حذار من الثعالب الصغيرة بقلم بنت السريان


حذار من الثعالب الصغيرة
بقلم
بنت السريان

بدأت شمس الأصيل تتوارى خجلة وراء الأفق البعيد, توّدع نصف عالمنا الارضي,
في زيارة حتمية لها للنصف الآخر من الكرة الارضية, ونحن نرقب إختفاء قرصها الذهبي تدريجياً,وقد أطبق الصمت على جميعنا.
فروعةالمنظر, روعة تفوق أن يرسمها رسام عبقري,أويترجم مكنوناتها إنسان ترابي.
خرجت من صدري حسرة, أحسست بحرارتها تلذعني ,و كآبة إجتاحت كياني ,لعلّي هكذا ترجمت نهاية عمرالإنسان,فالمسألة حتمية ولا إرادة لنا فيها.


تساؤلات هاجمتني, ترى ! ما هذا الكون العجيب.
أخذتِ السماء تزهو بحلتها,وكأنّي بها عروس بدأت تلبس ثوب عرسها,نجوم تعبّر عن فرحتها ,تتحاكى بصمت لا تسمع نبرات حديثها,والأفلاك تسير في مداراتها,لا تتعدى حدودها,وقمر تربّع كبد السماء, نوره يشق عتمة الليل,يرشد من أضاع السبيل,ويكون له هدى ودليل.
سبحانك يارب كم أحببت البشر؟!!
حان موعدالصلاة , إجتمع الكل لسماع تلاوة الأنجيل, وموعظة اليوم قبل أن نخلد للنوم,والموعظة كالعادة مباراة بين الأعضاء, في إكتمال النص والفائدة المرجوّة منه, وقوة التعبير والتأثير في السامع.
غصّت قاعة الدير بالزوار من جميع الفئات,وعلى غير عادتنا تقدّم عجوز كهلٌ وقال :
إسمحوا لي سأقول اليوم كلمتي وإن لم أكن في الحسبان,من يدري قد تشيعوني غداً إلى مثواي الأخير.
إشرأبّت الاْعناق لمشاهدة المتكلم , والدهشة مرسومة على محيّاالحاضرين,الكل أعطى أذانا صاغية, ولسانه قد أُلجم عن الكلام ,ينتظر موافقة رئيس الدير, تمت الموافقة وابتدأ الكهل بالحديث قائلاٌ:
آه ياأحبائي, حذار من الثعالب الصغيرة, تلك التي تعمل في الخفاء,
وما أدراك ما الثعالب الصغيرة؟!
تلك التي أحاطتني من كل صوب دون أن أدري, قادتني إلى المهالك في غفلة مني,حولت حياتي إلى جحيم , أسلحة خفيّة لم يفطن لها الإنسان .
أبليس ذكي بما فيه الكفاية ,إنه يعلم أنّ اسلحته المكشوفة, قد يُعِدّ لها الانسان العذّة ويحتاط لها,فالخطايا الظاهرة والمعروفة,
لا تقتل- لا تزن- لا تسرق – وصايا الله العشر المدونة,قد يتسلح الانسان بمضاداتها
ويكون في حذر منها.
لذاأطبق أبليس قبضته ,في توجيه الثعالب الصغيرةالمستترة, تحت عباءة مزركشة تبهرالعين ما
أن يرتديها الانسان,إلاّ ويرى نفسه وسط شبكة صيد محكمة ,أُعِّدْت له, لا مناص منها,
ويصبح في ورطة ويندم ولات ساعة مندم ,ويكون قد أساء لأخ له وأحزنه ,أو ألحق الضرر به من حيث يدري ولا يدري.
وثعلبٌ آخر,
يعطيك من طرف اللسان حلاوة,ويروغ منك كما يروغ الثعلب
يأخذك بالمدح والثناء ويحفر لك آباراً لا ماء فيها.
وصغير آخر من ثعالب ابليس,يوهمك بتصنّع البراءة,
– وكثيرا ما تحصل –
فتوعد أخاك الذي إحتاج إليك,وينتظرك ساعات ,وأنت على علم, من انّك أخلفت الوعد
تهربا ,أو عدم رضا بالمساعدة ,لكذا سبب, أو أنه ليس من الوجهاء ,وعندما يعاتبك تقول له:
لقد نسيت .
ولكي تقنعه ومما يزيد في الطين بلّة,تقسم اليمين على ذلك ,فهل رأيت أغرب من هذه الثعالب التي توقعك في شرك الخطيئة ؟!!!!!!
وهنالك الثعالب الأقوى شراسة , تلك التي توغر صدرك بالحقد والحسد والكراهية,
لا لسبب يذكر بل لمجرّد أن صاحبك ,سعيد بحياته, مرموق في مجتمعه ,متمسك بإيمانه مستقيم في سلوكه, ومحبوب لدى الجميع .
وبدل أن تشارك الجميع بمحبتك له ,وتنسج على منواله كي تكون أحسن منه, يلجأ أبليس لأن يوغرصدرك ضدّه,فتتحين الفرص للإيقاع به ,أو تحاول أن تعيِّره بما يعيبه,وتشاهر به, فيكون أسوأ جرم تقترفه في حياتك, دون أن تدري.
أترى كم سيّء أنت أيّها الإنسان!!!!!!!!!!
و ثعالب أُخر كثيرة فلا تملّ من الإستماع, لكن واجه حقيقتك وتأمل في مصيرك,
مؤامرات الناس الأشرار الخفية’عليك أن تميّزها,عليك أن تحاجج نفسك, وتُحكّم ضميرك أولاً .
خلقك الله إنسانا عاقلاٌ ومخيّرا ,لمَ تكون تابعا لغيرك وتمحي شخصيتك!!!!
مأسي الحياة وعاديات الزمن ,إن لم تتصرف بحكمة إزاءها, قد تقودك لاقتراف أبشع الخطايا.
ثم أردف محدّثنا بلهجة التوسُّل قائلاً:
ليجلس كل منّا وليتأمل, نوع الثعالب التي توسوس في صدره, وليأخذ منها الحذر
قبل أن تهلكه .
الخطايا المستترة نحن فقط نعلمها,لانها في دواخلنا مخفية, وهي الثعالب التي أقصدها في حديثي.
فمن هو ساهر لا ينام ,إلهنا علّمنا أنَّ كلَّ كلمٍة بطّالةٍ عليها دينونة ,وسندفع عنها حسابا يوم الدين,لأن الله يعلمها , نصنعها نحن في الخفاء لكنّه يراها.
لذا نصيحتي ,عليكم بالكتاب المقدس,
فهوصالح للتعليم وللتوبيخ,لأنّه موحى به من الروح القدس .
تركََنا العجوز, ونحن في وجوم وتأملٍ, لما سمعنا منه ,فقد أيقظنا من غفوة كان لابد لنا من أن نستيقظ َمنها .
وفي اليوم الثاني حدثّ ما لم يكن في حسباننا نحن على الأقلّ , استيقظنا مبكرين , على صوت دقات الناقوس الحزينة المتقطّعة,والتي تعلن رحيل أحدهم إلى الآخرة , لقد كان فعلاً واعظنا العجوز الذي وعظ بنا يوم أمس,
وكأني به قدتنبّأ بموته ,كما قال لنا في بداية حديثه.نعم إنّه قد رحل.
وهكذا كلنا سنرحل,لذا علينا قبل أن يأتي الاجل, أن نتخذ مما نسمع لأنفسنا من العبر

اترك تعليقاً