تقرير عن اللغة الارامية

تقرير عن اللغة الارامية منشور منذ 2013

لا يتوفر وصف للصورة.

أخبار الكنيسة

تقرير في مجلة امريكية عن اللغة الارامية: محاولة إحياء لغة مهددة بالزوال

واشنطن، السبت 23 شباط 2013 -نشرت مجلة “سميثسونيان” الأمريكية الشهرية -التي تعنى بتاريخ الفنون والتاريخ والعلوم والثقافة الشعبية- تقريراً حول اللغة الآرامية بعنوان “محاولة إحياء لغة مهددة بالزوال” يتحدث فيه “أريل صبار” كاتب التقرير عن لغة السيد المسيح التي يصفها باللغة “المهددة بالزوال”.

ويصف “أريل صبار” نفسه من خلال التقرير بأن أبيه “يهودي، ولد في شمال العراق وهو من المتحدثين الأصليين للغة الآرامية ومن دارسيها. أنا تربيت في لوس أنجلوس وأعرف القليل من الكلمات”.

وينشر “عنكاوا كوم” حرفياً نص التقرير بعد ترجمته إلى العربية:

في أحدى صباحات أيار المشمسة، كنت في سيارتي أتجول في ضواحي شيكاغو سعياً لإيجاد متحدثين باللغة الآرامية، لغة المسيح ذات الثلاثة آلاف سنة، وبصحبتي جيفري خان، عالم لغة في جامعة كامبرج وألياس بيت- شمويل، متخصص بأعداد الضرائب، بالإضافة إلى وجوده في أيفانستون لإلقاء كلمة في جامعة (نورث ويسترن).

كان لـ “جيفري خان” غرض آخر من الزيارة هو أن ضواحي شيكاغو تعتبر موطن لعشرات الآلاف من الآشوريين، المسيحيين الناطقين بالآرامية الذين شردوا من موطنهم الأصلي في الشرق الأوسط بسبب الاضطهاد والحرب.

وتعتبر مدينة “ويندي” واحدة من المناطق التي يتمركز فيها أهم باحثي اللغة الآرامية الحديثة، حيث هناك سعي جاد لتوثيق كل لهجاتها، تلك التي في زمن ما كانت لغة الإمبراطوريات، قبل أن يصل بها المطاف إلى الزوال كمتحدثيها.

وألياس بيت- صموئيل، رجل قوي البنية أصلع الرأس آشوري محلي، بادر أن يكون دليلاً لنا في رحلتنا، وقد أعلن في ذاك الصباح حين كان متوجهاً إلى فندق حيث يقيم خان، عن المحطات التي سنتوقف عندها خلال رحلتنا الطويلة، تحدث بثقة كاملة كأنه يجرد محتويات شحنة بضائع ليتم تهريبها.

“لدينا من شقلاوا ومن باطنايا” كان يجرد العوائل المهاجرة بحسب أسماء قرى العراق الشمالية واللهجات التي كانوا يتحدثون بها. والعديد من هذه العوائل كانت من الزبائن الذين كانوا يترددون على ألياس بيت- شمويل.

وعندما كان “بيت- شمويل” متوجهاً بسيارته نحو بلدة قريبة من “نايلز”، ألينويز، قال “خان”، وهو رجل طويل القامة صاحب الخمسة والخمسين عاماً إنه كان يبحث عن متحدثين باللهجات النقية: الآرامية كما هي محافظ عليها في القرى، قبل مغادرة متحدثيها إلى المدن الكبيرة ذات اللغات المتعددة أو إلى البلدان الحديثة.
وهنا إشارة إلى الأجيال السابقة التي عاشت أفضل مراحل حياتها في مناطق جبلية شبه منعزلة في العراق، سوريا، إيران أو تركيا.

وأضاف خان “كانت الحياة أقل تطور لكن أفضل”، ومن الممكن ملاحظة اختلاط اللهجات في المنطقة الواحدة، حتى في شيكاغو، وذلك ناتج عن توافد الناس من مختلف الأطياف إلى المدن والعيش سوياً. وهذا التقارب في اللهجات يمكن ملاحظته أيضاً في حالات الزواج حيث تختلط لهجة الزوج والزوجة.

