الموسيقا السريانية الكنسية(1-20)

 

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الأول)

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

مقدمة عامة:

 

رغم العنوان الشامل لمقالنا هذا “الموسيقا االسريانية الكنسية”، إلا أننا نعالج فيه فقط موسيقا الكنيسة السريانية الارثوذكسية الانطاكية دون التحدث عن موسيقا الكنائس السريانية الأخرى، على أمل ان يقوم البعض من أبناء التراث الموسيقي السرياني الخاص بالكنائس السريانية الأخرى بالكتابة عن موسيقا كنائسهم السريانية ليكتمل الموضوع.

 

ويعالج مقالنا موضوع موسيقا “الكنيسة السريانية الارثوذكسية” في نشأتها وتطورها وسلمها الموسيقي ونظامها اللحني، ونصحح فيه بعض المفاهيم الخاطئة والمتداولة بين السريان من مثقفين وغيرهم، والتي تراكمت مؤخراً بينهم وقبلوها كمسلّمات دون أن يجهدوا أنفسهم للتأكد من صحّتها والبحث عن حقيقتها، وخاصة فيما يتعلق بنظام الكنيسة اللحني وسلمها السباعي وآداء الالحان.

 

لكن قبل ان ندخل أروقة الموضوع لا بد من وقفة عامة عند بعض النقاط والتعابير الموسيقية العامة لنشرحها ونقدمها للقارىء الكريم وثم ندخل في صلب موضوعنا أي الموسيقا الكنسية السريانية.

 

وكل ما ساقدمه هنا من جديد حول الموسيقا الكنسية السريانية مبني على ملاحظاتي، وكل المعلومات المطروحة هي على الأغلب من إستنتاجاتي الشخصية التي توصلت اليها من خلال خبرتي العملية في المجال الموسيقي الكنسي، بالإضافة الى ما اطلعت عليه من أبحاث العلماء في الموسيقا الشرقية، ومنها ما قدمه لنا العلامة السرياني غريغوريوس ابن العبري (1226-1286) من دراسة حول الألحان الكنسية، وما كتبه البطريرك اغناطيوس افرام الأول برصوم (1957-1887)  في كتابه الشهير “اللؤلؤ المنثور” عن هذا الموضوع، والكتب الكنسية مثل كتاب “الشحيمو”، وكتب سريانية تاريخية وأدبية.

أما ما يتعلق من شروحات لبعض الطقوس فأعتمدنا على كتاب “تفسير القداس” للمطران اسحق ساكا، كما أعتمدنا على الكتاب المقدس بجزئيه القديم والجديد في سرد بعض الحوادث التاريخية الدينية، وكذلك على بعض التواريخ العربية مثل الطبري والكامل في التاريخ، واستندنا لبعض المراجع الموسيقية مثل كتاب “الموسيقا النظرية” للباحث الموسيقي سليم الحلو، وعلى الإنترنيت وبعض وسائل التواصل الإجتماعي للتأكد من صحة بعض المعلومات العامة.

فمنذ عشرين سنة وأنا مهتم بالموسيقا الكنسية وأتعاطى معها بشكل عملي في الكنيسة السريانية الارثوذكسية في ستوكهولم كمعلم لجوقتها ومرافق لإنشادها في العزف. لذلك أتقبل كل نقد أو إضافة من الضليعين بالموضوع  برحابة صدر.

ومن خلال درسي وعزفي للأناشيد الكنسية، قمت بإعادة طريقة غناء الكثير من هذه الأناشيد السريانية إلى طبيعتها اللحنية الأساسية مرتكزاً على الصفات الإنسانية لألحانها، وأسسها الكنسية الدينية الصحيحة، كمحاولة لإعادة جوهر الألحان الى أصولها وغاياتها الدينية.

خاصة تلك التي وصلت لنا وفيها بعض التناقض بين طريقة آداء اللحن والمضمون الديني للنص الغنائي. وكذلك قمت بإعادة آداء الألحان الكنسية إلى شرقيته وسريانيته الصحيحة في الإنشاد الجماعي (من قبل الجوقة) وفي الإنشاد الفردي (من قبل المنشد والمؤدي)، للخروج من عباءة الآداء الغربي الذي يفرض نفسه وبقوة على غناء معظم الجوقات السريانية في الشرق والغرب.

وقمت أيضا بمحاولات لإستنباط السلالم الموسيقيه الصحيحة لقسم من الألحان بطريقة توزيع الكومات على سلمها السباعي. وبتجارب صغيرة في ضبط أوزان لبعض الأناشيد وتحديد مجموعة الضغوط المتواجدة في اللحن، مع الإحتفاظ بهيكل اللحن وجوهره وعدم المس بمجرياته وأهدافه.

ولإستعمال تعابير صحيحة ودقيقة في مقالنا، أفضل إستعمال الكلمات: ألحان وأناشيد وتراتيل، عوضاً عن كلمة موسيقا التي تعني اليوم العنصر النغمي المجرد من الغناء، وهذا الأمر سيبرز بكثرة في الأجزاء القادمة من المقال.

 

أما مقالنا هذا فيضم مواضيع أساسية عدة وأهمها:

مقدمة عامة للموضوع عن ماهية الموسيقا. الموسيقا السريانية ونظام الألحان الكنسية وأصله. منشأ الألحان الكنسية. الفرق بين النظامين السرياني واليوناني. وخصائص الإنشاد السرياني الكنسي.

وكل موضوع يقسم الى عدة أجزاء صغيرة سنناقشها بموضوعية، وسننشرها تباعاً في سلسلة من المقالات.

 

مدخل إلى الموسيقا

والموسيقا كلمة يونانية مشتقة من اسم ربة الغناء اليونانية “موسا” ، وهي “لغة” يُعبر بواسطتها عن أحاسيس ومشاعر الإنسان وفكره، ويستخدمها في معظم مجالات حياته. وتتولد من الأصوات الصادرة من الطبيعة والإنسان والحيوانات والطيور والآلات الموسيقية وغيرها، لكن الموسيقا بمفهومها الفني السامي هي إنتاج فكري إبداعي راق يتطرق لمواضيع عقلانية بحتة كالقدر أو صراع الخير والشر، أو الهزيمة والإنتصار، أو يترجم ما يختلج في نفس الإنسان من شعور وما في قلبه من أحاسيس إلى موسيقا، كالحب والكراهية أو الفرح والألم وغيرها.

ويمكن أن يؤثر هذا الإنتاج الفكري على السامع ويولد في أعماقه الكثير من المشاعر المختلفة مثل السعادة والحزن.

وتتكون الموسيقا من عنصرين جوهريين هما الصوت والزمن:

أما الصوت فينشأ من إهتزاز ذرات الأجسام الرنانة، ويُسمع صداه بواسطة الأثير. وينتج من تركيب طبقات الصوت المتآلفة لحن ما، قد يُغنى أو يُعزف بواسطة الآلات الموسيقية.

أما الزمن فهو مدة مكوث الصوت وإستمراريته، وله قياسات دقيقة جداً تستعمل في النوطة الموسيقية. ويتم تدوين الصوت والزمن على السلم الموسيقي بإستخدام علامات موسيقية معينة، مع مفاتيح خاصة وأوزان مناسبة لعزفها أو لغنائها لاحقا.

والموسيقا من العلوم الموزونة التي تعتمد على النظام ووحدة الحركة والسكون.  وهذا العلم الموزون مبني على قواعد الصوت وضوابط الزمن، ويستند إلى قياسات وموازين كثيرة ودقيقة للغاية مختلفة ومتنوعة، ويبحث في ترتيب وتعاقب الأصوات المختلفة في الدرجة وفي تآلف الأصوات وتناسبها، بحيث تكون متفقة ومنسجمة غير متنافرة، كي تتركب منها نغمات تستسيغها الأذن أثناء العزف والغناء والتلحين. كما أن هذا العلم يبحث في تنظيم وتركيب النغمات والعلاقات فيما بينها، وفي تركيب أوزان الأنغام والإيقاعات والأشعار.

وهناك علم في الموسيقا يُعرف بعلم تكوين (بناء) السلالم الموسيقية وإستخراج النغمات من قاعدة الدوران الموسيقية العجيبة (دائرة الرابعات والخامسات لإستخراج علامات التحويل المسماة دييز: الرافعة نصف درجة موسيقية، وبيمول: الهابطة نصف درجة موسيقية)، وبناء السلالم عن طريق جمع الأجناس الموسيقية.

وأخيراً يتم تحويل المعرفة والموهبة الموسيقية في هذا المجال إلى صناعة حقيقية تسمى بصناعة الموسيقا لتنفيذ الأعمال الموسيقية من قبل موسيقيين محترفين في الاستوديوهات، أو في عرضها أمام الجمهور بواسطة اوركسترات موسيقية في صالات فخمة، وقد ترافقها كورالات محترفة ومغنيين أوبراليين في حالة الموسيقا الغربية. وأما في الموسيقا الشرقية فتكون مغناة في معظمها، ليستمتع بها الإنسان أو لتحاكي مشاعره وهمومه النفسية.

وقد قيل في الموسيقا مقولات جميلة للغاية من بعض مشاهير التاريخ ومنهم: كونفوشيوس (479-551 ق.م): حيث قال: “إذا أردت أن تتعرف على رقي بلد ما، وما يحفظه من مدنية، فأنظر الى موسيقاه”. ومنهم أيضاً الفيلسوف اليوناني افلاطون (428-348 ق.م) بقوله: “الموسيقا جزء هام من ثقافة المجتمع”، وكذلك: “علمنا الإختبار أن نؤسس تهذيب الناشئة على تعليمهم الموسيقا لأنها تربي العقل، وعلينا أن نعالج العقل بالموسيقا أولاً ثم نفوض إليه المعالجة المختصة بالجسد”.

وقال الفيلسوف السرياني غريغوريوس ابن العبري (1226-1286م): “الموسيقا غذاء للروح”.

وأجمل ما قاله الأديب السرياني اللبناني جبران خليل جبران (1883-1931 م): “الموسيقا كالمصباح تطرد ظلمة النفوس وتنير القلب وتطهر أعماقه”.

 

ويتبع في الجزء الثاني

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الثاني)

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

توضيحات لبعض المصطلحات الموسيقية الهامة

قبل أن أعالج موضوع الموسيقا السريانية الكنسية سأقف بإختصار عند بعض التعابير والمصطلحات الموسيقية لأشرحها للقارىء الكريم ليتجهز بها عند قراءة الموضوع.

السلم الموسيقي:

يتكون السلم الموسيقي من سبع درجات موسيقية، هي: Do, Re, Mi, Fa, Sol, La, Si.

ومع إستعمال الدرجة الثامنةDo والتي هي تكرار للدرجة الأولى وتسمى الجواب، يكتمل السلم الموسيقي ويسمى بالعربية الديوان، ويعرف عالمياً بالاوكتافOctavus ، ويتكون الأوكتاف من ثمان درجات موسيقية، تقسم الى أنصاف درجات عددها 13 نصف درجة موسيقية، ويسمى بالسلم الملون أو السلم الكروماتي.

المسافة الصوتية أو البُعد الصوتي:

تتكون المسافة الصوتية من الصوت المحصور بين درجتين موسيقيتين، أي هي الفارق الصوتي الناتج من الإنتقال بين درجتين موسيقيتين صعوداً أو هبوطاً، كالإنتقال بين درجتي Do و Re، وتسمى هذه المسافة “بالبُعد الصوتي” أو “البُعد الطنيني”، وتقاس مسافته بعدد معين من الذبذبات الصوتية، وهذا البُعد الصوتي هو اليوم مقدار واحد في كل موسيقات العالم.

ويتكون السلم الموسيقي (الاوكتاف أو الديوان) من سبع مسافات صوتية متسلسة مختلفة الأبعاد، وتكون في السلم الموسيقي الغربي الكبير على نحو: (بُعد، بُعد، نصف بُعد، بُعد، بُعد، بُعد، نصف بُعد). والسلم الملون الكروماتي يتكون من 12 وحدة متساوية من أنصاف الأبعاد الصوتية.

علامات التحويل الموسيقية:

إن علامات التحويل الموسيقية مهمتها تحويل المسافات الصوت الكاملة الى أنصافها وتوضع هذه العلامات على المدرج الموسيقي بجانب مفتاح وميزان المدرج.

وعلامات التحويل هي:

1- علامة ” دييز , الرافعة” ومهمتها رفع العلامة الصوتية الى نصف درجة. ( مثل: دو دييز اي درجة دو مرفوعة نصف درجة ).

2- علامة “بيمول , الخافضة” فمهمتها خفض الدرجة الصوتية الى نصفها. ( مثل: ري بيمول اي درجة ري منخفضة نصف درجة ).

3- علامتا التحويل الشرقية وهي: “نصف دييز” الرافعة ربع درجة صوتية و “نصف بيمول” الخافضة ربع درجة صوتية. ومهمتاهما هي الخفض او الرفع من قيمة الدرجة الصوتية ربع صوت لنحصل على مسافة الثلاثة أرباع الصوت الموجودة في سلالم المقامات الشرقية.

4- علامة “بيكار” مهمتها إعادة الدرجة المتأثرة بإحدى علامات التحويل إلى طبيعتها الصوتية السابقة.

الكوما الموسيقية:

يُقسم البُعد الصوتي الكامل الى تسعة أجزاء صغيرة يسمى الجزء الواحد منه “كوما”، ويقسم البُعد إلى نصفين، ونصف البُعد هذا يرتكز على الكوما الخامسة، ثم يقسم نصف البعد إلى ربعين، ويرتكز ربع الصوت الخافض على الكوما الثالثة، وبذلك نحصل على ثلاثة أرباع الصوت التي تتميز به الموسيقا الشرقية، (إذا كان الفرق الطبيعي بين العلامتين نصف بُعد صوتي، مثل البعُد الصوتي بين Mi, Fa)، والذي يقال له خطأ “ربع الصوت”.

ويرتكز ثلاثة أرباع الصوت المرتفع على الكوما السابعة، (إذا كان الفرق الطبيعي بين العلامتين بُعد صوتي كامل، مثل البُعد الصوتي بين La, Si).

وكوما واحدة زائدة أو ناقصة لها أهمية كبرى في إضافة مذاق خاص ونكهة معينة في الموسيقا الشرقية، وتعطي لموسيقا شعب ما أو منطقة ما، هوية موسيقية مميزة عن غيرها.

وتتميز ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية بشكل عام بإستعمال الكوما المرتفعة في سلالمها الموسيقية الشرقية، مما يعطيها هذا الأمر جزءا هاماً من هويتها وشخصيتها وخصوصيتها، ويميزها عن موسيقات شرقية أخرى بعيدة عنها كالموسيقا المصرية المعاصرة التي تستعمل كوما منخفضة في سلالمها الموسيقية مما تكسبها نكهة وهوية مختلفة في ألحانها الشرقية الخاصة بها.

الجنس الموسيقي:

يتكون الجنس الموسيقي من أربع درجات موسيقية تحصر فيما بينها ثلاث مسافات صوتية متوالية ومتوافقة ومختلفة الأبعاد، لكنها لا تتعدى البعدين والنصف، أمثلة:

– جنس بياتي يتكون من: بُعد ذو ثلاثة أرباع الصوت+ بُعد ذو ثلاثة أرباع الصوت+ بُعد صوتي كامل.

– جنس نهوند يتكون من: بُعد كامل + نصف بُعد + بُعد.

– جنس حجاز يتكون من: نصف بُعد + بعد ونُصف + نُصف بُعد.

ونلاحظ بأن مجموع المسافات في جميع الأجناس السابقة هي متساوية الأبعاد الصوتية ومقدارها بُعدين ونصف. وهناك أجناس كثيرة في الموسيقا الشرقية منها: جنس راست، جنس عجم، جنس كرد …… والخ .

أما إذا نقص الجنس عن البُعدين والنصف فيصبح جنساً ناقصاً، مثل جنس الصبا الذي يتكون من: بُعد ذو ثلاثة أرباع + بُعد ذو ثلاثة أرباع + نصف بُعد، ومجموعها فقط بُعدين.

وإن بعض ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية تحوي أجناساً من هذا النوع.

وإذا زاد الجنس عن البُعدين والنصف وأصبح جنساً ذو خمس درجات موسيقية تنتج أربع مسافات صوتية سمي جنساً زائداً أو عقد موسيقياً، مثل عقد “نوى أثر” أو عقد “نكريز” الذي يتكون من: بُعد + نصف بُعد + بُعد ونصف + نصف بُعد. ومجموعها ثلاثة أبعاد ونصف.

وأما السلم الموسيقي (الديوان او الأوكتاف) فيتكون من جنسين موسيقيين، هما الجنس اﻷدنى والجنس الأعلى، وكل جنس يتكون من أربع درجات موسيقية، أي من بُعدين ونصف، ويفصل الجنسين مسافة صوتية تسمى فاصل طنيني، ومجموع أبعاد الجنسين مع الفاصل الطنيني (أي الأوكتاف) هي سبعة أبعاد صوتية غير متساوية المسافات.

المقام الموسيقي:

إن الصعود والهبوط على سلم الدرجات الموسيقية الثمانية العدد، والتي تحصر فيما بينها سبعة أبعاد صوتية متتالية ومختلفة المسافات، تصدر لحناً ميلودياً معيناً له نغمة خاصة تسمى بالمقام. وهناك مقامات عديدة وكل مقام له اسمه الخاص الذي يعرف به، وأسلوبه المتميز في سير العمل فيه، وملامحه الموسيقية، وشخصيته الخاصة، مما يميزه عن بقية المقامات الأخرى.

وبتبديل ترتيب الأبعاد الصوتية على السلم الموسيقي، يتبدل اللحن أو النغمة الميلودية ويتبدل المقام أيضاً، مثل مقام الراست ومقام البيات ومقام النهوند ومقام العجم وغيرها.

ويتكون المقام عادة من جنسين موسيقيين، أدنى وأعلى، وأحيانا أكثر من جنسين، فكلما يتوسع اللحن بتكوينه السلمي ويتنوع بنغماته يزداد عدد أجناسه الموسيقية، وربما تصل إلى أربعة أجناس صوتية متداخلة ومتوافقة من حيث التركيب والسمع. وهذا مثل توضيحي في كيفية بناء نغمات مقام الراست فقط من جنسين:

جنس راست أدنى ذو أربع درجات يرتكز على درجة Do. أي ( دو- ري- مي هابطة ربع – فا ) ويحصر ثلاثة أبعاد مختلفة هي بُعد كامل+ ثلاثة أرباع البُعد + ثلاثة أرباع البُعد.

وجنس راست آخر أعلى ذو أربع درجات يرتكز على درجة Sol. أي ( صول- لا- سي هابطة ربع- دو ) ويحصر ثلاثة أبعاد مختلفة هي: بُعد كامل + ثلاثة أرباع البُعد + ثلاثة أرباع البُعد، ويفصل الجنسين فاصل طنيني (بُعد كامل) بين درجتي Fa وSol . وبتبدل نوع أو نغمة الجنس الأعلى يتبدل إسم المقام أيضا، ويكون في هذه الحالة من تفرعات المقام.

ومن المقامات المعروفة والغير المعروفة:

مقام اليكاه، مقام فرحفزا، مقام شت عربان، مقام عجم عشيران، مقام شوق إفزا، مقام حسيني عشيران، مقام سوزدل، مقام العراق، مقام راحة الأرواح، مقام فرحناك، مقام كوشت، مقام الرست، مقام سوزناك، مقام سازكار، مقام حجاز، مقام حجازكار، مقام نكريز، مقام حجازكاركرد، مقام نهوند، مقام نوروز، مقام زنجران، مقام البياتي، مقام أصفهان، مقام عشاق مصري، مقام صبا، مقام عرضبار، مقام السيكاه، مقام نيشابور، مقام جهاركاه، مقام النوى، مقام الحسيني، مقام الأوج، مقام الماهور. وهناك المئات من المقامات وتفرعاتها.

ملاحظة:

تختلف بعض البلدان في أسماء المقامات رغم تطابق سلالمها الموسيقية، وليس بالضرورة أن تتفق جميع البلاد على مسميات مقاماتها، وقد تختلف أيضاً في سير عملها الذي يكسب موسيقاها روحاً مغايرة عن بلاد أخرى، لتتميز بهوية مقامية مستقلة عن غيرها مثل المقامات العراقية.

السلم الموسيقي السباعي:

إن السلم الموسيقي (الديوان) يتكون من ثمان درجات موسيقية، أو من سبعة أبعاد صوتية متسلسة ومختلفة المسافات، لكنها متوافقة في تنظيمها السمعي وغير متنافرة، سميت بالسلم السباعي الأبعاد.

إن معظم الأمم والشعوب التي تستعمل السلم السباعي، تختلف سلالمها السباعية عن بعضها بسبب إختلاف في مسافات أبعادها الصوتية. لإختلاف هذه الشعوب عن بعضها بعاداتها وتقاليدها وبلغاتها ولهجاتها وأذواقها وظروف تطورها.

وهناك خلط كبير عند البعض بين مفهومي السلم السباعي والسلم الموسيقي (الديوان)، ورغم إرتباطهما ببعضهما، فالسلم الموسيقي (الديوان) هو تتابع الدرجات الموسيقية الثمان، وأما السلم السباعي فهو سلسة الأبعاد الصوتية السبعة المتوافقة التي يحصرها السلم الموسيقي بين درجاته.

السلم الموسيقي الخماسي:

يتميز السلم الخماسي بأنه يتكون من خمس درجات موسيقية تتضمن أربع مسافات صوتية مختلفة الأبعاد، وأهم هذه المسافات التي توضح معالم هذا السلم هي المسافة ذات البُعدين الكاملين.

إن ترتيب المسافات الصوتية الأربع المختلفة الأبعاد ينتج نغمة جميلة ورائعة لها ميزاتها وهويتها ونكهتها وخواصها الموسيقية.

إن البعض من الشعوب يستعملون إلى جانب السلم الخماسي الأساسي ذي الأبعاد الصوتية الأربعة، سلم خماسي آخر ذي أبعاد صوتية خمسة، وهذا السلم الأخير يتكون من ست درجات موسيقية تحوي على خمس مسافات صوتية مختلفة الأبعاد، وأهمها المسافة الصوتية ذات البُعدين الكاملين ويستعمل هذا السلم في موسيقا السودان إلى جانب السلم الخماسي، وكذلك يستعمل اليوم للمزج والإنتقال بين السلمين الخماسي والسباعي لأنه يحوي النكهتين.

وبشكل عام تستعمل السلم الخماسي العديد من الشعوب الافريقية، منها السودان وأثيوبيا واريتريا والصومال وغيرها، وكذلك بعض الشعوب الآسيوية مثل الصين واليابان وكوريا وفيتنام وغيرها.

لكم تحياتي

ويتبع في الجزء الثالث

 

 

 

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الثالث)

السلم السباعي والشعوب القديمة، أصل السلم الموسيقي السباعي الأبعاد:

لقد رافقت الموسيقا الإنسان منذ وجوده على الأرض، وأن جميع الشعوب القديمة، مهما بلغت من التقدم والحضارة أو الجهل والتخلف، كانت تملك نوعاً من الموسيقا الخاصة بها، ومعظمها استعملت إما السلم الموسيقي السباعي او السلم الموسيقي الخماسي، وهذا واضح من نتاجات الشعوب الموسيقية التي استمرت لغاية اليوم. إذ أن كل الشعوب كانت لها موسيقاها الخاصة بها واخترعت آلاتها الموسيقية وطورتها خلال مجرى تاريخها. والسلم الموسيقي السباعي لم يكن مقتصراً على أمة معينة كما أدعى البعض.

 

ومن الشعوب القديمة التي استعملت السلم الموسيقي السباعي نذكر: السومريين والآكاديين والآشوريين والكلدانيين والحثيين والحوريين والأوغاريتيين والكنعانيين والآراميين (السريان) والعبرانيين والفراعنة والشعوب الهندية والفارسية والشعبين اليوناني والروماني، وغيرهم. ولازال قسم من هذه الشعوب التي لا زالت مستمرة في الوجود تستعمله في موسيقاها، كاليونان والفرس والمصريين والسريان.

 

للأسف لا نعلم شيئاً كثيراً بدقة وتفاصيل عن السلم السباعي القديم عند السومريين والآكاديين والآشوريين والحثيين والآموريين وغيرهم، لأن هذه الشعوب زالت من مسرح الوجود، وزال معها سلمها الموسيقي ولغتها وحضارتها، ولم يبق شيء منها سوى تلك الأطلال التي بقيت شاهدة على عظمة وحضارة هذه الشعوب ومدى تقدمها وازدهارها. لكن علماء الأثار أكدوا مؤخراً من خلال اكتشافاتهم في الحفريات بأن تلك الشعوب كانت متطورة جداً موسيقياً، وكانت لديها آلات موسيقية كثيرة ومتطورة، قسم منها استمر في الإستعمال ووصلت لنا كما كانت عليه لكن مع تغييرات طفيفة في شكلها وفي إمكانيات إستعمالها، مثل آلات العود والناي، وبعض الطبول. لكن أهم حدث مكتشف كان السلم الموسيقي السباعي الذي استعملته هذه الشعوب وعلى رأسها السومريين. وليس بالضرورة أن تتفق جميع السلالم الموسيقية السباعية لجميع هذه الشعوب بمسافاتها الصوتية.

 

إن أقدم السلالم الموسيقية التي وصلت إلينا عبر تداولها وإستمرارها دون انقطاع كان السلم الموسيقي السباعي اليوناني من القرن السادس قبل الميلاد. فإن كان هذا السلم متكاملاً ومنتظماً في حسابات أبعاده الصوتية في القرن السادس قبل الميلاد، فهذا يعني أن هذا السلم أستعمل في اليونان قبل ذلك الوقت ربما بفترة طويلة جداً، وتناقلته الأجيال شفهياً لغاية وصوله الى فلاسفة اليونان الأجلاء (كانت الموسيقا قديماً جزءاً من الفلسفة)، فأشتغلوا عليه بشكل علمي دقيق، وعملوا على تطويره وتنظيمه وحساب أبعاده الصوتية بدقة، لينتشر في المشرق القديم كله وفي الغرب أيضاً.

 

وبسبب العلاقات التجارية والقرب الجغرافي بين شعوب شاطىء البحر المتوسط والداخل السوري والأناضول وآسيا الصغرى واليونان، أثرت شعوب المنطقة على بعضها وأنتقلت بعض مظاهر الثقافة المشتركة بين بعضها كأنتقال الأبجدية الفينيقية/الآرامية إلى اليونانيين. وبفضل حركة التأثير الثقافي بين تلك الشعوب، نعتقد بأن السلم الموسيقي الأوغاريتي أنتقل بدوره إلى اليونانيين وأصبح الركن الأساسي الذي أسس عليه السلم الموسيقي اليوناني المتطور. إن السلم الموسيقي اليوناني إذاً وكما نعتقد قد تطور مباشرة من السلم الموسيقي الأوغاريتي وأستعمله أبناء اليونان فترة طويلة لغاية وصوله ليد الفلاسفة اليونان واشتغالهم عليه وتطويره وحساب وتحديد مسافات أبعاده الصوتية، ليعود بعدها الى الشرق سلماً موسيقياً متكاملاً.

 

وما يدعم الرأي بأن السلم اليوناني متطور عن السلم الأوغاريتي هي التأثيرات الفينيقية والكنعانية والآرامية الواضحة في معالم الحضارة اليونانية، وإستعارة اليونان الكثير من أركان ثقافتهم وحضارتهم منهم، وخاصة أبجدية الكتابة اليونانية.

ﻓﻔﻲ ﺳﻨﺔ 1948 اﻛﺘﺸﻔﺖ اﻟﺒﻌﺜﺔ اﻷﺛﺮﯾﺔ اﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ أقدم نوطة موسيقية في العالم تعود لعام 1400 ق.م، في مدينة أوغاريت التاريخية في موقع رأس شمرا الواقعة على الساحل السوري وإﻟﻰ الشمال من ﻣﺪﯾﻨﺔ اﻟﻼذﻗﯿﺔ ﺑﺤﻮاﻟﻲ 9 ﻛﻢ، وتبين أن هذه النوطة مبنية على السلم الموسيقي السباعي الأبعاد.

 

وﻛﺎﻧﺖ أوﻟﻰ اﻟﺘﻔﺴﯿﺮات ﻧﺘﯿﺠﺔَ ﺑﺤﺚٍ ﻗﺎم ﺑﮫ اﻟﻌﺎﻟﻢ اﻷﺛﺮي اﻟﻔﺮﻧﺴﻲ “ﻋﻤﺎﻧﻮييل ﻻروش” وﻧﺸﺮھﺎ ﺑﺎﻟﻔﺮﻧﺴﯿﺔ ﻓﻲ ﻣﺠﻠﺔ “أوﻏﺎرﺗﯿﻜﺎ” وﻗﺪ ﺟﺎء بنتيجة أن اﻟﺮﻗﯿﻢ الأوغاريتي ﯾﺤﻤﻞ أﻧﺸﻮدةً ﻣﻮﺟﮭﺔ إﻟﻰ إﺣﺪى آﻟﮭﺎت اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ.

إلا أن اﻟﻐﻤﻮض يكتنف ھﺬا “اﻟﺮﻗﯿﻢ اﻷوﻏﺎرﯾﺘﻲ” لأﻧﮫ ﻣﺪون ﺑﻠﻐﺘﯿﻦ وﻟﻐﺎﯾﺘﯿﻦ، اﻟﺠﺰء اﻟﻌﻠﻮي ﻛﺘﺐ ﺑﺎﻟﻠﻐﺔ اﻟﺤﻮرﯾﺔ، وفيه ﻋﺒﺎرات ﺷﻌﺮﯾﺔ رﻗﯿﻘﺔ ﻣﻮﺟﮭﺔ ﻟـ ﻧﯿﻜﺎل زوﺟﺔ إﻟﮫ اﻟﻘﻤﺮ.. أﻣﺎ اﻟﺠﺰء اﻟﺴﻔﻠﻲ ﻣﻦ اﻟﺮﻗﯿﻢ ﻓﻘﺪ اﺳﺘﻐﺮق ﺗﻔﺴﯿﺮُهُ وﻗﺘﺎً أطﻮل، واﺳﺘﻨتِج أﻧﮫ اﻟﻨﻮطﺔ اﻟﻤﻮﺳﯿﻘﯿﺔ ﻟﮭﺬه اﻷﻧﺸﻮدة، وھﺬه اﻟﻨﻮطﺔ ﻣﺪوﻧﺔ ﺑﺎﻟلغة الآﻛﺎدﯾﺔ ذات الكتابة اﻟﻤﻘﻄﻌﯿﺔ (المسمارية) اﻟﺘﻲ ﺳﺎدت ﻓﻲ ﻧﻔﺲ اﻟﻤﻨﻄﻘﺔ ﻓﻲ ذﻟﻚ اﻟﻮﻗﺖ وكانت لغة الشرق الاوسط.

 

وعزف علماء الموسيقا في القرن العشرين هذه المقطوعة الموسيقية عدةِ مراتٍ وبمراحلٍ مختلفة، بعد أن تعمق علماء الآثار والموسيقا في تفسير الرموز الموسيقية الموجودة في الرقيم الأوغاريتي، وفي النص الشعري المكتوب عليه باللغة الحورية (نسبة الى الحوريين الذين حكموا مساحات واسعة من بلاد المشرق لمدة تجاوزت الاربعمائة عام)، وإجراء تعديلات جديدة على التدوين الموسيقي.

وللعلم كانت البعثة الأثرية الفرنسية قد اكتشفت 36 رقيماً تحوي أشعاراً لأغانٍ باللغة الحورية (أي 36 أنشودة)، لكن معظم هذه الرقيمات كانت تالفة ومتآكلة وغير متكاملة سوى الرقيم المصنف (H-6) الذي كان فقط بحالة سليمة، وهو الذي يحوي النص الشعري للأنشودة والنوطة الموسيقية.

 

وأغلب هذه الرقيمات تحوي أسماء شعراء (كتاب) نصوصها الشعرية، ما عدا الرقيم السادس المتكامل والذي ومع كل أسف لا يحوي اسم شاعره.

يعود الفضل في القراءة الجديدة والموضوعية للرقيم السادس للباحث في علوم الآثار وأصول الموسيقا العالم السوري “راوول غريغوري فيتالي” (1927 – 2003) الإيطالي الأصل والسوري المولد في مدينة اللاذقية، صاحب الدراسات العديدة في التاريخ والموسيقا، ومن أهمها: “التناظر الشكلي للأحرف الأوغاريتية”، و “أوغاريت لا كنعانية ولا فينيقية”، و “الرقم عبر التاريخ – اختراع وتطور كتابة الأعداد”، “الكنعانيون”، وغيرها. وقد نشر دراسة قيمة سنة 1979 منشورة في عدة مجلات عالمية مختصة بعلم الموسيقا حول الرقيم الأوغاريتي المصنف تحت اسم (H – 6) الذي يضم أنشودة العبادة الأوغاريتية، ويُعد أقدم تدوين موسيقي في العالم أجمع. حيث قدم فيها قراءة جديدة للتدوين الموسيقي لا تعتمد على فكرة تعدد الأصوات، إنما على ترجمة بعض الرموز المتواجدة في الرقيم الى أزمنة موسيقية، وعلى عدم وجود إشارات تحويل موسيقية ( بيمول و دييز)، وعلى عدم وجود ثلاثة أرباع المسافات الصوتية (ربع الصوت)، ليتم عزفها من جديد على درجة مي ومن مقام الكرد الذي لا يحوي إشارات تحويل من هذه الدرجة، وبشكل مغايير للمرات الثلاث السابقة التي قُرأت وعُزفت، لتصبح المقطوعة متطابقة مع أوزان نصها الأدبي، وليس كما قدمها غيره من الموسيقيين حيث إعتمدوا على فكرة تعدد الأصوات، وكانت قراءة يغلب عليها الرأي الشخصي.

