اللـغـة السريانـيـة 

اللـغـة السريانـيـة 

(ملاحظة: ان الارقام التي ضمن اقواس في المقالة هي ارقام الحواشي الموجودة في اسفل المقال)

المقصود بالسريانية هنا هو “اللغة السريانية الفصحى” التي يسميها السريان المغاربة ܣܘܪܝܝܐ ܟܬܒܢܝܐ اي “السريانية الكتابية”، ويسميها السريان المشارقة ܠܫܢܐ ܣܦܪܢܝܐ “اللغة الادبية” وكذلك ܠܫܢܐ ܥܬܝܩܐ “اللغة القديمة” و ܠܫܢܐ ܐܪܡܝܐ “اللغة الارامية”.(1) وقد كانت هذه اللغة السريانية في الاساس، اللغة الارامية المحكية في الرها ونصيبين والمناطق المجاورة في بيث نهرين ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ.(2)
لكن السريانية هي احدى فروع اللغة الآرامية، والآرامية (3) بحد ذاتها لغة قديمة وعريقة وسلسة وغنية، وتضم مجموعة كبيرة من اللهجات المتشابهة والفروع المتقاربة، بعضها دوّن، والبعض الآخر لم يدوّن. كما وان العديد من فروعها ولهجاتها مات، لكن بعض لهجاتها الاخرى لا زال حياً لغاية اليوم.  (4) ومن اللهجات الآرامية المكتوبة والتي وصلتنا من القرون المسيحية الاولى، نذكر مجموعتين، غربية وشرقية، وهنا سنذكر شيئاً عن هاتين المجموعتين الآراميتين لتكون مقدمة لموضوعنا حول “السريانية الفصحى”.

 


تضم المجموعة الغربية: (5)

1. الآرامية اليهودية الفلسطينية

وتشمل هذه الآرامية اليهودية الفلسطينية ثلاثة فروع صغيرة وهي: آرامية الجليل، وآرامية اليهودية، وآرامية  شرقي الاردن. إذ بعد طرد اليهود من اورشليم وشمال اليهودية اثر تمردهم عام 135 ميلادية، انتقل الكتاب اليهود الى جنوب الجليل وانتقل مجمعهم من جبل الكرمل الى طبرية وانتجوا هناك شيئاً من الادب. ان أقدم الكتابات الجليلية تعود الى عام 200 لغاية 700 ميلادي وهي نقوش على القبور، وتعرف هذه اللهجة كونها لغة السيد المسيح؛  واقدم كتابات لهجة اليهودية تعود الى القرن الثالث الميلادي لغاية القرن السابع من منطقة جنوب اليهودية بين حبرون وبيرشبا بعد فرار قسم من اليهود اليها؛ اما لهجة شرقي نهر الاردن فوصلتنا منها بعض النقوش من منطقة اعالي نهر الأردن تعود الى القرن الثالث الميلادي لغاية السادس. والفرق بين الفروع الثلاثة لهذه اللهجة بسيط جداً. كتابات هذه اللهجة كانت بالأبجدية الآرامية المربعة.

2. الآرامية السامرية:

كانت اللهجة الآرامية السامرية لغة الطائفة السامرية اليهودية في فلسطين التي تؤمن فقط باسفار موسى الخمسة من العهد القديم، ويًعتقد بانها اصبحت لغة كتابة منذ زمن المسيح. بعد سيطرة العربية تحولت لغة هذه الطائفة تدريجيا الى العربية خاصة في القرن العاشر الميلادي. وصلتنا منها بعض النقوش من القرن السادس لغاية الرابع عشر، وبعض الكتابات الادبية أقدمها دوّنت في القرن الرابع.  كتابات هذه اللهجة كانت بالأبجدية الآرامية المربعة.

