القرن الصيني يناير 2015

القرن الصيني

جوزيف ستيغليتز(*)    

  يناير 2015                                                            

ترجمة: وفيق شعبو

 صورة

بهدوء ودون ضجيج- ولكن مع بعض الريبة حول وضعها الجديد- تمكنت الصين من تجاوز  الولايات المتحدة كأكبر اقتصاد في العالم. وهذا ينبغي أن يشكل صرخة تنبيه لم يعتد عليها الاميركيون.

القوة الناعمة لأمريكا، وترتيب البيت الداخلي هما الرد الامثل على الصين .

عندما يكتب تاريخ عام 2014 سنرى بان حقيقة كبيرة قد دونت ولم تحظ  بالاهتمام الكافي وهي: ان العام 2014 كان آخر عام  تستطيع فيه الولايات المتحدة الادعاء بانها القوة الاقتصادية الاكبر في العالم. و تدخل الصين عام 2015 في المركز الاول، حيث ستبقى على الأرجح لفترة طويلة جدا، إن لم يكن إلى الأبد. وهي بهذا تعود إلى الموقع الذي شغلته خلال معظم التاريخ البشري.

من الصعوبة بمكان مقارنة الناتج المحلي الإجمالي لأنظمة اقتصادية مختلفة. لكن اللجان الفنية المختصة خلصت بتقديرات عن “تكافؤ القوة الشرائية”، تمكننا من المقارنة بين مستويات الدخل في بلدان متعددة. صحيح ان هذه الارقام لا يمكن الركون الى دقتها ، لكنها توفر أساسا جيدا لتقييم الحجم النسبي لاقتصادات مختلفة. في اوائل عام 2014 خرج– برنامج التقييم العالمي التابع للبنك الدولي-  وهو الهيئة التي تجري هكذا مقارنات دولية, بأرقام جديدة. (الصعوبة تكمن في انه لم يكن هناك سوى ثلاثة تقارير عن فترة 20 عاما). كان التقييم الاخير، الذي صدر في الربيع الماضي، أكثر خطورة و اثارة للجدل ، من تلك التي صدرت في السنوات السابقة. لقد كان أكثر جدلا لأنه كان أكثر اهمية: حيث أظهرت الأرقام الجديدة بأن الصين ستصبح أكبر اقتصاد في العالم في وقت أسرع بكثير مما كان يتوقعه أي شخص – لقد كانت على الطريق الصحيح للقيام بذلك قبل نهاية عام 2014.

ان مصدر الاختلاف سيفاجئ العديد من الأميركيين، ويوضح الكثير عن الفروقات بين الصين والولايات المتحدة ومخاطر إسقاط بعض مواقفنا الخاصة على الصينين . فالأمريكيون يطلبون دوما أن يكونوا رقم -1-  في المقابل، الصينيون غير

​ ​
​متلهفين

 لذلك. وفقا لبعض التقارير، هدد المشاركون الصينيون بمقاطعة المناقشات التقنية, لسبب واحد هو انهم لا يريدون أن يحتلوا المركز الاول كون ذلك يترتب عليه تكاليف, وهذا يعني دفع المزيد من الاموال لدعم الهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة. وقد يترتب عليهم مزيد من الضغوط للقيام بدور القيادة المستنيرة بشأن العديد من المواضيع مثل تغير المناخ. وهذا قد يحرض الصينيين العاديين للتساؤل حول كيفية صرف المزيد من ثروات البلاد . (الأخبار حول تغيير موقع الصين كان له في الواقع صدى سلبيا في الداخل). وكان هناك مصدر قلق آخر وهو: ان الصينيين يتفهمون جيدا انشغال أميركا النفسي وتعلقها  بالرقم -1- ولهذا فهم قلقون للغاية بشأن ما ستكون ردة فعلنا عندما نخسر هذا الموقع.

لقد تجاوزت الصين الولايات المتحدة منذ فترة طويلة في العديد من المجالات، على سبيل المثال، في مجالي الصادرات والمدخرات المنزلية . بالنسبة للادخار والاستثمار في الصين فقد قارب  50 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وينتاب الصينين قلق من وجود مدخرات أكثر ، بينما يقلق الأميركيون من انخفاض المدخرات لديهم. وفي مجالات أخرى، مثل التصنيع تفوقت الصين على الولايات المتحدة فقط في غضون السنوات القليلة الماضية, اما فيما يتعلق بعدد براءات الاختراع الممنوحة فالصينيون يتخلفون عن الاميركيين حاليا، لكن الفجوة بيننا أخذت تضيق.

