زوجي وقطع عنقه ووضع رأسه فوق ظهره … وبنهاية الفيديو يلتفت موبايل المصور ليقول : بنش ـ إعدام الروافض عملاء المجوس والمجرم بشار … ومن هو المصور ؟؟؟ خطيب ابنتي ……….
ـ يا عدرا دخيلك ……..
ـ هذا ما كان من أمرنا يا دكتورة … أمي توفيت بالقهر والحسرة , رغم أننا بالتأكيد لم نخبرها حقيقة ما جرى لكنها سمعت من الناس … وأختي زوجة القاتل لا نعلم عنها شيئاً منذ 3 سنوات …
ـ والآن ؟؟؟
ـ الآن جئت أودعك فقد قررنا النزول إلى دمشق … صارت الحياة صعبة جداً علينا هنا …
ـ إلى دمشق ؟؟؟
ـ إلى دمشق ……
وابتسمت ناديا بحزن … ثم قالت : معقولة الفراق يمحي أسامينا , ونحنا سوا ربينا ؟؟؟!! طلعت معقولة كتييييير يا دكتورة ………
ساد الصمت …
لم أجدْ كلمة عزاء واحدة أقولها لناديا …………
ناديا اليوم تقيم مع عائلتها في دمشق السيدة زينب … عادت إلى التدريس في المدارس وتخرجت ابنتها من الجامعة وهي تعمل , أما ابنها فقد تطوع في الجيش والقوات الرديفة , وينتظر على أحر من الجمر تحرير قريته وأرضه ……..
يا ناديا … قولك بعد الرفقة والعمر العتيق
نوقع متل ورقة … كل مين ع طريق ؟؟!
وينسانا السهر بليل السهر
ويسألوا عنا اهالينا ……….
سوا ربينا ………….
~~~
د . ريم عرنوق