3. الآرامية المسيحية الفلسطينية:

ازدهرت هذه اللهجة الآرامية المسيحية الفلسطينية في القرن الرابع الميلادي في فلسطين وتلاشت من الكلام في القرن الثامن حيث تحولت الى لغة طقسية فقط. ان هذه اللهجة المتأثرة باللغة اليونانية كانت لغة الكنيسة المسيحية في فلسطين؛ وقد وصلتنا منها بعض النقوش من منطقة عمان والقدس تتراوح بين القرنين السادس الميلادي والحادي عشر الميلادي، ورسالة من القرن الثامن، وبعض المخطوطات الطقسية من القرنين العاشر والحادي عشر اغلبها مترجمة من اليونانية، حيث ترد فيها تسمية يسوع بالصيغة اليونانية “يسوس”. كتبت هذه اللهجة بالخط السرياني.

أما المجموعة الشرقية (6) فتضم:

1الآرامية المندائية: الارامية المندائية هي اللهجة الآرامية التي يستعملها المندائيون (أو أصح “المندعيون”، اي المعرفيون) المقيمون في جنوب العراق وخوزستان في ايران في أدبهم وكتبهم الدينية والطقسية العديدة. وتكتب هذه اللهجة بابجدية آرامية متطورة حيث حوّلوا الحركات الى حروف تكتب في جسم الكلمات. واقدم كتاباتهم تعود الى القرن الثالث الميلادي. لا زال المندائيون في ايران بعددهم القليل يتحدثون المندائية الحديثة.

2آرامية التلمود البابلي: كانت ارامية التلمود البابلي لغة يهود بابل المحكية في الالف الاولى بعد الميلاد؛ وتسمى “آرامية التلمود البابلي” لكتابة هذا التلمود الذي استعمله يهود بابل بهذه اللهجة الآرامية في مدارسهم اللاهوتية الشهيرة في البلدات “سورا”، و”بومبديثا” و “نهردعا” الواقعة في بلاد بابل؛ وقد تم جمع نصوص التلمود البابلي في المئة الخامسة الميلادية وطبع اول مرة في البندقية في ايطاليا 1520-1523؛ ان ادب هذه اللهجة الآرامية مدون بالخط الآرامي المربع الذي يستعمله اليهود.
3الآرامية السريانية:

وهي اللغة التي يدور محور هذه المقالة عنها.

كانت السريانية اللغة الكتابية المسيطرة على منطقة الهلال الخصيب في القرون الاولى قبل الميلاد واستمرت الى زمن السيد المسيح وبعده، لغاية القرن السابع الميلادي حيث جاءت العربية فاخذت تنافسها وتزيحها من مواقعها.

ان اللهجة الآرامية التي كانت مستعملة في مدينة الرها Edessa (تسمى اليوم أورفا) تطورت هناك لغةً وكتابةً بشكل مستقل عن الفروع الآرامية الاخرى، واصبحت ما يعرف اليوم باللغة “السريانية الفصحى” Classical Syriac.  وقد تميزت “السريانية الفصحى” ببعض خصائصها المعروفة مثل استعمالها حرف “النون” في بداية الفعل المستقبل مع الضمير الغائب بدلاً من حرف “الياء” الموجود في معظم الفروع الارامية الاخرى، كقولنا ܢܩܛܘܠ “سيقتل” بدلا من ܝܩܛܘܠ، واستعمالها الحالة التوكيدية Status Emphaticus  في الاسماء والصفات بدلاً من الحالة المطلقة Status Absolutus في الاستعمال العام مثل ܡܠܟܐ “ملكا”Malka  بدلاً من ܡܠܟ Mlekh، وعدم استعمالها اداة للتعريف، واستعمالها الخط الآرامي السطرنجيلي الخاص بها.