        المجالات التي لا تزال فيها الولايات المتحدة قادرة على المنافسة مع الصين ليست دائما تلك التي نرغب بتسليط الضوء عليها. فكلا البلدين لديهما مستويات مماثلة من عدم المساواة بين المواطنين, وهي لدينا أعلى معدل بين دول العالم المتقدم. الصين تتفوق على أمريكا في عدد الأشخاص الذين ينفذ بحقهم حكم الاعدام كل عام، ولكن الولايات المتحدة تسبقها بفارق كبير بنسبة السجناء الى عدد السكان (أكثر من 700 لكل 100،000 نسمة). الصين تفوقت على الولايات المتحدة في عام 2007 باعتبارها أكبر ملوث للبيئة في العالم، من خلال الحجم الإجمالي للتلوث، ولكن اذا اعتمدنا حصة الفرد من التلوث كأساس نبقى نحن في المقدمة. ولا تزال الولايات المتحدة أكبر قوة عسكرية، وننفق على قواتنا المسلحة اكثر مما تنفقه الدول العشر الكبرى التالية مجتمعة (هذا لا يعني أننا دائما نستخدم قوتنا العسكرية بحكمة). ولكن اساس قوة  الولايات المتحدة يرتكز غالبا على القوة الناعمة من خلال التأثير الاقتصادي اكثر منه على القوة العسكرية الصارمة, وهذه نقطة جوهرية يجب ان نضعها بالحسبان.

       من الواضح ان التحولات العميقة (Tectonic shifts) في القوة الاقتصادية العالمية قد حدثت من قبل، ونحن نعرف بعض الاحداث المرافقة لذلك. فقبل مائتي سنة، في أعقاب الحروب النابليونية، برزت بريطانيا العظمى باعتبارها القوة المهيمنة في العالم, امتدت إمبراطوريتها على ربع مساحة العالم. وأصبحت عملتها- الجنيه الاسترليني- تمثل احتياطي العملات العالمية مثل الذهب تماما. كانت بريطانيا احيانا تعمل بالتنسيق مع حلفائها، واحيانا تفرض عليهم قواعد التجارة الخاصة بها. فمثلا فرضت التمييز ضد استيراد المنسوجات الهندية وأجبرت الهند على شراء القماش البريطاني. كما فرضت هي وحلفاؤها على الصين ان تبقي أسواقها مفتوحة للأفيون، وعندما ادركت الصين التأثير المدمر للمخدرات وحاولت إغلاق حدودها، شن الحلفاء الحرب عليها مرتين للحفاظ على التدفق الحر لهذا المنتج.

وقد استمرت الهيمنة البريطانية مئة عام واكثر حتى بعد تفوق الولايات المتحدة  على بريطانيا اقتصاديا، في سبعينيات القرن التاسع عشر. هناك دائما تثاقل بالانتقال (كما سيكون الامر مع الولايات المتحدة والصين). وكان الحدث الانتقالي الحرب العالمية الأولى، عندما حققت بريطانيا الانتصار على ألمانيا بالاعتماد على مساعدة الولايات المتحدة. بعد الحرب، كانت أمريكا مترددة  لقبول مسؤولياتها الجديدة المحتملة كما كانت بريطانيا مضطرة للتخلي طوعا عن دورها. وقد فعل وودرو ويلسون Woodrow Wilson ما في وسعه لبناء عالم ما بعد الحرب من شأنه أن يقلل من فرص نشوب صراع عالمي آخر، ولكن الانعزالية والانغلاق منعا الولايات المتحدة من الانضمام إلى عصبة الأمم. وفي المجال الاقتصادي، أصرت أمريكا على  الاستمرار بتطبيق قانون التعريفات Smoot-Hawley)) الخاصة بها ووضع حد للحقبة التي شهدت طفرة  في التجارة العالمية. حافظت بريطانيا على إمبراطوريتها، ولكن الجنيه الاسترليني اخلى الطريق تدريجيا للدولار: في النهاية , تهيمن الواقعية الاقتصادية . أصبحت العديد من الشركات الأمريكية شركات عالمية، وباتت الثقافة الأمريكية هي الثقافة الصاعدة.