 

ولكن السؤال المهم هو: هل هذا السلم الموسيقي السباعي هو “حوري” لأن لغة الأنشودة “حورية”، أم أنه “أوغاريتي” الإختراع؟

إن مجموعة الرقيمات ال 36 الأوغاريتية المكتوبة باللغة الحورية فتحت أبواباً جديدة للمناقشات والأبحاث حول أصول السلم الموسيقي المستعمل في هذا الرقيم (H-6).

ومن المعروف بأن الحوريين حكموا مساحات واسعة من بلاد المشرق ومنها شمال سوريا، لكن بعد قرون عديدة اختفوا من مسرح الوجود بعد أن ذابوا بغيرهم من الشعوب ومنهم الآراميين. وورث الآراميون بدورهم شيئاً من الحضارة الحورية والكثير من الأماكن والمدن الحورية فطبعوها بطابعهم وأصبحت آرامية مع الزمن.

 

تؤكد الرقيمات المكتشفة في أوغاريت السورية ما للحوريين من مدنية راقية وانتشاراً واسعاً للغتهم الأدبية، بحيث كتبت فيها أشعار لأغاني “موسيقا أوغاريت”، ولكن هذا لا يعني أن المقطوعة الموسيقية الأوغاريتية هي حورية المنشأ، إنما هي أوغاريتية الإختراع رغم لغتها الحورية.

 

إن كون لغة الأنشودة في الرقيم (H-6) باللغة الحورية وكون تدوينها الموسيقي باللغة الآكادية لا يجعلها حورية أو آكادية، بل هي أوغاريتية الإنتاج والهوية والإبداع كما يصرح العلماء.

إن السلم الموسيقي المستعمل في المقطوعة الأوغاريتية هو السلم السباعي المشترك بين شعوب المنطقة كافة ولربما يكون حوري الإختراع أو التطوير، وإلا لما كتبت كل هذه الرُقم باللغة الحورية إن لم يكن السلم الموسيقي حوري المنشأ.

ان أصل السلم الموسيقي السباعي لدى الآراميين واليونانيين هو من الحوريين، وقد عملوا بدورهم على تطويره بما يناسب شخصية موسيقا كل منهما.

فالسلم الموسيقي الآرامي (السرياني) واليوناني جذرهما إذاً واحد، وهو السلم الموسيقي الحوري لأن المنطق وتسلسل التاريخ يقولان هكذا.

وقد ورث الآراميون هذا السلم مباشرة من الحوريين لإحتكاكهم المباشر فيهم، أما اليونان فيبدو انهم أخذوه عن الكنعانيين والفينيقيين بواسطة الأوغاريتيين الذين أخذوه بدورهم من الحوريين.

 

إن هذا الأمر يقلب الطاولة على مفاهيم كثيرة كانت قد خدمت العلم لفترة معينة لكنها شاخت الآن ولم تعد تصمد أمام الدراسات الحديثة.

أما الأفكار غير العلمية المتدالة بين الناس العاديين والتي لا تصمد أمام إثباتات البحوث العلمية واللغوية فليست جديرة بالذكر. ففي عصرنا هذا فإن العلوم تتطور والأفكار تتجدد، وصاحب الإختصاص اليوم لا يتقبل الكلام الإنشائي الذي يدغدغ فقط أحاسيس الإنسان وليس عقله، إنما يبحث عن الحقيقة العلمية، ويتابع الأبحاث العلمية الجديدة ويتبنى نتائجها أكانت لمصلحته أو ضده، لأن الحقيقة العلمية هي فوق كل إعتبار.

 

 

لكم كل المحبة

ويتبع في الجزء الرابع

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الرابع)

السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة (1)

تحت هذا العنوان “السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة” الذي يتكون من جزئين، سأوضح بعض المفاهيم الغامضة في سلالم موسيقا الشعوب القديمة، وسأنقد بعضاً منها خاصة تلك التي لا زالت تستعمل كمسلمات لدى البعض، حيث أخذوها وقبلوها على عللها دون مناقشتها والتأكد من صحتها. فالجزء الأول يتناول السلم الموسيقي لدى السومريين وقيثارتهم الموسيقية، وأما الثاني فيتناول وبإقتضاب السلم الموسيقي لدى اليونان والصينيين والهنود والفرس واليهود وغيرهم.

 

 

1. الموسيقا لدى السومريين:

يقال بأن للسومريين فضل كبير على الموسيقا في إختراعهم بعض الآلات الموسيقية، وعلى التدوين الموسيقي الأول (الذي يعتبر البدايات والمحاولات الأولى في تدوين الألحان الموسيقية على الالواح الطينية بإستعمال رموز من الكتابة المسمارية المقطعية)، وكذلك لإستنباطهم للكثير من الألحان الدينية التي كانت تغنى للآلهة في المعابد وقصور الملوك.

 

في عام 1929 أكتشف عالم الآثار البريطاني السير “لينارد وولي” في مدينة أور جنوب العراق، في قبر الملكة “بو آبي شبعاد 2450 ق.م” الذي يحمل الرقم

“1237”، مجموعة من القيثارات وآلات موسيقية ذات أوتار شبيهة بالربابات، وكانت من بين هذه القيثارات المكتشفة القيثارتان السومريتان المعروفتان باسم “الذهبية” و”الفضية” والتي يعود تاريخهما إلى 2450 سنة قبل الميلاد.

ولا زالت “القيثارة الذهبية” محفوظة في متحف الآثار العراقي قسم السومريات ببغداد، وأما “القيثارة الفضية” فهي محفوظة في المتحف البريطاني بلندن.

وقد تم إصلاح هذه القيثارات وإعادة بناؤها على أيدي علماء آخرين في الغرب، والعزف عليها بعد مرور 4500 سنة على صناعتها، وتوصلوا أيضاً إلى معرفة الأسماء السبعة لأوتارها، وحاولوا إيجاد حلول مناسبة للمسافات الصوتية التي بينها.

 

والقيثارتان “الذهبية” و”الفضية” المتطورتان والمبنيتان من أحد عشر وتراً تدل على ما للسومريين من رقي ومدنية وثقافة فنية موسيقية صناعية بالغة السمو والجمال. وقد ورثت الشعوب، التي أعقبتهم في المنطقة وحلت محلهم بالتتالي، كل حضارتهم وتراثهم الثقافي والموسيقي وآلاتهم الموسيقية وألحانهم وكتابتهم المسمارية.

وللمعرفة هناك قيثارات عادية كثيرة مكتشفة في المقابر غير الملكية، وهي غير القيثارات السابقة، تعتبر أقدم من القيثارتين الذهبية والفضية المذكورتين، فمنها مبنية من أربعة أوتار فقط، ومنها من ثمانية أوتار، ومنها اكتشفت في مراحل متقدمة مبنية من ثلاثة عشر وتراً.

 

أما السلم الموسيقي السومري فيصرح الباحثون بأنه سلم سباعي، ولكن هذا الأمر يحتاج لمزيد من الدراسة والبحث لمعرفة شكل الأبعاد الصوتية لهذا السلم، بسبب وجود إشكاليات عديدة تدل على عدم وجود ثلاثة “أرباع صوت” التي تميّز الموسيقا الشرقية عن غيرها في هذا السلم، وأيضا على إستعمال السومريين للسلم الخماسي.

(هناك من أدعى وكتب بأن القيثارة السومرية مبنية من سبعة أوتار فقط، لكن هذا الإدعاء غير صحيح ويخلق اشكالية حقيقية حول السلم الموسيقي السومري. فإذا كانت القيثارة تحوي على سبعة أوتار فقط، أي من سبع علامات موسيقية ودون وجود وتر ثامن لنحصل على جواب العلامة الأولى، فإنها تحصر فيما بينها ستة أبعاد صوتية فقط، وهذا غير متوافق مع السلم السباعي ذي الأبعاد السبعة. كما أن عدم معرفتنا لمسافة كل بعد من الأبعاد الستة وكيفية ترتيبها، يدخلنا في مشكلة أعمق وأكبر من الاولى).

 

إن بعض البحوث الموسيقية وصلت الى النتيجة القائلة بأن السلم السباعي الأبعاد هو من وضع السومريين إستناداً الى قيثارتهم. لكن هذا ليس دليلاً قاطعاً على إختراعهم لهذا السلم. فهذه الفكرة بحاجة الى براهين أكثر وإثباتات أفضل، خاصة ان أصل السومريين وموطنهم الأول قبل إستقرارهم في جنوب العراق غير معروف.

يقول البعض من الآثاريين والمستشرقين بأن السومريين قدموا إلى العراق من وسط آسيا. فإن صدقت هذه النظرية، فإن النظرية القائلة بأن سلم السومريين كان السلم السباعي تسقط. لأن الشعوب الآسيوية كانت ولا زالت تستعمل السلم الخماسي في موسيقاها، ومعروف بأن السلم الموسيقي الخماسي أقدم من السلم الموسيقي السباعي.

 

لقد ورد في كتاب “تاريخ العود” للباحث الموسيقي العراقي الدكتور صبحي أنور رشيد 1928 – 2010 (وهو عالم في تاريخ الموسيقا وتاريخ الآلات الموسيقية القديمة، وله العديد من الأبحاث العلمية والكتب الموسيقية المهمة منها: “تاريخ الآلات الموسيقية في العراق القديم”، “تاريخ العود”، “مدخل الى تاريخ الغناء”، وغيرها)، حيث يقول: “إن السلم الموسيقي السومري يحتوي على خمسة أصوات كاملة”.

فإذا كانت هذه المعلومة صحيحة فإن السلم الموسيقي السومري كان سلماً خماسياً وليس سباعياً، وهذا يلغي النظرية القائلة بإختراعهم للسلم السباعي. وستكون الموسيقا السومرية حسب هذه النظرية مشابهة للموسيقا الأفريقية أو الصينية أو قريبة منهما وخالية من ثلاثة أرباع الصوت.

 

إن ما ورد لدى البعض عن السلم الصيني الموسيقي بأنه كان سلماً سباعياً إستناداً الى الناي الصيني “تي ذات الثقوب الثلاثة”، ثم تم إستبداله لاحقاً بالسلم الخماسي، هو رأي عار عن الصحة.

فإذا كان الناي الذي له ثقوب خمسة، “وحسب رأي من طرح النظرية السابقة”، لا يستطيع إخراج الأصوات السبعة منه ليعزف به الموسيقا المبنية على السلم الموسيقي السباعي، فكيف سيستطيع ناي ذات ثقوب ثلاثة بإخراج الأصوات السبعة للسلم الموسيقي السباعي.

إن الأقرب للمنطق بأن ناي “تي” صنع بثقوبه الثلاثة لأجل عزف السلم الموسيقي الخماسي وليس السباعي، ليستعمل في الموسيقا الصينية القائمة أساساً على السلم الموسيقي الخماسي.

وإذا كان قد تم إكتشاف ناي سومر “تي – كي” بثلاثة ثقوب مشابه للناي الصيني “تي” فهذا دليل آخر على إستعمال السومريين للسلم الموسيقي الخماسي، بل قد يثبت النظرية القائلة بأن السومريين قد قدموا من وسط آسيا ليستوطنوا في جنوب العراق حاملين معهم موسيقاهم ذات السلم الخماسي وآلاتهم الموسيقية البدائية.

 

أما الإثبات الآخر الذي يدعم نظرية إستعمال السومريين للسلم الخماسي، هو مكان إستيطانهم في جنوب العراق، أي بجوار الخليج (الفارسي/العربي) على حدود الصحراء العربية التي كانت تتميز “بأفريقية غنائها وإيقاعاتها وإستعمالها للسلم الخماسي”.

فالسومريين إن تأثروا بنوع الموسيقا الصحراوية الأفريقية فهذا يأخذنا الى استعمالهم للسلم الموسيقي الخماسي.

ورغم إستعمال أهل الصحراء العربية والخليج في هذه الأيام للسلم السباعي، لكن القفزات الصوتية ذات البعدين الكاملين في غنائهم التراثي، وتأثرهم الكبير بالغناء الأفريقي والإيقاعات الصحراوية، ليست سوى دليل واضح على جذور موسيقاهم القديمة أنها كانت مبنية على السلم الخماسي. فلا يستبعد أبداً إستعمال السومريين للسلم الخماسي نسبة لموطنهم المطل على الصحراء العربية.

 

وأما ما يدعم نظرية إستعمال السومريين السلم الموسيقي السباعي الأبعاد، هو إستعمال الكلدان في بابل لهذا السلم. فربما وصل هذا السلم للكلدان من بقايا السومريين أو الآكاديين، وهذه مشكلة حقيقية أخرى للفارق الزمني الكبير بين السومريين/الآكاديين والكلدانيين.

إن التوراة تفيدنا بشكل غير مباشر على أن الكلدانيين استعملوا السلم الموسيقي السباعي لأن ما وصل إلينا من ألحان اليهود، مبنية على السلم السباعي. وتقول التوراة “نزح ابراهيم من أور الكلدانيين”، وتقول عنه: “آراميا تائها كان أبي”. والكلدان هم من الآراميين، والآراميون استعملوا واستمروا بإستعمال السلم السباعي لغاية اليوم، وهذا واضح في ألحان الكنيسة السريانية بشقيها الشرقي والغربي، مما يؤكد إنتشار السلم السباعي في العراق قديماً.

 

أما الدليل على إنتشار السلم السباعي بين شعوب العراق القديمة، هو أصل ابراهيم الخليل (الآرامي) الساكن أور الكلدانيين في جنوب العراق، فلقد كان يستعمل السلم السباعي في موسيقاه مثلما استعمله قومه قبل رحيله الى مملكة حران الآرامية التي كانت تستعمل السلم الموسيقي السباعي أيضاً، ثم انتقاله من حران الى أرض كنعان التي كانت شعوبها تستعمل أيضاً السلم السباعي في موسيقاها، ولاحقا جاءت الألحان اليهودية مبنية على السلم الموسيقي السباعي إستمرارية لما حمله معه ابراهيم الخليل من تراث غنائي آرامي مبني على السلم الموسيقي السباعي.

 

إذاً، إن إستمرار اليهود في إستعمال السلم الموسيقي السباعي منذ ابراهيم الخليل ليومنا هذا هو خير دليل على إستعمال شعوب العراق القديمة المندثرة السلم الموسيقي السباعي. إن جد اليهود ابراهيم الخليل استعمل السلم السباعي في غنائه جرياً على عادة آبائه الكلدان الآراميين، وكان الكلدانيون قد ورثوه عن تلك الشعوب القديمة. ولكن لا نعلم بالتحديد تاريخ وزمن استعمال شعوب العراق القديمة للسلم السباعي، سوى أنه قديم جدا وتجاوز بضعة آلاف من السنين.

 

حسب أعتقادي بأن السومريين كانوا في البداية يستعملون السلم الموسيقي الخماسي حيث حملوه معهم عند قدومهم من قلب آسيا الى جنوب العراق، ولكنهم عملوا على الإشتغال عليه وتطويره إلى السلم السباعي لاحقاً، أو ربما استعاروا السلم السباعي من الشعوب السامية المجاورة لهم، لوجود دلالات واضحة على إستعمالهم للسلمين الموسيقيين الخماسي والسباعي.

 

 

2. السلم الشرقي في الموسيقا القديمة:

عندما عزفت الموسيقتان المكتشفتان: السومرية والأوغاريتية من قبل علماء الغرب، كانت المقطوعتان الموسيقيتان خاليتين تماماً من ثلاثة أرباع الصوت (ربع الصوت) المستعملة في الموسيقا الشرقية بكثرة. فأدعى البعض بأن علماء الغرب أخطأوا في عزف هذه المقطوعة وأهملوا ربع الصوت، لأنهم لا يعرفون ثلاثة أرباع الصوت الموجودة في الموسيقا الشرقية، لكن هذا إدعاء غير صحيح مطلقاً، لأن علماء الغرب يعرفون أدق التفاصيل عن علوم الموسيقا والآثار، ونسي هؤلاء بأنهم علماء كبار استطاعوا أن يفكوا أكبر الألغاز التاريخية ومنها الرموز الموسيقية الموجودة على الألواح الطينية، فكيف لا يعرفون ما هي ثلاثة أرباع الصوت التي تستعمل في الموسيقا الشرقية، وتاريخهم يشهد بأنهم استعملوا سابقاً أرباع الصوت في موسيقاهم ثم تم إلغاؤها قبل عدة قرون فقط. بل أن هؤلاء المدعون لم يطلعوا على ما قام به بعض العلماء المشرقيين من تجارب رائدة في هذا المجال حيثوا صاغوا سلالم هذه المقطوعات بأبعاد صوتية خالية من ثلاثة أرباع المسافات الصوتية، وكنت قد أشرت لهذا الأمر في تجربة العالم السوري راوول فيتالي واعتماده “سلم مقام الكرد من درجة مي” الخالي من علامات التحويل الموسيقية الى النصف ومن أرباع الصوت، لعزف الموسيقا المكتشفة في مدينة أوغاريت لإيمانه بأن الموسيقا القديمة الأوغاريتية والآكادية خالية من ثلاثة أرباع الصوت.

 

يقول علماء الدراسات الموسيقية بأن موسيقا الشعوب القديمة لا تحوي ثلاثة أرباع الصوت، إنما كانت تعتمد على أبعاد كاملة، أو أنصافها. وأكد هذا الأمر أيضا الباحث العراقي صبحي أنور رشيد بقوله بأن السلم الموسيقي السومري مبني من خمسة أصوات كاملة، أي خال من ثلاثة أرباع الصوت المتواجدة في الموسيقا الشرقية.

 

 

تجربة عزف على القيثارة السومرية:

ننقل الحدث التالي بتصرف حول العزف على القيثارة السومرية لتبيان مقدرتها على مرافقتها للآلات الموسيقية الأخرى أي للاوركيسترا في الحفلات العامة.

 

في بداية الثمانينيات من القرن المنصرم وفي ندوة موسيقية أقيمت فى أحد أجنحة متحف الآثار العراقية فى بغداد، قدم فيها الأستاذ “سالم حسين” وهو واحد من الموسيقيين العراقيين والعرب الرواد، وملحن وعازف قدير على آلة القانون وكان أستاذاً فى معهد الفنون الجميلة في بغداد، وله كتب مهمة فى تاريخ الموسيقا العراقية وسلالمها وكتاب عن آلة القانون، قدم بحثاً موسيقياً وتجارب عزف على نسخة شبيهة مصنوعة على غرار آلة القيثارة السومرية، وبمرافقة فرقة موسيقية مكونة من طلاب وأساتذة المعهد.

وكان من بين الحضور الأستاذ عبد الرحمن جبقجي الباحث الموسيقي السوري المعروف، والأكاديمي العراقي الدكتور طارق حسون فريد، اللذان قدما مداخلات مهمة مع بعض الموسيقيين بخصوص القضايا التكنيكية التي تتعلق في العزف على آلة القيثارة السومرية وإليكم مختصراً لها :

 

1- إن القيثارة لا يمكن سماع صوتها إذا عزف عليها بالأصابع المجردة أو بإستخدام ريشة القانون كما فعل الأستاذ محاضر الندوة، لكن عند استخدام مضرب (مثل مضرب السنطور) تمكن الجميع من سماع صوتها بوضوح.

2- إن القيثارة عاجزة تماماً على الإستمرار في العزف مع الفرقة الموسيقية الشرقية التي تتسم بكثرة إنتقالاتها النغمية، لعدم وجود “عُرَب أو عَرَبات” (التي هي جزء من الآلة تستعمل لتحويل قيمة البعد الصوتي، لرفعه أو خفضه) في القيثارة، كعُرَب آلة القانون، فكانت الفرقة تتوقف مع كل تغيير في النغم ليتسنى لعازف القيثارة تسوية أوتارها على وفق النغم الجديد، وهذا لا يمكن من الناحية العملية والموسيقية كما حدث أثناء الندوة.

ويحق التساؤل كيف كان الفنان العراقي القديم يقدم فعالياته الموسيغنائية اثناء مشاركة القيثارة في العزف.

 

ويبدو أن هذه المشكلة لم تكن وليدة اليوم بل هي موجودة منذ القدم، وربما منذ صناعة القيثارة، ففي العراق أكتشف لوح طيني بالخط المسماري فيه تعليمات مهمة عن كيفية الغناء بمصاحبة القيثارة، حيث وضع المدون جدولاً ذكر فيه التغيرات الواجب إجرائها على أوتار القيثارة للحصول على أي نغم أو مقام مطلوب.

وهذه الإشكالية تفتح أبواب تساؤلات جمة حول ما قيل ويقال الكثير عن القيثارة السومرية أو مجموعة الآلات الموسيقية المكتشفة عند الأقوام القديمة في العراق.

 

شكرا للمتابعة

ويتبع في الجزء الخامس

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الخامس)

السلم الموسيقي لدى الشعوب القديمة (2)

3. الموسيقا لدى اليونان والرومان:

 

إن التراث الموسيقي اليوناني غني جداً ويستحق الإحترام لأنه ثروة استفادت منها أمم عديدة، ونبع أرتوت منه الشعوب القديمة.

 

وكما ذكرتُ في الجزء الثالث من بحثنا بأن اليونانين أخذوا عن الأوغاريتيين السلم الموسيقي السباعي واستعملوه قروناً كثيرة. ثم ظهر الفيلسوف والموسيقار اليوناني “لاسوس” (من القرن السادس ق.م)، صاحب الفضل الكبير في إكتشاف أصوات “السلم الموسيقي السباعي اليوناني”، وكذلك العالم اليوناني الشهير فيثاغوراس دي ساموس (المولود في ساموس 580-500 ق.م) الذي وضع الأبعاد الصوتية الدقيقة والصحيحة للسلم السباعي فسمي بإسمه أي “السلم الفيثاغوري”. وبعد جهود وتجارب موسيقية طويلة استطاع هذا العالم الجليل والموسيقي البارع، فيثاغوراس، أن يضبط الأبعاد الصوتية للسلم الموسيقي السباعي بدقة متناهية، وأوجد فيه القاعدة الأساسية في إستخراج الأصوات الموسيقية السبعة، وبناه على أساس أطوال الأوتار وعلى حساب الخماسيات المتتالية.

ثم توالى بعض الفلاسفة والموسيقيين اليونانيين الآخرين الذين عملوا على تطويره وإستخراج النغمات منه وكان منهم “ارستكسينوس” (350 ق.م) صاحب كتاب “علم الاصوات” وكتاب “علم النغم” وكتاب “الموازين الموسيقية”، و الرياضي الموسيقار “إقليدس” (300 ق.م) صاحب كتاب “النسبة الرياضية”.

 

وكان سلم فيثاغوراس هو الأساس الذي أعتُمِدَ عليه لاحقاً من قبل علماء الموسيقا في إستخراج وحساب الأبعاد الصوتية للسلالم الشرقية والغربية، وهذا ما أكده كبار علماء الموسيقا في الشرق والغرب.

 

وللأمة اليونانية الفضل الكبير على موسيقات العالم أجمع بما ابتكرته من أنظمة وقواعد كالتدوين الموسيقي القديم ومن إشارات ورموز وإصطلاحات لإكمال صحة التدوين وللتعبير عن جميع الحركات الموسيقية.

 

وأما الموسيقا عند الرومان فقد إرتكزت على الموسيقا اليونانية، وتطورت كثيراً على أيدي علمائهم، وازدهرت كثيراً وفاقت موسيقا اليونان وغيرهم بفضل العالم والموسيقار “بوتيوس” (سنة 475 م) والموسيقار “كاسيدوروس” (585 م) الذي ألف دائرة المعارف الموسيقية في ذاك العصر.

 

والموسيقا الرومانية (اللاتينية والبيزنطية) هي أساس الموسيقا الاوروبية اليوم، والتي تعتبر أرقى وأقوى موسيقات العالم قاطبة. وقد أبدع الموسيقيون الاوروبيون في ألحانهم وتآليفهم الموسيقية ووصلوا إلى حد العبقرية، ولحنوا للكنيسة ألحاناً عظيمة فأغنوها موسيقياً. وجاءت ألحان تراتيلهم سماوية شجية معبرة تنقلك الى عالم الروحانيات اللامحدود بالاضافة إلى ما تتضمنه من صنعة موسيقية عظيمة. وأسسوا أنواع المدارس الموسيقية الغربية كالكلاسيكية والرومانسية والتأثيرية وغيرها، التي تتالت وتعاقبت على أثر تطور الفكر الغربي.

 

أما تسميات العلامات الموسيقية للسلم الموسيقي السباعي الحالي: “دو، ري، مي، فا، صول، لا، سي”. قد وضعها الراهب الايطالي كويدو الارتيزي في القرن الحادي عشر الميلادي.

 

 

4. الموسيقا عند الصينيين:

إن الصينيين هم من أعرق الأمم، ويقال بأنهم من أعرقها في الموسيقا أيضاً. والموسيقا الصينية قائمة على السلم الخماسي. ويعود للصينين الفضل في مجال النظريات الموسيقية إختراع قاعدة دائرتي الخامسات والرابعات الموسيقيتين، التي أعجب بها وبنظامها العجيب الفيلسوف الكبير والموسيقي العظيم الفارابي (874-950)م، وهو تركي الأصل وكان تلميذ السريان في الفلسفة، حيث أستخرج بواسطتها ما يزيد عن ألف وأربعمائة نغمة.

ولا صحة للقول بأن موسيقا الصينيين كانت مبنية على السلم الموسيقي السباعي ثم استبدلوها بالسلم الخماسي كما أوضحت سابقاً في الجزء الرابع من مقالنا.

 

5. الموسيقا عند الهنود:

كل الشعوب القديمة على إختلاف ثقافاتها وأديانها مجدت الموسيقا، وكان الهنود ولا زالوا أكثر الأمم تمجيداً وتقديساً لها، ويعتبرونها فن سماوي لما يحتوي من رقة وسمو وجمال وقداسة.

قيل بأن الشعوب الهندية القديمة استعملت السلم الموسيقي الخماسي، لكن الإثباتات ضعيفة لإثبات صحة هذا القول، لأن الموسيقا التي أستمرت وتواصلت عبر قرون طويلة ولغاية اليوم في الهند، تؤكد بأنهم أستعملوا السلم الموسيقي السباعي، والتأثير الكبير الذي تركته الموسيقا الهندية على موسيقا الفرس الذين يستعملون بدورهم السلم الموسيقي السباعي، هو أكبر إثبات بأن الشعوب الهندية أستعملت السلم السباعي منذ أقدم العصور، ولا ننسى بأن موسيقا الباكستان وبنغلاديش المنفصلتين عن الهند حديثاً ترتكز موسيقاها أيضاً على السلم السباعي.

كما أن الشعوب المجاورة للهند أستفادت كثيراً من الموسيقا الهندية، مثل التبت والشعوب التركية والمغولية، والفارسية، والأفغانية والكردية. وكذلك أثرت الموسيقا الهندية تأثيراً واضحاً على موسيقا وغناء وإيقاعات الشعوب العربية مثل الخليج واليمن في الازمنة المتأخرة، وعلى موسيقا العراق حديثاً.

 

 

6. الموسيقا عند الفرس وتأثيرها على الشعوب العربية والتركية:

أدرك الفرس مثل بقية الشعوب سمو وقوة الموسيقا في الوصول بالأرواح الى الخالد الأزلي، لهذا قدسوا الموسيقا ومجدوها وعرفوا فائدتها وقوتها السحرية على النفس والروح فأدخلوها في معابدهم وشؤونهم الدينية. قال هيرودوتس (حوالي 484 – 425 ق.م): “كانت الموسيقا الفارسية من أرقى الموسيقات وأحلاها نغماً وأشوقها سمعاً”.

إن الفرس اتقنوا صناعة الموسيقا وسبقوا الكثير من الأمم في وضع القواعد والإصطلاحات الموسيقية، وساعدهم على ذلك رقيهم ورفاهية شعبهم وشغفهم بالفنون وحكمة مفكريهم. وكان أوج الموسيقا عند الفرس في عهد داريوس (القرن الرابع ق.م)، ولا ينكر الفرس مطلقاً بأنهم استفادوا موسيقياً من موسيقا الهند والشعوب المجاورة لهم.

 

وأما السلم الموسيقي الفارسي هو سلم شرقي متين ومنظم تنظيم دقيق، وأستعمله العرب والترك ولا زالوا يستعملوه. وأبتكر الفرس أكثر من 360 نغمة موسيقية سميت بالمقامات، ودخلت هذه المقامات مع جميع مصطلحاتهم الموسيقية الايرانية إلى الشعوب العربية والتركية وهي مستعملة حتى اليوم وبأسمائها الفارسية، كما اوردتُ، في الجزء الثاني من مقالنا بعضاً من أسماء المقامات الموسيقية التي لا زالت مستعملة بأسمائها الفارسية البحتة ومنها: راست، سيكاه، شاهناز، نهوند، بسته نكار، بنجكاه، الخ.

وكذلك أسماء درجات السلم الموسيقي الفارسي التي لا زالت مستعملة عند العرب والترك مثل: “يكاه، دوكاه، سيكاه، جهاركاه، بنجكاه، شيشكاه، وهفتكاه، حشتكاه”، ومعناها: “الصوت الأول، الصوت الثاني، الصوت الثالث، الصوت الرابع، الخامس، السادس، السابع ، الثامن”. لكن تغيرت بعض أسماء الدرجات عند العرب مثل: الدرجة بنجكاه أصبحت نوى، وشيشكاه أصبحت حسيني، وهفتكاه أصبحت أوج.

 

وما نسمعه اليوم من موسيقا قديمة في العراق التي تسمى “بالمقامات العراقية”، ليست إلا مقامات فارسية الأصل حتى أنها تغنى بلكنة موسيقية فارسية واضحة المعالم، أي أن العراقيين يغنون موسيقا فارسية ولكن بلغة عربية (أحياناً ممزوجة بمفردات دخيلة فارسية وتركية). وهذا التأثير الفارسي الواضح المعالم في الموسيقا والغناء العراقي ناتج عن سيطرة الفرس على العراق الحالي مدة تجاوزت أكثر من 1000 عام، منذ قضائهم على الدولة البابلية حتى خروجهم منه على يد العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي باستثناء بعض المراحل، لكنهم عادوا إليه مجدداً كمسلمين ليسيطروا عليه ثانية ويحكموه مئات من السنين الأخرى لكن هذه المرة بإسم “الدين الاسلامي”، حيث أن معظم مظاهر الفكر الإسلامي ومذاهبه الدينية قامت على أكتاف المفكرين الفرس الذين كتبوا معظم مؤلفاتهم باللغة العربية، لأنها لغة الإسلام.

 

إن هذا الأمر يسقط كل الإدعاءات التي تقول بأن موسيقا العراق الحديثة هي إمتداد للموسيقا السومرية والآكادية والآشورية. فالتأثيرات الفارسية الواضحة المعالم في الموسيقا العراقية ليست فقط في المقامات الموسيقية العراقية فقط إنما في التواشيح العراقية الإسلامية وخاصة الشيعية منها، رغم وجود موسيقا بدوية تنتمي للصحراء والبدواة وهي ناتجة عن هجوم وغزو الموجات البدوية للعراق بين وقت وآخر لتستقر فيه وتفرض بداوتها وغنائها الصحراوي على الحضارة والمدنية العراقية، كما يؤكد ذلك العالم الإجتماعي العراقي الدكتور “علي الوردي” في كتابه “مهزلة العقل البشري”.

 

وهناك تأثيرات فارسية أخرى على العراق ليس فقط في الموسيقا، إنما في بعض مظاهر الحياة فيه كبعض العادات والتقاليد، والكثير من المأكولات التي لا وجود لها في البلاد العربية الأخرى، لكنها مشهورة في بلاد الفرس.

فلا يستطيع العرب والترك ومهما حاولوا التهرب من الحقيقة وتعريب وتتريك الموسيقا ومصطلحاتها، نكران فضل الفرس في الثقافة الموسيقية عليهما.

 

 

7. الموسيقا لدى المصريين القدماء ( الفراعنة):

لقد أورد مؤرخو اليونان وفلاسفتهم القدماء، أثناء بحثهم في مدنية وحضارة وادي النيل، أن موسيقا المصريين وآلاتهم الموسيقية كانت أرقى وأقدم موسيقا في العالم، وأستعملوها في عباداتهم وتقديسهم القرابين، وفي الولادات والأعراس والحفلات العامة والخاصة، وكذلك في الجنائز والحروب وفي بذار الأرض والحصاد.

 

كان السلم الموسيقي لدى الفراعنة خماسياً، لكن عند دخول الهكسوس الساميين (قدموا من سوريا) أرض مصر (1789-1684ق.م) أدخلوا معهم السلم الموسيقي السباعي المتطور والمستعمل لاحقاً عند الآراميين في سوريا، وحل هذا السلم الحديث محل السلم الخماسي القديم في مصر، فعمل عليه الفراعنة وربطوا هذا السلم بالكواكب السيارة وبساعات الليل والنهار، فجاءت ألحانهم رائعة عذبة معبرة، حتى أن افلاطون أعتبرها أرقى الموسيقات، وأقترح أن تكون هذه الموسيقا لجمهوريته الفاضلة.