وقد نالت السريانية مكانة رفيعة، وتطورت، وانتشرت بسرعة لظروف سياسية وتجارية ودينية خاصة بدولة الرها السريانية ودور ملوكها الآراميين (السريان) في سياسة المنطقة منذ القرن الثاني قبل الميلاد ولغاية القرن الثالث الميلادي، وكذلك لتحوّل هذه السريانية الى لغة رسمية للكنيسة المسيحية المحلية والمشرقية ولا زالت، ولكون الرهبان والتجار السريان ايضاً وايضاً حملوها معهم في تبشيرهم وفي رحلاتهم، فاوصلوها الى الهند والصين(8) وآسيا الوسطى، ولا زالت السريانية مستعملة في الكنائس السريانية في جنوبي الهند لغاية اليوم. ويبدو ان اللغة السريانية الفصحى ظلت مستعملة في موطنها، اعني الرها، كلغة أدبية ومحكية حتى نهاية القرن الثالث عشر الى ان بطل استعمالها في الكلام، لكنها استمرت كلغة ادبية في الكتابة والتأليف والتعليم وغيرها من المجالات الادبية. كما انها لا زالت مستمرة لغاية اليوم في مختلف كنائس الطوائف(9) السريانية في ممارسة طقوسها وتلاوة صلواتها في كل مكان فيه سريان وكنائس سريانية، وبشكل يسير في التعليم والتأليف ايضاً.

وانني اقسم اللغة السريانية الى ثلاث مراحل:

أولاً، مرحلة اللغة السريانية الكلاسيكية: وتبدأ منذ ظهور هذه اللهجة واستعمالها في القرن الثاني قبل الميلاد وتنتهي في القرن الخامس او السادس الميلادي. وهنا كانت السريانية في اوج قمتها، حيث كانت لغة دولة الرها السريانيةܐܘܪܗܝ Edessa ولغة ملوكها(10) وحكوماتها وموظفيها وجنودها وارشيفها وقضاتها ومدارسها ومعاهدها العلمية؛ وكانت لغة شعبها السرياني الأبي بمختلف فئاته المثقفة وغير المثقفة، بها كان أبناؤها يخاطبون بعضهم البعض، بها كانت الام السريانية تناجي طفلها ورضيعها، بها وضعت ترجمات الكتاب المقدس المختلفة، وبها وضع الكتّاب والفلاسفة والادباء السريان مؤلفاتهم وافكارهم، وبها كانت الفرق السريانية الغنائية والفنية والتمثيلية تقدم عروضها وابداعاتها. كما انها كانت لغة عمالقة الشعر والنثر السرياني مثل ܡܪܐ ܒܪ ܣܪܦܝܘܢ “مارا بر سرافيون” (المئة الاولى بعد الميلاد)، و ܒܪܕܝܨܢ  “برديصان” (145-222)، و ܡܪܝ ܐܦܪܝܡ “مار افرام” (306-373) وتلامذته، وܡܪܝ ܢܪܣܝ “مارنرساي” (توفي 502)، و ܡܪܝ ܝܥܩܘܒ ܕܣܪܘܓ “مار يعقوب السروجي” (توفي 521)، و ܡܪܝܦܝܠܠܘܟܣܝܢܘܣ ܕܡܒܘܓ “مار فيلوكسينوس المنبجي” (توفي 523)، وغيرهم، حيث وضعوا فيها عصارة فكرهم ونبوغهم وخلاصة شاعريتهم الملهمة. وكتابات هذه المرحلة كلها كانت في الخط السرياني السطرنجيلي  ܐܣܛܪܢܓܠܝܐ الخاص بها دون استعمال حركات تشكيل.