كانت الحرب العالمية الثانية الحدث المميز التالي. فبريطانيا التي دمرها الصراع، ستفقد فعليا جميع مستعمراتها. هذه المرة تولت الولايات المتحدة زمام القيادة. كان  دورها محوريا في انشاء الأمم المتحدة وفي تشكيل وصياغة اتفاقات بريتون وودز Bretton Woods، التي سيقوم عليها النظام السياسي والاقتصادي الجديد. ومع ذلك، لم تكن الامور منتظمة, وبدلا من خلق عملة احتياطية عالمية، الأمر الذي كان سيسهم  كثيرا في الاستقرار الاقتصادي العالمي – كما ذكر بحق جون ماينارد كينز – فان الولايات المتحدة وضعت مصلحتها  الخاصة الآنية بالمرتبة الاولى  معتقدة بحماقة أنها  ستكسب من خلال جعل الدولار عملة الاحتياط العالمي. اصبح وضع الدولار نعمة ونقمة بنفس الوقت: من ناحية يمكن للولايات المتحدة ان تقترض بأسعار فائدة منخفضة كون الآخرين يطلبون الدولار لوضعه في احتياطاتهم، ولكن من ناحية اخرى ارتفعت قيمة الدولار جراء ذلك، ما ادى الى تفاقم العجز التجاري وإضعاف الاقتصاد.

سيطر على السياسة الدولية لمدة 45عاما بعد الحرب العالمية الثانية قوتان عظيمتان هما الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وهما تمثلان  رؤيتين مختلفتين جدا سواء في كيفية تنظيم وادارة الاقتصاد والمجتمع, والأهمية النسبية لحقوق الانسان السياسية والاقتصادية. في نهاية المطاف، كان الفشل مصير النظام السوفييتي ، وذلك بالدرجة الاولى بسبب الفساد الداخلي، وعدم وجود  رادع من خلال الآلية الديمقراطية. صحيح ان القوة العسكرية السوفيتية كانت هائلة, لكن قوتهم الناعمة كانت تثير السخرية. بعدها سيطرت على العالم قوة عظمى واحدة، وقد استمرت في الاستثمار بكثافة في قوتها العسكرية. لقد الولايات المتحدة كانت دولة عظمى ليس فقط عسكريا بل اقتصاديا ايضا.

ثم ارتكبت الولايات المتحدة خطأين فادحين:

الأول: الاستنتاج بأن انتصارها يعني انتصارا لكل القيم التي تمثلها. ولكن في كثير من دول العالم الثالث، ظلت المخاوف حول الفقر والحقوق الاقتصادية التي طالما نادى به اليسار بحدودها  القصوى.

الثاني: استخدام هذه الفترة القصيرة من هيمنتها الأحادية، بين سقوط جدار برلين وسقوط ليمان براذرزLehman Brothers ، لتحقيق مصالحها الاقتصادية الضيقة ، بشكل أكثر دقة المصالح الاقتصادية المتعددة الجنسيات بما في ذلك مصارفها الكبرى, بدلا من انشاء نظام عالمي جديد ومستقر. فنظام التجارة الذي دفعت به الولايات المتحدة عام 1994من خلال انشاء منظمة التجارة العالمية، لم يكن متوازنا بحيث انه  بعد خمس سنوات، اندلعت اعمال شغب في سياتل عندما كان اتفاق آخر للتجارة قيد الاعتماد. ان حديثها عن التجارة الحرة والعادلة، واصرارها بنفس الوقت على تقديم الإعانات لمزارعيها الاغنياء، قد اظهر الولايات المتحدة بأنها منافقة وتسعى لخدمة مصالحها الذاتية فحسب.

لم تدرك واشنطن تماما عواقب الكثير من افعالها القصيرة النظر– ارادت توسيع وتعزيز هيمنتها ولكن في الواقع قلصت وحجمت موقعها على المدى البعيد. خلال الأزمة الاقتصادية في دول شرق آسيا، في تسعينات القرن الماضي، عملت وزارة الخزانة الأمريكية بجدية وحزم لتقويض ما سمى مبادرة ميازاواMiyazawa Initiative – حيث عرض اليابان بسخاء تقديم 100 مليار دولار لمساعدة الاقتصادات التي كانت تغرق في الركود. دفعت الولايات المتحدة هذه البلدان الى اعتماد سياسة التقشف والفائدة المرتفعة، بدون تقديم دعم لإنقاذ البنوك المتعثرة-  على عكس ما دعا هؤلاء المسؤولين في الخزانة نفسهم لتطبيقه في الولايات المتحدة بعد انهيار عام 2008. الآن، وبعد مضي عقد و نصف على أزمة شرق آسيا، فإن مجرد ذكر دور الولايات المتحدة في العواصم الآسيوية هذه يثير موجة من الغضب, وتوجه اليها الاتهامات بالنفاق .

