تذكار القديس العظيم مار يعقوب الرهاوي

مار يعقوب الرهاوي 708 +
بمناسبة تذكار القديس العظيم مار يعقوب الرهاوي والذي يصادف اليوم 5 حزيران
سيتم نشر سيرته واعماله على اجزاء لطول المادة
————
هذه سيرة عطرة من حياة هذا الملفان الكبير واللغوي الفطحل نفعنا الرب بصلواته
الجزء الأول
فرد العلماء بل بحرهم وأوحد الأئمة بل صدرهم، من نوادر الزمان وعجائبه وسيد الجهابذة المتبحرين وقُطبهم وعميدهم، ذو الخاطر الوقّاد والطبع النقّاد الألمعية الثاقبة والبصيرة الصائبة. النحوي اللغوي والأديب والشاعر والناقل والمؤرخ والمُفسّر والمشترع والفيلسوف اللاهوتي صاحب التصانيف العجيبة المفيدة، وفي كل من العلوم التي حازها كان الفائز الأعلى وقدحه المعلًّى، وله فيها بسطة الذراع وبراعة اليراع، لم يتقدم له شبيه في الأعصر الأوَل، ولم يأنس بشيء أُنسه بالعلم، وما أزدحم العلم في صدر احداز دحامَه في صدره حاشا العلامة ابن العبري، فحمل الناس عنه وعن مصنفاته المشهورة بالتجويد علماً كثيراً – أَجِل النظر في تحريره أسفار العهدين بضبط لغوي أصاب فيه القصد وبلغ الغاية، فحفظ كتاب الله من التحريف والتصحيف، وألمح تنقيحه لنقول بعض مصنفات الأئمة، تعلم أنه كان من علم اللغة بالمكان المكين، وأبحث في كتبه الفلسفية واللاهوتية تحكم أنه غرة زمانه وأوحد دهره، وتصفح رسائله الممتعه ترَ العرفان مضمونها والحكمة تتهادى بين سطورها. وأقرأ فتاويه الشرعية وآراءه القانونية يبدو لك قريحة صافية وذهن صحيح وفؤاد ذكي واجتهاد موّفق، وتشهد أنه قاضى محاكم المعقول والمنقول، والذي عنده مقطع الحق وفصل الخطاب، ذلك أنه جمع ما حصّله من آراء ثقات الأئمة الذين كانوا على عُنق النصرانية، وما استنبطه من ثقوب رأيه ورجاحة عقله وحصافة فكره. وراجع تصانيفه الطقسية تسلّم له أنه ملفان البيعة الأكبر وحامل لواء مجدها السائر في الرعيل الأول، وأن كتبه هي الغاية التي ليس وراءها مراد لباحث ولا مضرب لرائد. ولا غرو بعد هذا أن يعدّ من طراز ما رؤي بالشرق مثله. كما كان أمثل علماء السريان في العصور الأولى والوسطى.
ولد مار يعقوب في قرية “عيندابا” من كورة انطاكية حول سنة 633 على الارجح ويُظن اسم أبيه اسحق. وقرأ في ميعة صباه على الأب قرياقس زائر كورته الفاضل، مبادئ العلوم وأسفار العهدين وكتب الأئمة فبلغ منها الغاية.
ثم يمّم دير قنسرين فترهب فيه ودرس على مار ساويرا سابوخت آداب اللغة اليونانية وأنجز علومه وتمّهر في اللغة والفلسفة واللاهوت مع رفيقه اثناسيوس البلدي وكان اسنّ منه. وارتاض بالزهد والسيرة الفاضلة. ثم رحل إلى الاسكندرية ليغوص على دقائق الفلسفة وغوامضها فأدرك فيها وطره. وعاد إلى الشام وتنسك في الرها ودرس اللغة العبرانية فنبه ذكره واستفاضت شهرته. وقصده العلماء ومحبو العلم يراسلونه ويرفعون إليه المشكلات فيتناولون منه الجوابات السديدة وكان سنة 672 شماساً ثم رُسِمَ قساً. واختير عام 684 وسيم بيد رفيقه اثناسيوس الثاني مطراناً للرها فنسب إليها وأقام فيها أربع سنوات، واشتد على الرهبان والاكليروس في حفظ القوانين بعد إهمال طرأ عليها وطرد العصاة فقاوموه وحُملت عليه ضغائن في حق كان يحميه. وكان البطريرك يوليان الثالث والأساقفة يشيرون عليه بالتساهل تنازلاً مع الزمان وأخذاً بالتي هي أحسن. ولكن الغيظ بلغ من المترجم أقصاه فأحرق كتاب القوانين جهراً لإهمالها، وهجر الأبرشية مستقيلاً وصار بتلميذيه دانيال وقطسنطين إلى دير مار يعقوب في كَيسوم. وانشأ مقالتين أو نظم قصيدتين غمز في أحداهما الرعاة، وقرّع في الثانية مخالفي قوانين البيعة وبعد فترة يسيرة انتدب لتدريس اليونانية في دير اوسيبونا في كورة انطاكية. فمكث فيه احدى عشرة سنة مجدداً هذه اللغة بعد أن إندراسها حتى بلغ إلى القمّة ومفسّراً الأسفار الإلهية بحسب النص اليوناني، وحينما بدأ خِلف من الرهبان الكارهين لليونانيين، خرج إلى دير تلعدا ومعه سبعة تلاميذ له، وأقام فيه زهاء تسع سنوات مكبّاً على تصحيح ترجمة العهد العتيق. وفي خزانة باريس محفوظ سفر الملوك الذي ترجمه عام 705 وفي أواخر 707 توفي المطران حبيب الذي سيم مكان مار يعقوب، فالتمس الرهاويون عود الحبر المترجم إليهم وقد عرفوا له فضله فعاد أواخر كانون الثاني من سنة 708 وبعد أربعة أشهر يمّم دير تلعدا لنقل كتبه فكانت فيه وفاته في الخامس من حزيران وهو يوم عيده. فقد كان رضي الله عنه من الأحبار القديسين المتحلين بالغيرة على الحق والصلاح المتين، ولُقب بالمؤثر للأتعاب أوالمجاهد، وبمترجم الكتب.
كان الرهاوي بعيد الهمة، ذا ولع بالعمل يستعصي وصفه، عصبي المزاج حادّه، شديد العزم لا هوادة عنده، لم يقوَعلى معالجة أمور الرعية بالحسنى، وهو من هذا القبيل يشابه بعض أخلاق العلاّمة غريغوريوس النزينزي. ومع ذلك فقد كانت استقالته من حظ العلم، فصرف انضج سني حياته في خدمته فأفاد بيعة الله بما لم يكن لتفوز به لومكث في أبرشيته.
———
يتبع رجاءً