«بابنيان» هو الحقوقيّ السوريّ

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، و‏‏وقوف‏‏‏

فيلسوف المطرقة ⚒ فريدريك نيتشه

إن قلّة قليلة من السوريين يعلمون أن «بابنيان» هو الحقوقيّ السوريّ الذي قدّم للعالم نقلة نوعية في القانون والتشريع، وتعتبر كتبه ومؤلفانه أساس الحقوق الشرعية في القرون الوسطى والعصور الحديثة، في وقتٍ يتباهى الغرب بما قدّمته سورية للبشرية.

أمام دار العدل في روما، تصادف تمثالاً شامخاً لشخصية الفقيه «بابنيان»، وأيضاً نجد لوحة جداريه بِاسمه موجودة أمام مبنى الكونغرس الأميركي تكريماً لدوره القانونيّ الكبير، وقد كتب عليها: «مؤلف لأكثر من ستة وخمسين مؤلفاً في الحقوق كانت أساس التشريعات الحقوقية العالمية».
الحضارة السورية كانت جليةً في مناحي الحياة الرومانية كلّها، ما دفع الشاعر والكاتب الروماني جوفينال للاعتراف في القرن الثاني الميلادي بقوله: «منذ زمن بعيد ونهر العاصي السوري يصبّ ماءه في نهر التيبر، جالباً معه لغته وعاداته وعوده وقيثارته بأوتارها المائلة».