توغلنا داخل شبكة من شوارع متفرعة، وأعلن “بيت- شمويل” محطتنا الأولى: أرملة ذات 70 عاماً من (بي بيدا) جاءت إلى شيكاغو قبل عقد من الزمان. “إنها ربة بيت حاصلة على التعليم الابتدائي . لا تجيد الإنكليزية”. حينها انشرحت أسارير “خان” وقال “أنا اعشق هؤلاء النسوة”.

*****

الآرامية هي لغة سامية ذات صلة بالعبرية والعربية، كانت أيضاً اللغة المشتركة التي ينطق بها الشرق الأوسط حين كان الشرق الأوسط هو حلقة وصل العالم، ويتداولها الناس في الاقتصاد والحكومة عبر أراضي تمتد من مصر والأراضي المقدسة إلى الهند والصين. وأجزاء من الإنجيل والتلمود اليهودي كانت مكتوبة بالآرامية، كانت أصل “الكتابة على الحائط” والتي كانت تنبأ بسقوط البابليين مكتوبة باللغة الآرامية. حين مات المسيح على الصليب صرخ بالآرامية “أيلي أيلي لما شبقتني؟” وتعني “إلهي إلهي لماذا تركتني؟”.

أما الآن، فقد أنحسر استخدام الآرامية على الجيل أو الجيلين الأخيرين ومعظمهم قد تشردوا من أراضيهم على مدار القرن الماضي، هؤلاء الذين كانت لغتهم يوماً ما نابضة بالحياة، حين هاجروا، قليل من أطفالهم وأحفادهم تعلموا الآرامية. (أبي يهودي، ولد في كردستان العراق وهو من المتحدثين الأصليين للغة الآرامية ومن دارسيها. أنا تربيت في لوس أنجلوس وأعرف القليل من الكلمات). هذا الجيل يمكن اعتباره آخر أيام عمر اللغة. الاستماع إلى الناطقين الأصليين بالآرامية وتسجيل لهجاتهم بالنسبة لـ “خان”، كباحث في علم اللغة، يعتبر عمل من أعمال المحافظة على التراث الثقافي وفي الوقت نفسه، يعتبر وسيلة لبحث الكيفية التي يتم فيها تحول اللغات وانشقاقها على مر الزمن.

في ظل هذا الترابط العالمي الكبير، تبدو اللغات في طريقها للتناقص والاندثار، وتشير التوقعات إلى إن 50 إلى 70 في المئة من مجموع 7 آلاف من اللغات المحكية اليوم سوف تندثر بنهاية القرن.

نحن نعيش تحت سطوة اللغات: الإنكليزية، والمندارية، والإسبانية حيث 94 بالمئة من سكان العالم يتحدثون تلك اللغات وستة بالمئة يتحدثون لغاتهم الأصلية، ولكن الآرامية تصمد وسط هذه اللغات المهددة بالزوال، لأنه ببساطة لا تموت لغة يتم التداول بها في الحياة اليومية.

كان الآراميون، متحدثو الآرامية الأولون، بدو رُحل. (يصف الكتاب المقدس الآراميين في الأساطير السالفة لليهود بـ “الآراميين الرُحل”). الذين انتشروا من سوريا القديمة، وزحفوا أيضاً باتجاه ميزوبوتاميا (بلاد ما بين النهرين) هذا تم حين قام الآشوريون بغزو الشرق الأوسط في القرن الثامن قبل الميلاد. وتبنى الآشوريون اللغة الآرامية كلغة للإمبراطورية، بدلاً من الأكادية لغتهم الأصلية. وهكذا فعل البابليون حين هزموا الآشوريين، والفرس حينما أطاحوا ببابل. تم تداول اللغة من قبل المسيحيين، اليهود، المندائيين، المانويين، المسلمين، السمرقنديين، الزرادشتيين والوثنيين.

جاءت الكتابة على الحائط (على سبيل المثال) من الآرامية في القرن السابع بعد الميلاد، عندما غزت الجيوش الإسلامية القادمة من الجزيرة العربية الشرق الأوسط، وهيمنت اللغة العربية ودحرت اللغة الآرامية وبالتالي فقدت اللغة الآرامية مكانتها كلغة عامة مشتركة في المنطقة. وحافظت الآرامية على مكانتها في مناطق نائية من المنطقة الجبلية السريانية في تركيا طورعبدين، العراق، إيران و سوريا. أستمر اليهود والمسيحيون بالنطق بالآرامية كلغتهم اليومية لألف وثلاثمائة عام أخرى، أما المسلمين، فتحدثوا اللهجة الكردية الفارسية.