 

 

8. الموسيقا لدى اليهود:

إن التراث الموسيقي الديني عند اليهود قديم جداً، وما تركته التوراة لنا من معلومات حول الغناء الديني هو أكبر دليل على إستعمالهم للسلم السباعي إسوة ببقية شعوب المشرق.

إن الإدعاءات حول تعلم اليهود الموسيقا أو تبنيهم السلم الموسيقي السباعي في بابل أثناء سبيهم على يد الملك نبوخذنصر، هي مجرد كلام بدون إثبات لا يؤخذ به، وتحتاج هذه الإدعاءات الى إثباتات حقيقية وبراهين علمية لنؤمن بها.

وكما أوضحتُ سابقاً (في الجزء الثالث من مقالنا) فإن اليهود استمروا في إستعمال السلم الموسيقي السباعي منذ هجرة ابراهيم الخليل من أور الكلدانيين في جنوب العراق إلى حران ثم إلى أرض كنعان في فلسطين وإلى مصر وعودتهم منها مروراً بمجئ السيد المسيح ولغاية اليوم، فما قيمة الإدعاءات السابقة إذاً.

 

إن نظرة قصيرة الى أسفار ما قبل السبي البابلي ستعطينا درساً حول هذه الحقيقة.

فهل كان داؤود النبي ومزاميره قبل السبي أم بعده؟

أم كان نشيد الإنشاد قد استورد مع الملك سليمان من بابل؟

وهل كانت الأمثال، ومراثي إرميا، وطلبة إشعيا قبل أم بعد السبي؟

ماذا كان نوع السلم الموسيقي الذي يستعمله اليهود في موسيقاهم قبل السبي البابلي بألف عام مثلاً؟

أسئلة مطروحة تحاكي العقل أتركها للقارئ الكريم للوصول إلى الحقيقة.

 

إن الموسيقا لدى اليهود تعتبر من أعرق وأقدم موسيقات العالم التي لا زالت مستمرة ومستعملة لغاية اليوم، وتعتبر أيضاً من أغنى موسيقات العالم الدينية حيث تجاوز عدد أناشيدهم الدينية التسعة آلاف لحن، ورغم النكبات والكوارث الإنسانية التي لحقت بهم خلال التاريخ لكنهم حافظوا على قسم لا بأس به من هذه الألحان وعلى شرقيتها.

إن السؤال المطروح بإستمرار عن شكل الموسيقا اليهودية والسلالم التي استعملوها قبل ذهابهم وأثناء وجودهم ثم عودتهم من مصر الفرعونية، وإعتبارها إشكالية لم تحل بعد، وعدم وجود إثباتات توضحها، فالمنطق يقول هنا:

إن ابراهيم الخليل الأب الكبير لليهود من جنس الآراميين (أبن الآراميين التائه) والنازح من أور الكلدانيين في جنوب العراق الى أرض الميعاد أرض كنعان حسب رواية التوراة، كان يستعمل السلم السباعي في موسيقاه قبل سكنه أرض كنعان.

 

ولا بد أن يكون تراثه الموسيقي والألحان التي حملها معه (التي هي جزء من تكوين شخصية الإنسان في موطنه) مبنية على السلم السباعي الأبعاد، ومتوافقة مع موسيقا الكنعانيين في إستعمالهم لنفس السلم. وعند هجرة اليهود إلى مصر التي دامت حوالي 400 سنة استمروا في إستعمالهم للسلم السباعي لأنه كان مستعملاً في أرض مصر أيضاً التي تبدل سلمها الموسيقي من الخماسي إلى السباعي عند إحتلال الهكسوس لها، أي قبل قدوم اليهود إلى مصر بخمسمائة عام تقريباً. فلا شك بأن اليهود أثناء عودتهم من أرض مصر أستمروا في إستعمالهم السلم الموسيقي السباعي، حاملين معهم ألحاناُ جديدة ومتطورة، ومستفيدين من الحضارة الفرعونية العظيمة ومن موسيقاها ومن آلاتها الموسيقية العديدة والمتطورة.

 

إن زيارة سريعة لكنيست اليهود في أوروبا أو أمريكا ستصدمنا بالحقيقة الصارخة، لأننا سنسمع ألحاناً شرقية حملوها معهم من شقوق التاريخ القديم، وهذا دليل كبير على محافظة اليهود على قدم وشرقية ألحانهم حتى في الغرب.

 

إن مدة ألفي سنة في إستمرارية اليهود في إستعمالهم الألحان الشرقية لغاية اليوم في الغرب أمر في بالغ الأهمية ينفي إدعاءات من يقول بأن اليهود لم يستعملوا السلم السباعي في موسيقاهم بل تعلموا هذا السلم في بابل. أي أن اليهود كانوا يستعملون سلم موسيقي آخر غير السلم السباعي.

 

وكذلك ينفي الإدعاءات القائلة بأن اليهود كانوا قد نسيوا موسيقاهم خلال فترة السبي البابلي وتعلموا موسيقا أهل بابل واستفادوا منها كثيراً ونقلوها معهم في عودتهم إلى اورشليم.

بالحقيقة لم يوضح لنا هؤلاء من أهل هذا الإدعاء كيف كانت شكل الموسيقا اليهودية قبل السبي البابلي، وعلى أي سلم كانت ألحانها مبنية، ولم يثبتوا لنا بالمصادر ما الذي نقله اليهود من موسيقا البابليين إلى بلادهم.

 

 

شكرا للمتابعة

ويتبع في الجزء السادس

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء السابع)

تكوين نظام الألحان الثمان

Octoechos

طبيعة وصفة النغمات

 

قبل أن أدخل إلى موضوع نظام النغمات الثمان لا بد أن أتطرق لعناصر تكوين النغمات وطبيعتها لإزالة النظرة الضبابية التي تشكلت حول نوعية النغمة الكنسية ودلالاتها وعلاقتها بالنصوص الدينية، ولفهم توزيعها على المناسبات الدينية الموضوعة في السنة الطقسية.

 

تكوين النغمات الموسيقية:

إن النغمات التي وضعت كركيزة أساسية لتشتق منها الألحان الكنسية، كما يخبرنا العلامة السرياني الفيلسوف ابن العبري (1226-1286)، جاءت مبنية على عناصر الطبيعة الأربعة: الماء والهواء والتراب والنار، وعلى أخلاط الإنسان الثلاثة والتي هي: الدم، البلغم والمرارة. وإن الآباء الموسيقيين الأولين ابتكروا أنغاماً طبيعتها مبنية على أركان معينة مشتقة من عناصر الطبيعة وصفاتها مبنية على مشاعر وأحاسيس معينة مشتقة من أخلاط الإنسان، ومن مزج أركان عناصر الطبيعة مع مشاعر وأحاسيس الإنسان تم إستخراج طبيعة الأنغام وصفاتها الإنسانية، لتكون متناسبة لمعاني النصوص الدينية ومناسباتها.

فأما أركان عناصر الطبيعة هي: الحرارة، البرودة، الرطوبة، اليبوسة (الجفاف)

وأما صفات مشاعر وأحاسيس الإنسان فهي: البهجة، الحزن، الغبطة والسرور، العذوبة، الألم، المشاعر الملتهبة، المشاعر الباردة، العنيفة، اللهفة، الشوق، الحنين، القسوة، النعومة، وغيرها كثيراً.

 

يمكن أن تتكوّن النغمات من ثلاث درجات موسيقية أو أربع أو أكثر بقليل، حينها تكون سلالمها الموسيقية من أنصاف السلالم الموسيقية ذات الأبعاد الصوتية السباعية أي أجناس كاملة، أو أكثر بقليل أي عقود، أو أقل أي أجناس ناقصة أو صغيرة . والألحان الكنسية السريانية بكليتها تتميّز بشكل عام بهذه الخاصية.

وللتحقيق من صحة القول مراجعة كتاب الصلوات اليومية أي الإشحيم أو كتاب البيث كاز أي مخزن الألحان.

وأما النغمات الموسيقية التي تتكوّن من ديوان كامل أي اوكتاف كامل أو حتى أكثر، فسلالمها الموسيقية هي سلالم كاملة من ذات الأبعاد الصوتية السباعية فتسمّى حينئذ بالمقامات الموسيقية. والألحان الفارسية القديمة مع إمتداداتها الحاضرة، وألحان الكنيسة البيزنطية الشرقية تتميّز بهذه الخاصية، ولنا شروحات صغيرة لها في الأجزاء المقبلة من مقالنا.

 

 

نظام النغمات الموسيقية عند السريان وجيرانهم اليونان والفرس

لمعرفة الإختلافات والفروقات بين أنظمة النغمات الشرقية وللمقارنة بينها لا بد من أن نتطرق لموسيقا شعوب مجاورة لنا ومؤثرة في موسيقانا خلال مراحل زمنية معينة، مثل الفرس واليونان لتداخل الموضوع معهم.

 

نظام النغمات الإثني عشري لدى الفرس:

ابتكر الفرس إثنتي عشرة نغمة أساسية (مقام) كوّنوها من عناصر الطبيعة الأربعة وأخلاط الإنسان الثلاثة أي: “4×3 = 12″، وطوروا سلالمها الموسيقية بما يناسب طبيعتهم وحضارتهم وموروثاتهم الثقافية والموسيقية، ونقلوها لأمم أخرى مجاورة لهم أثروا فيها أو حكموها وفرضوا عليها ثقافتهم، ورغم أن الفرس لا يستعملونها اليوم كنظام موسيقي صارم للموسيقا الأيرانية لأنهم اشتقوا منه ما احتاجوه من مقامات كثيرة خدمة وتطويراً لموسيقاهم، إلا أننا نراه محافظاً عليه وبكل تفاصيله الموسيقية عند الشعب الإيغوري التركي في الصين، الذي لا يزال يستعمل حتى يومنا هذا النظام النغمي المسمّى لديهم “بنظام المقامات الإثني عشر” الشرقية، والتي هي مبنية على السلم الموسيقي السباعي وليس على السلم الخماسي الصيني كما يعتقد البعض، لأنه إنتقل اليهم من بلاد فارس في المراحل الإسلامية المتقدمة وحافظوا عليه وليس العكس، ويستعمل لديهم هذا النظام في كافة الأمور الحياتية وخاصة في قصص بطولاتهم التراثية وتواشيحهم الإسلامية وأعيادهم الدينية.

 

عندما استقر الاتراك في تركيا وإحتلالهم مناطق واسعة من الشرق والاناضول، كانوا يحملون معهم نظام المقامات الإثني عشر الموسيقي وكانوا يستعملوه في كل تفاصيل حياتهم، لكنهم تخلوا عنه سريعاً لمصلحة المقامات الموسيقية الكثيرة والمتطورة التي سمعوها في مناطق أحتلالاتهم للشعوب الأخرى فأخذوها عنها وجعلوها موسيقاهم التي يعتزون بها كثيراً اليوم، مثل الشعب الفارسي واليوناني والأرمني والسرياني والعربي والقوقازي.

وما نسمعه اليوم من موسيقا تركية قديمة المسمّاة (تورك سانات موسيك)، ليست إلا موسيقا مستوحاة من الموسيقا البيزنطية القديمة وإمتدادات لها، من حيث تكوينها اللحني وآدائها الغنائي.

 

عمل الموسيقيون والمفكرون وفلاسفة الفرس على إشتقاق نغمات كثيرة جداً وجميلة ورائعة تسلب الألباب وتسحر العقول من نظامهم الموسيقي “نظام النغمات الإثني عشري”، فأبدعوا في إشتقاقاتهم هذه، وتسمت هذه النغمات بالمقامات الشرقية، وتجاوز عددها المئات، وأصبحت الركيزة الأساسية التي بُنيَت عليها الموسيقا الفارسية. وأنتقلت هذه المقامات الموسيقية لاحقاً مع مسمياتها الفارسية الى باقي الشعوب الفارسية والشعوب العربية عن طريق العراق والى الشعوب التركية مثل الشعب التركي والأذري والتركماني والطاجيكي وغيرهم.

وقد تبنّاها العرب والأتراك وغيرهم من شعوب المنطقة بكل تفاصيلها الدقيقة، وجعلوها كما الفرس الركيزة الأساسية التي انطلقت منها ألحان موسيقاهم، بعد أن اشتغلوا عليها كثيراً وطورها وأضافوا إليها بما يناسب ويتناسب لطبيعتهم وحضاراتهم وثقافاتهم ولغاتهم.

 

 

نظام النغمات الثمان Octoechos الكنسي:

لقد أهمل الملحنون الكنسيون من السريان الغربيين واليونان النغمات المتطرفة في العنف المتواجدة في نظام النغمات الإثني عشري، واعتبروا الألحان المشتقة من هذه النغمات وقحة وصفيقة وغير مستقيمة أخلاقياّ، حسب رأي ابن العبري في كتابه “الإيثيقون”، أي أنهم أهملوا النغمات التي تنتج ألحاناً جسدية مائعة والتي تخاطب إحتياجات الجسد وتستعمل لإثارة غرائزه، فتم إستبعادها لأنها لا توافق فكر وطهارة الكنيسة. وأعتمدوا فقط على “ثمان نغمات” أساسية يمكن أن يشتق منها ألحاناً لا تثير الغرائز الجسدية. وخلقوا من هذه النغمات نظاماً جديداً سماه السريان نظام “إكاديس” (وهي لفظة يونانية تعني النغمة أو اللحن)، وسماه اليونانيون “أوكتوإيكوس” أي نظام النغمات الثمانية (ظن بعض الجهلاء من شعبنا ان اللفظة إكاديس تعني أكاد).

 

وكان نظام النغمات الثمان هو الركيزة الأساسية لإنطلاق ألحانهما، فاشتقوا من نغماته ألحاناً كثيرة جميلة جداً معبرة عن ثقافتهما ولغتهما وكل حضارتهما .

وتم إختيار كل نغمة موسيقية حسب نوع طبيعتها وصفاتها لتكون مناسبة ومتطابقة مع معاني النص الديني وللموضوع الذي يعالجه أو للمناسبة التي يتناولها هذا النص، وكذلك للهدف الديني الذي من أجله كتب. وصنفت الألحان المشتقة منها لاحقاً تحت مسميات معينة ونظموها ضمن مجموعات أناشيد مختلفة، وهي معروفة لدى المهتمين وسنأتي على ذكرها في الأجزاء المقبلة.

 

 

طبيعة النغمات الكنسية وصفاتها الخاصة:

1- طبيعة النغمات تتكوّن عادة من أركان عناصر الطبيعة الأربعة: الحرارة أو البرودة أو الرطوبة أو الجفاف. وتتشكل طبيعة النغمة دوماً من ركنين أساسيين معاً، فإما أن تكون طبيعة النغمة حرارية وجافة، أو حرارية رطبة، أو تكون باردة رطبة، أو باردة جافة، وهكذا.

 

2- إن صفات النغمات الإنسانية تتكون من مشاعر ونفس وروح وقلب وفكر الإنسان، مع أخلاط الإنسان، (الدم، البلغم والمرارة)، وتكون متناسبة مع طبيعتها وغير متضاربة معها، وتكون هذه الصفات معبرة عن جوهر النغمة. ويمكن أن يكون للنغمة الواحدة صفات كثيرة.

فقد تكون: مبهجة أو حزينة، وعذبة، فيها لهفة وشوق وحنين، وتمتاز بالنعومة أو الهدوء.

أو تكون نارية ملتهبة، وعنيفة، لتترك أثراً قاسياً على النفس، أو ملتهبة من الشوق وهادئة ولينة.

 

 

طبيعة وصفات النغمات الكنسية الثمانية:

1- النغمة الاولى: طبيعتها حرارية ورطبة قليلة ولينة، وصفاتها عذبة ومبهجة، وتحوي ضمن طياتها الفرح، لهذا استُعمِلت النغمة في ألحان عيدي الميلاد والقيامة لأنهما يحويان الغبطة والسرور والبهجة والبشارة في نصوصهما المناسبة للميلاد والقيامة وكذلك في عيد ولادة العذراء.

 

2- النغمة الثانية: طبيعتها باردة متوسطة ورطبة، وصفاتها الرقة، والليونة في الإنسيابية اللحنية، لهذا نظم فيها عيد الظهور الإلهي (عيد الدنح بالسريانية أي عيد الشروق)، وعمادة السيد المسيح، (أي الغطاس بالدارجة).

 

3- النغمة الثالثة: طبيعتها حرارية وجافة، وصفاتها العنف والقسوة، لهذا نظم فيها طقس دخول الرب الى الهيكل وتذكار شمعون الشيخ، بسبب نبوءة الشيخ سمعان وقوله للعذراء سيجوز بنفسك سيفاً، والتي كانت نبؤة في آلام وصلبوت السيد المسيح، ولآلام العذراء التي ستقاسيها، وكأنها ستشعر بأن سيفاً من نار سيدخل قلبها ويحرق كبدها من جراء تعذيب وصلب وموت ابنها الوحيد السيد المسيح.

 

4- النغمة الرابعة: طبيعتها البرودة واليبوسة، وصفاتها الجفاف والخوف والصدمة، لهذا نظم فيها طقس بشارة العذراء بالحبل التي خافت وصدمت من البشارة العظيمة بالحبل، وكذلك نظّم على هذه النغمة طقس الشعانين، لدخول السيد المسيح إلى اورشليم راكباً جحشاً بتواضع، وأغلب الشعب والكهنة كانوا قد صدموا لأنهم كانوا ينتظرون أن يدخل السيد المسيح للهيكل بإحتفالات كبيرة وهالة عظيمة كدخول الملوك، ولذلك رفضوه.

 

5- النغمة الخامسة: طبيعتها حرارية ورطبة، وصفاتها اللهفة والشوق والحنين، لهذا نظم عليها طقس عيد الصعود، فما كان من التلاميذ لشوقهم وحنينهم لمفارقة السيد المسيح إلا أن يشعروا وأنهم سيطيروا بأجسادهم من لهفتهم لمرافقته.

 

6- النغمة السادسة: طبيعتها البرودة والرطوبة، وصفاتها الحزن والالم، لهذا نظّم عليها طقس خميس الأسرار من أسبوع الآلام، وعيد التجلّي الإلهي المسمى بعيد المظال.

 

7- النغمة السابعة: طبيعتها الحرارة واليبوسة، وصفاتها قاسية ونارية ملتهبة، لهذا نظم فيها طقس عيد حلول الروح القدس على التلاميذ ( عيد العنصرة أو فنطيقوستي)، وطقس إنتقال العذراء بالجسد إلى السماء، وكذلك أحد الكهنة ﻷنهم يخدمون النور والنار المتمثلة بهبوط الروح القدس على شكل ألسنة نارية لتحل بالقربان المقدس أثناء صلوات تحضيرهم له.

 

8- النغمة الثامنة: طبيعتها البرودة واليبوسة، وصفاتها العنف والقسوة لهذا نظّم فيها مقتل أطفال بيت لحم، وطقوس أعياد الشهداء، وعيد الصليب وعيد القديسين، وأحد الموتى.

 

 

يتبع في الجزء الثامن

الموسيقا السريانية الكنيسة

(الجزء الثامن)

نظام النغمات الثمان الكنسي

مُتَغيّرات الألحان وعلاقة الألحان بالنصوص

 

بعد أن شرحنا في مقالنا السابق كيفية تكوين نظام النغمات الكنسي، وأشتقاق طبيعة الأنغام من أركان عناصر الطبيعة، وتحديد صفاتها الإنسانية، نتابع في هذا الجزء الشروحات التي تتناول توزيع الألحان على السنة الطقسية الكنسية، وكيفية إستعمال متغيّرات الألحان.

 

نظام النغمات الثمان والألحان السريانية الكنسية:

اعتَمَدَت الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية على نظام موسيقي مكوّن من ثمان نغمات أساسية في ابتكار ألحانٍ لطقوسها الدينية، وتنظيمها تنظيماً دقيقاً بحيث تكون موزعة على مدار السنة الموازية للسنة الكنسية.

ولكل نغمة “من نظام النغمات الثمان” طبيعتها الخاصة المشتقة من عناصرالطبيعة، وصفاتها الإنسانية الخاصة، وطرق استعمالها، وتشتق منها ألحان مناسبة لطبيعة الحدث التي تتناوله. ومعظم ألحان نظام النغمات الثمان، بالإضافة الى الألحان الأخرى التي لا تنتمي الى نظام النغمات الثمان، محفوظة في كتاب “ܒܝܬ ܓܙܐ بيث كازو” أي مخزن الألحان، وفي كتب كنسية أخرى.

 

وتبدأ السنة الكنسية السريانية الطقسية باللّحن الأول في أحد تقديس الكنيسة ثم يليه اللّحن الثاني في أحد تجديد الكنيسة، لتتالى الألحان الثمانية على مدار الآحاد (الأسابيع) الثمانية، ثم تعود لتبدأ مجدداً.

 

وتتميّز الكنيسة السريانية الأرثذوكسية بنظامها اللحني الدقيق والمحكم عن بقية الكنائس الطقسية. حيث يتضمن هذا النظام إنشاد كل الصلوات اليومية طوال الأسبوع بذات اللحن، فإذا كان ذلك الأسبوع على اللحن الأول فإن كل صلواته وأناشيده وترانيمه ينبغي أن تكون من اللحن الأول ويسمى اللحن الأساسي، لكن لتفادي الوقوع بالملل والرتابة فرضت الكنيسة أن يرتل معه لحن آخر ليكون مقابلاً له ومنسجماً معه في الصفات ويسمى بالسريانية ܫܘܚܠܦܐ أي “المتغيّر”، (اللحن المتغيّر هي التسمية التي اخترتُها أنا لتعبّر عن النغمة البديلة الموافقة للنغمة الأصلية). فإذا كان لحن الأسبوع الأساسي هو اللحن الأول فحينئذ ينشد معه اللحن “المتغيّر” المقابل له في النظام وهو اللحن الخامس، لذلك يكون اللحن الخامس ملاصقاً للّحن الأول. واللحنان الأول والخامس يرتبطان معاً في طبيعة النغمة الموسيقية ولكنهما يختلفان في صفاتها. وبنفس الطريقة يكون اللحن الثاني مرتبطاً مع اللحن السادس، والثالث مع السابع، والثامن مع الرابع.

 

 

كيفية إستعمال نظام الألحان الثمان مع متغيّراتها وعلاقة اللحن بمتغيّره

في الكنيسة السريانية

1- اللحن الاول، متغيّره اللحن الخامس، لأن اللحنين متفقان في الطبيعة أي لهما طبيعة واحدة مشتركة هي الحرارة والرطوبة، لكنهما يختلفان في الصفات، فصفات اللحن الأول هي العذوبة والبهجة والفرح، وأما صفات اللحن الخامس فهي اللهفة والشوق والحنين.

2- اللحن الثاني متغيّره اللحن السادس، لأنهما من طبيعة واحدة مشتركة وهي البرودة والرطوبة، لكنهما يختلفان في الصفات، فاللحن الثاني صفاته الرقة والليونة بينما اللحن السادس صفاته الحزن والألم.

( وبالعودة للجزء السابع من مقالنا، وإلى فقرة “طبيعة وصفات النغمات الكنسية الثمانية”، يمكن معرفة بقية صفات الألحان الأخرى ومقارنتها من حيث توافقها واختلافها معاً ).

3- اللحن الثالث متغيّره اللحن السابع، لأن طبيعتهما المشتركة هي الحرارة واليبوسة، لكنهما يختلفان في الصفات

4- اللحن الرابع متغيّره اللحن الثامن، طبيعتهما المشتركة هي البرودة واليبوسة، لكن صفاتهما مختلفة.

5- اللحن الخامس متغيّره اللحن الاول، يشتركان في ذات الطبيعة وهي الحرارة والرطوبة، ويختلفان في الصفات.

6- اللحن السادس متغيّره اللحن الثاني، يشتركان في ذات الطبيعة وهي البرودة والرطوبة، ويختلفان في الصفات.

7- اللحن السابع متغيّره اللحن الثالث، يشتركان في ذات الطبيعة وهي الحرارة واليبوسة، ويختلفان في الصفات.

8- اللحن الثامن متغيّره اللحن الرابع، طبيعتهما المشتركة وهي البرودة واليبوسة، لكن صفاتهما مختلفة.

 

في الكنيسة البيزنطية

لقد تم إشتقاق من جوهر النغمات الأربعة الأصلية في الكنسية البيزنطية أربع نغمات أخرى سميت بالنغمات الشقيقة، ومن مجموعة النغمات الثمان تم إنشاء النظام اللحني المُسمّى اوكتوإيكوس، وتستعمل جميعها كنغمات أساسية ، ولا يستعمل مصطلح اللحن المتغيّر في الكنيسة البيزنطية، وعوضاً عن كلمة نغمة أو نغمات تستعمل كلمة لحن أو ألحان في أدبياتها، واللحن حسب موسيقيي كنيسة الروم البيزنطية يعني تصنيفاً موسيقياً يُعتَمد في تحديده على السلم الموسيقي والمجال اللحني ودرجة القرار النهائي، وهكذا تكون جميع التراتيل التي يتبع لحنها مجالاً لحنياً معيناً أو قراراً معيناً ضمن نفس اللحن أي ضمن نفس التصنيف اللحني.

وتستعمل هذه الألحان حسب نظام اوكتوإيكوس الذي يوزعها على مدار السنة الطقسية التي تضم الأعياد والمناسبات والتذكارات والصلوات اليومية التي تقيمها وتحتفل فيها الكنيسة ذات الطقس البيزنطي اليوناني الشرقي.

 

 

توزيع الألحان البيزنطية مع أشقائها

اللحن الأصلي اللحن الشقيق

1- اللحن الأول 5- شقيقه الخامس

2- اللحن الثاني 6- شقيقه السادس

3- اللحن الثالث 7- شقيقه السابع

4- اللحن الرابع 8- شقيقه الثامن

 

يبدو أن الكنيسة البيزنطية فقدت أو “تخلّت” عن نظام استعمال اللحن مع متغيّره المعمول به بصرامة في الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية لغاية اليوم خاصة في الصلوات اليومية.

لقد أخبرني موسيقيون من كنيسة الروم البيزنطية من خلال مراسلاتي معهم بأن كنيستهم لا تسير على نظام تغييّر الألحان، لكنهم قالوا بوجود حالة إستثنائية هي في اللحنين الثاني والسادس، حيث في دور اللحن الثاني تقال قطع باللحن السادس وبالعكس. وربما هذا دليل على وجود نظام إستعمال الألحان مع متغيراتها في هذه الكنيسة سابقا لكنها تخلت عنه خلال مسيرتها التاريخية، والسبب غير معروف.

 

وحسب آباء الكنيسة إن الموسيقا البيزنطية هي موسيقا معاشة وفيها حياة، لهذا هي مستمرة في التطور والحياة، وربما نتيجة لهذا السبب فقدت الكنيسة نظام استعمال الألحان مع متغيّراتها.

لكن الثابت والمتعارف عليه هو أن الألحان الثمانية جميعها تستعمل كألحان أساسية وبشكل دوري وحسب موقعها ومناسباتها على التقويم السنوي للكنيسة البيزنطية.

 

 

صلوات أيام الأسبوع في الكنيسة

في الكنيسة السريانية

إن جميع ألحان صلوات أيام الأسبوع البسيطة المنتظمة في كتاب “الأشحيم” هي تابعة للحن يوم الأحد الذي يسبقها. ويتم إنشاد هذا اللحن طوال أيام الأسبوع مع “متغيّره” الذي يشترك معه بنفس الطبيعة ويختلف معه بالصفات. فإذا كان لحن يوم الأحد هو الأول، فيكون لحن يوم الأثنين الذي يليه اللحن الخامس.

إن ألحان الكنيسة السريانية في جميع المناسبات الكبيرة والأعياد الرئيسية والتذكارات والطقوس الدينية كطقس العماد والاكليل وتجنيز الموتى وغيرها، تُحدد وفق طبيعتها وصفاتها لتناسب الحدث الدرامي الذي يعالجه الطقس الكنسي في هذه المناسبة المعينة، وقد أشار العلامة ابن العبري لهذا الأمر في كتابه الايثيقون.

 

في الكنيسة البيزنطية

لكنيسة الروم البيزنطية كتاب يهتم بنصوص وألحان الكنسية لأيام الأسبوع اسمه “المعزّي” وهو كتاب يحتوي على النصوص والألحان التي تنشد في سائر أيام الأسبوع، وقد نظّم ووضع قسماً كبيراً من موسيقاه القديس يوحنا الدمشقي (749م)، مع مجموعة من القديسين قبله وبعده.

يقول موسيقيو الكنيسة البيزنطية بأن لحن الأسبوع يظهر أكثر خلال خدمَتي السحرية والغروب ولكن ليس في كل القطع. ولا علاقة إجمالاً بين اللحن الأساسي والشقيق في دور الألحان، بمعنى في دور اللحن الأول يرتل فقط اللحن الأول في القطع التي تنشد، وبعض التراتيل تنشد على لحن خاص بها بدون النظر إلى علاقة لحن أساسي – شقيق.

 

 

إرتباط النصوص والألحان السريانية بقداديس أيام الآحاد

في الكنيسة السريانية

إن صلوات أوقات الصباح ليوم أحد ما قبل بدء القداس الإلهي، تكون ألحانها عادة مرتبطة بألحان القداس لهذا يوم الأحد، وقسم من نصوصها مرتبطة بالمناسبة التي يحتفل بها في القداس الإلهي ليوم الأحد.

مثلاً: إن صلوات الصبح قبل بدء “قداس يوم أحد الأعمى”، وحسب نظام الألحان الثمانية هي من اللحن السادس. مثال على ذلك: ܟܕ ܩܝܡܐ ܡܪܝܡ ܒܨܠܘܬܐ “كاد قوُيموُ مريم بَصلوثوُ” و ܩܕܝܫܬ ܐܠܗܐ “قاديشات الوُهوُ”.

 

وقسم من نصوص صلوات صباح الأحد قبل بدء القداس تكون مرتبطة بحادثة شفاء الأعمى (بارطيماي أو العميان الآخرين)، وألحانها يجب أن تكون من اللحن السادس. أي يجب أن تكون هذه الألحان مرتبطة بلحن قداس الأحد الذي هو “قداس أحد شفاء الأعمى” وهو على اللحن السادس.

تبدأ مجريات القداس الإلهي لتنشد بعدها الترتيلة المعروفة ” فولوس شليحو” على اللحن السادس، ثم يقرأ فصل شفاء الأعمى من الإنجيل المقدس، وتتلوه انشودة تتناول كلماتها شفاء الأعمى تُسمًى “انشودة ما بعد الإنجيل”، ولحنها مرتبط بنظام الألحان الثمانية أي من اللحن السادس، ثم يُسَلِّم الشماس (المتمكن من الصلوات والألحان) اللحن السادس بكلمات (سطوميِن قالوس قورييلايسوُن) للكاهن ليتتالى إنشاد النصوص البيعية لغاية الترتيلة الجامعة (قاتوليقي) التي يتناول نصها أيضاً شفاء الأعمى (ويحبذ أن يكون لحن الترتيلة أيضاً من اللحن السادس أو الثاني)، ويستمر القداس ليتبادل الكاهن والشماس بإنشاد اللحن السادس مع “متغيّره” اللحن الثاني إلى نهاية القداس الإلهي، حيث ترتل أنشودة تسمى إنشودة الختام ” ܚܘܬܡܐ” ويتناول نصها شفاء الأعمى أيضاً، ثم ينشد الكاهن نصاً مرتبطاً بشفاء الأعمى، لنصل الى نهاية القداس الإلهي مع نصوص دعوية لآباء الكنيسة وتراتيل متفرقة.

وهكذا تكون جميع ألحان الأحاد وبقية أيام الأسبوع مرتبطة بمناسباتها وبأماكنها على تقويم السنة الكنسية الطقسية.

 

لقد أصبح من النادر في الكنيسة السريانية التمسّك في إنشاد أي لحن من الألحان الثمانية مع متغيّره والتقيّد بهما في صلوات القداس، إنما يذهب الشمامسة “الخدام” المتمكّنون صوتياً إلى المقامات الشرقية المخالفة لألحان الكنيسة في سلالمها وآدائها، ليغردوا هناك ما تشتهي أنفسهم من ألحان ذات طابع طربي ومساحات موسيقية كبيرة لإبراز إمكانيات أصواتهم الجميلة على حساب الألحان الكنسية، غير آخذين بجدية وبعين الإعتبار القوانين والأنظمة الموسيقية للكنيسة السريانية التي حافظت عليها وأوصلتهم إلينا بكل أمانة لغاية اليوم، وهذا سيؤدي بنا مستقبلاً وعبر الزمن إلى ضياع ألحاننا الكنيسة وآدائها الصحيح.

 

أما في الصلوات اليومية فالكل مضطّر للتمسك بتطبيق نظام تغيّر الألحان لأنه لا يوجد بديل عنه، ولا مجال فيه للإجتهاد في التنغيم والإرتجال.

 

في الكنيسة البيزنطية

يطبق نظام النغمات الثمان اوكتوإيكوس في قداديس الآحاد وتنشد ألحان التراتيل حسب النظام المتبع في الكنيسة البيزنطية، فينشد اللحن الأول في موقعه من السنة الطقسية وهكذا بقية الألحان.