ثانياً، مرحلة اللغة السريانية المتوسطة: وفيها تكرس انقسام السريانية على مستوى المورفولوجيا الى شرقية وغربية؛ وانقسم الخط السرياني وظهر الخط الشرقي الخاص بالسريان المشارقة والخط المعروف بالـ ܣܪܛܐ “سرطو”الخاص بالسريان المغاربة، كما ظهر نظام التشكيل الذي يعتمد النقاط في السريانية الشرقية، ونظام حركات التشكيل المعروف في السريانية الغربية؛ واصبحت نصيبين ܢܨܝܒܝܢ موطناً للفرع السرياني الشرقي والرها ܐܘܪܗܝ موطناً للفرع السرياني الغربي. ان القسمة تطورت بشكل تدريجي، فابتعدت السريانية الغربية عن الشرقية في طريقة اللفظ،(11) اذ تخلّت الغربية عن لفظ الشَدة (التشديد على لفظ الحرف)،(12) واختلطت فيها الحركات الطويلة والقصيرة،وتساهلت تدريجياً في قراءة الحروف اللينة (المركخة). وكانت النتيجة ان ابتعدت السريانية الغربية عن السريانية الكلاسيكية وعن السريانية الشرقية في اللفظ والكتابة وبعض القواعد. واصبحت السريانية الغربية اداة للتعبير عن فكر ولاهوت الكنائس السريانية الغربية من أهل الطبيعة والطبيعتين، واصبحت السريانية الشرقية اداة للتعبير عن فكر السريان المشارقة ولاهوتهم النسطوري. وقد استمرت السريانية في هذه المرحلة كلغة محكية لغاية القرن الثالث عشر،لكنها استمرت بعدئذ كاداة الكتابة والتعبير لغالبية الكتّاب والمؤلفين السريان ولغة الكنائس السريانية المنشرة من الهند الى مصر.

ثالثاً واخيراً، مرحلة اللغة السريانية الحديثة(13) : وتبدأ منذ القرن التاسع عشر أو ربما قبله بقرنين ولغاية اليوم. فبالاضافة الى التطور اللغوي الذي حصل في المرحلة الثانية، طرأت في هذه المرحلة الثالثة تغييرات على تركيب الجملة السريانية وموقع الفعل والفاعل فيها واستعمال حروف الجر، وتطور استعمال الالفاظ بهدف تحديثها خاصة في قرن العشرين، فابتعدت احياناً عن دقة المعاني التي تتضمنها في مفرداتها وجسم مصطلحاتها كما كانت في مرحلتها الكلاسيكية والنصف الاول من مرحلتها الثانية.(14) وتأثرت السريانية في هذه المرحلة باللهجات الآرامية المحكية، فتأثرت السريانية الشرقية الفصحى بلهجة “السورث” التي يتكلمها السريان المشارقة في العراق، وتأثرت السريانية الغربية بآرامية طورعبدين التي يتكلمها قسم من السريان المغاربة، كما انها تأثرت بغيرها من اللغات في الاسلوب الكتابي والتعبيري. واصبح مثلاً الاستعمال المتزايد لفعل الكون ܐܝܬ (to be)   من ابرز مزاياها، فبدلاً من ان يُقال ܗܢܐ ܟܬܒܐ “هذا كتاب” أصبح يُقال ܗܢܐ ܐܝܬܘܗܝ ܟܬܒܐ (هذا هو كتاب)، وكذلك نقص جداً استعمال حالة اضافة الاسماء لبعضها مثل ܟܬܳܒ ܡܠܦܢܐ اي “كتاب المعلم”، واستُبدل بحالة الاضافة بواسطة حرف الدال، فيقال ܟܬܒܐ ܕܡܠܦܢܐ. وكل هذا واضح في أغلب الكتب السريانية الحديثة التي تطبع اليوم.
لكن هذا لا يعني ان السريانية الفصحى اصبحت ثلاث لغات بسبب تقسيمها الى ثلاث مراحل، انما هي ذات اللغة بمراحلها الثلاث. لكن في كل مرحلة ظهرت فيها بعض المزايا اللغوية بسبب ما اصابها من تطور. وقد اجرينا هذا التقسيم لكشف شخصية هذه اللغة السريانية والسمات التي لوّنت كل مرحلة من حياتها الطويلة.

وبعد تاسيس الدول الحديثة في الشرق الاوسط انخفض مستوى استعمال السريانية في هذه المرحلة الثالثة الى حد كبير جداً، وخاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين حيث شحت الساحة السريانية من عارفي هذه اللغة والكتّاب فيها، وقل استعمالها في الكنائس السريانية بشكل مرعب، وهي تتقهقر الى الوراء بانحدار شديد نحو مصير اسود ينتظرها. فالموت حليفها إن لم يجتمع جميع السريان من كل الطوائف لدراسة وضعها واتخاذ الاجراءت المناسبة.