من الصعب اليوم إحصاء الناطقين بالآرامية. مع ذلك، تشير بعض التقديرات إلى أن العدد قد يصل إلى نصف المليون، وهذه النسبة ليست دقيقة بسبب قِدم اللغة، افتقارها الى التوحد وانعزال متحدثيها عن بعضهم البعض، اللغة الحديثة والمعروفة بالآرامية الجديدة، تتألف من أكثر من 100 لهجة، معظمها يفتقر إلى النص المكتوب. العديد من هذه اللهجات اندثرت بالفعل وأخرى في طريقها إلى الزوال مع زوال آخر متحدثيها.

أخبرني اللغويين بأن الآرامية، كلغة يومية، هي بأمان فقط في قرية معلولا الرابضة في التلال خارج دمشق حيث، وبدعم من الحكومة السورية، ما زال كبار السن يعلمونها لأطفالهم.

****

كواحد من الخبراء بالآرامية الحديثة، “خان” ، صاحب اللهجة التي لا تزال تعكس مرحلة طفولته في شمال شرق إنكلترا ، وضع يده على الأمر بالصدفة في سنواته الأولى في جامعة كامبرج، كان مُنصب على البحث في المخطوطات اليهودية القديمة – بالعبري، العربي، والآرامي- المعروفة بـ “جنيزة” القاهرة، ولكن ساعات العمل الطويلة من الفحص والتمحيص في المايكروفيلم أخمدت نار الحماس لدى “خان”.

وبلهفة إلى إحداث تغيير ما بعد يوم مضني في مختبر مايكروفج في أورشليم في بداية التسعينيات، طلب خان من منظمة محلية من اليهود الأكراد توسيع البحث لإيجاد المتحدثين الأصليين الحقيقيين للغة الآرامية. وما لبث أن التقى “خان” بيهودي من أربيل، مدينة في شمال العراق والتي اللهجة الآرامية فيها لم تكن معروفة، بعدها شعر “خان” بأنه قد وجد مبتغاه. واخبرني “اكتشاف لغة حية عن طريق شخص حي هو أنجاز مذهل لا يصدق”.

الهدف التقليدي من هكذا مشروع ميداني هو تقديم للغات غير الموثقة ما يسميه اللغويون “الثالوث المقدس”:

أولاً: القواعد التي هي خارطة لرسم الأصوات والمعاني والمركبات. ثانياً: النصوص، التي هي مقاطع من كلام غير محرر تكشف عن وجود التركيب اللغوي. ثالثاً: القاموس.

على مدى القرنين الماضيين، نشر “خان” وبقدر عالٍ من الأهمية قواعد عن لهجات غير مسجلة سابقاً في برواري، قرة قوش، أربيل، سليمانية، وحلبجة وكل هذه المناطق موجودة في العراق، وأرومي وسانداجي في إيران. كذلك، هو يعمل على قاعدة بيانات من شبكة الإنترنت لنصوص وتسجيلات صوتية التي تساعد على أجراء مقارنات كلمة مقابل كلمة عبر عشرات من اللهجات الآرامية.

إن المتحدثون بالآرامية يميلون لتحية اللغويين بالضيافة التقليدية للشرق الأوسط، وعلى سبيل المثال، الأرملة التي التقيناها في مدينة نايلز، السيدة أكنس نيسان إيشو، لم تسمح لنا بالمغادرة قبل أن نتناول من أطباق تم أعدادها للغداء وهي كبة حامض، لبن، دجاج بالرز، وعجينة محشوة بالجوز.

وبينما كانت “إيشو” تحمل أطباق الطعام الحارة، أعرب “خان” عن غبطته قائلاً “أنا متحمس جدا لسماع بعض أصوات العلة” أما “بيت- شمويل”، فعبر عن سعادته قائلاً “أنا سعيد جداً بالمعجنات المحشوة بالجوز”.

وأشار إلى أن نصف اللغويين المهتمين بالآرامية الحديثة الذين تحدثت معهم، أكدوا بأن المساهمين بتزويدنا بالمعلومات عن اللغة يحسنون الضيافة، يكشفون عن خصوصيات عوائلهم، ويعطونا صناديق كبيرة من الفاكهة. لكن البعض الآخر بدا مندهشاً من اهتمام الآخرين بلغتهم، والبعض الآخر دفعه هذا الاهتمام إلى الشك بأن هؤلاء المحاورين هم جواسيس.

