رسالة من الله

– رسالة من الله – قصة من مذكرات المرحوم (جدّي حنا القس) ـ وضعت ُ لها عنوانا ًوصغتها كما يلي : ورأيتها مناسبة في هذه الأيام المقدّسة لما لها من حكمة وعبرة. مع تكريمه بقصيدة .. عربونا ًلوفائه المطلق لربّه وقوميته وشعبه .
تقول القصة كما وردت على لسانه :
كانت وسيلة النقل قديماَهي الحيوانات مثل الاحصنة والجمال وغيرها واحياناَ سيراَ على الأقدام ، وكان الكاهن اَنذاك يضطر بما يمليه واجبه ان يتجول في القرى القريبة ايام الاَحاد والمناسبات المتعلقة بأعماله الكهنوتية كالتقديس والصلاة والعماد وغيرها.
وفي احد الأيام من هذه المناسبات ذهب احد الكهنة سيراَ على الأقدام الى قرية قريبة لا تبعد كثيرا عن المدينة ليقدم الواجب من صلوات
وتسبيح و ما يمليه عليه الواجب ، وبينما هو سائر في الطريق صادفه شاب خشن المنظر وذو لحية كثة ولباس شبه مهترىء وقال له
الشاب الخشن : كما يقال كعادة التحية –بارخمور أبونا – فرد عليه الكاهن – اَلوهو مباريخ ( الرب يباركك) .