لكن المؤسف وبشكل عام لا إلتزام في القداديس بلحن محدّد، بل يتغيّر اللحن كثيراً ضمن القداس الواحد، فتقال مثلاً الطلبة السلامية بلحن، ثم الأنديفونات (انظر في الأسفل) بلحن ثان، ثم الكلام الجوهري بلحن آخر، ما عدا في المراكز الدينية الصارمة في تطبيق قوانين وأنظمة الكنيسة وفي بعض الأديار التي فيها جوقات متمرسة يُرَتّل القداس كله على لحن واحد، وهذا دليل واضح في تطبيق الكنيسة لألحان نظام النغمات الثمان اوكتوإيكوس، ويبدو بأن الغير عارفين موسيقياً والغير مقتدرين بالألحان البيزنطية قد نشروا ثقافة عدم الإلتزام بالقوانين الموسيقية الخاصة بالكنيسة البيزنطية.

 

شرح

الأنديفونات من “أنديفونا: وتعني بدل الصوت. وهي جزء من ترتيلة تنشد في مواضيع مختلفة من السحر والغروب وأحياناً القداس الإلهي.

 

ويتبع في الجزء التاسع

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء التاسع)

منشأ نظام الألحان الثمانية الكنسية

اوكتوإيكوس / إكاديس ومنشأ الألحان السريانية واليونانية

 

إن نظام الموسيقا الكنسية المعروف بنظام النغمات الثمان هو نظام يوناني/ سرياني لأنه من ابتكارهما، فقد ظهر لديهما معاً، وانتظمت طقوسهما بموجبه في الوقت ذاته. لقد كتبنا عن هذا الموضوع سابقاً وبيّنا شيئاً من أسباب ابتكار هذا النظام ودخوله للكنيسة. وبعد إطّلاعنا على آراء العلماء والمصادر التاريخية المتوفرة وخاصة تلك التي تنص بأن أساس نظام النغمات الثمان قد تم على يد القديس البطريرك سويريوس الانطاكي (538م) عندما كان أسقفاً على انطاكيا، ويعود الفضل إليه بأنه أول من وضع نظاماً موسيقياً مبنياً على ثمانية ألحان وتوزيعها إلى أربع ألحان أصلية وأربع ألحان مشتقة.

 

ويأتي الحل دوماً بعد حصول المشكلة:

 

يبدو أن الوضع اللحني الكنسي في القرون الأولى للمسيحية كانت فيه تعددية بالآراء حول نوعية وطبيعة وصفات الألحان الكنسية المناسبة لصلوات الكنيسة، وظهرت أيضاً آراء مختلفة حول الألحان التي ستقرر والتي سَيٌعَمل بها في الكنسية وذلك بسبب وفرة النصوص الدينية والألحان الكنسية التي كانت كثيرة ومتناثرة هنا وهناك في معظم الكنائس المسيحية، حيث كانت كل كنسية لها بعض الطقوس الدينية المحلية الخاصة بها وكذلك ألحانها الخاصة المختلفة عن الكنائس الأخرى، فكانت الحاجة الماسة الى تنظيم هذه الطقوس بشكل أفضل وإلى تنظيم ألحانها من الناحية الموسيقية.

 

إرتأى القديس البطريرك مار سويريوس الانطاكي الملقب بتاج السريان والمتأثر بأعمال بمار افرام السرياني الموسيقية وبغنى وإنتشار ألحانه الكثيرة على نطاق واسع، أن يحلّ هذه المعضلة التي عاشها وعايشها ليقطع دابر فوضة إشكاليات الألحان المنتشرة في جسم الكنيسة، فعمد إلى خلق نظام موسيقي رائع للكنيسة وهو نظام النغمات الثمان ليكون أساساً لتوحيد النصوص والألحان الكنسية والطقوس.

 

ملاحظة: يصرح علماء كنيسة الروم الشرقية بأن القديس سويريوس الانطاكي هو سرياني آرامي الجنس والهوية بينما ينظر إليه غيرهم على أنه يوناني الأصل.

 

ومن خلال قرائتِنا في الموضوع استنتجنا بأن منشأ نظام النغمات الثمان كان في انطاكيا والمنطقة الثقافية والكنسية المرتبطة بها، حيث تقررت هناك نوعية النغمات المستعملة وعددها لتكوين هذا النظام، ثم تم العمل على تطويرها خلال التاريخ، لهذا يقال بأن الفضل يعود لانطاكيا في ابتكار نظام النغمات الكنسية الثمان وليس لمكان أخر.

 

لكن مراكز الثقافة السريانية، وخاصة الرها، لم تكن بمنأى عن الموضوع، فالرها وانطاكيا قطبان مترابطان ومتداخلان في بعضهما البعض في معظم الأمور الكنسية واللغوية والثقافية، فمن انطاكيا انطلقت الكنيسة الناطقة اليونانية ومن الرها انطلقت الكنيسة الناطقة الآرامية.

وكان آباء الكنيسة في مدينة انطاكيا يؤلفون النصوص الكنسية باليونانية ومنها بالسريانية، وفي مدينة الرها كان الآباء الكنسيون السريان يؤلفون بالسريانية وقليلاً باليونانية، وكانوا يقومون بترجمة النصوص اليونانية الى السريانية التي ألِفَت في انطاكيا ودمشق وحمص وغيرها وفي المدن اليونانية، وترجمة النصوص السريانية الى اليونانية مثل أشعار قديسنا مار افرام.

لكن يبدو لنا بأنه كان هناك نظامان متشابهان لنغمات الألحان الكنسية، وليس نظاماً واحداً كما هو مسلّم به، وهما موضوع مقالنا، فالأول أبتُكِر لألحان الكنيسة اليونانية، والآخر لألحان الكنيسة السريانية. والنظامان مختلفان عن نظام النغمات الفارسي الإثني عشري الذي شرحنا عنه في مقالنا سابقاً:

 

فالأول هو النظام النغمي اليوناني المسمى باليونانية “اوكتوإيكوس أو الاكتويخوس Ectoechos”، أي نظام الألحان الثمانية، لخدمة طقوس الكنيسة اليونانية / البيزنطية، ونتكلم هنا فقط عن النظام الموسيقي لكنيسة الروم الشرقية.

 

أما الثاني فهو النظام النغمي السرياني المسمى باليونانية إكاديس Ekadis، أي الألحان الثمانية، لخدمة طقوس الكنيسة السريانية.

 

هناك نظام آخر ثالث معتمد في اوروبا المعروف بالترنيم الأمبروسي أو الغريغوري، ويسمى ايضاً “نظام النغمات الثمان اللاتيني” وهو متطور مباشرة عن النظام البيزنطي الموسيقي للنغمات الكنسية اوكتوإيكوس.

فكما كان نظام الثماني النغمات أساساً للموسيقا الكنسية السريانية و البيزنطية، كذلك هو أساس للموسيقا الكنسية الغربية الاوروبية أيضاً، إذ أن البابا غريغوريوس الأول “540-605 م” هو من وضع نظام ترنيم الكنيسة اللاتينية المعروف بالترنيم الأمبروسي أو الغريغوري، إذ أخذ هذا النظام عن الشرق مستعملاً أسس الموسيقا الكنسية الشرقية المبنية على ألحان ثمانية، وقد عرف البابا غريغوريوس هذا النظام بحكم أنه كان مندوباً عن البابا بيلاجيوس الثاني (590م) في البلاط القسطنطيني قبل أن يصبح أسقفاً ثم بابا روما.

 

والموسيقا الغريغورية هي الموسيقا الدينية اللاتينية الأبرز في تاريخ المسيحية الغربية وهي ذي ألحان جميلة وكلمات مأخوذة من الكتاب المقدس.

وتتميّز ألحان نظام النغمات الثمان اللاتينية بأنها غنائية جادة وأحادية الصوت غير مرافقة بآلات موسيقية.

لن أتطرق لشروحات عن النظام الموسيقي الأمبروسي أو الغريغوري، لأنه ليس من صلب موضوع مقالنا، ولكننا نؤكد من خلاله بوجود نظام النغمات الثمان في الموسيقا الكنسية الأوروبية.

 

كان قد أدعى البعض بأن منشأ نظام الألحان الثمانية (الشرقي) كان في سومر وآكاد ثم انتقل الى اليونانيين فالسريان، ولكن هذه إدعاءات باطلة وغير صحيحة لعدم وجود إثباتات تؤكد صحتها.

أما الحقائق التي بين أيدينا فتؤكد، كما أوردت في مقالي سابقاً، بأن اليونان والسريان هم الذين اخترعوا نظام الثمانية ألحان في غرب وشمال غرب سوريا التي تقع فيها مدينة انطاكيا وبعض المدن السريانية مثل الرها، والمؤرخ السرياني ابن العبري (1226-1286) يلمح في كتابه الإيثيقون لهذا الأمر، ويؤكده البطريرك العلامة افرام برصوم (1887-1957) من خلال سرده لسيّر ومؤلفات الآباء الكنسيون في كتابه الشهير “اللؤلؤ المنثور”.

 

 

منشأ الألحان الكنسية اليونانية والسريانية

 

إن منطلق ومنشأ الألحان الكنسية اليونانية، أي تأليف النصوص الدينية ووضع ألحان لها ومن ثم إبتكار النظام النغمي اوكتوإيكوس، كان في مدينة انطاكيا ذات الثقافتين اليونانية والسريانية، وهذا متفق عليه نظرياً لأن الفكرة انطلقت من انطاكيا، لكن مختلف عليه واقعياً، لأن بعض المدن السريانية الأخرى ذات الطابع الثقافي اليوناني وأخرى يونانية، كان لها دورها في نظام الألحان الثمانية وخاصة في وضع أنواع الأناشيد الكنسية اليونانية، وتلحين الكثير من النصوص الدينية.

 

وتعتبر مدينة الرها السريانية، ذات الثقافة السريانية الممزوجة باليونانية، المركز الأساسي في بناء ومنشأ ومنطلق ألحان الكنيسة السريانية، وثم إبتكار نظام النغمات إكاديس الخاص بالسريان وتطويره وتنظيم ألحانه بالرغم من انطاكيّة فكرته، وهذا أيضاً متّفق عليه نظرياً وعملياً، رغم بروز شخصيات كبيرة في مدن ذات ثقافة سريانية خالصة أو سريانية ويونانية ساهمت في وضع الألحان السريانية وفي خلق قوالب جديدة للألحان الكنسية وفي العمل على تحقيق النظام اللحني السرياني.

إن معظم عباقرة التأليف والتلحين من الآباء الذين كانوا الركيزة الأساسية في وضع ألحان للنصوص السريانية الدينية وفي بناء نظام الألحان الثمان وتنظيم ألحانه ووضع قوالب وأنواع للألحان السريانية الكنسية، إما ولدوا في مدينة الرها أو نشأوا فيها ثقافياً أي درسوا في مدارسها ومعاهدها، أو عاشوا فيها فترات طويلة أو قصيرة من حياتهم.

مثل الفيلسوف الرهاوي المعروف برديصان (222م) صاحب الألحان الأولى على طريقة مزامير داؤد، ومار افرام السرياني النصيبيني (373م) الذي أبدع في ميامره ومداريشه ومؤلفاته الأخرى الكثيرة، ومار اسحق الرهاوي المعروف بمار اسحق الأنطاكي (491م)، ومار رابولا الرهاوي (435م) صاحب التخشفتات القنشريني المولد الذي كان مطراناً على الرها أكثر من عشرين سنة، ومار يعقوب السروجي (521م) شاعر الكنيسة وقيثارتها الذي درس في مدارسها ثم أصبح معلماً في معاهدها وأغنى الكنسية والأدب الكنسي بميامره وأدعيته التي تسمى بالطلبات، والعلامة الكبير منظم الطقوس الكنسية مار يعقوب الرهاوي (708م) ومؤلف قسم منها، ففيها تنسك وتعلم وعلم وخدمها كمطران وأبدع في مؤلفاته.

وغيرهم كثيراً من الملافنة الذين عاشوا فيها أو مشوا في دروب عباقرتها من الذين ساهموا بألحانهم ومؤلفاتهم في إغناء التراث الكنسي السرياني.

 

 

لماذا كانت أنطاكيا منطلقاً للألحان اليونانية

 

1- ﻷن انطاكيا كانت عاصمة المسيحية الأولى ومركز الكرسي الرسولي البطرسي.

2.لأنها كانت العاصمة السياسية لسوريا حينها.

3- ﻷنها كانت عاصمة ومركز الثقافة اليونانية والإنتاج الفكري اليوناني.

4- كانت مركز ثقافي يستقطب كبار المفكرين واللاهوتيين المسيحيين من آراميين ويونانيين وغيرهم ممن كانوا يتقنوا اليونانية.

5- فيها تطور الفكر المسيحي وتم صقله على أيدي فلاسفة المسيحية.

 

 

إن الأسباب السابقة لا تلغي قط دور المدن السريانية الأخرى ذات الثقافة اليونانية في إنتاجاتها الفكرية ولا دور علمائها من السريان المبدعين في صياغة ألحان ونصوص الكنيسة البيزنطية، خاصة مدينة دمشق التي أنجبت صفرونيوس (639م) صاحب التراتيل اليونانية التي تسمى “طروبارية” والذي أصبح لاحقاً البطريرك صفرونيوس على اورشليم، واندراوس الكريتي (الدمشقي الذي أصبح أسقفا على كريتا فسمي بأندرواس الكريتي 720م) وهو الأب الشرعي للتراتيل التي تسمى “القوانين”، والعبقري الموهوب القديس يوحنا الدمشقي (749م) منظم الموسيقا والألحان اليونانية، الذي ثبّت تقسيم ألحان الكنيسة البيزنطية بتأليفه كتاب “الاكتويخس” للألحان البيزنطية أي “الألحان الثمانية”، وهو يحوي تراتيل مقسمة حسب الألحان ولكل لحن تراتيله الخاصة. ويُعزى إليه إرساء أسس كتاب “المعزّي” للصلوات اليومية وتأليف وتلحين العديد من تراتيله ولحن ” 116 قانوناً” و “454 طروبارية” و”1531 رمساً”، كما ألف العديد من التراتيل التي تسمى: “ستيشيرات” و “إذيوميلات” و “كاتسماتات” و “قناديق” وغيرها، ووضع لها الحاناً كنسية رائعة ومعبرة بمشاركة مجموعة من الرهبان الدمشقيين القديسين: ” قزما الدمشقي” و “اندراوس الكريتي” و “ثيوفانس اسقف ازمير”.

 

وكذلك مدينة حمص المتميزة بالعلوم والثقافة التي أنجبت في القرن الرابع العلامة الكنسي “اوسابيوس الحمصي” وفي القرن السادس الميلادي المرنم “رومانوس الحمصي” الذي أشتهر بنوع من التراتيل التي تسمى “القنداق”، كما أنجبت هذه المدينة أيضاُ شخصيات كبيرة منهم أباطرة حكموا الإمبراطورية الرومانية.

 

وكانت هناك أيضاً مساهمات أخرى جادة في تأليف النصوص والألحان اليونانية من مدن سريانية ثانية ذات الثقافة اليونانية خاصة المدن التي كانت واقعة على البحر المتوسط من مدينة اللاذقية وحتى غزة. وكذلك من مدن يونانية أو لاتينية ذات ثفافة يونانية واقعة اليوم في العمق التركي واليوناني، حيث كانت لها مساهمات ثقافية ودينية كبيرة مثل القسطنطينية وغيرها، ساهمت في إرساء قواعد وقوانين المسيحية الأولى.

 

 

لماذا كانت الرها منطلقا للألحان السريانية

 

1- لأهمية مدينة الرها السريانية الآرامية في الثقافة السريانية والكنيسة السريانية، حيث كانت المملكة الأولى التي أعلنت مسيحيتها كدولة، في زمن الملك “ابجر الخامس” الذي حكم (4 – 50 م) حسب التقليد المتداول.

 

لأن الرها كانت عاصمة الثقافة السريانية آنذاك 2-

3- ﻷن الرها كانت تملك مدارس عظيمة ترعرع فيها الفكر المسيحي، بل يعود الفضل لها في صقل الفكر المسيحي في بداياته.

4- ﻷن الرها أنجبت العلماء الاوائل من فلاسفة وشعراء ومفكرين سريان وآباء مدافعين عن الدين في العصور المسيحية الأولى، أو صقلت موهبتهم الفذة من خلال دراستهم في مدارسها، فأغنوا المكتبة المسيحية بإنتاجاتهم الفكرية.

وهذا لا يعني تغييب المدن السريانية العريقة الأخرى في الإنتاجات الفكرية الكنسية من فلسفة وأشعار وقصائد وألحان، أو دور علمائها وآبائها الآخرون من الذين أغنوا المكتبات السريانية والعالمية بمؤلفاتهم المتعددة في جميع نواحي الحياة، التي ساهمت في تكوين أو بلورة الفكر الإنساني من ديني ومدني معاً، مثل “قنشرين” و “نصيبين” و “حران” وغيرها.

 

 

ألحان كنيسة المشرق السريانية

 

إن الكنيسة السريانية الشرقية التي مركزها العراق “بفرعيها اليوم الكلداني والآشوري” تحوي ألحاناً قديمة جداً ورائعة أدخلها الآباء الأولون لطقوس الكنيسة، وهي من تلك التي تم تأليفها وتلحينها في “مملكة الرها” وفي المدن السريانية الأخرى التي كانت تسبح في فلكها، عندما كانت الكنيسة السريانية المسيحية واحدة قبل أن تحصل الإنشقاقات فيها لأسباب سياسية تاريخية ولأفكار تفسيرية لاهوتية.

اذ أن ألحان الكنيسة السريانية الشرقية القديمة هي فرع من الطقس القديم لمدينة الرها السريانية الذي هو انطاكي ورهاوي المنشأ، لكن تم تأليف وتلحين وتطوير للطقوس والألحان بعد ذلك في العراق ومناطق أخرى على أيدي علماء وآباء كنسيين كبار وأجلاء، ذكروا في كتب التاريخ الكنسي.

وقد أطلعت شخصياً على قسم صغير من ألحان الكنيسة السريانية الشرقية من خلال إستماعي لها، ومن خلال حضوري قداديس في الكنيستين الكلدانية والآشورية بفرعيها.

 

وكما ذكرت سابقاً بأننا ننتظر من أبناء الكنيسة السريانية الشرقية بفرعيها الكلداني والآشوري، أن يكتبوا عن ألحان كنيستهم ليطّلعوا القرّاء الكرام والمهتمين على الكنوز الموسيقية الأصيلة التي تحويها، وتعرّفهم على تفاصيل ألحانها وعلى ملحنيها العباقرة، وليُستَفَاد من القوالب والأنواع الموسيقية التي تحويها.

لأن جميع موسيقيي شعبنا يغردون خارج السرب السرياني في عصرنا هذا، ولا أستثني نفسي من ذلك بالطبع، ويسبحون في أفلاك موسيقات الأمم الأخرى مثل الفرس والترك والكرد والعرب والهنود، وخاصة الموسيقا الأوروبية.

 

 

ولنا لقاء في المقال العاشر

الموسيقا السريانية الكنيسة

(الجزء العاشر)

 

الفرق بين النظامين اللحنيين اوكتوإيكوس وإكاديس (1)

في السلالم الموسيقية

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

مقدمة

 

لقد دعي نظام النغمات الثمان الموسيقي “إكاديس”، بنظام الألحان السرياني ليس لكونه معمول به فقط في الكنيسة السريانية إنما لكون مبتكريه ومنظميه وواضعي ألحانه كانوا سرياناً آراميي الجنس واللغة.

بينما يُدعى النظام الموسيقي ذو الثمانية نغمات “اوكتوإيكوس” بالبيزنطي، لأنه يشير إلى حضارة الروم المشرقية التي أخذت إسمها من اسم المدينة “بيزنطة”، والتي كانت المدينة التي شيدت مكانها مدينة القسطنطينية.

وهذا الإصطلاح “البيزنطي” لا يشير بأي شكل من الأشكال إلى موسيقا إمبراطورية روما الشرقية، بل يشير إصطلاحاً إلى الموسيقا الكنسية المستعملة في كنائس الروم الشرقية، الذي كان للسريان الآراميين من أبناء سوريا التاريخية على الخصوص دوراً هاماً جداً في وضع أسس و تطوير هذا النظام الموسيقي.

الفرق في السلالم الموسيقية

النظام البيزنطي اوكتوإيكوس:

إن النظام الموسيقي البيزنطي الذي يسمّى “اوكتوإيكوس”، له صفاته الخاصة به وخصائصه الموسيقية وطرق إنشاد ألحانه التي تميّزه عن النظام  الموسيقي السرياني إكاديس.

وتتكون ألحان الموسيقا الكنسية البيزنطية المبنية من نغمات هذا النظام من سلالم سباعية الأبعاد الصوتية، أي من ثمان درجات موسيقية تكوِّن ديوان موسيقي كامل، أو “اوكتاف”، أي أنها تتكوّن من سلالم مقامات كاملة أو حتى أكثر، وليس من أنصاف مقامات، أي ليس من أجناس أو عقود كما الحال في النظام السرياني.

لقد تمت مقارنة الألحان البيزنطية الشرقية بالمقامات الشرقية على أيدي موسيقيين مختصين من كنيسة الروم (لا نعرف متى وأين ومن)، وحددوا ما يقابلها من سلالم المقامات الشرقية مع أسمائها للمعرفة ولسهولة الإستعمال ولتسهيل الأمور أمام كل الموسيقيين العارفين بالألحان الكنسية والغير العارفين منهم أيضاً.

وللأسف أصبح دارجاً، بين أبناء كنيسة الروم وإكليروسها في عصرنا هذا، إستعمال تسميات المقامات الشرقية عوضاً عن إستعمال أسماء النغمات الموسيقية  البيزنطية بمسمياتها القديمة، أي اللحن الأول واللحن الثاني والثالث والخ، وهذا الإهمال سيوقع كنيسة الروم بشقيها الارثوذوكسي والكاثوليكي بمشاكل موسيقية جديدة وعديدة مستقبلاً.

توزيع الألحان البيزنطية مع أشقائها ومع تسميات المقامات الشرقية

إن توزيع النغمات البيزنطية مع أشقائها وما يقابلها من مقامات بمسمياتها الشرقية حصلت في العصورالمتأخرة وهي من وضع موسيقيين ضليعين في الموسيقا الكنسية البيزنطية وفي علوم المقامات الشرقية. وهناك دراسات مهمة وقيّمة أقيمت في المعاهد اللاهوتية التابعة لكنائس الروم منها ما طبع ونشر، تحوي شروحات تفصيلية حول الأجناس الموسيقية المكوّنة للنغمات البيزنطية، وحول تحديد وتوزيع الكومات على سلالمها.

وللتوضيح والمعرفة نبيّن في الجدول الآتي نغمات النظام البيزنطي الشرقي وما يقابلها من مقامات شرقية:

اللحن الأصلي       مقامه الشرقي           اللحن الشقيق            مقامه الشرقي

1- اللحن الأول         بيات ، عشاق       5-  شقيقه الخامس       نهاوند –  بيات الحسيني

2- اللحن الثاني   هزام، حجاز النوى     6-  شقيقه السادس       حجاز –  شهناز

3- اللحن الثالث        جهاركاه            7-  شقيقه السابع         العراق ،  العجم

4- اللحن الرابع         سيكاه              8-  شقيقه الثامن         راست، راست الجهاركاه

ويُستمَر بتطبيق هذه الألحان بشكل تسلسلي فتتحول الألحان الشقيقة الى ألحان أساسية، لتصبح ثمان نغمات فتأخذ أهميتها على خريطة نظام النغمات الثمان “الاوكتوإيكوس” وموقعها على تقويم السنة الكنسية الطقسية بشقيه اليولياني والغريغوري.

لم أحصل على جواب شافٍ لغاية الحين عن السبب الأساسي لوجود سلمين موسيقيين مختلفين في أغلب النغمات البيزنطية، والذي يؤدي إلى وجود مقامين شرقيين مختلفين لكل نغمة من نغمات النظام البيزنطي “اوكتوإيكوس”، وبالتالي إلى إختلافات في سلالمهما الموسيقية وفي النغمات الميلودية الصادرة عنهما، وفي نوعية وطبيعة وصفات كل نغمة منهما.

مثال: اللحن السابع من النظام البيزنطي يقابله في الموسيقا الشرقية مقامين مختلفين عن بعضهما تماماً، وهما مقام العراق ومقام العجم.

أعتقد شخصياً أن إزدواجية المقامات الشرقية في نغمات النظام  البيزنطي ناتجة عن عدم إستعمال متغيّرات الألحان في كنيسة الروم الشرقية بشكل منتظم ومستمر، وبالتالي  فقدان إستعمالها كنظام في الكنيسة، الذي أدّى الى هذه الإزدواجية وإلى تبديل أماكن النغمات على جدول هذا النظام الذي لا يتطابق تماماً مع جدول نغمات النظام السرياني “إكاديس”.

النظام السرياني إكاديس:

إن النظام النغمي السرياني “إكاديس”، الذي يتميّز بصفات معينة وخصائص موسيقية محددة وطريقة خاصة به في إنشاد ألحانه، تتكوّن سلالم نغماته الموسيقية من أنصاف السلالم الموسيقية ذات الأبعاد الصوتية السباعية، أي من نصف ديوان موسيقي أو من نصف مقام، ويعني هذا أنها تتكوّن من أجناس أو عقود أو أقل.

وهذا إختلاف موسيقي كبير نسبياً مع سلالم ألحان الكنيسة البيزنطية التي تعتمد على السلالم الكاملة.

لقد شاعت هذه الأيام بين العامة من السريان إستخدام أسماء المقامات الشرقية عوضاً عن التسميات التاريخية للألحان السريانية، فعوضاً عن القول: قولو قدمويو (الأول)، وقولو ترايونو (الثاني)، وقولو تليثويو (الثالث) الخ..، يقولوا: مقام البيات، مقام الحسيني، مقام السيكاه الخ…، وهذا خطأ جسيم بحق ألحاننا الكنسية وبطرق إنشادها، وسيوقع كنيستنا السريانية مستقبلاً في مشاكل موسيقية جمة نحن بغنى عنها، وسيضرّ كثيراً بموسيقانا السريانية بشكل عام.

فمن خلال مقالنا هذا نشجع الجميع كهنة وشمامسة وموسيقيين على إستعمال المسمّيات الصحيحة لألحاننا السريانية للحفاظ على التَرِكة التي ورثناها من آبائنا وأجدادنا العظام.

توزيع الألحان السريانية مع متغييراتها ومع تسميات الأجناس الشرقية

لقد حدد الباحث الموسيقي السرياني الملفونو نوري اسكندر مشكوراً الكومات الموسيقية للنغمات السريانية الكنسية الثمانية، ووضع جدولاً لعلامات التحويل مع كوماتها لمعرفة الفروقات اللحنية بينها وبين أجناس المقامات الشرقية، وأثبت بذلك خاصية الألحان السريانية الكنسية (الموسيقا السريانية) التي تتميّز عن المقامات والأجناس الشرقية.

وأعرضها هنا في الجدول الآتي للمعرفة ولتوضيح نغمات النظام السرياني وما يقابلها من أجناس شرقية.

النغمة السريانية     جنسها الشرقي       اللحن المتغيّر           جنسه الشرقي

قينثوُ قَدموُيتوُ         جنس بيات            قينثوُ حميشوُيتوُ        غير معروف اسمه

قينثوُ ترايوُنيثوُ       جنس بيات آخر      قينثوُ  شتيثوُيتوُ        جنس بيات – نهوند

قينثوُ تليثوُيتوُ          جنس سيكاه         قينثوُ شبيعوُيتوُ          جنس صبا

قينثوُ ربيعوُيتوُ        جنس راست         قينثوُ تمينوُيتوُ          شبيه الحجاز – راست

وتُنشَد النغمات الثمانية كألحان أساسية تباعاً مع متغيّراتها وحسب نظام السنة الطقسية المتبع في الكنيسة السريانية، كما كنّا قد أوردناها وشرحنا عنها في مقالنا سابقاً.

مقارنة أجناس ومقامات النظامين اوكتوإيكوس وإكاديس

نلاحظ من مقارنة أجناس المقامات البيزنطية بتسمياتها الشرقية مع الأجناس السريانية بتسمياتها الشرقية أيضاً، بوجود فروقات كبيرة بنوعية الأنغام المقررة في النظامين الموسيقيين السرياني والبيزنطي، وفي سلالمها الموسيقية وفي إستعمالاتها أيضاً، ناهيك عن الإختلافات والفروقات في الكومات بين سلالم أجناس أنغام النظامين.

لا أحد يعلم لما هذا الإختلاف وأسباب حصوله أو تاريخ وقوعه، لكن وحسب رأيي الشخصي أن السريان عندما أخذوا فكرة نظامهم الموسيقي من انطاكيا، إختاروا أجناساً موسيقية معينة خاصة بهم تختلف عن أجناس مقامات نظام الكنيسة البيزنطية ، وهي من تلك الأجناس التي كان يستعملها مار شمعون بار صابوعي (343م)، ومار افرام السرياني (373م)، ومار اسحق الرهاوي المعروف بالأنطاكي (491م)، ومار يعقوب السروجي (421م)، ومار بالاي (القرن الخامس)، في ألحانهم الكنسية قبل ظهور نظام النغمات الثمان، حيث استخدموها لبناء نظامهم اللحني الذي يسمّى “إكاديس” بما يناسب وينسجم مع طبيعتهم وبيئتهم ولغتهم وتفكيرهم وثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم ووسائل تعبيرهم وسائر مفاصل حضارتهم، وخاصة ما يناسب فهمهم لنصوص الكتاب المقدس وشروحاتها وكيفية تفسيرها.

وفي الجدول الآتي مقارنة لأنواع أجناس النغمات في النظام الموسيقي السرياني مع مقامات النظام البيزنطي الشرقي:

اسم النغمة        الجنس في النظام السرياني     المقام في النظام البيزنطي

النغمة الأولى            جنس بيات                   مقام بيات – العشاق

النغمة الثانية          جنس بيات آخر               مقام الهزام – حجاز النوى

النغمة الثالثة          جنس سيكاه                    مقام الجهاركاه

النغمة الرابعة         جنس راست                   مقام السيكاه

النغمة الخامسة       جنس مجهول الأسم           مقام نهوند – بيات حسيني

النغمة السادسة        جنس بيات – نهوند          مقام الحجاز – شهناز

النغمة السابعة         جنس الصبا                   مقام العراق – العجم

النغمة الثامنة      شبيه الحجاز – راست          مقام راست – راست الجهاركاه

ورغم الإتفاق العام حول أنواع المقامات والأجناس الموسيقية وتسمياتها عند أبناء الكنيستين السريانية والبيزنطية الشرقية وكل على حدى، إلا أن هناك آراء مختلقة حول هذه التسميات ونوعية هذه الأجناس ومقادير كوماتها عند الكثيرين من الموسيقيين في هاتين الكنيستين، بل أن بعض الموسيقيين من أبناء كنيسة السريان ذهبوا أبعد من هذا الأمر وأخذوا بالدفاع  عن آرائهم الشخصية المختلفة عن نوعية بعض الأجناس التي أوردناها في الجدول السابق والتي هي من وضع الموسيقار والباحث نوري اسكندر بكل قواهم، وأسبابهم في هذا الأختلاف، أنهم ينتمون الى مناطق لها أسلوبها اللحني الخاص بها، وخاصيّة معينة ومزايا موسيقية تختلف عن أي منطقة أخرى.

ولهذا أُفَضِّلُ شخصياً العودة للتسمية السريانية والبيزنطية وعدم الإلتفات إلى التسميات الشرقية مطلقاً، وعدم الإلتفاف عليها بأعذار غير مقبولة، لأنها ستدخلنا في متاهات موسيقية جمّة نحن في غنى عنها.

يتبع في الجزء الحادي عشر

 

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الحادي عشر)

 

الفرق بين النظامين اللحنيين “اوكتوإيكوس” و”إكاديس (2)

في الإنشاد الكنسي (1)

بعد أن وضَّحنا في الجزء العاشر من مقالنا الفرق بين النظامين اللحنيين “اوكتوإيكوس” و”إكاديس” في السلالم الموسيقية من ناحية المقامات والأجناس ونوعيتها، وبعد أن قمنا بالمقارنة التي تبيّن لنا من خلالها القواسم المشتركة بين النظامين والفروقات التي يمتاز بها كل منهما، نتابع في هذا الجزء الفرق بينهما في الإنشاد الكنسي وفي كيفية آداء الألحان، ونبدأ أولاً في الكنيسة السريانية.

 

 

الإنشاد الكنسي السرياني (الآداء)

إن للألحان الكنسية أهمية كبرى ودور أساسي لا يُستغنى عنه قط في الكنسية السريانية لما لهذه الألحان من تأثيرات جمّة ومختلفة على المصلين، فبالإضافة لكونها وسيلة تواصل مع الرب وبين المؤمنين، فهي أيضاّ أداة فعّالة لتهذيب الذاكرة وحفظها وعاملة في نفوس المؤمنين.