وفي طريقنا إلى بيت أحد المضيفين، أطلعنا “خان” على قصته، وكيف كان يبحث عدة سنوات عن شخص يقيم في شيكاغو أصله من منطقة بارواري في العراق والذي تم وصفه على أنه نموذج عن الفلكور الآشوري. وحين التقينا، قلتُ له “سمعت بأنك تعرف الكثير من القصص”. أجاب الرجل “لقد نسيتها كلها”.

عندما وصلنا إلى المنازل في أنحاء مختلفة من شيكاغو، شرح لنا “خان” أبحاثه، وأخرج من حقيبة الظهر مسجل صوت رقمي، مايكرفون وأوراق بيانية كبيرة، استغرقت كل جلسة حوالي الساعتين أو الثلاث ساعات، أما خان فكان يعمل كعالم آثار وهو يغربل التربة ليستخرج الاختلافات الدقيقة في التلفظ ، المفردات و القواعد بين اللهجات.
كيف تقول “هم هناك” ، ماذا عن “أنا هنا”، ماذا عن “هو يريد أن يأتي”، وتستمر على هذه الشاكلة “تريد أن تأتي. أنا أريد أن آتي. تعال!”.

ولكي يتأكد “خان” من صحة ما يسمع، كان يعيد العبارات ببطء. كان يبقي فمه مفتوحاً لأكثر من ثانية ليتحقق من لفظ حرف العلّة أو كان يتلمس تفاحة حنجرته ليؤكد حركة الصوت.

عند برج الإسكان العام، قضينا أكثر من ساعة مع شخص آشوري من تركيا عمره 97 سنة وزوجته ذي 90 عاماً. توفقنا لشرب القهوة وسألت “خان” فيما إذا وجد اللقاء مثمر، أجاب “إن واحد من الأصوات الساكنة في كلمة “دجاجة” لم يكن كما توقعته.

التطورات في علم اللغويات، كما أرى، تأتي من التراكم وليس من الابتكار

كان لمشروع البحث أيامه المبهجة، مع ذلك، القليل منها حفزت “خان” أكثر من رحلته السابقة إلى جمهورية جورجيا السوفيتية سابقاً. كان “خان” في العاصمة “تيبليسي” بحثاً عن متحدثين باللغة الآرامية من “سالاماس” وهي مدينة في شمال غرب إيران. هرب الآشوريون من “سالاماس” مرّة عندما دمر زعيم كردي كنيسة لبطريرك الشرق هناك في العام 1918، ومرّة ثانية بعد أثنتا عشرة عام بسبب وقوع زلزال.

في “تيبليسي”، أخبر الناس “خان” بأن ثلث من الناطقين بالآرامية قد ماتوا. في البيت الأول، ابنة الرجل اعتذرت: لقد عانى والدها مؤخراً من جلطة دماغية وكان أخرس. وعند البيت الثاني، التقينا امرأة مُسنّة تسكن مع أربعة كلاب نشطة. “حالما أبدأ بإخراج المايكرفون، يبدؤون بالنباح والعويل” أستطرد “خان” وأضاف “اللقاء كان مستحيلاً”. أخيراً، في إحدى الليالي، قام آشوري محلي بمصاحبة “خان” إلى شقة ضمن منطقة الحظر السوفيتي. وبعد مسيرة مضنية على السلالم المظلمة، انتهى المطاف إلى شقة من غرفة واحدة والتقينا امرأة في التسعينيات على الباب.

حدق “خان” في هشاشة بدنها، وتمتم في داخله إلى أي مدى تستطيع الاحتمال، وأكد بأنه لن يأخذ منها سوى بضع دقائق. لكن حينما همّ بالخروج، بسطت المرأة يدها النحيلة عبر الطاولة ممسكة برسغه وناشدته بصوت نحيل: “باقر، باقر”، وتعني “اسأل، أسأل”، “كما لو كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وتريد أن تقول لي كل شيء”.

لمدة ساعتين ، وبينما هي متشبثة برسغه، امتلأ جهاز التسجيل بأصوات لغة تتجه نحو الغسق.