في عام 1972 كانت حكومة احمد حسن البكر ونائبه صدام حسين في العراق قد اصدرت قراراً تاريخياً تحت رقم 251 بعنوان “منح الحقوق الثقافية للناطقين بالسريانية من الاثوريين والكلدان والسريان” (15)  من ثمان فقرات. وقد ركز هذا القرار التاريخي على اللغة السريانية وضرورة تعليمها في المدارس والجامعة وبثها في التلفزيون والمجلات ودعم الادباء السريان. ولاهمية هذا القرار بخصوص اللغة السريانية نعرض فقراته وهي:

1تكون السريانية لغة التعليم في كافة المدارس الابتدائية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة.

2. تدرس اللغة السريانية في المدارس المتوسطة والثانوية التي غالبية تلاميذها من الناطقين بهذه اللغة.
3. تدرس اللغة السريانية في كلية الاداب بجامعة بغداد.

4. استحداث برامج خاصة باللغة السريانية في اذاعة الجمهورية العراقية ومحطتي تلفزيون كركوك ونينوى.
5. اصدار مجلة شهرية باللغة السريانية من قبل وزارة الاعلام.

6. انشاء جمعية للادباء والكتاب الناطقين باللغة السريانية.

7. مساعدة المؤلفين والكتّاب والمترجمين الناطقين باللغة السريانية ماديا ومعنويا، ونشر انتاجهم الثقافي والادبي.

8. تمكين الموظفين الناطقين باللغة السريانية من فتح النوادي الثقافية وتشكيل الفرق الفنية والمسرحية لاحياء وتطوير التراث والفنون الشعبية.

لا شك ان هذا القرار كان الاول من نوعه في العالم العربي والاسلامي منذ خروج العرب من جزيرتهم واحتلالهم الشرق الاوسط. لكن يبدو ان الاستفادة من هذا القرار لم تكن بالحجم المطلوب.
اليوم هناك تعليم باللغة السريانية في المدارس السريانية في العراق وسوريا ولبنان لكن نأمل ان يكون التعليم بشكل جدي ليعطي النتيجة المرجوة منه.

لكن المؤسف حقاً ان المنطقة التي كانت موطن اللغة السريانية الكبير والذي يشمل تركيا والعراق وسوريا ولبنان، الخ، لم نجد فيه اليوم شخصاً سريانياً واحد متخصصاً بهذه اللغة بشكل اكاديمي، فهناك الالاف من الاكاديميين من افراد شعبنا ممن لهم شتى الاختصاصات الاكاديمية، لكن للاسف ولا واحد متخصص بلغتنا وكأنهم قرروا هجرها لتموت. ولكن الانكى من هذا اننا لا نجد ولا جامعة واحدة في هذه البلاد التي كانت موطن اللغة السريانية فيها فرع خاصللسريانية، أو تعلِّم السريانية على مستوى متقدم لتمنح شهادات الماجستير والدكتورا بها، وهذا ما يوجعنا فعلاً.

ان اللغة السريانية الفصحى هي لغة جميع السريان بمختلف كنائسهم والجميع يستعملوها بدرجات متفاوتة ومعظمهم بمستوى ضيعف. لكن يحتل ابناء الكنيسة السريانية الارثوذكسية مركز الصدارة بين جميع السريان في اهتمامهم واستعمالهم السريانية الفصحى والكتابة بها. فمثلا ان معظم كنائس السريان الارثوذكس ونواديها في السويد واوروبا وعددها كبير جداً فيها تعليم السريانية للاطفال دائما.
وفي النهاية أود ان اقول بمحبة وتواضع بانني ايضاً قدمت خدمات متواضعة لهذه اللغة. فبالاضافة الى انني متخصص فيها من جامعة اوبسالا في السويد، حيث تعلّم السريانية فيها منذ اكثر من 400 سنة باستمرار،  فقد قمتُ قبل اربع سنوات وبرفقة اثنين من اصدقائي بافتتاح مدرسة سريانية ابتدائية في ستوكهولم/السويد اسميناها مدرسة الرها، وبالسويدية Edessa skola بهدف تعليم لغتنا السريانية لتلاميذنا. وهذه المدرسة مدرسة رسمية سويدية بنظامها وبرنامجها وموادها التعليمية التي هي كباقي المدارس السويدية، لكننا نعلّم فيها السريانية يومياً. ومدرستنا السريانية هذه هي اول مدرسة سريانية في اوروبا، ولا نعلم بوجود غيرها في اي بلد اوروبي. وقد تعلّم تلاميذنا اللغة السريانية بشكل جيد، وان وافاهم الحظ ان يكملوا تعلم السريانية لاحقاً، ننتظر منهم ان يصبحوا في المستقبل معلمين للسريانية وادباء وشعراء بها. فنكون قد حققنا احد اهدافنا من افتتاح هذه المدرسة، وساهمنا ولو جزئياً في تأمين استمرار هذه اللغة في الحياة. وشكراً.