        الآن الصين هي القوة الاقتصادية رقم -1- في العالم. لماذا ينبغي لنا أن نقلق؟ في الواقع ينبغي ألا نقلق. الاقتصاد العالمي ليس لعبة محصلتها صفر(zero-sum game)، حيث يكون نمو الصين بالضرورة على حساب مصالحنا. عمليا، نموها سيكون متمم لنمونا. إذا كانت تنمو بشكل أسرع، ستشتري المزيد من بضائعنا، وهكذا سوف يزدهر اقتصادنا طردا. هناك دائما ، بالتأكيد، بعض المبالغة في هذه الادعاءات- اسألوا العمال الذين فقدوا وظائفهم في مجال التصنيع في الصين. لكن هذا الواقع يفرض علينا الكثير لنفعله في سياستنا الاقتصادية الداخلية كما هو الحال مع صعود اية بلدان أخرى.

ومن ناحية أخرى، فان بزوغ الصين الى القمة ليس بالأمر البسيط ، ونحن بحاجة إلى أن نكون على بينة من الآثار المترتبة عليه.

أولا، كما لاحظنا، ان القوة الحقيقية لأميركا تكمن في القوة الناعمة- النموذج الذي تقدمه للآخرين وتأثير أفكارها، بما في ذلك الأفكار حول نمط الحياة الاقتصادية والسياسية. بينما صعود الصين إلى المركز رقم -1- سيعطي أهمية جديدة  للنموذج او النمط السياسي والاقتصادي لهذا البلد والى الصيغ الخاصة من القوة الناعمة التي يمتلكها, ويسلط الضوء على النموذج الأمريكي الذي لم يتعرف عليه قسم كبير

​ ​

من الصينيين. ومن ناحية اخرى فان الأسرة الأميركية النموذجية اصبحت أسوأ حالا مما كانت عليه قبل ربع قرن، وبعد ارتفاع معدل التضخم ازدادت نسبة الاميركيين تحت خط الفقر. بينما في الصين وعلى الرغم من تميزها بمستويات عالية من عدم المساواة، الا ان اقتصادها يحفظ مصالح معظم مواطنيها, وقد نقلت نحو 500 مليون صيني من تحت خط الفقر خلال نفس الفترة التي دخلت فيها الطبقة الوسطى في أميركا مرحلة من الركود. فالنموذج الاقتصادي الذي لا يراعي مصالح أغلبية المواطنين لا يمكن تقديمه كنموذج  يحتذي به الآخرون. أي ان على أمريكا ان تنظر لصعود الصين بمثابة دعوة للاستيقاظ واعادة ترتيب بيتنا الداخلي.

ثانيا، إذا كان لنا أن نتأمل صعود الصين ومن ثم اتخاذ الإجراءات القائمة على اساس أن الاقتصاد العالمي هو لعبة محصلتها صفر، أي اننا بحاجة إلى تعزيز حصتنا وانقاص حصة الصين- فأننا بهذا نعرض قوتنا الناعمة للتآكل اكثر فاكثر, وهكذا تكون بالضبط دعوة الاستيقاظ الخطأ. إذا كنا نرى ان مكاسب الصين تأتي على حسابنا، فأننا سوف نسعى جاهدين ل”الاحتواء” واتخاذ خطوات تهدف إلى الحد من نفوذ الصين. وهذه الإجراءات ستثبت في نهاية المطاف انها غير مجدية، بل وستقوض الثقة في الولايات المتحدة وموقعها القيادي, وقد وقعت السياسة الخارجية الأمريكية مرارا وتكرارا في هذا الفخ. لنمعن النظر في ما يسمى الشراكة عبر المحيط الهادئ، اتفاق التجارة الحرة المقترحة بين الولايات المتحدة واليابان، والعديد من البلدان الآسيوية الأخرى التي تستبعد الصين كليا. ينظر الكثيرون لهذه الاتفاقية على أنها وسيلة لإحكام الروابط بين الولايات المتحدة وبعض البلدان الآسيوية، على حساب الصين. هناك سلسلة إمدادات واسعة وديناميكية في آسيا، فالبضائع تتحرك في جميع أنحاء المنطقة خلال مراحل مختلفة من الإنتاج؛ لكن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ تبدو وكأنها محاولة مكشوفة لإخراج الصين من سلسلة التوريدات هذه.

