جهود السريان في الحضارة العربية الإسلامية

جهود السريان
في الحضارة العربية الإسلامية
د . أحمد محمد على الجمل*

السريان . سامى عُرف فى التاريخ القديم بالآراميين، والآراميون هم بنو آرام بن سام بن نوح عليه السلام، وكانوا يعيشون فى البلاد التى تسمى فى التوراة ” آرام ” وهى المعروفة ببلاد الشام والعــراق، واللغة السريانية هى امتداد للغة الآرامية فى العصر المسيحى حيث كانت فــى بادئ أمرها تسمى بالآرامية والمتكلمون بها بالآراميين (1).


ومن الخطأ اعتبار اللغة السريانية احدى لهجات الآرامية تبعا للمستشرقـين، لأن السريانية هى عين اللغة الآرامية المعروفة فى التاريخ والتى اشتهرت قبل الميلاد بمئات السنين، والآثار الآرامية التى ظهرت أخيرا تؤيد هذا القول، ولاسيما كتاب أحيقار وزير سنحاريب ملك آشـور، وكانت الآراميـة السريانية هى السائدة فى سورية والعراق وفلسطـين منذ القرن السـادس قبل المسيح (2).
وبعد ظهور المسيحية فى بلاد الآراميين، جعل هؤلاء الذين اعتنقوها ينفرون من تلك التسمية القديمة، ويعدونها مرادفة للوثنية والإلحاد لذلك سارعوا بالأخذ بكلمة سريان ، تلك التسمية التى أطلقها عليهم اليونانييون الذين كانوا يحتلون بلادهم 312 ق.م، كما سموا لغتهم السريانية ، وجعلوا اسم الآراميين لسكان القرى الوثنية ، وصـارت كلمة آرامى تطلق على الوثنى، وكلمة سريانى تطلق على المسيحي(3).
وكانت بلاد الآراميين مسرحاً للنزاع بين الفرس والروم، فهى حيناً فى أيدى الفرس وحيناً فى أيدى الروم، وقد تأثروا بحضارة الفرس والروم وثقافتهم، وكانت اللغة الآرامية شائعة فى الشرق كله حتى بين طبقات الحاكمين من الفرس، فجعلوها لغة للتفاهم بين أجزاء الإمبراطورية فأصبحت بذلك لغة المكاتبات الرسمية .
ولم تكن الآرامية لغة الإمبراطورية الفارسية الرسمية فحسب ، وإنما كانت لغة دولية – إن صح هذا التعبير – نعلم ذلك من الكتاب المقدس ، فقد جاء فى سفر (الملوك الثانى 18-26) “كلم عبيدك بالآرامى لأننا نفهمه ولاتكلمنا باليهودى ” وكان ذلك عندما حاصر سنحاريب بيت المقدس فى أوائل القرن السابع قبل الميلاد (4).
وقد أُتيح للسريان أن يتأثروا تأثراً ملموساً بالثقافة اليونانية، وذلك فى أعقاب غزو الإسكندر الأكبر لمنطقة الشرق الأدنى سنة 312 ق م، إذ كان دخوله للشرق وما تلاه من تكوين إمبراطورية يونانية فى الشرق بمثابة نقطة تحول فى التاريخ السياسي والاجتماعى والفكرى بها(5). وكان هذا التأثير نتيجة طبيعية للعوامل التى مهدت له، وأدت إلى نتائجه، وقد اختلط اليونان بالسريان اختلاطاً كبيراً، كذلك انتشرت الأديرة والمدارس التى اضطلعت بالنشاط العلمى الذى تناول العلوم السريانية واليونانية على حد سواء (6).
وأدى هذا الالتحام المباشر بين السريان وعلوم اليونان إلى أن جعل الثقافة اليونانية تعيش فى كيان هؤلاء القوم، مما جعلهم يتمكنون منها، ويصبحون معلمين لها، ومن المؤكد أن الاساليب اليونانية كانت ذات أثر فيما وصلت إليه اللغة السريانية، فقد حاكى السريان الأبنية اليونانية فى بعض كتاباتهم وقلدوهم فى طريقة استعمال الكلمات بل إنهم نقلوا إلى لغتهم كثيراً من الكلمات اليونانية، وبالرغم من أن تعلم اللغة اليونانية كان مقصوراً على أبناء الأغنياء، فإن بعض الأدباء كان يؤلف بها ثم تُنقل كتبه إلى اللغة السريانية لكى يفهمها سـائر الناس، ولذلك كان من السهل عليهم نقل العلوم اليونانية إلى السريانية(7).
ولم تكن الثقافة الإغريقية وافدة من أثينا بل كانت بؤرتها مدرسة الإسكندرية فى مصر، ولم تكن ثقافة هلينية ولكنها كانت تدور فى فلك الهلينيـة *، ولا شك أن ثقافة الإسكندرية تعتبر تطوراً طبيعياً وضرورياً لثقافة الإغريق القدماء، وبصفة خاصة الفلسفة ثم ركزت جهودها من بعد فى الطب والفلك والرياضيات (8) وقد كانت مدرسة الإسكندرية ملتقى الشرق والغرب ثم فيه امتزاج عجيب بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية، وتمت الترجمة اليونانية للعهد القديم فى هذا المكان(9)، وبعد دخول المسيحية أقدم كثير من آباء الكنيسة على الفلسفة يتدارسونها لأنهم رأوا من الضروري أن يؤيدوا أنفسهم وعقائدهم أمام الوثنيين(1).
وعندما ظهرت المسيحية لم تكن مدينة أنطاكية * أقل مكانة من الإسكندرية التى وفد عليها المبشرون الأوائل ومنهم بطرس – أحد الحواريين الأثني عشر – الذي أسس كنيستها عام 34م فأصبحت أحد المراكز الرئيسية لنشر الدعوة المسيحية(11) ولأنطاكية فى تاريخ الشرق الأدني أهمية عظيمة بفضل مدرستها اللاهوتية التي كان علماؤها يركزون دراستهم على التفسير الحرفي للكتاب المقدس، ويبدون اهتماماً كبيراً لإنسانية المسيح الكاملة، ويرجع الفضل فى تأسيس مدرسة أنطاكية إلى كاهن يدعى لوسيان وذلك فى عام 290م (12)، وإليه يرجع الفضل فى المكانة التى بلغتها هذه المدرسة والتي جعلتها تناقس مدرسة الإسكندرية خلال القرن الرابع والنصف الأول من القرن الخامس الميلادي(13).
وبعد إنشاء مدرسة أنطاكية والتى ذاع صيتها فى الشرق، أنشأ السريان مدارس قريبة من مجتمعاتهم وكنائسهم تُدرس فيها مبادئ الدين مع مبادئ الفلسفة والعلوم الأخرى، ويقول الأستاذ أحمد أمين : كان للسريان فيما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلم فيها العلوم السريانية واليونانية وكانت هذه المدراس تتبعها مكتبات (14) أشهرها مدرسة نصيبين الأولى والثانية والرها وقنسرين وجنديسابور (15)وكانت هذه المدارس بمثابة جسور عبرت فوقها علوم الأوائل كالفرس واليونان والتى كانت فى مجموعها ذات أثر فعال ومباشر على النهضة العلمية التى شهدها العالم العربي الإسلامي…منقول

 

 

اترك تعليقاً