وتكتسب الألحان هذه الأهمية الكبرى في الكنيسة السريانية من خلال دورها في إستقطاب الشعب الى الصلاة، ومساهمتها سابقاً في منافسة هياكل الوثنية المليئة بالموسيقا، ومن تأثير اللذة المتولدة من سماعها، والإستعانة بها على النشاط في العبادة، وأيضاً من خلال تأثير التعبير اللحني والصوتي اللذين يساعدا المصلي في تَفَهُّم معاني الكلمات الروحية، والمقاصد الإلهية.

 

ولصوت الإنسان المنفرد أهمية خاصة وكبيرة في اَداء الألحان السريانية لأن الموسيقا الكنسية تعتمد بكليتها على السمع، وعلى تناقلها شفهيا بالإعتماد على الكتب الكنسية التي تحفظ نصوصها.

 

وأما الطريقة السريانية “طريقة كنيسة السريان الأرثوذوكس” في آداء الألحان قائمة على قواعد وأسس عديدة وميّزات كثيرة، هي أركان رئيسية يُعتَمد عليها في الإنشاد الكنسي، وفي الحفاظ على الألحان الكنسية، وعلى طرق واساليب إنشادها، ومنها:

 

1- البساطة في التنغيم والأداء

وتسمى بالطريقة البسيطة في التنغيم لكونها:

1- لا تحوي على الفخامة في الآداء

2- لا تحتوي على التطويل في التنغيم

3- لا تحتوي على التعددية في الأصوات.

 

إنما تعتمد على البساطة والعفوية في الآداء، وليس على التنغيم والتطريب في اللحن، فهذه الطريقة تتحقق بالإنشاد بواسطة إستخدام أنصاف السلالم الموسيقية كما هو الحال في ألحان الكنيسة السريانية المكونة بمعظمها من أنصاف السلالم الموسيقية والتي لا تعتمد كثيراً على السلالم الموسيقية الكاملة مثل سلالم ألحان الكنيسة البيزنطية الكاملة التي لا تُحقِّق الطريقة البسيطة في التنغيم، أو مثل سلالم المقامات الشرقية التي تنتج التطريب للمستمع وتخرجه عن هذه الطريقة البسيطة في التنغيم.

 

وإني أقترح تسمية الطريقة البسيطة في التنغيم “بالطريقة السريانية في التنغيم”. لأن معظم الكنائس السريانية ذات الطقس السرياني تتميز بهذه الطريقة، أي بالبساطة والعفوية في التنغيم، رغم ذهاب جوقات بعضها اليوم إلى الطريقة الكورالية الاوروبية الحديثة في آداء الألحان أو إلى الطريقة البيزنطية اللاتينية التي تسمى بالطريقة الغريغورية للإنشاد الكنسي.

والجدير بالذكر أن الكنيسة القبطية تعتمد إعتماداً كلياً على هذه الطريقة في إقامة طقوس صلواتها، لكنها تضيف إليها عنصر مهم جداً هو خاصية التطويل اللحني في كلمة واحدة أو في حرف واحد، وهذا ما يجعلها تتميّز عن بقية الكنائس المشرقية.

 

 

2- الطريقة الشعبية في الصلاة

إن الطريقة السريانية البسيطة في الآداء والتنغيم هي الطريقة الشعبية أي طريقة العامة من الناس في آداء ألحان صلوات الكنيسة السريانية. فالكنيسة السريانية تمثل في هذه الحالة “كنيسة الشعب”، وليس “كنيسة الملوك والأمراء والطبقات الحاكمة” كما هي الحالة في الكنيسة البيزنطية التي تعتبر قائمة على فكرة الفخامة والعظمة في كل هيكليتها، أي الطريقة الملوكية في آداء الألحان وإقامة الشعائر الدينية.

 

 

3- الهدوء والروحانية في الآداء

إن السريان ترجموا الآداء أثناء إقامة الصلوات على أن يكون بخشوعية وروحانية وهدوء شديد، وبطريقة تعبيرية وعلى أن تكون الطريقة:

1- حزينة وبكائية، وعلى أن تلعب العاطفة والمشاعر والأحاسيس دوراً كبيراً في التنغيم وآداء الألحان.

2- هادئة ورصينة وخشوعية للوصول إلى الروحانية:

– يستبعد الزعيق والصراخ ورفع الأصوات أثناء آداء ألحان الصلوات.

– أن يكون التركيز على النصوص الدينية لفهم معانيها الروحية أثناء القيام بآداء ألحانها، أكثر من التركيز على التطريب الذي يأخذنا إلى عدم التركيز على معاني النصوص وإلى استعمال السلالم الكاملة في التنغيم، التي تأخذنا بدورها إلى طريقة غناء المقامات الغير كنسية والتي تعتمد إعتماداً كلياً على التطريب، فنخرج بذلك عن الطريقة السريانية البسيطة في التنغيم الأصيلة.

 

 

4- المسكنة والتذلل في الآداء

يتم التنغيم بطريقة تحوي الكثير من التذلّل وإنكسار النفس وإنسحاق القلب وتواضع كبير، وألّا يتحول الآداء لصراخ وزعيق، فَتُرفَع أصواتنا أمام حضرة الله وعظمته ونصرخ بحضوره ووجهه كما يقال، وهو مخالف تماماً لمعاني النصوص الدينية، لأنه يُعبّر عن الكبرياء المخالف لتعاليم السيد المسيح ولأمثلته الحيّة التي ضربها لنا عن التواضع وأراد أن نتقيّد بها، لأن الكبرياء سيبعدنا عن ملكوته السماوي الأزلي، وسيبعد حضوره عنّا.

ومن ميًزات هذه الطريقة: الإنشاد بتواضع وبقلب منسحق ومكسور، وبتذلل ومسكنة وندامة، وببكاء وحزن عميق، ولجاجة في الصلوات والطلبات.

 

لقد ورد في موضع واحد في القداس الإلهي السرياني قول للكاهن: “لنصرخ ونقول كذا وكذا….” ليرفع الشعب الصلوات والطلبات، وهذا القول مقصود منه هو نوعية التعبير في الطلب من الله بلجاجة وإلحاح وإنكسار نفس وألم، ليدير وجهه إلينا ويسمع أصواتنا وصلواتنا وطلباتنا، وليس المقصود منه الصراخ بأعلى أصواتنا كما يعتقد البعض في حضرته. يبدو بأن هناك خلل في الترجمة إلى العربية من النص الأصلي السرياني، فتحولت الكلمة والطريقة إلى صراخ، لأن هناك قول قديم بالسريانية لأحد آباء الكنيسة تقول ترجمته بتصرف: ” مثل ذاك الثور الهائج في البراري الذي يصرخ بألم شديد، هكذا أصرخ وأقول يارب إرحمني وأغفر لي كل خطاياي.

 

وكما أن ورود مرات قول الكاهن في الصلوات:” وبقلب منسحق (وبصوت يعبر عن إنكسار النفس) نقول إرحمنا يا الله، أو كذا وكذا….”، هي خير دليل على أن يكون آداء ألحاننا الكنسية بمسكنة وتذلل وتواضع.

وها إن ابن العبري يدعم بحثنا هذا في كتابه الإيثيقون حيث يؤكد على كيفية الإنشاد بقوله:

“وجوب الترتيل بخشوع وبكاء، وبتذلل القلب وتأنيب الضمير وبتذكر المعاصي ليرق القلب ويبكي المصلي”.

 

ويقول أيضاً:

“روى أحد النسّاك: رأيت في الحلم أرتل المزامير أمام داؤود فقال لي : أعجب منك كيف تعلمت الترتيل ولم تتعلم البكاء، ألم تسمع أني غمرت في كل ليل فراشي، وبدموعي غسلت دثاري”.

وقال مار اسحق الرهاوي والمعروف بالانطاكي (491م): “ناد بالطوبى لمن له استعداد طبيعي للبكاء بدافع إرادي، فقد وجد من طبيعته عضداً لإرادته، ومن كان له مجرد استعداد للبكاء فلا خير فيه، ولا تناد بالطوبى لمن كان فاقد اللب”. الإيثيقون ص 129.

والقصد هنا من قول مار اسحق الانطاكي هو غير مقبول البكاء لمجرد البكاء، إنما يذهب المصلي الى حالة البكاء نتيجة لفهمه للمعاني الرهيبة للنصوص الدينية التي تذكره بخطاياه وبأهوال القيامة.

 

أما لماذا البكاء في الترتيل فهو دليل على التواضع والخشوع والندامة وإنكسار القلب والعدول عن الخطيئة، وعلى التذلّل والتمسكن أمام عظمة الله ليتقبل صلواتنا.

إن القلب والروح وفهم النصوص يتحكموا كثيراً في آداء الألحان السريانية وهذا واضح من الإرتجال الكبير المعبّرعن النص في البكاء والتذلّل وإنسحاق القلب.

وهذا متّفق ومنسَجِم مع الطريقة الشرقية في تفسير الكتاب المقدس، وهي اشتراك العقل والقلب والروح في التفاسير اللاهوتية، وخاصة في قضية ربط العهدين العتيق والجديد ببعضهما.

 

 

5- النغمة الخادمة

من خلال درسي لجوهر الألحان السريانية الكنسية تبيّن لي بأن النغمة يجب أن تكون خادمة مطيعة للمعنى وليس العكس، وذلك لسبب إدخال معنى النصوص الدينية المغناة الى ذهن ونفس المصلي، لأن الصلاة هي مناجاة النفس البشرية لله للإتحاد معه ومخاطبته ليستمع الى شكوانا وطلباتنا وألّا يدير وجهه عنّا. ورغم وجود قاعدة في الكنيسة السريانية تقول في تطبيق الألحان على نصوص عديدة متفقة في الأوزان الشعرية، إلا أن الألحان المختارة من نظام الألحان إكاديس يجب أن تكون عادة مناسبة للحدث المعالج ومتفقة مع طبيعة النص، أي التوافق بين طبيعة اللحن وطبيعة النص الشعري.

ولا يجوز تطبيق لحن من مجموعة لحنية ما ܣܶܒܠܬܳܐ “سيبَلثوُ” يحمل في جوهره النغمي وفي نصّه الشعري الحزن والألم، على نص يتناول موضوعه الفرح والبهجة والسرور مثل عيدي الميلاد القيامة.

وهذا يؤكد قولنا أن تكون النغمة خادمة مطيعة للمعنى.

 

6- إنشاد الصلاة بحكمة

بالإضافة لوجود توصيات من المجامع المحلية والآباء القديسين في أغلب الكنائس لربط المعنى بالنغمة، أي أن تكون الألحان وطريقة إنشادها مناسبة لمعنى النصوص الدينية، ليكون لإتحادهما معنى حقيقي يؤثر على القلب والعقل معاً،

فهناك أيضاً توصيات على أن يكون إنشاد ألحان الصلوات بحكمة وروحانية مليئة بالورع والتقوى ليكون الإهتمام موجهاً لمعاني النصوص الدينية وليس فقط إلى اللذة الموسيقية الحاصلة من تطريب اللألحان.

وقد تحولت هذه التوصيات إلى قانون في الكنيسة البيزنطية الشرقية ينص على أن يكون “اللحن والصلاة بحكمة وليس بلذة”. لأن من يهتم باللحن فقط تستهويه نغمته فينطرب وينسيه معاني الكلام الرباني فيخرج بذلك من روحانية الصلاة.

 

ويتبع في الجزء الثاني عشر

 

الموسيقا السريانية الكنسية (الجزء الثاني عشر)

الفرق بين النظامين اللحنيين اوكتوإيكوس وإكاديس (3)

في الإنشاد الكنسي (2)

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

في هذا الجزء نتابع الفرق بين النظامين اللحنيين اوكتوإيكوس وإكاديس من ناحية الإنشاد الكنسي وسندرس بعض مميّزات الإنشاد في الكنيسة البيزنطية الشرقية لأجل معرفة الفروقات مقارنة مع الإنشاد في الكنيسة السريانية الذي كنا قد درسناه في الجزء السابق من مقالنا، ثم نلقي الضوء على نوعية الأنغام السريانية لأجل المحافظة عليها.

الإنشاد الكنسي البيزنطي الشرقي (الآداء)

يعرّف العلماء الموسيقا البيزنطية بأنها ظاهرة انتروبولوجية “علم الإنسان” عميقة ووسيلة تواصل قد تكون أكثر أساسية من الكلام البشري، وهي أيضاّ أداة فعّالة جدًّا لتهذيب الذاكرة وحفظها. وقد تمّت بلورة أفكارها وتطوير نظامها وتقسيم ألحانها على مناسبات وأعياد وتذكارات السنة خلال العصور والوسطى للمسيحية من قبل أشخاصٍ عباقرة “فلاسفة قدماء ومؤلّفين وموسيقيين ومفكّرين”.

وقالوا في أهميتها: الموسيقا أساسيّة لروح الكنيسة البيزنطية، فعندما نرتّل نؤدّي عمل اللاهوت وعمل الصلاة، ونحافظ على ذكرى وحقيقة موت ربنا يسوع المسيح وقيامته الواهبين الحياة.

ولكنيسة الروم (البيزنطية الشرقية) تدوين موسيقي “نوتة موسيقية” خاص بها وقديم جداً وهو معمول به لغاية اليوم، وقد تطور هذا التدوين قليلاً عبر تدرج التاريخ، وهو يتميّز بتعابير وبمصطلحات موسيقية قديمة خاصة به وهي باللغة اليونانية، وهي غير تلك المصطلحات التي ألِفناها في النوتة الحديثة.

وتنقسم هذه الموسيقا من خلال تدوينها الموسيقي إلى جزأين هامين وهما:

الإيصن والميلوس.

– الميلوس يُلبس اللغة العميقة لحنًا تبشيريًّا لإعلان النص والتبشير به.

ويتميز الميلوس بمفاتيحه الموسيقية التي تعبر عن نوعية اللحن ومسيرته وعن درجته الصوتية.

أي هو مفتاح التدوين الموسيقي البيزنطي (النوطة الموسيقية) بعينه كما أكّده لي أحد الآباء الكهنة المختصين في الموسيقيا البيزنطية الشرقية.

– الإيصن هو النوتة الموسيقية (أي العلامة الموسيقية التي تحدد درجة الصوت الموسيقية) التي تضبط اللحن، ويتم إمساكها فيما يرتل المنشد التراتيل، وأغلبها تُمسَك من قرار اللحن.

الإيصن صعب لأنه يتطلّب معرفة وخبرة، وعزيمة إستثنائية ومركّزة من الكورس أو المنشد، ليستطيع الثبوت والركوز بإستمرار على الدرجة الصوتية المطلوبة، أي الثبوت في مكان واحد من ناحية اللحن، بينما يتحرّك المرتّل في السلّم الموسيقي.

غالبًا ما يتمّ إهمال الإيصن لأنّه صعب جدًّا ولأنّ البعض يعتبره غير ضروري. لكنّ الإيصن أساسي لما يحدث في الموسيقا البيزنطية، فهو بمثابة عرش يتموضع فيه اللحن حتى لا يضلّ طريقه ويسقط، وجانب غير قابل للتفاوض عليه في الموسيقا البيزنطية.

لن أسترسل في شروحات ما يتميّز به الإنشاد الديني في الكنيسة البيزنطية الشرقية ولكن سأوضح فقط ثلاث نقاط مهمة لتبيان الفروقات في كيفية الترتيل بينه وبين الإنشاد السرياني.

1- الفخامة في الإنشاد الديني البيزنطي

إن طريقة الإنشاد لألحان الكنيسة البيزنطية قائمة على العظمة والفخامة، والتبجيل الذي يليق (كما يقال) بحضرة ومكانة الآب السماوي العالية، وتحوي هذه الطريقة بحسب رأيي الشخصي الكثير من العظمة المترجمة في الكبرياء التي نراها واضحة في طريقة آداء الألحان من قبل المنشدين والمرتلين وفي جمالية الإيقونات الضخمة المتواجدة في هياكل الكنائس البيزنطية بشكل عام.

وأتصفت الطريقة البيزنطية في الإنشاد خلال التاريخ، بالطريقة الملكية في الصلاة، نسبة لتبني الكنيسة طقوس وتقاليد تحوي الكثير من العظمة والفخامة اللائقة بالملوك والأمراء والنبلاء، خاصة عندما تحولت الكنيسة من اليونانية إلى البيزنطية في القسطنطينية، ولتتغرب بعدها وتصبح أوروبية لاتينية.

لهذا تميّزت الكنيسة البيزنطية عن أخواتها الكنائس المشرقية بأنها تمثل كنيسة الملوك والأمراء والنبلاء وطبقات الشعب الارستوقراطية، حتى أنها استعملت اللغة اليونانية قرون عديدة كلغة أدبية في العظات الكنسية ولمخاطبة الشعب كحالة فوقية منفصلة عن الواقع وعن لغة عامة الناس، حيث كان الأسقف في زياراته الرعوية أثناء عظاته وخطبه الدينية، وقبل تعريب لغة الشعب والكنيسة، يستخدم ترجمان للغة الآرامية التي كانت لغة العامة آنذاك، لهذا وحسب رأيي الشخصي ورأي الكثيرين من النقاد أن الكنيسة البيزنطية ليست كنيسة الشعب والعامة، فتختلف بهذه الجزئية عن الكنيسة السريانية التي تمثل كنيسة الشعب كما بييّنا الأسباب في الجزء السابق من مقالنا، والتي يتميّز إنشادها بالبساطة والعفوية والتواضع المتمثّل بالتذلّل والتمسّكن أمام عظمة الله، وأيضاً بسبب تطابق لغة الشعب والكنيسة في الفترات الأولى لها، إلا أن وقوع إضطهادات وكوارث عديدة لحقت بالكنيسة فحصلت حالة تخلف رهيبة لدى الشعب متمثلة في عدم إتقان العامة للغتها السريانية الآرامية، فدخلت في حالة شبيهة بحالة الكنيسة البيزنطية، وتضطر الى استعمال لغة العامة في العظات والكرازات وبعض الطقوس الأخرى.

2- الدقة في الآداء البيزنطي

إن الألحان البيزنطية وطريقة إنشادها التي لا تقبل الإرتجال في الآداء كثيراً، هي طريقة دقيقة للغاية، لا تقبل التصرف مطلقاً إلا في بعض الحالات والمواضع الخاصة، وكأن اللحن البيزنطي في إستعماله التدوين الموسيقي البيزنطي وتطبيقه لقواعد الإيصن والميلوس، هو نص كتابي يقرأ بشكل واضح وبطريقة واحدة فقط.

لهذا أرى بأن الطريقة البيزنطية في آداء الألحان، هي طريقة دقيقة للغاية من حيث تطبيقها عملياً ورائعة من حيث جمالية سماعها، وساهمت مساهمة فعالة في المحافظة على الألحان الكنسية من الإندثار والضياع والتغيير، وتختلف بذلك عن الطريقة السريانية في الإنشاد التي تعتمد إعتماداً مطلقاً على ذاكرة الكهنة والخدام المنشدين، والتي نتج عن عدم تدوين ألحانها الكنسية وعن عدم وجود طرق أو أساليب لحفظها بشكل جيد من الضياع، تغيّرات كثيرة وفروقات عديدة في إنشادها وآدائها بين الكثير من المدن المختلفة ثقافياً ولغوياً وبين مراكز التعليم وبين القرى المتوزّعة على جغرافية واسعة من البلاد، مما أدّى وبكل أسف إلى ضياع ونسيان العديد من هذه الألحان.

3- الرصانة في الإنشاد البيزنطي

يعود الفضل الكبير في رصانة الآداء إلى العقل البشري الذي يتحكم بطريقة الإنشاد، حيث يلعب هذا العقل دوراً رئيسياً في تنفيذها، ولا وجود دور للقلب كثيراً ولا للمشاعر في التحكم في الإنشاد، إلا في القسم القليل من الألحان القابلة للإرتجال. فَتُعرَّف الموسيقا البيزنطية بأنها موسيقا رصينة ولا تحاكي العواطف لأنها قائمة على القواعد السابقة، ولهذا فإن الطريقة البيزنطية في آداء الألحان تتفق وتتناسب وتنسجم مع طريقة التفسير الغربي للكتاب المقدس العقلانية، التي يتحكم العقل فيها بشكل مباشر وصارم في تفسيرات النصوص المقدسة، وخاصة ما يتعلق في قضية ربط العهد القديم بالعهد الجديد، حيث لا تعطي هذه الطريقة أبعاد تفسيرية أخرى لم تقلها النصوص وتحميلها ما لا تحتمل، كما في التفسير الشرقي الذي تتبعه الكنائس الشرقية الاخرى. فالرصانة في الإنشاد الكنسي البيزنطي هي طريقة تعتمد على العقل وتتوافق مع طريقة التفسير الغربي لنصوص الكتاب المقدس التي تعتمد على التوافق العقلي أيضاً.

أما الطريقة السريانية في الإنشاد الكنسي فتعتمد كثيراً على القلب والروح والمشاعر في أداء الألحان الكنسية، وتتوافق مع الطريقة الشرقية في تفسير الكتاب المقدس، وهي اشتراك العقل والقلب والروح في التفاسير اللاهوتية، وعلى ربط العهدين العتيق والجديد ببعضهما بشكل فاعل في الكنيسة.

المحافظة على نوعية الألحان السريانية

يقول ابن العبري في كتابه “الإثيقون”:

تتميز أنغام الكنيسة السريانية “بأنغام روحية هادئة ورصينة وشجية تثير في النفس الخشوع لتربي في النفس الميول الروحية، وتغسلها بالدموع وتطهرها من الشرور والآثام”.

لقد حدد العلّامة والفيلسوف السرياني الشهير مار غريغوريوس يوحنا أبن العبري فيما تقدم إطار نوعية الألحان الكنسية السريانية بعد دراسته لها ونقلاً عن آراء الآباء الأجلّاء من الذين سبقوه ومن شروحات الآباء الملحنون للأناشيد الكنسية.

لهذا أرى من واجب الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية شعباً وإكليروساً التقيد التام بما قاله فيلسوفنا العلامة أبن العبري للحفاظ على تراث الكنيسة الموسيقي من الضياع والإندثار والتشويه، وللحفاظ على هوية الألحان السريانية الأصيلة من دخول العنصر الموسيقي الغريب عليها.

وعلى كل من يرغب في متابعة مشوار وضع ألحان جديدة للكنيسة السريانية أن يتقيد بطبيعة وصفات الأنغام الموسيقية السريانية، وخصائص ونوعية الألحان الكنسية، وعلى سلالمها وقوالبها الموسيقية، وعلى قواعد طرق آدائها، كما أوردناها في مقالنا، لتأتي ألحاناً سريانية خالصة صحيحة خالية من الشوائب والتأثيرات الخارجية.

ويتبع في الجزء الثالث عشر

 

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الثالث عشر)

Ninos Assad Sauma

الخصائص الموسيقية للألحان الكنسية

(1) وخصائص إنشاد الألحان الكنسية

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

الخصائص الموسيقية للألحان الكنسية

قام الموسيقار السرياني القدير “نوري اسكندر” بتنويط الحان الكنيسة السريانية الارثوذكسية كما هي منظمة في الكتاب الكنسي ܒܝܬ ܓܙܐ ܕܩܝܢ̈ܬܐ ܕܥܕܬܐ ܣܘܪܝܝܬܐ (مخزن ألحان الكنيسة السريانية الارثوذكسية)، وكان المطران المثقف (الأسير حالياً) غريغوريوس يوحنا ابراهيم قد قام عام 1992 بطباعة الكتاب المذكور بمجلد ضخم يضم بين دفتيه النص السرياني والنوتة الموسيقية.

كان الموسيقار المذكور نوري اسكندر قد درس الأجناس الموسيقية لألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية، واستخرج منها “خصائص الموسيقا السريانية” ويقصد بها “خصائص ألحان الكنيسة السريانية”، والتي أتفق معه حولها، وسأوردها هنا بإختصار كمعرفة عامة ليتعرف عليها القارىء الكريم، قبل أن ندخل في خصائص الإنشاد الديني أي (خصائص غناء الألحان السريانية الكنسية ) التي أستخرجناها بعد دراستنا لكيفية إنشاد اللألحان السريانية الكنسية المعتمدة على خبرتنا المكتسبة من تعاطينا وعزفنا للألحان الكنسية لسنوات طويلة.

خصائص الألحان السريانية الكنسية حسب الموسيقار نوري اسكندر:

1- إن هذه الألحان السريانية هي موسيقا متوارثة ومتناقلة شفهياً.

2- تمتاز بالبساطة والعفوية وهي من نوع السهل الممتنع.

3- سلالمها شرقية تحوي ثلاثة أرباع الصوت.

4- تعتمد على أجناس موسيقية ثلاثية ورباعية وخماسية.

5- لها خاصية في التركيب التسلسلي المتتالي للجمل اللحنية في الصعود والهبوط.

6- العبارات الشعرية لها تراكيب لحنية خاصة بها.

7- هناك اختلافات أو توافقات في الموازين الموسيقية مع الشعرية ومع الأوزان الإيقاعية.

8- إقتصار الألحان غالباً على درجات قليلة في التركيب اللحني.

9- ارتباط القالب اللحني بالشعري.

10- ارتباط الألحان بالروح الاجتماعية.

خصائص إنشاد (غناء) الألحان الكنسية

كما استنتجناها

إن الإنشاد الديني في الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية له خصائص ومميّزات معينة يشترك في بعضها مع خصائص إنشاد الكنائس الأخرى الشقيقة ويختلف في بعضها الآخر وخاصة فيما يتعلق بكيفيته أي بكيفية الإنشاد. وهذه بعض الخصائص التي استنجناها:

الإنشاد بدون مرافقات موسيقية A Cappella :

1.1- رغم أن المصطلح الموسيقي A Cappella له قواعده الموسيقية العالمية إلا أن فكرته الأساسية قائمة على عدم استعمال آلات موسيقية.

والموسيقا في الكنيسة السريانية هي موسيقا صوتية بالكلية ولم تستعمل الآلات الموسيقية مرافقة للإنشاد الكنسي، فالغناء أو الإنشاد في الكنيسة يقوم على أساس واضح هو عدم مرافقة الآلات الموسيقية له، أي أن الإنشاد الفردي للشمامسة والكهنة كما الإنشاد الجماعي للجوقات لا ترافقه آلات موسيقية أثناء إقامة القداديس والصلوات اليومية وصلوات المناسبات الأخرى. وتسمى عالمياً هذه الخاصية ب A Cappella.

وتعتمد هذه الطريقة في الغناء على الخبرة الموسيقية للمنشدين في معرفتهم للألحان الكنسية وتَغيّرها وعلى معرفتهم بتبديل وتعديل في الطبقات الصوتية، ويكون أحد الشمامسة عادة، أو رئيسهم المتمكن من الألحان الكنسية خاصة في القداديس، هو قائدهم الذي يقرر بمسيرة تغيير الألحان والطبقات الصوتية في مجرى جميع صلوات الدينية.

2.1- إن الكنيسة البيزنطية الشرقية وكما الكنيسة السريانية لم تُدخِل في إقامة صلواتها آلات موسيقية مرافقة للإنشاد الكنسي أبداً، لأن الصوت البشري حسب رأي آباء الكنيسة هو أجدر بتمجيد الرب لأنه يعبر بجلاء ودقة أكثر من الآلات الموسيقية وخاصة تعبيره عن صدق عواطف الإنسان الطبيعية وصراحة شعوره.

وعملياً ومن حيث إنشاد الألحان فإن الكنيسة البيزنطية الشرقية منظمة بشكل أفضل من الكنيسة السريانية، والفضل يعود لتقيّدها التام بقواعد الميلوس والإيصن، لأن الميلوس يتميز بمفاتيحه الموسيقية التي تعبّر عن نوعية اللحن ومسيرته وعن درجته الصوتية، وأما الإيصن فهو النوتة الموسيقية التي تضبط اللحن (أي العلامة الموسيقية التي تحدد درجة الصوت الموسيقية)، ويتم إمساكها فيما يرتل المنشد التراتيل، وأغلبها تمسك من قرار اللحن.

فتستخدم الأصوات البشرية لقسم من أعضاء الجوقة أثناء الإنشاد الكنسي الجماعي والفردي كآلات موسيقية مرافقة للإنشاد، فالمقتدر من الجوقة أو من الشمامسة والعارف بالألحان الكنسية يبتدأ بها ويغيّرها ليسلمها للآخرين، بينما قسم من الجوقة يحافظ على الطبقة الصوتية بإصدارهم صوت واحد متواصل هو درجة استقرار سلم مقام الانشودة أو قطعة الصلاة التي تنشد مثل الموال، وهو على الأغلب الصوت القرار لصوت مستقر مقام الانشودة، والذي يكون متفقاً عليه أو مكتوباً في التدوين الموسيقي للانشودة.

وهذه طريقة تنظيمية رائعة تعوّض عن إستعمال الآلات الموسيقية بالمطلق.

3.1- وجود تضارب آراء في الكنيسة السريانية بخصوص مرافقة الآلات الموسيقية للمنشدين أو بعدم المرافقة، كما أكده ابن العبري في كتابه الإيثيقون.

إن الألحان الكنسية السريانية مثلها مثل ألحان الكنيسة البيزنطية قائمة على نظام (أ كابيللا) A. Cappella أي الإنشاد دون مرافقة آلات موسيقية، وهي الكفّة الأرجح في رأي الكنيسة. وسندرس لاحقاً هذا الأمر الذي يوضِّح موقف الكنيسة من إيجاز دخول الآلات الموسيقية للكنيسة أو عدم إيجازها.

2 – النغمية (ميلودية) Melody :

ترتكز الألحان على نغمات موسيقية خاصة تشكل إطارها اللحني العام، وتسمى هذه النغمات اللحن الميلودي.

إن أغلب ألحان الكنائس الشرقية مثل القبطية والبيزنطية والسريانية بفرعيها

الغربي والشرقي هي نغمية (ميلودية)، أي أنها تعتمد على نغمات معينة في آداء ألحانها.

والنظام إكاديس المتبع في الكنيسة السريانية الارثوذوكسية ذي النغمات الثمان يعتمد إعتماداً مطلقاً على الغناء الفردي والجماعي الذين يحققان الغناء النغمي بسهولة. وبالنتيجة فإن ألحاننا الكنسية هي ألحان نغميّة (ميلوديّة) تعتمد في تنفيذها على الطريقة النغمية البسيطة في الغناء التي تتقاطع مع الطريقة التركيبية الإنسجامية الغربية ولا تحققها، لأن طبيعة وصفات وجوهر ألحاننا الكنسية ترفض تنفيذها بالطريقة التركيبية الغربية.

بالرغم من كثرة الألحان الكنسية يستطيع الكهنة والشمامسة القديرين، ورغم إعتمادهم على الذاكرة والسمع، أن يميّزوا كل لحن بواسطة نغمته الخاصة به عن الألحان الأخرى من خلال الفروقات النغمية الموجودة في سلالمها الموسيقية، ويستطيع الموسيقي أيضاً أن يميّز نغمات الألحان عن بعضها بواسطة سلالمها الموسيقية.

3- الأُحادية (مونودية) Monody :

إن الكنيستين البيزنطية والسريانية تعتمدان على اسلوب أُحادي الصوت في الإنشاد الكنسي المسمّى مونودي “الصوت الواحد”، أي على آداء الألحان بطريقة أُحادية بدون مرافقات صوتية أخرى تختلف عنها بالدرجات الموسيقية، فلا تعتمد بالإطلاق على طريقة تعدد الأصوات المسماة (بوليفوني) في آداء الألحان، ويمكن أن ينشد اللحن من قبل منشد واحد يقوم بدور الصوليست (الغناء الإفرادي) دون مرافقات صوتية أخرى له، أو بواسطة جوقة ما ترتل اللحن وبصوت واحد فقط (على سلم واحد) وليس بتعددية صوتية، وكأن الإنشاد الجماعي هو تماماً غناء إفرادي.

أسباب كون ألحاننا مونودية أحادية:

1- تعتمد ألحاننا الكنسية على اسلوب الميلودي المونودي (اللحن النغمي الأُحادي) في الآداء، وليس على الاسلوب البوليفوني (التركيبي)، أي الأصوات المتعددة التي تنشد على سلالم موسيقية مختلفة لتندمج بإنسجام تام وتُخرِج لحناً آخراً رائعاً، أو لتستعمل كطريقة تجميلية للحن، مثل طريقة الجوقات الاوروبية في الترتيل.

2- إن البناء اللحني للألحان الكنسية في المشرق هي من النوع النغمي الميلودي المونودي، وهي تماماً مثل المقامات الشرقية (الفارسية التركية العربية وغيرها) التي تمتاز بكونها أُحادية الصوت وليست من الأنواع التركيبية التناغمية التي تحوي أكثر من صوت ودرجة.

3- تعتمد أغلب الكنائس المشرقية ومنها الكنيستين السريانية الأرثوذوكسية والبيزنطية المشرقية إعتماداً كليا وكبيراً وبشكل كثيف على النغمات الشرقية التي تحوي سلالمها الموسيقية على ثلاثة أرباع الصوت، ومن الصعوبة تطبيق قواعد “البوليفوني” التعددية الصوتية التناغمية عليها.

4- بسبب وجود نصوص كثيرة وقراءات طويلة في الكنيسة السريانية فمن الصعوبة أن تطبق الكنيسة الطريقة التركيبية البوليفونية في صياغة ألحانها وطرق غنائها.