الدكتور اسعد صوما

ستوكهولم
(ملاحظة: هنا تبدا الحواشي)

1أما اللغة/اللهجة الآرامية التي يتكلمها السريان المشارقة والمغاربة فتصنيفها العلمي هو “آرامية حديثة”، ولا يحق تسميتها بالسريانية رغم انهم في حديثهم اليومي يسمونها سريانية، لأن السريانية في العرف العلمي لدى أهل الاختصاص هي فقط السريانية الفصحى اي الكتابية.
2 كان التعبير السرياني ܒܝܬ ܢܗܪܝܢ “بيث نهرين” أو “بين النهرين” يشمل في الاساس المنطقة الآرامية الواقعة حوالى الروافد العليا لنهر الفرات؛ وكانت الرها وحران من مدنها الهامة. وفي الكتاب المقدس ترد الصيغة اولاً بشكل “آرام نهرين” (سفر التكوين 24:10) قبل ان تتطور الى “بيث نهرين”. وحينما تًرجم العهد القديم الى اليونانية تًرجمت تسمية “آرام نهرين” الى اليونانية فاصبحت Mesopotamia (بين النهرين، أو بين الأنهر). والتسمية مذكورة في اماكن عديدة من الكتاب المقدس، انظر سفر يهوديت 5:7 “وكانوا سابقاً يقيمون بين النهرين….”، وايضاً يهوديث 8:26 “تذكروا كيف امتحن ابراهام واسحق، وما جرى ليعقوب بين النهرين من سوريا حين كان يرعى غنم خاله لابان”. ثم شمل تعبير “بيث نهرين” بالاضافة الى الرها وحران كل من أمد (دياربكر) وطورعابدين ونصيبن ودارا والرقة والجزيرة السورية؛ ان عراق اليوم من شماله الى جنوبه لم يكن يقع في “بيث نهرين”.

3 ان أقدم نقش آرامي وصلنا من الآرامية يعود الى القرن التاسع قبل الميلاد.

4ومن اللهجات الآرامية الحية والتي لا زالت محكية في عدة مناطق مختلفة من الشرق الاوسط نذكر: الآرامية الحديثة الشرقية (منها “السورث” في العراق)، والآرامية الحديثة المتوسطة (آرامية طور عبدين في تركيا وسوريا)، والآرامية الحديثة الغربية (آرامية معلولا بجوار دمشق في سوريا).
5 نعني بالغربية المنطقة الواقعة الى غرب نهر الفرات وخاصة اللهجات الآرامية في فلسطين.
6   نعني بالشرقية المنطقة الواقعة شرقي نهر الفرات اي الجزيرة وبلاد الرافدين (العراق).
7 يسمي يعقوب السروجي (توفي 521) ابجر ملك الرها “ابن الاراميين” ܒܪ ܐܪ̈ܡܝܐ وعن الرها يقول “ابنة الاراميين” ܒܪܬ ܐܪ̈ܡܝܐ (في قصيدته الشهيرة عن الرها، انظر انظر المجلد الخامس لاشعار السروجي، طبعة بولس بيجان في باريس عام 1910، الصفحات 738، و 741). واثناء حكم ملوك الرها لم يكن السريان حينها يسمون سرياناً، بل آراميين.