الشاب : ابونا اين انت ذاهب أريد ان ارافقك..؟؟؟ ، فرد عليه الكاهن قائلاَ :يا ابني ( بصيغة المحبة ) انا ذاهب لاكمال واجبي
تجاهربي وانت يا بني لادخل لك في هذا . اذهب بسلام وار جو ان تتركني وحيدا امشي في طريقي والقرية قريبة ولا داعي لمجيئك معي.
فرد عليه الشاب الخشن المنظر : لايا ابونا ما حزرت ! ساَتي معك إن كان ذلك برغبتك ام بدونها ، فنظر الكاهن إليه متفرسا وقال:
متمتما يارب كن معي في مسيري واحفظني من هذا الشاب الغليظ ثم قال للشاب : تفضل معي وامري لله .
مشى الكاهن والشاب حتى وصلا نهرا صغيرا جاريا فقطعاه متجهان الى القرية ودخلوها معا مترافقين جنبا الى جنب وعند
دخولهم استقبلهم الناس بالترحاب والسرور كالعادات القديمة الوقورة والمستحقة للكاهن وكمؤمنين بسطاءفي تلك الايام .
دخل الكاهن في البيت الاول ومعه مرافقه الخشن وصلى وقدم الواجب في البيت كعادة الكهنة ، أما المرافق قام بشيء غريب
فقد اقدم خلسة على سرقة – طنجرة – للطبخ وخبأها تحت عبائته وبعدما خرج من ذاك البيت اخذها ووضعها في منزل اَخر
ولاحظه الكاهن وسأله يا ايها الشاب لماذا فعلت هذا الفعل الغير مهذب:..؟ فرد عليه الشاب لا علاقة لك بما فعلت واكمل واجبك
دون اسئلة. وبعد ذلك دخلا منزلا اَخرا وقدم الكاهن واجبه ايضا ، لكن الشاب الخشن هذا مد يده خلسة تحت فراش البيت
ونبش فيه حتى اخرج سبيكةً من الذهب وسرقها بخفة ووضعها تحت عبائته وعلم الكاهن بفعلته ثانية . وبعد ان خرجامن ذاك البيت
اخذ سبيكة الذهب وذهب بها الى بيت اَخر ورجع الى الكاهن ، وقال له الكاهن ايها المجنون لماذا تفعل هذه الافعال الشريرة معي
ومع الآخرين ، فرد عليه الشاب بنبرة قاسية اقول لك : قم بواجبك افضل لك ولا تتدخل في ما اعمل .اما سمعت ما قاله النبي
سليمان”أمينة هي جروح المحب ، وغاشة هي قبلات العدو (–أمثال 27: 6-) نظر اليه الكاهن نظرة غريبة وبقي صامتاومشى.
وبعد ذلك ذهبا الى بيتا ثالثا وكان في هذا البيت رجل وامرأة متزوجان حديثا ولا زالافي غمرة من الفرح والسروروالذي
زاد من فرحهم بهجة وسعادة هو المولود الجديد الذي زاد من فرحهما والذي لايوصف .
قدم الكاهن الواجب ومعه مرافقه بفرح وسرور وقدم لهما اصحاب البيت الواجب الاجتماعي وتمت الفرحة . وبعد استراحةٍ
قصيرة طلب الكاهن منهم السماح له ولمرافقه الرجوع الى المدينة ، لكن الزوجان الجديدان الفرحان طلبا من الكاهن ان
يرافقانه هو والشاب الذي معه كي يقدمان الطفل الى الاهل والأقارب ليكملوا الفرحة في المدينة والتمتع بالسعادة معهم
فقال الكاهن تفضلوا : وهذا يسعدنا ، فمشى الكاهن ومرافقه والام والاب ومعهم الطفل باتجاه المدينة سيرا على الاقدام
واصبحت الدنيا تمطر وتمطر بغزارة حتى اصبح النهر الذي امامهم كالسيلان وارتفع منسوبه ، وعندما وصلوا النهر طلب الشاب الخشن
من
والديّ الطفل ان يسلمانه اياه لان بمقدوره ان يعبره بسهولة والباقي سهل عليهم عبوره بدون حمل الطفل ، فاقتنعا والدي الطفل
وسلموه له فأخذ الطفل ومشى به الى منتصف النهر ومن ثم قذف به بكل ما يملك من قوة بين السيل الجارف والاحجار فقتله
وعبر النهر بكل برود .
جن جنون الكاهن وصرخ الابوين وهرعا راكضين مع النهر محاولين عبثا انقاذ الطفل لكن للأسف دون جدوى ورحل الطفل
وبقي أبويه صارخين دون توقف وهم ينظرون الى الامواج العكرة.
عبر الكاهن النهر ووصل الشاب وقال له :بنبرة من الهوس والجنون والغضب : أيها المجرم القاتل لماذافغلت كل هذه الفظائع
البشعة…؟ ألم أقل لك لا ترا فقني أيها الشيطان…؟ .
أبتسم الشاب الخشن إبتسامةَ تحوي كل معاني الحياة برزانة ووقار وقال للكاهن : “حتى تقف في وجه التجربة صامداَ، عليك ان
تقف الى جانب المسيح ثابتاَ”وجن جنون الكاهن اكثر لكن هذه المرة بكل حذر سائلاَ من انت حتى ترشدني وتعلمني المواعظ ..؟
رد عليه الشاب -الرقيق المخلص الحنون – بكل رفق وهدوء هل قرأت الكتاب المقدس ..؟ لتنتصر على التجارب .
” ولكن الله أمين ، الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة ايضا المنفذ لتستطيعوا ان تحتملوا (
-1 كور/10 :13.”
اسمعني ايها الكاهن بشغفٍٍ وباَذان ٍِ صاغية : وساعترف لك بكل ما فعلته :
1-البيت الاول الذي دخلنا إليه وسرقت منه – الطنجره – كان هذا البيت مخلصاَ لله ، امينا ، متعبدا ، مباركا من الله لا يحوي
اموالاَ مسروقة ولا شيئا من الحرام ولا يوجد فيه أي نوع من الفساد .وكانت هذه الجرثومة – الطنجره- قد وضعت في هذا
البيت مما اغضب الله لانه كان يحبهم كثيرا ولا يريد ان يخرجوا من حظيرته بهذه الطريقة الرخيصة والتافهة.
2-اما البيت الثاني الذي سرقت منه سبيكة الذهب ، كان هذا البيت صلاته ودعاؤه” يارب اعطنا خبزنا كفافنا يوما بيوم ”
وهمه عبادة الله والإيمان والصلاح والتقوى ولم يكن يوما ما يفكر في المال ومحبة المال ، فسرقت هذه السبيكة ووضعتها
في منزل – بيت – همه عبادة الاموال ومحبته اكثر من الله الخالق -، ولم يسمح الله بذلك لانه يحبهم وكما يقول الرب :
“خرافي تسمع صوتي وانا اعرفها وتتبعني – يو /10 :27-ولا اسمح لأحد ان يخطفها من يدي =
3- أما البيت الثالث وهذا الطفل الذي أخذته- قتلته -..؟ختمت به رسالة الله التي كلفت بها .ولماذا ..؟
لأن هذين الأبوين – العريسين- الجديدين ، كانوا جماعة أتقياء يملأهم البر والفرح والقداسة والصوم والدعاء لله وكان البيت مملوء ً
بالروح الطاهرة وكانا والديه مثلا ً للتقوى والبر ومحبة الله وعبادته .
وعندما رزقهما الله هذا الطفل والذي –سرقته منهما –كان قد اصبح بالنسبة لهم بمثابة الله لا بل واصبحت محبته مساوية لمحبة الله ،
وفي بعض الأحيان كانوا يعبدونه اكثر من الله !وأصبح تفكيرهم ينأى عن محبة الله رويدا رويدا ليذوب في محبة هذا الطفل المخلوق .
ولعدالة الله ومحبته الغير محدوده لهم ارادهم ان يبقوا خرافه وضمن حظيرته المباركة ، ليعودوا إليه ساجدين منعمين
وهو رحوم ويعرف حاجة الانسان وكل انسان وهو فاحص القلوب والكلى.
يا ايها الكاهن الوقور هل قرأت كلمة الله الحية ..؟ التي تقول :”حين يقول لك الرب إياكم ان تحتقروا احداً من هؤلاء
الصغار ، اقول لكم : ان ملائكتهم في السماوات يشاهدون كل حين وجه أبي الذي في السماوات –مت/18 :10 .
فابن الانسان جاء ليخلّص الهالكين .ولم تسمع كلمة الرب ايها المؤمن المحترم حين يقول : ” حافظوا على المحبة
الأخوية ولا تنسوا الضيافة ، لأن بها أضاف بعضهم الملائكة وهم لا يدرون .
ياأيها المؤمن بالمظهر لابالجوهر : انا لست بشيطان –انا ملاك مرسل من السماء .
وحتى تجدواالله ايها المؤمنون الاسميون ، ينبغي ان تجدوا مطالب الله –ولو اختلفت الطرق في عبادة الله ، فليس
ثمة إلا ربّ واحد ينبغي عبادته .
وقبل ان أودعك وأختفي ايها المؤمن واعود الى رب المجد اريد ان اذكرك بقول الرب .
” فانفتحت اعينهما وعرفاه ، ثم اختفى عنهما –لو /24 :1 .
– ثم فتح عينيه الكاهن و نظر اليه فلم ير شيئا –

– وديع القس