اسمه الحقيقي إميليوس بابينوس «بابنيان»، وهو شهيد العدالة التي أرسى قوانينها. فقد أعطى الحقوقي السوريّ الأول «بابنيان» للعالم القوانين التشريعية التي يعمل بها حتى اليوم. فهو مؤلف أكثر من ستّة وخمسين مؤلفاً في الحقوق كانت أساس التشريعات الحقوقية العالمية.
ولد «بابنيان» عام 142 للميلاد في حمص السورية، ودرس القانون في معهد بيروت التي كانت تعتبر حينذاط الأمّ المرضعة للحقوق، وأصبح أستاذ القانون فيه فبلغت شهرته روما، ولقّب بأمير الفقهاء. عمل مستشاراً للامبراطور سبتيم سيفير. وعندما كان قضاة إيطاليا يجدون أنفسهم أمام حادثة غير مذكورة في قانونهم التشريعي المعتمد، يعودون إلى مؤلفات «بابنيان» كمرجع قانوني لهم، والتي عمرها 1800 سنة.
شغل «بابنيان» مناصب هامة عدّة في عصر القيصر سبتيموس زوج السورية الحمصية جوليا دومنا، والتي حكمت روما بعد وفاة زوجها سبتيموس.
أعماله وأهم ما قدّمه
أهمية التشريعات التي كتبها «بابينان» مع زملائه السوريين الأربعة أنها غيّرت من المفهوم القضائي السائد في روما في تلك الأيام، وحوّلته من قانون متحجّر بدائيّ إلى قانون إنساني. وهذه الإنسانية التي طغت على القوانين مستمدّة من مدرسة زينون الرواقي التي كانت مبنية على الأخلاق والحكمة، لا على مبدأ الانتقام. وهذه هي نقطة التحوّل القانونية في التاريخ الإنساني، أي البتّ في الجريمة ليس من منطلق الانتقام إنما من منطلق العدالة والإصلاح، إذ نشأ ما يسمّى اليوم المدّعي والمحامي والحق العام.
يقول لنا بول كولينيت: في بيروت، كان يتم إعداد الحقوق الرومانية الجديدة من قبل جماعة من الفينيقيين السوريين، هم عائلة سفيروس ومستشاروه. ففي فترة حكم السلالة السورية لعرش روما 193 ـ 235 ميلادياً يبدو أنه تم تطوير التشريع الروماني ونقله من الطور الابتدائي إلى مرحلة متقدمة عبر مؤلفات الفقهاء السوريين الخمسة، والذين أحاط بعضهم بالامبراطور سبتيموس سفيروس كمستشارين له مثل «بابنيان» و«ألبيان». إضافة إلى هذين المشرّعين، كان هناك غايوس وبولس وموديستنوس. والجدير ذكره هنا أنهم كتبوا مؤلفاتهم الحقوقية باللغة اللاتينية، وهذا ما جعل المؤرّخين يطلقون عليهم اسم آباء الفقه الروماني، وهذا امتد على كل التشريعات التي وضعوها فأطلقوا عليها اسم التشريعات الرومانية. وتُظهر الأبحاث أن ما قدّمه الآباء السوريون هؤلاء للتشريع الروماني يتجاوز نسبة 80 في المئة. وهذا ما دفع الباحثين في القرن الثالث الميلادي إلى قولهم: لقد كانت سورية تعكس على العالم تقاليدها الحقوقية التي تعدّ مصدر الحقوق الرومانية وأصلها.
والجدير ذكره أنّ «بابنيان» وغيره من المشرّعين السوريّين في ذلك الزمان صاغوا قوانينهم ومؤلّفاتهم القانونية باللغة اللاتينية، الأمر الذي جعلهم يصنّفون تاريخياً تحت اسم: الفُقهاء الرومانيين، الاسم انسحب كذلك على القوانين التي وضعوها، ليطلق اسم «التشريع الروماني» على مجموعة القوانين التي ساهم السوريون بنسبة كبيرة في صوغ محتواها، لكن التاريخ حفظ الجميل لأولئك كسوريّين، إذ قال المؤرّخون في ذلك: «في القرن الثالث الميلادي كانت سورية تعكس على العالم تقاليدها الحقوقية التي تعدّ مصدر الحقوق».
لكن قبل أن يغيّب الموت هذا الحقوقيّ السوري، قدّم «بابنيان» للعالم تشريعات صاغت لاحقاً قوانين الامبراطورية الرومانية، وألّف أكثر من خمسين كتاباً، مؤلفة من 2462 فقرة قانونية تُعدّ المصدر الرئيس الذي استمدت منه الدول الأوروبية الحديثة قوانينها كفرنسا وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا.
وألّف «بابنيان» 19 مؤلّفاً في المناقشات القانونية، و37 مؤلفاً في المسائل القانونية. أما كُتبه، فله عدّة كتب أشهرها «الأسئلة»، و«الأجوبة»، وقد كان الكتاب الأخير مقرّراً دراسياً في مدارس الحقوق الرومانية. ومن كتبه ذائعة الصيت أيضاً كتاب «الفتاوى». ومما قيل في الحقوقيّ السوريّ الأول «بابنيان»: إنّ التراث العظيم الذي تركه، لم يتركه أيّ روماني فقيه آخر.
أدخل «بابنيان» وحده ما لا يقل عن 596 فقرة من كتاباته في «موجز جستنيان القانوني» وذُكر اسمه فيه 153 مرة.
النهاية جاءت بعد صراع كاراكلا وغيتا، من أولاد الامبراطور سبتيموس، وجوليا دومنا، الذي انتهى بمقتل غيتا على يد أخيه كاراكلا، وعندذاك جاء كاراكلا إلى المشرّع «بابنيان» طالباً منه صوغ رسالة يتلمّس فيها الأعذار لفعلته التي ارتكبها ويجد فيها مخرجاً لما قام به أمام مجلس الشيوخ، الأمر الذي رفضه «بابنيان» في تلك الأزمنة، فوقف رجل العدالة رافضاً طلب الامبراطور كاراكلا قائلاً جملته الشهيرة التي ترن في أروقة المحاكم حتى يومنا هذا: إن ارتكاب جريمة قتل أهون من تسويغ هذا القتل.
فما كان من الامبراطور إلّا أن أمر بقتل «بابنيان» لتنتهي حياته دفاعاً عن العدالة التي لم يكتفِ بسنّ القوانين اللازمة لها، إنما آمن بها وعمل بمقتضياتها حتى الأيام الأخيرة في حياته.
يقول المؤرّخ «جيبّون» في مقتل «بابنيان»: لقد كان إعدام «بابنيان» محزناً بوصفه كارثة عامة.