مثال آخر: الولايات المتحدة تنظر بارتياب إلى جهود الصين الاولية لتحمل المسؤولية العالمية في بعض المجالات. تريد الصين مثلا أن تأخذ دور أكبر في المؤسسات الدولية القائمة، ولكن الكونغرس يقول، أن النادي القديم لا يحبذ أعضاء نشيطين جدد, عليهم البقاء في المقعد الخلفي، دون أن يكون لهم حق التصويت بما يتناسب مع دورهم في الاقتصاد العالمي. وعندما تتفق مجموعة الدول الكبرى العشرون G-20 على أنه قد حان الوقت لتسمية قيادة المنظمات الاقتصادية الدولية على أساس الكفاءة وليس الجنسية، تصر الولايات المتحدة على أن النظام القديم جيد بما فيه الكفاية  وان البنك الدولي- على سبيل المثال- ينبغي ان يستمر برئاسة اميركي.

مثال آخر ايضا: عندما اقترحت الصين، مع فرنسا وغيرها من البلدان – مدعومة من قبل لجنة خبراء دولية (كنت ارأسها) معينة من قبل الامين العام للأمم المتحدة-  ان ننهي العمل الذي بدأه كينزKeynes   في بريتون  وودز، من خلال انشاء عملة احتياط دولية، اعاقت الولايات المتحدة هذا الجهد.

والمثال الأخير: سعي الولايات المتحدة لإعاقة جهود الصين لتوجيه المزيد من المساعدات للبلدان النامية من خلال المؤسسات المتعددة الأطراف التي أنشئت حديثا والتي سيكون للصين  الدور الكبير، وربما المهيمن فيها. هناك حاجة ماسة إلى تريليونات الدولارات من الاستثمارات في  مجال البنية التحتية – وتأمين هذه المبالغ للاستثمار هو أبعد من قدرة البنك الدولي والمؤسسات المتعددة الأطراف القائمة. ما هو مطلوب ليس فقط نظام حكم أكثر شمولا في البنك الدولي ولكن أيضا المزيد من رأس المال. وقد اعترض الكونغرس الأميركي على كلا المطلبين. في الوقت نفسه، تحاول الصين إنشاء صندوق البنية التحتية الآسيوية، والعمل مع عدد كبير من البلدان الأخرى في المنطقة, لكن الولايات المتحدة لا تريد لتلك البلدان ان تنضم الى هذا المشروع.

تواجه الولايات المتحدة العديد من التحديات الحقيقية في مجال السياسة الخارجية التي تستدعي العمل الجاد لحلها: الإسلام المتشدد, الصراع  في فلسطين الذي اصبح الآن في العقد السابع؛ روسيا العدوانية التي تصر على تأكيد قوتها على الأقل على جوارها, والتهديدات المستمرة من الانتشار النووي. وسوف نحتاج إلى تعاون الصين لمعالجة الكثير من هذه المشاكل, إن لم يكن كلها.

علينا استغلال هذه اللحظة، حيث تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم، لحرف سياستنا الخارجية بعيدا عن الاحتواء. ان المصالح الاقتصادية للصين والولايات المتحدة  متشابكة بشكل معقد. وكلانا على حد سواء لديه مصلحة في رؤية النظام السياسي والاقتصادي العالمي مستقرا ويعمل بصورة جيدة. ولكن الصين بالاستناد لذاكرتها التاريخية ومفهومها الخاص للكرامة الوطنية، لن تكون قادرة على قبول النظام العالمي القائم ببساطة كما هو، وفق القواعد التي وضعها الغرب لضمان مصالحه المشتركة، والتي تعكس وجهات النظر الغربية. سيكون علينا التعاون، شئنا أم أبينا، وعلينا أن نريد. في غضون ذلك، الشيء الاهم الذي يمكن لأميركا ان تفعله للحفاظ على مستوى قوتها الناعمة هو التصدي لأوجه القصور الاقتصادية والسياسية والممارسات الفاسدة، وعرض الامور بشفافية، والتوجه نحو الأغنياء والأقوياء.

هناك نظام سياسي واقتصادي عالمي جديد آخذ في الظهور، نتيجة للحقائق الاقتصادية الجديدة. لا يمكننا تغيير هذه الحقائق الاقتصادية. ولكن إذا كان ردنا عليها بطريقة خاطئة، فإننا نخاطر برد فعل عنيف من شأنه أن يؤدي اما الى اختلال في النظام العالمي القائم, أو الى نظام عالمي جديد لن يكون بلا شك النظام الذي كنا نريد.

 

 

                                                                  دمشق 7/1/2015

 

 

*جوزيف ستيغليتز: حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد،2001 وأستاذ بجامعة كولومبيا الأميركية. أحدث مؤلفاته كتاب بعنوان “ثمن اللامساواة”. وهو عضو في مجلس القرن الواحد والعشرين في معهد بيرغرون.

 

 

اترك تعليقاً