الموسيقا الشرقية ميلودية ومونودية

الموسيقا الشرقية بكليتها هي موسيقا نغمية وأحادية الصوت ومن بالغ الصعوبة تطبيق القواعد الغربية مثل الهرموني والبوليفوني إلّا على جزء صغير منها، فكل المقامات الشرقية لها سلالمها الموسيقية المبنية من نغمات ميلودية معينة وتغنى بصوت واحد (مونودي)، ولكل مقام نغمته الخاصة به التي تغنّى فتميّزها عن صديقاتها الأخر من النغمات، فتميّز المقام عن بقية المقامات الأخرى وتكسبه هويته اللحنية الخاصة به.

وبشكل عام يجب ألّا تدخل الطريقة الغربية البوليفونية على نغمات المقامات، أي الطريقة التعددية التركيبية المتناغمة في الأصوات، لئلّا تفقدها شرقيتها وخصوصيتها. والكنائس المشرقية بشكل خاص تشترك مع المقامات الشرقية بميّزتها الميلودية المونودية، لكن في الآونة الأخيرة غيّرت بعض جوقات هذه الكنائس الخصوصية الشرقية في إنشادها الجماعي وأدخلت على غنائها الطريقة الغربية البوليفونية على إنشادها مع مرافقات موسيقية هرمونية، ولم تعد تحافظ على تقليدها الكنسي أو بدأت على الأقل بعدم الإلتزام به والخروج عنه، وإحداها هي بعض جوقات الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية.

ويتبع في الجزء الرابع عشر

 

 

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الرابع عشر)

 

 

خصائص إنشاد الألحان السريانية (2)

 

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

 

شرحنا في الجزء الثالث عشر من مقالنا بعض خصائص وطرق غناء الألحان السريانية التي كانت كانت:

1- صوتية بالكلية، آ كابيللا: الإنشاد لا يرافقه آلات موسيقية، والصوت البشري هو أجدر بتمجيد الرب من الآلات الموسيقية.

2- نغمية ميلودية: الإعتماد كلياً على النغمات في صياغة الألحان السريانية الكنسية، وهذا ما نلمسه في ألحان نظام النغمات الثمان “إكاديس”.

3- أحادية مونودية: اللحن الكنسي كما الشرقي يتكون من نغمة أُحادية وإنشاده يؤدّى بأسلوب أحادي، ولا يعتمد مطلقاً على الأسلوب التركيبي البوليفوني للنغمات، أي توزيع نغمات اللحن على عدة درجات صوتية.

إن الاسلوب البوليفوني والهرموني يتقاطعا مع خاصية الأحادية للألحان الكنسية السريانية المتكوّنة من نغمات شرقية حيث أن سلالمها الموسيقية تحتوي على ثلاثة أرباع الأبعاد الصوتية.

ونتابع اليوم في هذا الجزء الرابع عشر شرح بعض الخصائص الأخرى لإنشاد الألحان السريانية الكنسية كي نتعرف على كيفيّة الإنشاد بدقة أكثر، بهدف المحافظة على ألحاننا السريانية وعلى أساليب إنشادها  لئلا تندثر وتضيع بسبب تَبَنّي وبدون معرفة (من قبل الكثيرين وخاصة الموسيقيين منهم) أساليب مطروحة على الساحة الموسيقية غريبة عن تراثنا وتاريخنا الكنسي، كما حصل ويحصل في عصرنا هذا نتيجة عدم أهتمامنا بها وإهمالنا لها.

 

 

4- الإنشاد بطريقة التنغيم البسيط

 

يتميز اسلوب غناء الأناشيد في الكنيسة السريانية بخاصيّة تسمى التنغيم البسيط، وهو اسلوب قديم جداً في الإنشاد كان قد استعمله اليهود في غناء وآداء ألحانهم الدينية لكن مع مرافقة آلات موسيقية كما يخبرنا العهد القديم.

تطورت الطريقة البسيطة في الإنشاد على يد السريان وأعطوها أهمية ومميزات جديدة لتلبس اللحن التعبير الصحيح عن روح الكلمة الدينية، فتميزت بالبساطة الشديدة والعفوية والزهد والمسكنة والخلو من التعقيد والتطريب ومن الفخامة والكبرياء، لأنها ابنة الرهبنة والأديرة المتقشفة والجماعات المتعبدة والمُضطَهَدة.

وبالرغم من المظاهر الملوكية التي تشكل نسبة ضئيلة جداً في الكنيسة، المتمثلة في ألبسة الكهنة أثناء القداديس والإحتفالات الأخرى، فقد أَطلقتُ عليها في الجزء الحادي عشر من مقالنا تسمية “الطريقة السريانية في التنغيم”، بسبب أن معظم الكنائس السريانية ذات الطقس السرياني تستعملها في إنشاد ألحان صلواتها الدينية.

وهذه الطريقة تتقاطع مع الطريقة البيزنطية للإنشاد بسبب إعتماد الأخيرة على الفخامة والعظمة في الآداء وتطويل الجمل اللحنية.

 

 

5- الإنشاد بطريقة شعبية

 

رغم وجود اليوم حالة إستثنائية في الكنيسة السريانية متمثلة في عدم إتقان السريان للغتهم السريانية لفهم النصوص الدينية كما يلزم، إلا أن الكنيسة السريانية كانت تمثل كنيسة الشعب والعامة في العصور الأولى للمسيحية.

 

1- لأن الشعب كان يتكلم الآرامية في يومياته، ويتقن السريانية الكلاسيكية لغة ثقافته وكنيستة ولغة الكتابة والتداول بين الناس.

2- لأن دورها التبشيري الأساسي كان بين العامة من الناس، فأوصلت البشارة الى الهند والصين، فألتزمت الكنيسة بالطرق الشعبية البسيطة للإنشاد في تقديم صلواتها المناسبة للعامة كخط واضح ومستمر لغاية اليوم.

3- لأن ألحانها تركتز في بنائها الموسيقي على أنصاف السلالم الموسيقية المستعملة في ألحاننا بشكل جلي وأساسي لأجل تحقيق الأسلوب الشعبي في الإنشاد القريب جداً من الغناء الشعبي والذي يتكون بمعظمه من أنصاف السلالم الموسيقية.

4- تراكيب الجمل اللحنية، ومسيرة الألحان وإنسيابيتها هي بالمطلق شعبية، رغم وجود بعض الحالات والأمثلة الدخيلة عليها.

 

وأما الكنيسة البيزنطية فكانت تمثل كنيسة الملوك والأمراء والطبقات الحاكمة ولغتها كانت اليونانية لغة الثقافة والعلوم آنذاك والتي لم يكن يتقنها العامة من الشعب، فجاءت ألحانها الكنسية وطرق آدائها معبرة عن حالها وواقعها، أي الطريقة الملكية في الإنشاد.

 

 

6- الإنشاد بطريقة قرائية

 

إن الطريقة القرائية في إنشاد قسم من الصلوات الكنسية تعتمد في تنفيذها على الغناء بشكل وكأنما إنشاد النصوص الدينية هو كلام يقرأ ببطء وبهدوء وخشوع مع قليل من التنغيم، وهذه الطريقة هي خالية من المدات اللحنية والتطويل الصوتي في الإنشاد إلا في نهايات المقاطع الشعرية واللحنية أي في القفلات، كما في ألحان بعض الصلوات اليومية والحسايات وفي القراءة النغمية للإنجيل.

وتتمييز معظم الكنائس السريانية وخاصة الكنيسة السريانية الارثوذوكسية في آداء وغناء قسم من ألحان صلواتها بهذه الخاصيّة في الآداء، أما الكنيسة البيزنطية الشرقية فلا وجود لهذه الطريقة فيها ولا تعتمدها في آداء ألحانها، لأنها تعتمد على المد والتطويل في اللحن حتى في قراءات الكتاب المقدس، الذي يميّزها عن غيرها من الطرق ومن الكنائس الشرقية

 

 

7- الإنشاد بحكمة

 

يتميز الإنشاد السرياني الكنسي بخاصيّة مهمة وهي إنشاد ألحان الصلوات الكنسية بحكمة وروحانية مليئة بالورع والتقوى ليكون الإهتمام موجهاً لمعاني النصوص الدينية وليس فقط إلى اللذة الموسيقية الحاصلة من تطريب اللألحان.

 

 

8- الإنشاد بمسكنة وتذلل وندامة

 

يتم التنغيم بطريقة تحوي الكثير من التذلّل وإنكسار النفس وإنسحاق القلب وتواضع كبير ومسكنة واضحة وندامة ولجاجة في صلواتنا وطلباتنا، وعدم رفع الاصوات أمام حضرة الله بكبرياء وعظمة، فنصرخ بحضوره  فيكون مخالفاً تماماً لمعاني النصوص الدينية، ومخالفاً أيضاً للتواضع الذي علينا التقيّد به حسب توصيات الكتاب المقدس، فالكبرياء سيبعدنا عن الله الأزلي وعن ملكوته السماوي وعدم حضوره بيننا.

إن النصوص السريانية بمجملها مليئة بالمسكنة والندامة والتذلل والتواضع، وألحانها مطابقة لمعانيها.

فالمتذوق والعارف بالموسيقا الشرقية يشعر بوجود الصفات السابقة في ألحاننا الكنسية عند سماعه لها أثناء إنشادها والتي هي من إحدى خاصّيات ألحاننا السريانية الكنسية.

 

 

9- الإنشاد بهدوء وروحانية

 

من مميّزات الإنشاد السرياني الكنسي الخشوع والروحانية والهدوء الشديد والرصانة للوصول إلى فتح قناة حوارية وتواصل مع الرب لأجل أن يدير وجهه نحونا ويسمع شكوانا وهمومنا من خلال صلوتنا.

 

 

10- النغمة الخادمة

 

لقد ذكرت سابقاً بوجوب أن تكون النغمة خادمة مطيعة للمعنى وليس العكس.

فهذه خاصية مهمة جداً من خصائص الإنشاد السرياني الكنسي، لأجل إدخال معاني النصوص الدينية المغناة الى ذهن ونفس المصلي.

وتبرز هذه الخاصية من خلال ملاحظتنا لتطابق التعبير اللحني لمعنى النصوص الكنسية وحسن استخدام النغمات المطيعة للكلمات ذات الصفات المشتركة مع طبيعة الحدث الذي يتناوله النص الديني.

 

 

11- الإنشاد بتعبير وأحاسيس

 

إن التعبير الصوتي الذي يسمى أيضاً التصوير الصوتي مهم للغاية في الإنشاد الكنسي فعلى المنشد أن يفهم معاني النصوص جيداً ليبكي من الكلمة الباكية ويحزن مع الكلمة الحزينة ويتذلل مع أخرى ويتواضع مع كلمة التواضع ويتمسكن معها ويبرز الندامة عند كلمة الندم.

وعلى المنشد أيضاً أن يبرز وبشكل واضح الورع والحكمة والرصانة في صوته وفي آدائه للصلوات وإلخ ….

 

إن من مزايا الإنشاد السرياني الكنسي هو التعبير الصوتي عن جوهر مقاصد الكلمة الإلهية، والإحساس بالمشاعر المتواجدة في معاني هذه الكلمة، لتحريك مشاعر جموع المصلين لأجل تحقيق هدف معاني النصوص الكنسية وهي الإقتراب من حضرة الله والشعور بوجوده بينهم.

 

إن الكنيسة فقدت اليوم الكثير من خصوصيّات إنشاد ألحانها بسبب الكوارث والنكبات والمجازر التي مرّت بها عبر التاريخ، والتي أدّت إلى أن عشعش الجهل والتخلف في كل النواحي الحياتية وزوايا ثقافة أبنائها، والموسيقا الكنسية هي واحدة منها، فخلق نتيجة هذا الأمر تمايز كبير في الإنشاد وإختلافات في جوهر بعض الألحان الكنسية لدى كهنتها وشمامستها في الأبرشيات المنتشرة في المشرق والعالم وكذلك بين كنائس كل ابرشية على حدى. كل ذلك بسبب قلة معرفة هؤلاء  في الألحان الكنسية وعدم إتقانهم لخصوصيّات الإنشاد الكنسي، ونتيجة تأثرهم وبشكل واضح وكبير بموسيقا وغناء بيئاتهم المختلفة والغريبة عن الألحان السريانية الكنسية.

 

ويتبع في الجزء الخامس عشر

الموسيقا السريانية الكنسية

( الجزء الخامس عشر )

خصائص إنشاد الألحان السريانية (3)

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

 

وبعد أن شرحنا مجموعة أخرى من خصائص إنشاد الألحان السريانية الكنسية في الجزئين السابقين من مقالنا ونستذكرهم بإختصار شديد:

1- صوتية آ كابيللا، 2- نغمية ميلودية، 3- أحادية مونودية.

4- التنغيم البسيط ، 5- الطريقة الشعبية، 6- الطريقة القرائية.

7- الإنشاد بحكمة، 8- المسكنة والتذلل والندامة، 9- الهدوء والروحانية.

10- النغمة الخادمة، 11- التعبير والإحساس.

نتابع في جزئنا هذا شرح خصائص مهمة أخرى لتوضيح كيفية الإنشاد السرياني لتلافي الأخطاء المستخدمة أثناء الآداء والتي أثّرت سلباً على طبيعة ألحاننا السريانية الكنسية وحرّفت مسار طُرُق إنشادها وأخذت بعضها إلى التطريب وبعضها الآخر إلى التغريب، فأدّت بقسم منها إلى التخريب.

12- الإرتجال

سأسهب قليلاً في الشرح عن خاصية الإرتجال لما له من أهمية ولأن بسببه خلقت إشاكاليات في ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية تحولت عبر التاريخ إلى

حقائق ومن بالغ الصعوبة تصحيحها عملياً.

تعريف الإرتجال:

هو إنجاز عفوي ونوع من الإلهام والوحي يتم تنفيذه بشكل مباشر أثناء عرض فكرة فنية ما من غير تصميم مسبق أو تدوين ما، يقوم به الشعراء أو المغنيين أو الموسيقيين أو المسرحيين أثناء عروضهم الأدبية والموسيقية والفنية.

فالشاعر يؤديه مبارزاً ومنافساً لغيره من الشعراء، والمسرحي يقوم به معبراً عن موقف ما أو عن حدث طارئ وقع أثناء عرضه المسرحي، والمغني يقوم به آداءاً تجميلاً للحن الأساسي الذي يؤديه، والعازف ينفذه كزخارف إضافية على آلته الموسيقية أثناء قيامه بعزف مقطوعة موسيقية ما.

يختلف مفهوم الإرتجال في كل حضارة عما سواها، ففي الغرب يتجلّى في الموسيقا الكلاسيكية الاوبرالية في فقرة “آداء حر” لإظهار مهارة المغنيين، وفي قالب الكونشيرتو الموسيقي لإظهار مهارة العازف وحرفيته العالية في العزف.

أما في موسيقا الشرق فيتجلّى الإرتجال بشكل كبير في الموال عند المغنيين، وفي التقاسيم الحرة عند العازفين، لإظهار مقدراتهم الصوتية والموسيقية ولإيصال المتلقي إلى حالة النشوة الطربية.

الإرتجال في الموسيقا:

إن الإرتجال في الألحان هو الخروج عنها والعودة إليها ضمن أُطر وضوابط موسيقية معينة، ويَعتَمد على الإمكانيات الموسيقية للمنشد المغني أو العازف.

ففي الألحان التي كتبت بنوتة موسيقية لتعزف وتغنى وتحفظ يكون الإرتجال محدوداً، وأما الألحان الغير مكتوبة بنوتة موسيقية ويُعتَمَد على الذاكرة لحفظها ونقلها يكون للإرتجال فيها مساحات أوسع.

ويُقسَم الإرتجال موسيقياً إلى قسمين:

الإرتجال في الألحان:

يتم من خلاله إضافات لحنية تجميلية على اللحن الأساسي، وهي من عنديات المؤدي (عازف أو مغني) حيث يراها إضافات مناسبة لجوهر اللحن الذي يؤديه.

الإرتجال في الإنشاد:

وهو التصرف في طرق آداء الألحان والتعبير الصوتي وهو موضوعنا الذي نبحث فيه.

ضوابط الإرتجال:

وللإرتجال ضوابط موسيقية كثيرة لمعرفة كيفية إستعماله، خاصة في المواضع التي يحق للمنشد أو العازف التصرف فيها موسيقياً، وهي معايير معينة تختلف بين الشرق والغرب لإختلاف موسيقاتهم.

فالموسيقا الشرقية تعطي حرية كبيرة للمغني في تصرفه بالألحان والإنشاد والتعبير الصوتي، وللعازف في التقاسيم والزخرفة الموسيقية، لإضافة مساحات جمالية أكثرعلى اللحن لكن ضمن ضوابط موسيقية شديدة.

فمن الضوابط المفروضة على إرتجال المغني أو المنشد الشرقي:

ألّا يخرج عن السلم الموسيقي الذي يؤدي فيه، وإن خرج فعليه معرفة كيفية الإنتقال بين السلالم الموسيقية ثم العودة إلى السلم الرئيسي الذي هو بصدده.

ألّا يمس في جوهر اللحن

ألّا يأخذ اللحن إلى مسالك بعيدة عن أهدافه

أن يضيف التصرف في الإنشاد جمالية أكثرعلى اللحن

أن يكون التصوير الصوتي حسناً ومناسباً لمعاني النصوص

أن تكون التغييرات في التكرارات ببعض المقاطع الغنائية مناسبة وجميلة وفيها الجديد.

ويتسم الإرتجال في إنشاد الموسيقا الشرقية بالعذوبة والروحانية وبذوبان المنشد باللحن وبمعاني النص، ويعتمد إعتماداً أساسياً على إمكانيات المنشد في المغنى ومعرفته بالألحان وبطرق إنشادها، وعلى مقدرته الصوتية في الآداء، وعلى مخزونه الفكري (الخبرة) في التعبير الصوتي، وبالتالي فهو يرتكز على معرفته الموسيقية وذاكرته القوية في التصرّف بالألحان، وخير أمثلة واضحة على ذلك هي عند المغنيين الشرقيين في إرتجالاتهم في المواويل وتصرفهم في الأغاني، وعند المنشدين الدينيين في الكنائس والجوامع في أدائهم لأناشيدهم الدينية وبقية صنوف ألحان صلواتهم.

الإرتجال في الكنيسة:

إن آداء الألحان في الكنيسة السريانية غالباً ما يكون من ذاكرة المخزون الثقافي والموسيقي الكنسي للمنشد، لأن الألحان هي متوارثة بكليتها ويعتمد إعتماداً كلياً على الذاكرة في حفظها وتناقلها عبر الأجيال بوسطة:

1- الإكليروس من خلال مراكز حفظها وتلقينها في الأديرة والإكليريكيات.

2- الكهنة والشمامسة الغير متخرجون من الإكليريات من خلال تَعلّمِهِم لها في مواظبتهم على حضور الكنيسة وإشتراكهم في جميع الصلوات اليومية والقداديس والمناسبات الكنسية الأخرى، وإستمراريتهم في سماعها ومتابعتها متابعة خاصة ونقلها للأجيال التي تليهم.

كانت ألحاننا الكنسية قبل سنوات قليلة غير مدونة بالنوتة الموسيقية، ولكن اليوم يوجد كتاب نوتة للألحان الكنسية وهو كتاب (ܒܝܬ ܓܙܐ ܕܩܝܢ̈ܬܐ ܕܥܕܬܐ ܣܘܪܝܝܬܐ) (مخزن ألحان الكنيسة السريانية الارثوذكسية) الذي صدر عام 1992، وكان الموسيقار السرياني القدير “نوري اسكندر” قد قام بتنويطه، وهو متوفر لدى المهتمين من أبناء شعبنا، وللأسف الشديد لا يُستَعمل أبداً هذا الكتاب في كنائسنا لوجود نقص حاد في قرّاء النوتة الموسيقية، وعدم معرفة الكهنة والشمامسة والشعب بقراءة النوتة الموسيقية، فلهذا يقوموا ولغاية الساعة في الإعتماد على ذاكرتهم في الحفاظ على ألحاننا الكنسية ونقلها للأجيال القادمة، والإرتجال من مخزونهم السمعي والثقافي في إنشادهم لها.

لدى الكنيسة السريانية الاورثوذوكسية مشكلة حقيقة هي عدم وجود ضوابط أو قوانين مصاغة للإرتجال، لهذا نلاحظ تسيّب كبير في الكنيسة في هذا الموضوع، لعدم وجود مراكز ولا أساليب أو طرق لحفظ ألحانها سوى طريقة الحفظ الشفهي، فدخلت خطأً على إنشادها الكنسي أساليب طربية وغربية بالرغم من تقاطعه معها.

فنسمع اليوم من الإنشاد الفردي الحر في الكنيسة السريانية وكأنه غناء بالعربية أو التركية أو الكردية والفارسية، ومن الإنشاد الجماعي لجوقاتها وكأنه إنشاد لجوقات كنسية اوروبية أو لجوقات شرقية غير كنسية.

ورأيي بأن هذه الإشكالية هي تاريخية استمرت وكبرت في عصرنا هذا نتيجة التأثر الموسيقي للمنشدين بالمحيط الخارجي، وبسبب تطور التكنولوجيا التي ألغت الكثير من الحدود والفوارق الخصوصية للموسيقات بشكل عام.

إن لكنيسة الروم (البيزنطية الشرقية) تدوين موسيقي “نوتة موسيقية” خاص بها وقديم جداً وهو معمول به لغاية اليوم، كما ورد في الجزء الثاني عشر من مقالنا، لهذا فإن الألحان البيزنطية لا تقبل الإرتجال في الألحان كثيراً ولا التصرف فيها إلا في المواضع والحالات الخاصة، وكأن اللحن البيزنطي في إستعماله التدوين الموسيقي البيزنطي وتطبيقه لقواعد الإيصن والميلوس التي ذكرتها سابقاً هو نص كتابي يقرأ بشكل واضح وبطريقة واحدة فقط.

وأما الإرتجال في الإنشاد (إنشاد الألحان البيزنطية) فالباب ليس مفتوحاً له على مصراعيه، فواجب على المنشد أن يتقيّد بالاسلوب البيزنطي العام بشكل أساسي، وأما كيفية التعبير الصوتي عن معنى الكلمة تبقى على الخبرة والإمكانية الصوتية للمنشد.

ويختصر القول بأن الإرتجال في موسيقا الكنيسة البيزنطية بفرعيها الاورثوذوكسي والكاثوليكي قليل للغاية، ومنضبط جداً لوجود قوانين موسيقية صارمة فيها غير قابلة للمساومة والنقاش.

مساوئ الإرتجال عند السريان

إن للإرتجال والتصرف اللحني مساوئ أدت إلى نتائج سلبية على الألحان السريانية الكنسية ومنها:

1- إن الإرتجال في الألحان الكنسية الذي يقوم به أغلب الكهنة والشمامسة بطريقة خاطئة أدى إلى أنهم غيروا بعض الشئ في هيكلية بعض الألحان الكنسية وفي كيفية غنائها. معتقدين بأنه إرتجال تجميلي، دون أن يتقيدوا بالقوانين الموسيقية وكيفية الإرتجال وطرق آداء الألحان، فخلقوا بعض المشاكل الموسيقية لعدم معرفتهم الجيدة بالألحان الكنسية وأصول الموسيقا ولا التقليد الكنسي في الآداء المتوارث.

2- إن التصرف في الألحان الكنسية من قبل المنشدين، أثر سلبياً وبشكل كبير على ألحان الكنيسة السريانية الأرثوذوكسية، وخلق اختلافات وفروقات كبيرة في طرق الإنشاد بين المنشدين وفي آدائهم للألحان كنتيجة مباشرة لهذا التصرف غير المنضبط.

3- إن الإضطهادات والنكبات التي لحقت بالكنيسة أدت الى إضعافها وإغلاق مدارسها وإلى إنخفاض حاد في مستوى التعليم، فقل عدد العارفين بالألحان.

وهؤلاء القلة من العارفين بالألحان قاموا بنقلها لغيرهم من المهتمين حسب معرفتهم بها، إن كانت جيدة أو سيئة، بعد أن تأثروا بالموسيقات التي تحيط بهم، فتكونت إختلافات طفيفة في الألحان وفروقات كبيرة في آدائها.

4- إن إبتعاد الكنائس عن بعضها جغرافياً أدى إلى ظهور إختلافات في آداء الألحان وطرق إنشادها نتيجة تأثر كل منها بمحيطها الموسيقي، وازدادت هذه الاختلافات نتيجة للتصرف والإرتجال الذي قام به المنشدون من كهنة وشمامسة دون ضوابط موسيقية في حفظ وآداء الألحان و طرق الإنشاد.

إن الاختلافات المعروفة في اساليب آداء الألحان الكنسية بين بعض المناطق السريانية، برزت كنتيجة للأسباب السابقة، وهذا ضعف في الكنيسة لعدم محافظتها على شكل واحد للألحان السريانية الكنسية خلال مسيرتها عبر التاريخ.

إن الإختلافات التي حصلت خلال التطور التاريخي للكنيسة، مضافاً إليها العزلة في آداء كل منطقة سريانية منفردة، أصبح لكل منها طابعاً موسيقياً متميّزاً خاصاً بها، وأصبحت اليوم تسمى “اساليب” موسيقية، لكن وحسب رأيي أن أساسها قائما على الخطأ في آداء ذات اللحن، لأن الأصل كان واحداً فتغيّر.

فمار افرام السرياني مثلاً عندما ألّف ولحّن أو حتى غيره من آباء الكنيسة قطعة كنسية ما، لم ينشدوها بأساليب متعددة ومختلفة، بل بطريقة واحدة فقط، فكيف أصبح لها ثلاثة أساليب لإنشادها.

كما أن التعابير أو التسميات الحديثة التي ظهرت مؤخراً على الساحة السريانية مثل: “مدرسة ماردين للألحان السريانية أو لآدائها”، أو “مدرسة الرها” أو “مدرسة الموصل” وغيرها التي أختفت أو في طريقها إلى الإختفاء، هي عبارة عن مسميات خاطئة لأساليب الإنشاد الكنسي، حيث أنها ظهرت نتيجة للأسباب السابقة واستُعِملَت من قبل بعض الموسيقيين الهواة لعدم درايتهم الكافية بالإنشاد الكنسي بشكل صحيح.

إن عدم وجود مراكز موسيقية في الكنيسة السريانية أو معاهد خاصة تهتم في حفظ الألحان الكنسية وتعليمها يساهم مساهمة كبيرة في تعميق مشكلة الفروقات في الألحان وفي إنشادها، وثم في ضياع ألحاننا واساليب آدائها. وهذا إنذار أرفعه لمسؤولي الكنسية ليعوا الدور الذي يلعبوه، ويهتموا بالقضية بشكل جدي، ويؤسسوا معاهد تهتم بدراسات وحفظ الألحان الكنسية وكيفية تناقلها من جيل إلى آخر بوسائل حضارية.

ويتبع في الجزء السادس عشر

 

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء السادس عشر)

خصائص إنشاد الألحان السريانية (4)

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

ننهي دراستنا لخصائص الإنشاد بميزة عدم استعمال ضروب مرافقة لألحاننا الكنسية. ولكن قبل ذلك لابد من تعريف بسيط عن الأوزان والضروب الموسيقية للمعرفة العامة.

الوزن الموسيقي

الوزن الموسيقي (أو الميزان) هو عبارة عن رقمين يعلو أحدهما الآخر (مثل ارقام الكسور) يوضعان في بداية سلم النوتة الموسيقية بعد المفتاح الموسيقي وبعد علامات التحويل مباشرة، ويشرحه الباحث الموسيقي سليم الحلو في كتابه “الموسيقا النظرية” بقوله: ” الرقم الأسفل يدل على الوحدة الزمنية الكاملة، والرقم الأعلى يدل على عدد النوتات التي تحتويها كل مازورة من القطعة الموسيقية”.

وهناك أوزان ثنائية مثل الوزن البسيط، وثلاثية مثل الوزن المركّب، ومركّبة مثل البسيط الأعرج والمركّب الأعرج.

ومشرقنا الحبيب يحوي جميع أنواع الأوزان الموسيقية ولكنه يشتهر بالأوزان المركّبة العرجاء.

الإيقاع أو الضرب

هو تتابع عدد من الضربات والنقرات التي تختلف فيما بينها من حيث الترتيب والقوة والضعف، فتشكل نظاماً مستقلاً يسير اللحن عليه.

ويقوم الضرب بتحديد مناطق الضعف والقوة في الأزمنة الموسيقية التي تحتوي عليها المساحة الزمنية تبعاً لنوع الوزن الموسيقي التي تنتسب إليه.

والإيقاعات ثلاثة أنواع هي: العادية، والمتداخلة، والشاذة. والعالم يعج بالإيقاعات بحيث أنها لا تحصى، فكل منطقة جغرافية كبيرة لها إيقاعاتها الخاصة بها متعلقة بذوقها العام وتميّزها مع موسيقاها عن إيقاعات وموسيقات مناطق جغرافية أخرى.

13- خاصيّة عدم وجود إيقاعات مرافقة في ألحاننا الكنسية

إن إحدى أهم خواص إنشاد ألحاننا السريانية الكنسية هي عدم إستعمال إيقاعات موسيقية مرافقة لها أثناء القيام بإنشادها، حتى في أنواع الصلوات التي تبرز فيها الروح الإيقاعية بشكل كبير وبالرغم من قول البعض بأن الإيقاعات كانت مستعملة يوماً وأبطلت. لهذا سنوضح في مقالنا هذا أسباب وأهمية هذه الخاصيّة.

إن ألحاننا السريانية تقسم لثلاث مجموعات، فالأولى هي ألحان موزونة موسيقياً، والثانية شبه موزونة، والثالثة غير موزونة على الإطلاق.

وألحاننا الكنسية الموزونة أو الشبه موزونة غير مستخرج أوزانها حتى اليوم بشكل دقيق ومنشور في مطبوعات، ولا يوجد معرفة جيدة عن تفاصيل أوزانها لعدم وجود دراسات منشورة عنها، فنأمل من باحثي الموسيقا السريانية الكنسية العمل على استخراج هذه الأوزان وتحديد مناطق الضعف والقوة بحسب الضغوطات المتواجدة في أجزاء اللحن والكلمة، لأجل المحافظة عليها مع خصائصها الموسيقية والإنشادية بشكل علمي وحضاري لتحفظ في الكتب من الإندثار والضياع ولتوريثها إلى أجيالنا القادمة بشكل سليم ومقبول ولتبقى ألحان معاشة.

فكتاب الموسيقا السريانية “ܒܝܬ ܓܙܐ ܒܢܘܛܐ” بيث كازو (مخزن الألحان) بنوته، من وضع الموسيقار نوري اسكندر، هو خال تماماً من الأوزان الموسيقية وكانت له أسبابه الخاصة في عدم وضعه للأوزان الموسيقية في كتابه هذا كما شرحها في حديث صحفي له قبل أكثر من عشرين سنة.

وأما كتاب: Melodies Liturgique” للفرنسي المستشرق Dom Jeannin، الذي يحتوي أيضاً على نوته “البيث كازو ܒܝܬ ܓܙܐ”، ففيه شيئاً من الأوزان الموسيقية لكنه أعتمد في نوتته على الأوزان الصغيرة فقط، ويبدو أنه قسَّمَ أيضاً الأوزان الطويلة التي تحويها ألحاننا إلى أوزان صغيرة.

لكن هذا الكتاب يحوي مشكلة حقيقية وهي أن النوته الموسيقية التي كتبها “جنان” لا تحوي على ثلاثة أرباع الصوت التي تحقق الموسيقا الشرقية (أي ربع الصوت الشرقي)، إنما تحوي فقط على المسافة الصوتية الكاملة ونصفها، أي البعد الموسيقي الكامل ونصف البعد، مما أخرج موسيقانا الكنسية من أصالتها وشرقيتها. وفي طبعة 1995 لهذا الكتاب وهي النسخة التي بحوزتنا أضاف إليها مشكوراً المطران الموقر أنطوان بيلوني نوته شرقية لبعض الصلوات وأهمها نوته لقسم من التضرعات “ܬܟܫܦܬܐ”.

كما قام الباحث الموسيقي الأب د. إيلي كسرواني بتنويط البيث كازو معتمداً على صوت المثلث الرحمات البطريرك يعقوب الثالث، وكذلك ببعض الأبحاث على الألحان السريانية الكنسية حسب قوله في لقاءاته المتلفزة، ولكن لم أطّلع شخصياً على محتوى كتابه وأبحاثه لعدم طباعتها ونشرها لنعلم إن كان قد عمل على استخراج الأوزان الموسيقية للألحان الكنسية أم لا.

أولاً- الألحان الموزونة

إن القسم الكبير من الألحان السريانية الكنسية هي موزونة بموازين موسيقية مختلفة، منها بسيطة ومنها مركبة ومنها عرجاء، لكنها خالية تماماً من مرافقة الضروب لها بالرغم من الروح الإيقاعية السائدة والواضحة المعالم في الكثير منها، مثل الكثير من ألحان صلوات كتاب الشحيمو “ܫܚܝܡܐ” (ويدعى كتاب الصلوات اليومية البسيطة).