8 قبل حوالي عشرين سنة كنا قد زرنا هذا النقش الهام في الصين واجرينا دراسة عن محتواه (انظر مجلة ارام الصادرة في ستوكهولم، العدد الثامن (عام 1994)، الصفحات 163-167).
9 ان اكثر طائفة سريانية تستعمل السريانية الفصحى في حياتها وكنائسها هي طائفة السريان الارثوذكس، لذلك تستحق الثناء.

10 جلس على عرش مملكة الرها السريانية الشهيرة قرابة ثلاثين ملكاً حكموا حوالى 375 سنة. كان اول ملك فيها يسمى “أرْيو” (الأسد) حيث حكم من عام 132 ق.م لغاية 127 ق.م. وجلس على عرش الرها عشرة ملوك  يحملون اسم “أبجر” Abgar من ابجر الاول لغاية ابجر العاشر، والاخير الذي حكم من 243 لغاية 249 ميلادي. وكان “ابجَر الخامس” المعروف بـ  ܐܒܓܪ ܐܘܟܡܐ “ابجر الاسود” معاصرا للمسيح. كما جلس على عرشها تسعة ملوك باسم “مَعْنو”.
11تلفظ السريانية الغربية نهاية الاسماء والصفات في الحالة التوكيدية بالضم، او بشكل ادق مثل صوت حرفO  الانكليزي كقولنا ܡܠܟܐ Malko “ملك”، بينما الشرقية تلفظها مثل الصوت A فتصبح الكلمة Malka. ودمجت الغربية صوتي حرف الواو فتحول لفظ الاثنين الى U، بينما حافظت الشرقية على الصوتين  O و U في لفظ حرف الواو كما في الكلمة السريانية ܓܡܘܕܘܬܐ حيث يلفظها السريان المغاربة  gomudhutho، بينما يلفظها السريان المشارقة gaamodhutha، اي ان حرف الواو الاول الذي بعد الميم يلفظ O  لدى المشارقة و  U لدى المغاربة.

12كما في كلمة ܩܒܠ “قبل” حيث تلفظها الشرقية  بشكل qabbel مشددة على حرف الباء، بينما تلفظها الغربية qabel بدون شدة.

13لا نقصد هنا بعبارة “اللغة السريانية الحديثة” اللغات التي يتكلمها السريان اليوم في سوريا ولبنان وتركيا والعراق وغيرها من البلدان، لان هذه اللغات المحكية اليوم تُسمى “آرامية حديثة” Neo-Aramaic وليست سريانية حديثة.

14فعلى سبيل المثال فقد استعمل بعض الكتّاب السريان المحدثين في قرن العشرين كلمة ܐܦܬܐ بمعنى “استراحة”Rest,  break, وهذا خطأ جسيم، لأن اللفظة تعنى “فرصة” opportunity, Occasion, وليس استراحة.

15رغم ظهور قرار مجلس قيادة الثورة في العراق بمنح الحقوق الثقافية واللغوية للمواطنين “الناطقين بالسريانية” عام 1972، ورغم حدوث شيء من الاهتمام باللغة والتفكير بمستقبلها في العراق حينها، الا ان السريان في العراق لم ينتجوا شيئاً يذكر بالسريانية الفصحى، ولم يولوها الاهتمام المطلوب لنشرها وتعزيزها، رغم الامكانيات المتوفرة والوضع الملائم. يوجد اليوم عشرات المدارس السريانية في شمال العراق، لكن لغة التعليم فيها هي الآرامية المحكية “السورث”، أما السريانية الفصحى فتدرس فيها بشكل بسيط كاحدى المواد التدريسية وهذا لا يشفي غليلا.  يبدو ان تعليم السريانية في كل مكان ليس جدياً كما ينبغي.

 

الدكتور اسعد صوما