ويؤكد لنا عدم مرافقة الضروب لألحاننا الكنسية شاعر الكنيسة وقيثارتها القديس مار يعقوب السروجي (توفي 521م) في قصيدته المشهورة في وصفه لقديسنا ومعلمنا العظيم وكنارة الروح القدس مار افرام السرياني (توفي 373م) الذي نشرها الأب بولس بيجان (توفي 1935م) في طبعته لقصائد يعقوب السروجي، حيث قال:

ܝܰܒܒܝ ܗ̱ܘܝ ܓܶܝܪ ܥܶܒܪ̈ܝܳܬܐ ܒܰܠܦܰܓܰܝܗܝܢ

ܘܗܳܪܟܳܐ ܡܫܰܒ̈ܚܳܢ ܐܳܪ̈ܡܳܝܳܬܐ ܒܡܰܕܪܫܝܗܰܝܢ.

(الترجمة):

” كانت الفتيات العبرانيان تضرب بدفوفهن، (أي في العهد القديم)

وهنا تمجد الفتيات الآراميات الرب بمداريشهن “. (أي في عهد الكنيسة)

ويقول أيضاً:

ܦܽܘܡܐ ܣܟܺܝܪܐ ܕܰܒܢܬ ܚܰܘܳܐ ܦܬܰܚ ܝܽܘܠܦܳܢܳܟ

ܘܗܳܐ ܒܩܳܠܰܝܗܝܢ ܪܳܥܡܝܢ ܟܶܢܫܐ ܕܰܡܫܰܒܚܬܐ.

(الترجمة):

” إن تعليمك (يا مار افرام) فتح ألسنة بنات حاوى المغلق،

وهوذا تدوي من أصواتهن جموع الكنائس “.

هذا تصريح واضح من السروجي في عدم مرافقة أي نوع من الآلات الموسيقية لجوقات المنشدات ولا حتى الإيقاعية منها كما كانت العادة جارية في القرن الرابع والخامس والسادس الميلادي.

فقول السروجي: “تمجدن الآراميات بمداريشهن” في المقطع الأول، ولم يقل “تمجدن الآراميات بآلاتهن الموسيقية أو بدفوفهن”، ليؤكد لنا على استعمال الضروب في عصره، مثلما ذكر العبرانيات اللواتي كنَّ تضربن بدفوفهن في العهد العتيق، مؤكداً على استعمالهن للإيقاعات.

وقوله: “تدوي الكنائس من أصواتهن” في المقطع الثاني، ولم يقل “تدوي الكنائس من آلاتهن الموسيقية”. مؤكداً بأن الآلات الوحيدة المستعملة في الكنائس التي تستحق أن تمجد الرب هي الأصوات البشرية. وهذا خير دليل على عدم استعمال الآلات الموسيقية في تلك العصور.

إذاً ومن خلال تراثنا المدوَّن نستنتج بأن الآلات الإيقاعية لم تدخل الكنيسة لترافق إنشاد الألحان الكنسية، بل اقتصرت فقط على بعض المظاهر الصغيرة في بعض الإحتفاليات الدينية الشعبية التي تقام موازية لبعض المناسبات الكنسية.

ثانياً- الألحان الشبه موزونة

إن وجود ألحان عديدة شبه موزونة موسيقياً أو أنها غير موزنة هي من نوع الفلت أو الفالت الذي يعتمد على المدّات اللحنية أو التطويل في بناء وتكوين جملها اللحنية الموسيقية، وهي منظمة بدقة متناهية وكأنها موزونة ولكنها خالية تماماً من الروح الإيقاعية، مثل التضرعات (التخشفتات ܬܟܫܦܬܐ) التي تتناول معظم نصوصها قضية الموت والحساب والعقاب. تؤكد لنا شحّة إستعمال الآلات الإيقاعية في الكنيسة، فلو شاء آباؤنا الملحنون لغيّروا في تركيبة بنائها اللحني ولجعلوها موزونة موسيقياً ولربطوها بإيقاعات.

ثالثاً- الغير موزونة

هي كثيرة مثل قراءات الأناجيل والحسايات والفنقيث والجزء الأكبر من صلوات القداديس وبعض الأدعية والطلبات العامة، وتقسم إلى قسمين:

ألحان تنشد على طريقة الموال ونراها واضحة في أدوار الكهنة والشمامسة في القداديس، وهذا قالب موسيقي شرقي لا مكان فيه للأوزان الموسيقية أو الإيقاعات، ويأخذ غالباً طابع الإرتجال من المعرفة والذاكرة في تنفيذه.

وألحان تعتمد على الطريقة القرائية في إنشادها (أو طريقة “تسمعية منغمة” حسب رأي الباحثة الموسيقية د. غادة شبير)، وهذه الألحان أيضاً غير موزونة أو مربوطة بإيقاعات، مثل قراءات “الإنجيل المقدس”.

ويَعتمد آداء الألحان الغير موزونة والغير مرتبطة بإيقاعات على الذاكرة الجيدة والإمكانية الصوتية للمنشدين، وعلى معرفتهم وخبرتهم وإجتهادهم في الإرتجال والتصوير الصوتي.

إن إعتماد الكنيسة السريانية الكبير على الكم الهائل من الألحان الغير موزونة يدعم أيضاً الرأي بعدم مرافقة الإيقاعات للألحان الكنيسة.

عدم وجود أسماء لإيقاعات في كنيستنا

إن تاريخنا الكنسي وتاريخنا المدني شاهدان حيّان على عدم وجود إيقاعات في كنيستنا مرافقة للإنشاد، فهما خاليان تماماً من ذكر الأوزان والإيقاعات.

فكتب التاريخ السرياني لم تتعرض مطلقاً لهذا الأمر، فقط كتاب “الإيثيقون” للفيلسوف السرياني غريغوريوس ابن العبري رصد قضية إيجاز أو عدم إيجاز إدخال الآلات الموسيقية إلى الكنيسة.

ونتيجة للعرض السابق فالرأي الأرجح في كنيستنا هو: عدم وجود ضروب مرافقة لألحاننا الكنسية أثناء القيام بإنشادها.

مغالطات

إن الذي أوردناه أعلاه من إثباتات بالمصادر الكنسية ينفي إدعاء البعض بقولهم بأن “الإيقاعات رافقت الإنشاد الكنسي، ولكنها أُبطلت لظروف تاريخية قاهرة مرّت بها الكنيسة”، دون أن يقدموا لنا مصادر كنسية تاريخية يثبتوا فيها إدعاءاتهم هذه، فما هذه الإدعاءات سوى محاولة منهم لإدخال الإيقاعات والآلات الموسيقية إلى الكنيسة بحجة تمدين الكنيسة أو تطويرها وتحديث ألحاننا الكنسية، بينما تاريخنا الكنسي وتقليدنا الكنسي المتوارث ومع الذي أوردناه موسيقياً من إثباتات يؤكدوا بعدم إستعمال إيقاعات موسيقية مرافقة لأناشيدنا الكنسية.

فالبعض من شبابنا المتحمس للتجديد، ودون معرفة بتاريخنا الكنسي، ودراية غير كافية بألحاننا الكنسية وبطرق إنشادها، وتجاوزاً للتقليد الكنسي المعروف لدى المهتمين والعارفين، أنتجوا بعض الأعمال الموسيقية الكنسية في عصرنا هذا، فوضع منهم لبعض الأناشيد القديمة إيقاعات بأسماء جديدة مستوحاة من التاريخ القديم أو من المتواجدة على الساحة الموسيقية لمعرفتهم بعدم وجود إيقاعات أو ذكر لأسماء أنواعها في كتبنا الكنسية والتاريخية، فأعتبروا هذا الأمر فراغاً موسيقاً فحاولوا استغلاله ليتسلقوا على ظهر كنيستنا وتراثنا وليظهروا أنفسهم على الساحة السريانية بمظهر الرواد الابطال المجددين لموسيقانا الكنسية، وكأن الآباء السريان القدماء العظام هؤلاء الملحنون العباقرة كانوا عاجزين عن وضع إيقاعات بأسماء لتآليفهم الموسيقية. فتأمل مغالطات بعض المغامرين.

وللعلم فإن آبائنا لم يُدخلوا الى أناشيدهم وألحانهم إيقاعات ما، بل صاغوها بهذا القالب أو الشكل لأسباب دينية بحتة، لأن الإيقاعات لا تليق بمعاني النصوص الروحية ولا بألحانها المعبرة عن الخشوع والتضرع والمسكنة والزهد والحزن والألم والبكاء والتذلل.

في نهاية هذا الجزء من المقال أقدم الشكر الخاص للفنانة والباحثة في الموسيقا الشرقية (ومنها السريانية الكنسية) الدكتوره في العلوم الموسيقية “غادة شبير” لأجوبتها على اسئلتي، وعلى مداخلاتها وتعليقاتها القيّمة في الفيسبوك على قسم من أجزاء مقالنا، وأيضاً لآرائها الصائبة التي نستفيد منها في بعض الإشكاليات الموسيقية الكنسية.

يتبع في الجزء السابع عشر

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء السابع عشر)

الـتأثير البيزنطي على الأناشيد السريانية (1)

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

التأثير اليوناني/البيزنطي

لن أفتح باب التأثير اليوناني على مصراعيه في أدبيات الكنيسة السريانية، فهو كبير للغاية وواضح المعالم خاصة لغوياً من خلال الكلمات اليونانية الكثيرة المتواجدة في نصوص الطقوس السريانية الكنسية، وأدبياً من خلال النصوص الكنسية المترجمة من اليونانية إلى السريانية، وموسيقياً من خلال أسماء بعض مجموعات أنواع الألحان الكنسية واسلوب آدائها، فهذا التأثير هو دليل قاطع على وحدة الكنيسة المسيحية الأم الأولى.

فكما أن كلمة ܛܶܟܣܐ “طقس” هي يونانية ومعناها الترتيب والتنظيم، ونستعملها بمعنى شعائر الديانة واحتفالاتها الروحية، هناك الكثير من الكلمات اليونانية في نصوص طقوس الكنسية السريانية ومنها:

إكليروس: المقصود بها أصحاب الرتب الكهنوتية، إنجيل: ومعناها البشارة السارة. ليتورجيا: تعني خدمة الإفخارستيا المقدسة. انافورة: تعني القداس الإلهي أو تقديم الأسرار. افخارستيا: معناها الشكر.  بطريرك: معناها رئيس الآباء أو أب الآباء. مطران: معناها مسؤول المدينة الكبيرة. أسقف: معناها الرقيب. خوري وهي إختصار خورإفسقوفوس: معناها أسقف القرى. إكليريكي: معناها وظيفة رجل دين.

وسأكتفي بهذا المقدار من الكلمات لأترك موضوع كتابتي ضمن إطار التأثير الموسيقي اليوناني/البيزنطي، وفقط على جزء صغير من ألحاننا السريانية وخاصة في بعض أنواع الأناشيد الكنسية، والذي هو موضوع بحثنا هذا.

 

والتأثير هو يوناني وبيزنطي معاً، لأن اليوناني أثّر لغوياً وأدبياً في أدبيات كنيستنا، وفي بعض أنواع الأناشيد السريانية التي لا زالت أسماؤها يونانية، والبيزنطي أثّر على جزء صغير من أناشيدنا السريانية الكنسية موسيقياً كطريقة موسيقية خاصة في آداء الألحان الكنسية والتي تسمى الطريقة البيزنطية في الإنشاد الديني.

 

الأناشيد الكنسية ومؤلفيها

إن الأناشيد الكنسية السريانية هي أنواع من التراتيل والصلوات تتميّز عن بعضها بسبب قالبها الشعري وبأسباب وضعها ( تأليفها ). وتتناول نصوصها مجموعة أحداث الكتاب المقدس وصلوات عامة وصلوات للتوبة والشكر وطلبات وتضرعات وأدعية واستغفارات واسترحامات وغيرها. إن عدد أنواع هذه الأناشيد يبلغ 37 نوعاً، وأن أسماء معظمها سريانية وقليل منها يونانية، وهي موزعة بشكل دقيق حسب مواضيع نصوصها ومناسباتها على “كاليندار” السنة الكنسية، وتنشد وفق ما قرره لها من ألحان “نظام الألحان الثمانية” المعروف لدى السريان بالأسم اليوناني “إكاديس”.

أما مؤلفيها فمعظمهم من السريان مثل مار افرام السرياني (373م)، ومار رابولا الرهاوي القنشريني المولد (435م)، ومار بالاي (القرن الخامس)، مار اسحق الرهاوي المعروف بالأنطاكي (491م)، ومار يعقوب السروجي (521م)، والشعراء الموسيقيين المعروفين باسم “القواقين، الفخارين” وأهمهم الشماس مار شمعون قوقويو (563م)، وغيرهم كثيراً.

أما قسم الألحان والأشعار المترجمة من اليونانية فبعض من مؤلفيها سريان لكن كتبوها باليونانية، امثال أندراوس الكريتي (720م)، ويوحنا الدمشقي (749م) والراهب قوزما البار الشقيق المتبني ليوحنا الدمشقي (القرن الثامن)، وصفرونيوس الدمشقي (639م).

وبعض الألحان الأخرى فإن مؤلفيها هم يونان مثل: مار غريغوريوس اللاهوتي (389 أو 390م)، ومار قورلس الأورشليمي (386م)، ومار سويريوس الأنطاكي الملقب بالسرياني (538م)، وغيرهم.

 

1-  الأناشيد السريانية:

إن معظم الأناشيد السريانية هي ملحّنة على الطريقة السريانية الكنسية من ناحية تركيب سلالمها الموسيقية، أي مبنية من أنصاف السلالم أكثر أو أقل بقليل، وعلى أسلوب التعبير السرياني في تكوينها اللحني وفي طرق آدائها، ويكاد يكون القسم الكبير منها خالية من التأثيرات اليونانية وهي:

ܒܳܥܽܘܬܐ “بوعوثو”، ܩܳܠܐ “قولو”،  ܓܢܺܝܙ̈ܐ “غنيزي”،  ܓܽܘܫܡܐ “كوشمو”، ܗܽܘܠܳܠܐ “هولولو”، ܙܽܘܡܳܪܐ “زومورو”، ܟܽܘܪܳܟܐ “كوروخو”، ܡܺܐܡܪܐ “ميمرو”، ܡܰܘܪܒܐ “ماوربو”، ܡܰܕܪܳܫܐ “مَدروشو”،  ܟܳܪܘܙܽܘܬܐ “كوروزوثو”، ܡܰܥܒܪܳܢܐ “معبرونو”، ܣܽܘܓܺܝܬܐ “سوغيثو”، ܡܰܙܥܩܳܢܺܝܬܐ “مزعقونيثو”، ܡܶܬܥܰܗܕܳܢܘܬܐ “مثعهدونوثو”، ܣܽܘܬܳܪܐ “سوتورو”، ܣܶܕܪܐ “سِدرو”، ܥܶܛܪܐ “عِطرو”، ܦܺܝܪܡܐ “فيرمو”، ܣܶܒܠܬܐ “سِبلثو”، ܥܽܘܢܺܝܬܐ “عونيثو”، ܡܰܥܢܺܝܬܐ “مَعنيثو”، ܥܶܩܒܐ “عِقبو”، ܦܶܬܓܳܡܐ “فتغومو”، ܬܰܟܫܶܦܬܐ “تخشفتو”، ܦܶܪܕܐ “فردو”، ܩܰܕܝܫܰܬ ܐܰܠܳܗܐ “قاديشات الوهو”، ܩܽܘܒܳܠܐ “قوبولو”، ܩ̈ܠܶܐ ܫܰܗܪ̈ܝܶܐ “قولي شهرويي”، ܫܽܘܒܚܐ “شوبحو”، ܬܒܳܪܬܐ “تبُرتو”.

وكل اسم من الأسماء السابقة هو عبارة عن اسم لمجموعة يدل على نوع خاص من الأناشيد، وتضم كل مجموعة من هذه المجموعات عدد كبير من الأناشيد، وتتميز كنسياً عن بعضها بأسمائها.

وقد ذكر علامتنا البطريرك مار أغناطيوس أفرام برصوم الأول (1957م) في كتابه “اللؤلؤ المنثور في تاريخ العلوم والآداب السريانية” هذه المجموعات بتفصيل أكثر، وبيّن ما تحويه من أعداد الأناشيد، وما بقي منها محفوظاً لغاية اليوم، وقد أخذها عنه المطران غريغوريوس يوحنا ابراهيم وذكرها في كتابه الموسيقا السريانية.

 

2- أناشيد يونانية في الطقوس السريانية

هناك خمس مجموعات من الأناشيد الأخرى أسماؤها يونانية، هي جزء لا يتجزأ من تراثنا الكنسي ونستعملها لغاية اليوم، وهي دليل واضح على التأثير اليوناني/ البيزنطي على كنيستنا وألحاننا الكنسية، حيث أن معظمها أُلِّفت باليونانية وترجمت شعرأً أو نثرأ إلى السريانية مثل:

1- ܣܛܺܝܟܘܢܘܣ “سطيخون”، ستيخونوس أو “سطيخونات” وهي من تصنيف مار قورلس الأورشليمي (386م)، وتستعمل في طقس الميرون ورسامة الأحبار.

وسطيكون أو ستيكون أو ستيخون مصطلح بيزنطي يعني ترتيل أو تلاوة، وهي كلمة يونانية ومعناها آية أو عدد.

2- ܩܽܘܩܳܠܝܳܘܢ “قوقليون” كلمة يونانية ومعناها الدائرة، وهي آية من المزامير تتوسطها لفظة هليلويا.

3- ܩܳܢܽܘܢ̈ܐ ܝܰܘܢܳܝ̈ܐ “قنوني يَونويي” أي القوانين اليونانية، وتستعمل بمعنى القاعدة أو الفريضة في الكنيسة، ولكن معناها الحرفي باليونانية هو المقياس أو القياس، ويقابلها وحسب رأينا بالسريانية كلمة ܡܫܘܚܬܐ “مشوحتو”، ومؤلفيها هم أندراوس الكريتي (720)م، ويوحنا الدمشقي (749م)، والراهب قزما البار، ويعقوب الرهاوي (708م).

4- ܩܰܬܺܝܣܡܰܛܘܣ “قاتيسمطوس” أو القاتسمات، كلمة يونانية ومعناها المجالس تتلى والاكليروس جالس.

5- “ܣܛܝܟܰܪܘܣ” ستيخاروس، وتسمى الإستيخارات، وهي أشعار منثورة من وضع القديس أياوانيس ذهبي الفم “القديس يوحنا الذهبي الفم” ( 407 – 347م)،

وهي كلمة يونانية ومعناها الأناشيد.

6- هناك نوعين آخرين من الأناشيد تستعمل في القداديس وهي أيضاً يونانية التسمية:

– أنشودة ܩܰܬܘܠܺܝܩܺܝ “قاتوليقي”، ومعناها الجامع والشامل، ويتم إنشادها في وسط القداديس، تتناول نصوص هذا النوع من الأناشيد مناسبات الأحاد التي تنشد فيها. وقسم منها حديث العهد قام بتأليفها في ستينيات القرن الماضي عميد اللغة السريانية آنذاك الشاعر والأديب الكبير الملفونو عبدالمسيح قره باشي (توفي في لبنان عام 1984). وقام الاب الموسيقار بول ميخائيل (كاهن كنيستنا في بيروت، اطال الله في عمره) بوضع ألحانا جميلة لقسم منها لأجل جوقات الكنيسة.

– صلاة ܠܘܛܰܢܺܝܰܐ “لوطانيّا” ومعناها طلبة، ويتم إنشادها في وسط قداس كل أحد بعد أنشودة القاتوليقي، وأما معانيها فتشير إلى نقاء وطهر الكنيسة.

ويبدو بأن اللوطانيّا أخذت دوراً جديداً في الكتب الكنسية الحديثة تتقاسمه مع القاتوليقي، فنرى بأنها تحل محل انشودة القاتوليقي في بعض الكتب التي طُبِعَت حديثاً وجدِّدَت لإستخدامات جوقات الكنيسة.

 

وكما ذكرت أعلاه بأن القسم الكبير من أناشيد هذه المجموعات تعتمد ألحانها على أنصاف السلالم الموسيقية في تركيبها النغمي، وتنشد بطريقة سريانية خالية من مؤثرات وتأثيرات خارجية، وهذا دليل على سريانيّتها لحناً وإنشاداً.

والقسم الآخر الصغير من هذه الأناشيد مبنية ألحانها على سلالم موسيقية كاملة، وهذه دلالة على أن طريقة تلحينها هي بيزنطية، ولكنها تنشد بطريقة سريانية خالصة.

 

3- أناشيد بيزنطية شرقية (من كنيسة الروم)

إن الموسيقا البيزنطية هي مصطلح يطلق على موسيقا الكنسية الطقسية التي تستخدمها طائفتي الروم الأرثوذكس والكاثوليك اللتان تتبعان الكرسي الانطاكي الرسولي، أو الطوائف التي تتبع الكنيسة اليونانية في الشرق والعالم. والموسيقا البيزنطية هي نظام موسيقي عريق وقديم جداُ بدأ مع بداية المسيحية وتطور وأنتشر واستمر إلى اليوم.

وجميع مسمّيات الأناشيد البيزنطية هي باللغة اليونانية رغم وجود أناشيد قديمة أُلِفَت باللغة العربية منذ زمن بعيد لكنها تندرج تحت مسمّيات يونانية، وقسم من مؤلفيها هم من السريان مثل أندراوس ويوحنا وقوزما وصفرونيوس الدمشقيون، ويعقوب الرهاوي (708م) وغيرهم. ومن هذه الأناشيد:

 

القنداق

“القنداق” نمط شعري كُتبت فيه التسابيح والأناشيد الكنسية باليونانية في القرنين السادس والسابع. يعتمد على السرد القصصي وذكر الحوادث المهمة المرتبطة بالمناسبة المعيّد لها. وقيل بأن كلمة قنداق يونانية تعني الدَّرْج، ومن الأقباط  من شرحها بأنها تعني العصا التي يلف عليها ورق البردي.

ويتألف القنداق عامة من مقدمة قصيرة توجز مضمونه، تليها مقاطع تسمى “أبياتاً”، يتراوح عددها بين 20 و 30 بيتاً، ينتهي كل منها بعبارة لازمة هي العبارة الأخيرة من المقدمة، وقد كان القنداق يتلى في صلاة السَحَر.

 

القانون

“القانون” هو أيضاً نمط شعري برز مع إنحِسار استعمال القنداق. كُتبت فيه الأناشيد الكنسية بين القرنين الثامن والحادي عشر. يتألف القانون عادة من تسعة أجزاء تسمى “اوديات” (مفردها اودية وتعني تسبحة) وتتألف كل اودية من مقاطع متعددة ترتل على نغم ووزن المقطع الأول منها المسمّى ارمس (أي أفتح فمي).

وأشهر المؤلفين القديس يوحنا الدمشقي (القرن الثامن)، وقوزما الدمشقي وأندراوس الكريتي (الدمشقي أيضاً) وثيوفانس اسقف ازمير (القرن التاسع)، والقديس يوسف المنشئ (القرن التاسع).

 

الطروبارية

“الطروبارية” مصطلح يعني ترنيمة، وهي كلمة يونانية مشتقة من “تروبوس” أي أسلوب لحن.  وقيل أنها مشتقة من “تروبايون” أي النصر.  فيكون معناها تسبيحة النصر، لأنها تُبَيِّن انتصار السيّد المسيح على الموت والجحيم، وانتصار القديسين على أعداء الخلاص. والترنيمات الكنسية الوجيزة أخذت تُسمى بهذا الاسم منذ أيام القديس يوحنا ذهبي الفم (347-407 م).

وعند القول طروبارية القديس الفلاني، فيقصد منها الترنيمة التي تحوي ملخص بسيط عن حياة هذا القديس أو قصة العيد المحتفل به.

 

وهناك أيضاً أنواع أخرى كثيرة من الأناشيد البيزنطية منها: الكيكرغاريا، البولياليوس، الأرمس، الأيذيوملون، الأينوس، الستيشيرات، الإذيوميلات، والكاتسماتات، وغيرها. وكما نلاحظ بأن جميعها هي ذات أسماء يونانية.

 

يتبع في الجزء الثامن عشر

 

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء الثامن عشر)

 

الـتأثير البيزنطي على الأناشيد السريانية (2)

التأثير على الأناشيد المعروفة باسم ܬܰܟܫܦܳܬܐ “تخشفوثو” (التضرعات)

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

 

التأثير اليوناني/البيزنطي

بعد أن بيّنا بإقتضاب في الجزء السابق من مقالنا شيئاً من التأثير اليوناني على اللغة السريانية وآدابها المدنية والكنسية، والتأثير البيزنطي الموسيقي على قسم من ألحاننا السريانية، نتابع في جزئنا هذا دراسة كيفية التأثير الموسيقي البيزنطي على نوع من الأناشيد السريانية في سلالمها الموسيقية وفي طريقة إنشادها.

 

4- ܬܰܟܫܦܳܬܳܐ “تخشفوثو” التخشفتات (التضرعات)

ولتبيان التأثير البيزنطي على موسيقانا السريانية الكنسية، أو الأصح على بعض من ألحاننا الكنسية أخترت نوع من الأناشيد التي تسمّى ܬܰܟܫܦܳܬܐ “تَخشفوثو” لتوضيح هذا التأثير بالرغم من اسمها السرياني الخالص.

وتسمى بالعربية التضرعات ويقال لها التخشفتات، ويسميها العلاّمة البطريرك أفرام برصوم الأول (1957م) في كتابه الشهير”اللؤلؤ المنثور” بالإبتهالات. وهي نوع من الأناشيد تتناول أحداث قسم كبير منها تراجيديا الفداء والخلاص، وقسم آخر الأعياد السيّدية وأعياد العذراء والقديسين.

واقتبس بتصرف ماكتبه عنها صاحب اللؤلؤ المنثور:

“يقال في بعض المخطوطات  بأن التخشفتات من تأليف مار افرام السرياني (373م)، ومار رابولا الرهاوي (435م)، ومار ماروثا التكريتي (649م)، وغيرهم من الجهابذة السريان. ورتّبها مار يعقوب الرهاوي (708م)، وقيل بأن عددها ثلاثمائة، ووصل إلينا منها مائتان وخمسة واربعون”.

أما الرأي السائد في الكنيسة هو أن مبتكر القالب الموسيقي لهذه الأناشيد، ومؤلّف وملّحن قسم كبير من نصوصها وألحانها هو العبقري المبدع رابولا الرهاوي (435م) القنشريني المولد.

 

صفات هذه الأناشيد:

لهذه الاناشيد صفات كثيرة مميزة نذكر اهمها:

1- الروح الفردية: تتصف معظم ألحان البيث كازو بالروح الجماعية في إنشادها، لكن مجموعة التخشفتات تتصف بالروح الفردية، حيث أنها تعتمد على الصوت الواحد الإنفرادي في آدائها، وليس على الأصوات الجماعية مثل أصوات مجموعة الجودو “ܓܽܘܕܳܐ” التي تنشد الصلوات اليومية من كتاب الشحيمو “ܫܚܺܝܡܳܐ” أو على اصوات جوقات الترتيل التي تشارك في القداديس بشكل جماعي، فمن بالغ الصعوبة أن تنشد التخشفتات جماعياً لأنها تحوي على تعرجات وإنعطافات لحنية كثيرة، وصعود إلى جواب اللحن بشكل مفاجئ أحياناً، ومدّات وتعقيدات لحنية بيزنطية كثيرة من تلك التي يعتمد تطبيقها على الصوت الواحد، ولهذا تنشد دوماً بشكل إفرادي من قبل منشد مقتدر حسن الصوت.

وكانت لنا محاولة صغيرة في تعليم إثنتين منها إلى جوقة الترتيل بطريقة الإنشاد الجماعي قبل أكثرمن عشرين سنة، ولكننا اعتبرناها محاولة فاشلة فتخلّينا عن الفكرة، لأن صياغة لحن التخشفتو بحسب إنشاد الجوقة يؤدي إلى تقليم لحنها، وأخذها إلى منحى آخر غير الهدف الذي من أجله وضِعَت، وإلى تغيير في إطارها اللحني العام، والذي سيؤدي بالنتيجة إلى عدم الحفاظ على اللحن الاصلي، وإلى فقدان قيمته التراثية القديمة.

كما أن أغلب المتحمسين الذين حاولوا تطبيق هذه الفكرة وفكرة التجديد، قد وقعوا في نفس المطب الذي وقعنا فيه دون علمهم أو لعدم معرفتهم بثوابت الموسيقا الكنسية، خاصة أولئك الذين أطّروا اللحن الكنسي بأوزان وإيقاعات فأخرجوه عن مألوفه المتعارف عليه.

2- الطول: تتصف أغلبها بطول زمن إنشادها، فقسم منها تجتاز العشرة دقائق طولاً.  وطولها لا يقاس بطول نصوصها الدينية إنما بطول إنشاد لحنها، فبعض منها تتميّز بطولها اللحني وقصر نَصّها.

3- صعوبة آدائها: إن لم تكن أصعب الألحان السريانية الكنسية آداءاً على الإطلاق فهي من أصعبها، لأن ألحانها ليست من النوع السهل البسيط أبداً، وتحتاج لمعرفة جيدة بالألحان الكنسية وإلى مقدرات صوتية كبيرة مع تقنية موسيقية عالية يملكها المؤدي.

4- شعرها هو من النوع  الذي يسمّى مداريش “ܡܰܕܪܫܶܐ”، والمداريش هي نوع من الشعر السرياني المتعدد الأوزان، واشتهر بها كثيراً القديس مار افرام السرياني.

5- المواضيع التي تعالجها نصوصها هي من نوع الدراما التراجيدية بأغلبها، مثل تراجيديا الفداء والخلاص، أو تحضير النفس للوقوف أمام العدالة الإلهية، وغيرها.

6- ألحانها هي أيضاً من النوع الدرامي الفخم الجميل، تحوي الرهبة والخشوع والحزن بكثرة، فتنقاد الأذن لسماعها حتى نهايتها.

 

بعض التخشفتات الدارجة:

ܛܰܥܡܶܗ ܕܗܳܒܶܝܠ “طعمِه دهوبِل”، ܗܳܐ ܓܶܝܪ ܝܰܘܡܳܬܰܢ “هو جِر ياوموثان”، ܐܶܡܰܬܝ̱ ܕܰܠܚܰܪܬܼܳܐ “إماث دالحَرثو”، ܐܰܝܟ ܬܰܓܳܪܶܐ “آخ تاجورهِ”، ܒܢܰܚܠܳܐ ܕܝܘܫܳܦܳܛ “بنَحلو ديوشوفوط”، ܡܰܢ ܠܳܐ ܢܶܒܟܶܐ ܥܰܠ ܚܘܒܰܘܗܝ “مان لو نِبكي عال حاوباو”، ܐܰܝܟܰܘ ܥܽܘܬܪܳܐ “أيكاو عوثرو”، ܚܰܬܼܢܳܐ ܡܫܺܝܚܳܐ “حاثنو مشيحو”، ܫܽܘܒܚܳܐ ܠܛܳܒܳܐ “شوبحو لطوبو”، ܒܟܘܠܳܗ ܐܰܪܥܳܐ ܐܶܬܼܒܰܩܺܝܬ “بكولُه ارعو إثباقيث”، وغيرها.

 

التأثير البيزنطي على  ܬܰܟܼܫܦܳܬܳܐ:”تخشفوثو” (تضرعات)

يختبئ تحت عباءة ألحان ܬܰܟܼܫܦܳܬܐ “التضرعات” شيئاً من التأثير البيزنطي بالرغم من اسمها “تخشفوثو” الذي يوحي إلينا ويعطينا إنطباعاً عاماً بأنها سريانية قلباً وقالباً، وهذا التأثير موجود فيها لكونها لُحِّنَت أساساً بطريقة بيزنطية، لهذا سنوضح هذا التأثير موسيقياً.

 

1- إن التراكيب اللحنية لمجموعة ܬܰܟܫܦܳܬܐ “التخشفتات” تعتمد على السلالم الموسيقية الكاملة أو أكثر، والسلالم الموسيقية الكاملة هي من خصائص الموسيقا البيزنطية، بينما الألحان السريانية الكنسية تعتمد بمعظمها في تراكيبها اللحنية على أنصاف السلالم الموسيقية من أجناس وعقود أو أقل. وعمليتي التلحين والصعود والهبوط النغمي على السلالم الموسيقية الكاملة ذات المساحات الموسيقية الكبيرة تختلفان تماماً عن عمليتي التلحين والصعود والهبوط النغمي في أنصاف السلالم الموسيقية ذات المساحات الموسيقية الصغيرة. فهناك تمايز وفرق واضح بين ألحان هذين الشكلين من الموسيقا مما يكسبهما خصائص موسيقية معينة خاصة بكل منهما.

 

2- وجود مدّات نغمية وتطويل لحني بكثرة مع بعض التراكيب النغمية المعقدة نسبياً في ألحان التخشفتات، وهذه من سِمات الألحان والموسيقا البيزنطية التي تحقق شكل الفخامة والعظمة في أسلوب إنشادها، وتميّز أسلوب الإنشاد البيزنطي عن الأسلوب الإنشاد السرياني.

فالألحان السريانية الموزونة موسيقياً والشبه موزونة خالية من التعقيدات في تراكيبها النغمية، ولا تعتمد مطلقاً على التطويل اللحني (المدّات النغمية)، وإن وجِد فيها تطويل ما خاصة في نهايات جملها الموسيقية، فَيُملأ بحروف “الزيادة السريانية” المتفق عليها تقليدياً والتي تستخدم حسب طول النغمة (سنأتي على ذكرها مفصلاً في مقال قادم)، لكن طريقة إملاء المدّات النغمية بالحروف الزائدة غير موجودة بألحان التخشفتات أبداً، وذلك لعدم إعتمادها على الطريقة السريانية التقليدية في التلحين إنما على الطريقة البيزنطية المعروفة، وهذا واضح في تراكيب ألحانها وفي اسلوب آدائها.

 

3- إن طريقة إنشاد التخشفتات هو أسلوب مزدوج ممزوج من بيزنطي وسرياني معاً، يحوي الكثير من الوقار والرهبة والعظمة لتبيان مدى أهمية الفداء والخلاص في إيماننا المسيحي، وهذا اسلوب بيزنطي في الإنشاد ومن خصائصه الوقار والعظمة والرهبة والفخامة.

كما أن الجمل الموسيقية في تراكيب ألحانها هي في أغلبها جمل موسيقية شرقية بحتة، تحوي بين طياتها الكثير من مؤثرات الحزن والبكاء والخشوع والتقوى والزهد، وهذه من خصائص إنشاد الألحان السريانية التي تحقق الطريقة السريانية البسيطة في التعبير اللحني والتصوير الصوتي لمعنى الكلمة، والتي قمنا بشرحها سابقاً بشكل مفصّل في الجزء الرابع عشر من مقالنا.

 

لكن رغم كل التأثير اليوناني-البيزنطي الواضح في مجموعة التضرعات “ܬܰܟܫܦܳܬܐ” وفي مجموعات أُخَر من الأناشيد السريانية الكنسية، إلا أنها تنشد جميعها بلَكنة وبطريقة موسيقية سريانية واضحة، وبتعبير وتصوير صوتي سرياني خالص.

أما ما نسمعه اليوم من المنشدين الذين ينشدون التخشفتات بشكل معقول، هي أصوات تحوي الكثير من المؤثرات البيزنطية الغريغورية في آدائها، هذا واضح بشكل جلي في تسجيلات البعض من التخشفتات التي سجلها الشماس القدير سمعان زكريا بصوته الرهاوي الأصيل وبطريقته الخاصة، (شماس في الكنيسة السريانية في مدينة ستوكهولم أمد الله بعمره)، وكان قد تعلّمها بدوره ونقلها لنا من شمامسة وكهنة رهاويين أصيلين وقديرين في الألحان الكنسية، منهم: الكاهن حبيب توكمجي، والشماس يوسف كوسا، والشماس ابراهيم توكمجي.

فطريقة مطّ اللحن (المدات اللحنية) التي يتبعها الشماس زكريا في آدائه هي بيزنطية وليست سريانية، والتكنيك الصوتي الذي استعمله في آدائه الحاوي على نبرات وتعرجات وعطفات صوتية وعلى فخامة وعظمة هو أيضاً من البيزنطي.

وكان الشماس المذكور زكريا قد لحّن بنفسه تخشفتو ܩܰܒܶܠ ܒܪܰܚܡܰܝܟ “قابِل برَحمَيك”. بطريقة تعدُّ رهاوية ومقبولة، وتحوي شيئاً من الأصالة السريانية وشيئاً من عبق وعراقة تاريخنا، وسجلها بصوته في نفس التسجيل السابق، مضيفاً بذلك مع الألحان الأخرى التي لحّنها للكنيسة بصمة صغيرة إلى تراثنا الكنسي.

فالتأثير البيزنطي/اليوناني لغة وأدباً وموسيقةً واضح وكبير في التراث السرياني الكنسي تماماً كما المدني، ولا زال مستمراً بصلواتنا وبأصوات منشدينا وبجزء من ألحاننا، وهذا لا ضير فيه مطلقاً، لأنه نتيجة لتفاعل الحضارتين اليونانية/البيزنطية والسريانية.

 

تنويط التخشفتات

وأما عملية تنويط هذه الأناشيد فكانت متعثرة لأسباب تعود للذين اشتغلوا في تنويط البيث كازو (كتب مخزن الالحان الكنسية السريانية)، لكن المطران الموسيقي مار أنطوان بيلوني مطران حلب سابقاً للسريان الكاثوليك، كان قد قام مشكوراً بتنويط البعض من هذه التخشفتات، مثل: ܫܠܰܚ ܐܳܕܳܡ “شلاح أُدُم”، و ܥܰܠ ܛܘܽܪ̈ܝ ܚܽܘܪܺܝܒ “عال طوراي حوريب”، و ܒܢܰܚܠܳܐ ܕܝܘܽܫܳܦܳܛ “بنَحلو ديوشوفوط”، و ܐܰܝܟ ܬܰܓܳܪܶܐ “آخ تاكورهِ”. ونشرها في الطبعة الثانية (سنة 1995) من كتاب “بيث كازو” للمستشرق الفرنسي جنان (Dom Jeannin O. S. B. ).

 

وإن عدم نشر نتاجات الذين نوّطوا البيث كازو في كتب أو نشرات، لم يتسنّى لنا الإطّلاع عليها لنعلم إذا كانوا قد اشتغلوا في تنويط التخشفتات أم لا، مثل الأب الباحث الموسيقي الدكتور إيلي كسرواني والأب الموسيقار جورج شاشان.

 

الإختلافات في التخشفتات

إن ظاهرة إختلافات الألحان والإنشاد في التخشفتات هي واضحة وتعود إلى مجموعة الإختلافات التي خُلِقَت بألحان البيث كازو بشكل عام، والتي تسمى “أساليب إنشاد البيث كازو” نسبة للمنطقة التي تطورت الألحان فيها وتغيّرت وأخذت شكلاً وقالباً جديداً في آدائها.

فوصل أمر الإختلاف بين الأسلوبين الرهاوي والمارديني في غناء قسم من التخشفتات الى إختلافات لحنية وإنشادية بينهما، وسنقوم بتوضيح مفصّل عن الاسلوبين في مقال قادم يتناول أساليب الإنشاد السرياني.

ويبدو أن بلورة وتطور ألحان التخشفتات، في كلا من المنطقتين الرها وماردين، وأخذههما شكلاً مغايراً عن بعضهما كان ذو فاعلية كبيرة، كما أن تأثّرَهما بموسيقا جغرافيتهما كان كبير الحجم حتى حصلت هذه الإختلافات. واليوم هناك من يميل في آدائه للتخشفتات إلى اللكنة التركية وآخر إلى الكردية أو العربية متأثرين بشكل كبير بموسيقا محيطهم، وهذا أمر أعتبره شخصيّاً من العيوب التاريخية والأخطاء الجسيمة التي طرأت على موسيقانا الكنسية.

فمثلاً: لحن تخشفتو ܛܰܥܡܶܗ ܕܗܳܒܝܠ “طَعمِه دهوبِل” في الأسلوب الرهاوي يختلف كثيراً عن ذات اللحن في الأسلوب المارديني، والإختلاف ليس مقتصراً على اللحن فقط إنما في طريقة إنشاده أيضاً فهو إختلاف كبير حتى يخاله السامع بأن اللحنين لا علاقة ببعضهما قط. وكذلك ألحان تخشفتو ܐܶܡܬܝ ܕܰܠܚܰܪܬܐ “إماث دَلحَرثو”، وتخشفتو ܐܰܝܟ ܬܰܓܳܪܐ “آخ تاجُورهِ”، و ܫܘܒܚܐ ܠܛܳܒܐ “شوبحو لطوبو”.

 

أصوات وتخشفتات وتأثير بيزنطي

أصوات كنسية كثيرة مجدت الرب وتمجده، وكل صوت حسب إمكانياته ومعرفته، ولكن ليس كل “صوت هو مصوت” كما يقال، وليس كل من “ينشد فهو يصلي”، فمن أراد ان يُسمِعَ صوته للآخرين فعليه أولاً أن يمتلك موهبة الصوت الحسن، وثانياً أن يصقل صوته بالمعرفة الموسيقية، وكنسياً بمعرفة ألحانها وأصول آدائها، وثالثاً أن يكون الإيمان غامراً قلبه ليكون إنشاده صلاةً وليس غناءاً.

 

هناك أصوات معروفة عاصرناها أو سمعناها بتسجيلات غنت تخشفتات معينة بأشكال متفاوتة في الإتقان وفي جمالية الآداء، فكل صوت من هذه الأصوات كان يتقن جزء منها وليس جميعها، أمثال:

الشماس القدير جورج ماعيلو توفي في القامشلي 1976. الاب حبيب توكمجي توفي في حلب 1978. الموسيقار السرياني كبرييل اسعد توفي في ستوكهولم 1997. الاب صليبا صومي توفي في القامشلي/سوريا 2006. الشماس يوسف أفرام توفي في لبنان 2007.

الشماس سمعان زكريا. الاب منير بربر. الاب ملكي يلماز. الأخَوَين سمعان وبطرس حضرولي. وجميعهم من من مدينتي سودرتاليه وستوكهولم السويد. أمد الله بعمرهم جميعاً.

وغيرهم مثل المرحومين: الملفونيثو إيفلين داوود، والملفونيثو سعاد يوسف، والملفونو يوسف شمعون، والشماس سعيد الأعمى، وجميعهم من مدينة القامشلي.

 

فرغم التأثير البيزنطي الواضح الذي شرحنا عنه أعلاه في جوهر ألحان التخشفتات التي سمعناها من الاصوات المذكورة إلا أن قسماً منها حمل في إنشاده تأثير بيزنطي أكثر من غيره دون قصد أو معرفة منه، وذلك لأسباب متعلقة في نشأته الجغرافية والتعليمية والكنسية والموسيقية.

فمثلاً: إنَّ عمّنا المرحوم الموسيقار كبرئيل اسعد كان يتّقن مجموعة صغيرة من أسلوب ماردين وقليل من أسلوب الرها، لكن بدقة متناهية وحرفية عالية بعد أن وضع بصمة موسيقية موفقة عليها، وكان إنشاده فيه فخامة وعظمة وتكنيك صوتي ليس من الإنشاد السرياني إنما من البيزنطي، مما يدل على أن الأسلوب البيزنطي في الإنشاد مسيطر على هذا النوع من الأناشيد، بل أن عمنا كبرييل اسعد كان يطلب منّا أثناء إنشاده لها في جلساتنا الخاصة أن ننشد معه صوت الإيصن (الذي كنا قد شرحنا عنه في الجزء الثاني عشر مقالنا) في نهايات الجمل الموسيقية الطويلة، وهذا أمر بيزنطي صرف.

 

كما أننا سمعنا أيضاً قسماً من التخشفتات بأصوات مغنيين سريان مشهورين، ولكنهم لم يتوفقوا في إنشادها، لأنهم بعيدين كثيراً في آدائهم عن روح الصلاة ومقاصدها الدينية، وقريبين جداً في آدائهم من الغناء العام الحفلاتي، فكأنما هؤلاء يُغَنّون ولا يُصَلّون، أي يتعاطون الإنشاد مثل فنّ الغناء، وهناك فرق شاسع بين من يغنّي وبين من يصلي.

وقال أحد آباء الكنيسة في هذا الأمر: “بأن تعاطي الترتيل كفنّ هو تفريغ للكلام الروحي من مضمونه، وهذه علّةٌ قاسيةٌ أن يُغفَل المعنى وتُحسَب لغة النغم غايةً في ذاتها. فهذا يعتبر زنى في كل حال . لأن العلّة في هذه الحالة هي عدم تصديق المرنّم وهو واقف أمام يسوع المسيح أثناء الإنشاد بأنه حيّ في قرارة نفسه، بل إنه يجعله وثناً بين الأوثان في هذه الحالة، لأن الإحساس بالمقدسات يموت في نفسه”.

وحقيقة المشكلة تكمن بأن البعض يأتي ليستعرض قدراته الصوتية في الكنيسة خاصة في القداديس، وليس لأجل الصلاة والخدمة الروحية، فيقع في حب الظهور الذي يخرجه عن سياق الصلاة ويدخله في الكبائر.

 

يونانية أم سريانية

وفي النتيجة أن التفاعل الحضاري من ثقافي وكنسي بين اليونان والسريان كان كبير الحجم وعميقا في التاريخ، فلا إستغراب إن وجدت مسحة من التأثير اليوناني على تراثنا الكنسي، بسبب الروابط الكبيرة التي كانت تربطنا بهم، هذا أمر ليس بمعيب قط، ولا يقلل من شأن الكنيسة السريانية، ولا من دور السريان الثقافي تاريخياً، ولا من نتاجهم الفكري والحضاري.

وإن ما وضحته أيضاً من تأثير يوناني كبير على التراث الكنسي السرياني، لا ينفي أبدا حجم التأثير السرياني الكبير في التراث الكنسي اليوناني، ولا في الكنيسة السريانية الناطقة باليونانية، ولا في الكنيسة اليونانية نفسها، وهذا معلوم للقاصي والداني.

فلو علِمنا بأن الكثير من المؤلفات المنسوبة لمار أفرام السرياني المفقودة بالسريانية، هي موجودة باليونانية ترجمت في عصره أو بعده قليلاً، لعلِمنا مدى عمق التأثير السرياني بالتراث اليوناني الكنسي، وكما كنت قد ذكرت سابقاً في المقال بأن الكثير من النصوص اليونانية كانت تكتب في مدن سريانية الهوية والثقافة، أو ذات الثقافة المشتركة الممزوجة من السريانية واليونانية، ليُعمَل بها في أنطاكيا ودمشق وحمص ومدن أخرى سريانية الهوية ويونانية الثقافة، وأيضاً ليُعمَل بها في مدن يونانية الهوية والثقافة معاً.

 

ملاحظة:

ان نقطتي الجمع في الكلمات السريانية قد تم رفعها لأنها تقطع الكلمة حين اضافتها.

 

ويتبع في الجزء التاسع عشر

الموسيقا السريانية الكنسية

(الجزء التاسع عشر)

 

تعريف بأساليب إنشاد الألحان الكنسية (1)

 

بقلم: نينوس اسعد صوما

ستوكهولم

 

ملاحظة:

ان نقطتي الجمع في الكلمات السريانية قد تم رفعها لأنها تقطع الكلمة حين اضافتها.

 

الطقوس والألحان الكنسية

بعد تنظيم وتثبيت الطقوس والألحان السريانية الكنسية على يد العلامة الكبير مار يعقوب الرهاوي (708م)، وإنتشارها في كل مراكز التعليم والأديرة والكنائس السريانية المشهورة تاريخياً المتواجدة في مناطق واسعة من مشرقنا الحبيب، تطورت الألحان الكنسية عبر التاريخ بشكل بسيط في كل منطقة على حِدى منفردة ومستقلة بذاتها عن تطور ألحان منطقة أخرى، فطرأ على بعضها القليل من التغيير وأخذت طابعاً خاصاً بها ممتزجاً بنكهة موسيقا محيطها الجغرافي. كما تبلور أيضاً آداؤها بالتدرج الزمني آخذاً شكلاً خاصاً به مختلف عن آداء مناطق اخرى. فسمّينا هذا الطابع التطوري وهذا الشكل الآدائي الطارئان على ألحان كتاب مخزن الألحان “بيث كازو” “ܒܝܬ ܓܰܙܐ” والكتب الطقسية الأخرى ب: “أسلوب الإنشاد الكنسي”. وبالسريانية نقول عنها “ܩܘܝܳܡܐ ܕܙܘܡܳܪܐ ܥܺܕܬܢܳܝܐ”، وذلك تصحيحاً للمصطلحات الخاطئة المستعملة في عصرنا هذا.

فأصبح لكل منطقة جغرافية سريانية أسلوبها الخاص في إنشاد الألحان الكنسية والذي تُعرَف به اليوم ويميّزها عن اسلوب منطقة أخرى، وهذا الأسلوب له نكهته وصفاته ومشاكله الموسيقية الخاصة به التي خُلِقَت نتيجة مشاكل كنسية وظروف تاريخية قاسية عصفت بكنيسة وشعب تلك المنطقة.

 

أساليب مختلفة للإنشاد

يؤكد اليوم جميع المهتمين والعارفين بالألحان الكنسية السريانية بوجود إختلافين رئيسيين في إنشادها عن الأصل المفقود: إختلافات لحنية صغيرة، وإختلافات إنشادية كبيرة، وهذه الإختلافات تكبر أو تصغر حسب المناطق الجغرافية التي تطورت وتبلورت فيها الألحان، والتي شكلت لنا في النهاية مجموعة من الطرق في الإنشاد مختلفة أحياناً ومتقاربة أحياناً أخرى.

فمنذ أزمنة غير معروفة اصبحت الألحان تنشد بطرق كثيرة متقاربة أو متباعدة عن بعضها، ونحن ورثناها على ما هي عليه من مشاكل وإختلافات، فأطلقنا على طرق الإنشاد هذه مصطلح “الأساليب المختلفة في الإنشاد الكنسي”، وبالسريانية تسمية “ܩܘܝܳܡܶܐ ܡܫܰܚܠܦܶܐ”، بعد أن اصبحت اليوم واقعاً مفروضاً على الكنسية يميّز شكل إنشاد منطقة عن أخرى، وعلينا التعامل معه بشكل جدي ودقيق.

ونقول في إنشاد الأساليب المختلفة لألحان البيث كازو بالسريانية: ܒܩܘܝܳܡܶܐ ܡܫܰܚܠܦܶܐ ܙܳܡܪܝܢܰܢ ܩܝܢܳܬܳܐ ܕܒܶܝܬ ܓܰܙܳܐ.

وأقتبس التالي من مقالنا الجزء الخامس عشر في أمر المصطلح “أساليب مختلفة” الذي استعملناه في مقالنا:

“التعابير أو التسميات الحديثة التي ظهرت مؤخراً على الساحة السريانية مثل: “مدرسة ماردين” للألحان السريانية أو لآدائها، أو “مدرسة الرها” أو “مدرسة الموصل” وغيرها التي أختفت أو في طريقها إلى الإختفاء، هي عبارة عن مسمّيات خاطئة لأساليب الإنشاد الكنسي، حيث أنها ظهرت واستُعمِلَت من قبل بعض الموسيقيين الهواة لعدم درايتهم الكافية بالإنشاد الكنسي بشكل صحيح”.

فلم نقرأ أبداً في تاريخنا السرياني أو سمعنا بأن أحد من آباء الكنيسة قد درس الألحان الكنسية بحسب مدرسة الرها للألحان الكنسية مثلاً أو مدرسة الموصل أو ماردين. فكل مدارسنا التاريخية القديمة التي إندثرت تماماً وأختفت من الوجود وأصبحت من الماضي لم تدرّس الألحان الكنسية بحسب كذا أو كذا، إنما كانت تعلّمها وتلقّنها كما ورثتها وتناقلتها شفهياً ودون مسميات معينة.

واليوم لا وجود لمعاهد رسمية أو مدارس موسيقية كنسية تقوم بتدريسها ليتخرج منها طلبة متّقنين هذه الألحان بحسب مدرسة ما.

أما رأينا الشخصي في قضية تعددية الأساليب في إنشاد ألحان البيث كازو والإختلافات في ما بينها، هو كما وضحته في الجزء الخامس عشر أيضاً، أن “أساس هذه الإختلافات قائم على الخطأ في آداء ذات اللحن، لأن الأصل كان واحداً فتغيّر”، واستعمال كلمة مدرسة هو تكريس لهذا الخطأ وجعل هوة الفروقات بين الاساليب اوسع، وبالتالي إبعادها عن بعضها اكثر بدلاً من محاولة العمل على جمعها بشكل واحد قريب من الأصل.

 

أساليب متعددة في الإنشاد

ونقول عن الأساليب المتعددة بالسريانية “ܩܘܝܳܡܶܐ ܣܰܓܝܐܶ”.

إن أشهر الأساليب المعروفة إنتشاراً وإتقاناً وتداولاً في إنشاد ألحان البيث كازو “ܩܝܢܳܬܳܐ ܕܒܶܝܬ ܓܰܙܐ” كما نقلتها الأجيال لنا بأسلوبين مُمَيَّزَن جداً هما:

الأسلوب الرهاوي ܩܘܝܳܡܳܐ ܕܐܘܪܗܳܝ، والاسلوب المارديني ܩܘܝܳܡܳܐ ܕܡܶܪܕܳܐ. لكنهما مختلفان إنشادياً عن بعضهما بشكل واضح، وموسيقياً مختلفان في بعض الألحان، وسَنُقدِم على تعريف بالأسلوبين في مقالنا القادم بشكل أكثر تفصيلاً.

 

يوجد لدينا أسلوب ثالث لا يقلّ في الأهمية والشهرة عن الاسلوبين السابقين في إنشاد ألحان البيث كازو، هو أسلوب أهل الموصل في العراق، ويسمّى بأسلوب “دير مار متى” الواقع قريباً من مدينة الموصل، وبالسريانية نسميه “ܩܘܝܳܡܳܐ ܕܡܰܘܨܰܠ، ܐܰܘܟܝܬ̣ ܩܘܝܳܡܳܐ ܕܡܳܪܝ ܡܰܬܰܝ”. وهو منتشر في كل المناطق التابعة لمدينة الموصل والمجاورة لها، بل أن كل سريان العراق من الذين ينتمون للطائفة السريانية الارثوذكسية يتبعونه اليوم في إنشادهم للألحان الكنسية.

وأسلوب “دير مار متّى” قريب جداً من أسلوب ماردين في الإنشاد، لكنه يتميّز بلكنة عراقية واضحة المعالم، وكذلك ببعض الفروقات البسيطة في جزء صغير من الألحان التي نعتبرها تشوهات لحنية تاريخية لها أسبابها.

سمعنا هذا الأسلوب من تسجيلات البطريرك مار اغناطيوس يعقوب الثالث المتوفي سنة 1980، ورغم تأثره  قليلاُ بأسلوب ماردين لكنه يبقى افضل وأشهرمن أتقنه، بل أفضل من أّتّقن الألحان الكنسية على الإطلاق. وسَنُعَرِّف عنه اكثر في مقالنا القادم.

كما سمعنا حديثاً في المهجر شيئاً من هذا الاسلوب من كهنة وشمامسة قليلون ينشدونه بلكنة عراقية أكثر وضوحاً من لكنة البطريرك يعقوب الثالث، بالإضافة إلى تغييرات بسيطة في بعض الألحان.

إن رياح التعريب كانت قد ضربت الاسلوب الموصلّي في صميمه منذ فترات طويلة في كنائسنا في الموصل وبغداد وبصرى لكن ليس في بلداتنا التي تتكلم السريانية الشرقية، فأدّت في بدايات القرن العشرين إلى تأليف عدداً لا بأس به من الأناشيد الجديدة في اللغة العربية واصبحت واقعاً مفروضاً بعد أخذت مكانها في الكثير من كنائسنا في العالم.

وإن ما يحصل اليوم من كوارث ومجازر في العراق الجريح وما يمرّ به شعبنا السرياني بكافة طوائفه في محنة قاسية وظروف صعبة، ومع الهجرة الكبيرة التي تحصل وشتات سريان العراق في كل مكان، أصبح هذا الاسلوب المميّز نسبياً عن أسلوب البطريرك يعقوب الثالث مهدداً بخطر النسيان والإندثار. ففي سبيل المحافظة عليه كما هو عليه اليوم، نطلب من العارفين فيه تسجيله من جديد لئلّا يذوب في الأساليب الاخرى ويضيع، ثم العمل على نشره بالوسائل الحديثة ليصبح في متناول أيدي الجميع لأجل إقامة دراسات موسيقية مقارنة عليه مع تسجيلات البطريرك أولاً، ثم مع تسجيلات لألحان الأساليب الاخرى ثانياً.

وأما الأسلوب الرابع الشهير هو أسلوب أهل منطقة حمص المعروف ب “أسلوب صدد” ܩܘܝܳܡܳܐ ܕܨܰܕܰܕ، ويضم المناطق المحيطة والتابعة لمدينة حمص. وكان لهذا الاسلوب قيمة كبيرة وإنتشاراً واسعاً في بعض المراحل التاريخية، لكنه إنحسر وأنكفأ في بعض البلدات الصغيرة والقرى العائدة لمدينة حمص.

ونتيجة الهجرة الأولى للشعب السرياني من أهالي المنطقة إلى الامريكتين في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين إنتشرهناك لمدة وجيزة  ثم أختفى مع ذوبان أبناء جيل المهاجرين الأوائل.

ومع تعريب أغلب الطقوس الكنسية في سوريا وخاصة في منطقة حمص وتوابعها، ومع نزيف الهجرة الثانية لأهل المنطقة في سبعينيات وثمانينيات القرن المنصرم والمستمرة لغاية اليوم، أختفى القسم الكبير من أسلوب صدد، ولم يصل إلينا شيئاً منه بالقدر المطلوب سوى بعض النثرات الصغيرة لنحكم عليه بشكل موسيقي، وخاصة الحكم عليه في كيفية تأثّره بأسلوب الإنشاد البيزنطي، وبموسيقا منطقته التي ميّزته عن الأساليب الاخرى. نتمنى على من يملك تسجيلات لهذا الاسلوب نشره على مواقع الإنترنيت ليتسنّى للجميع الإطلاع عليه، أو تسجيله ونشره.

 

أما أسلوب أهل آزخ المتمثل اليوم بأسلوب سريان مدينة ديريك في سوريا فهو متفرّع من الاسلوب المارديني وله بعض الخصوصيات الصغيرة، فنطلب من الشمامسة القديرين العارفين بهذا الأسلوب تسجيله ونشره بالوسائل الحضارية لئلّا ينقرض إن لم يكن مسجلاً.

وأسلوب أهالي أديَمان ودياربكر وملاطيا، الذين يحسبوا  على الأسلوب الرهاوي هم ذاهبون وبسرعة إلى الإختفاء، أو أنهم قد إختفوا تماماً.

وأسلوب أهل بغداد والبصرى المتفرع من الموصلّي لم يبقى منه شيئاً يذكر لأنه اصبح اليوم جزءاً لا يتجزأ من أسلوب الموصل بعد أن ذاب فيه.

ولكن اسلوب سريان خربوت وبالرغم من قلّة عددهم وإنتشارهم في أنحاء العالم، قد حفظ من الإندثار، لكونه سجل وأصبح متوفراًعلى بعض مواقع الإنترنيت.

وكانت هناك أساليب إنشاد متعددة صغيرة موجودة ضمن جغرافية الأساليب السابقة الكبيرة وتدور في فلكها، وأغلبها ذابت فيها واختفت تماماً بسبب النزوح والهجرة والإختلاط لسريان هذه المناطق، والبقية الباقية من الاساليب هي محسوبة على الكبيرة لأنها بالأصل متفرعة منها ومصيرها أيضاً الزوال.

 

أسباب في إختلاف أساليب الإنشاد الكنسي:

لقد ورثنا أساليب الإنشاد الكنسي كما هي اليوم عليه من آبائنا وأجدادنا، كما ورثنا معها إختلافات لحنية وإنشادية، والكثير من أسباب هذه الإختلافات تعود لحركة التاريخ التي مرت بقساوتها على السريان وكنائسنا السريانية.

وهذه بعضٌ منها:

1- إن النصوص والأناشيد السريانية الكنسية لم تؤلَّف وتلحَّن في مدينة واحدة أو في مركز علمي واحد، ولا في فترة زمنية واحدة. لأنها أُلِفَت ولُحِنَت في مدن وأديرة مختلفة وفي أزمنة متفرقة.

وإن مسألة إعتماد الألحان والنصوص وقبولها في مراكز تعليم المدن السريانية المتفرقة ثم إنتشارها بين كنائسها لم تكن بالعملية السهلة.

2- الإعتماد على الذاكرة في تناقل الألحان شفهياً من جيل لآخر ضمن منطقة واحدة، وهذا أمر معروف ومتفق عليه.

فبالرغم من أن ذاكرة الشعب السرياني قد حافظت على الألحان السريانية لغاية الحين، لكن كان على هذا الشعب إيجاد سبل علمية ما لتدوين ألحانه الكنسية، لتجنب تعرضها للتغيير والضياع أو النسيان والإندثار. ربما كان السريان الأوائل قادرين على إختراع وسيلة معينة لتدوين الألحان لو شاؤوا ذلك، وكانوا سيحافظوا من خلالها على جسم الألحان السريانية من التشوهات التي طرأت عليها.

3- إبتعاد الكنائس والاديرة عن بعضها جغرافياً وصعوبة عملية نقل الألحان كما كانت عليه في الأصل بسبب إعتمادها على الذاكرة فقط في تناقلها، فأصابها ما أصابها من تغيّرات لحنية.

4- التصرف والإرتجال الذي قام به المنشدون من كهنة وشمامسة دون ضوابط موسيقية في آداء الألحان و طرق الإنشاد، أدى إلى زيادة التشوهات في بعض الألحان.

5- ضعف الكنيسة تاريخياً  في عدم مقدرتها المحافظة على الألحان الكنسية بطريقة سليمة، وعلى عدم تفكيرها المحافظة والتقيد بأسلوب واحد في إنشادها.

6- العزلة التامة في تطور الألحان وإنشادها في كل منطقة سريانية منفردة عن الأخرى فأخذت قالباً مختلفاً وأصبحت ذات أسلوب مستقل بذاته عن الأساليب الأخرى.

7- تأثر إنشاد الألحان الكنسية في كل منطقة مستقلة بمحيطها الجغرافي الموسيقي. فلكل منطقة جغرافية موسيقاها العامة التي تتميّز بها، وتأثُر إنشاد الألحان الكنسية فيها أدّى إلى خلق مشكلة إضافية وسّعت هوة الإختلافات فيما بينها.

8- نصوص جديدة وألحان متعددة:

بعض المناطق السريانية المركزية ذات الأساليب الكبيرة في إنشاد البيث كازو، كان قد تم فيها عبر التدرج الزمني في تاريخ كنيستنا تلحين بعض نصوص الأناشيد القديمة مرة ثانية، أو تأليف أناشيد جديدة وتلحينها، لكن بمعزل عن بعضها البعض فكبرت الإختلافات أكثر مما كانت عليه، مما أدّى إلى تباعد الأساليب عن بعضها أكثر.

 

إن ظاهرة تأليف النصوص وتلحينها كانت قد كثرت في كنائسنا السريانية في المشرق والعالم بعد منتصف القرن العشرين، وبإستقلالية كل منطقة عن بقية المناطق الأخرى ودون العودة إلى مرجعيات مراكز التعليم كالاديرة والإكليريكيات لنشر هذه الأناشيد (الألحان الجديدة)، مما ساهم اليوم في توسع الإختلافات القائمة بين الأساليب وفي تباعدها أكثر فأكثر عن بعضها.

فمثلاً أسلوب أهل الموصل يملك اليوم ألحان وحتى أناشيد مستقلة خاصة به وإن كان عددها قليل، وكذلك الأمر في أسلوب أهل صدد، وتماماً مثلما حصل مع الأسلوبين الرهاوي والمارديني اللذين لم يتوقف لديهما التأليف والتلحين لغاية اليوم، فأصبح كل أسلوب يملك عدداً قليلاً من الألحان الخاصة به لا يعرفها أهل المناطق أو الأساليب الأخرى.

وتبني كنائس سريانية كثيرة في العالم ترانيم جديدة بالعربية استعارتها من كنائس شقيقة شرقية قديمة وحديثة، فتخلت عن جزء من تراثها السرياني وادخلتها في طقوسها وقداديسها بعذر أن الشعب لا يفهم السريانية الكلاسيكية فوسّعت الهوة فيما بينها.

والنتيجة إن عدم وجود مراكز موسيقية في الكنيسة السريانية أو معاهد خاصة في عصرنا هذا تهتم في جمع وحفظ الألحان الكنسية وتعليمها وتطوير أساليب تعليمها ونقلها ونشرها بين كنائسنا عالمياً، يساهم مساهمة كبيرة في تعميق مشكلة الفروقات في الألحان وفي طرق إنشادها بين مختلف الأساليب، وفي عدم الحفاظ على خصائص وقوالب ألحاننا واساليب آدائها من الضياع والزوال.

لهذا ندعو القائمون على العمل الكنسي أن يؤسسوا معاهد تهتم بجمع وحفظ الألحان الكنسية وبتدريسها بطرق ووسائل عصرية، وإقامة دراسات موسيقية حولها لمعرفة كل حيثياتها وما تتميّز به من صفات موسيقية سلبية كانت أم إيجابية، لأجل تناقلها وإنتشارها عالمياً لتأهيل أجيال مستقبلية.

إن رؤيتنا في تعدد الأساليب المختلفة، وبالرغم من أساسها قائم على الخطأ، هي المحافطة عليها، لأنها جزء هام من تراثنا الثقافي الذي نعتز به، وعلينا الحفاظ عليه. ولكن أمنيتنا هي أن تجمع وتدرس ويخلق منها أسلوب واحد فقط يكون معتمداً في جميع كنائسنا السريانية في العالم. وهذه الحالة تشبه تماما حالة تعددية الكنائس السريانية المشرقية بكل مذاهبها التي إنبثقت من الكنيسة الأم الأولى، وهي حالة غير صحية حسب رأينا. فنتمنّى لهذه الكنائس أن تتحد في كرسي بطريركي واحد لأن في الوحدة قوة وثبات للمسيحية في المشرق، ولكننا في نفس الوقت نريد أن نحافظ على تراث كل كنسية بشكل مستقل، لأنه تراثنا التاريخي الاصيل الذي بقي متداولاً لهذا اليوم والذي  نفتخر فيه عالمياً.

 

ويتبع في الجزء العشرين

 

 

 

 

اترك تعليقاً