القديس الكبير البطريرك الفذ والعلّامة الفريد يوحنا الذهبي الفم

ام خدمته مضى إلى بيته. (لو ١-٢٣)

في مثل هذا اليوم ١٤ أيلول من العام ٤٠٧ م وبعمر الثامنة والخمسين رقد القديس الكبير البطريرك الفذ والعلّامة الفريد يوحنا الذهبي الفم

نعاه بطريرك القسطنطينية القديس پروكلس قائلاً:
لقد عشت حياة حزينة، لكن موتكَ كان مجيداً يا يوحنا، قبرك مُبارك، وجزائك عظيم لدى الرب، نعمة ربنا يسوع المسيح ورحمته تزينك، بعد أن اخترقت حدود الزمان والمكان، وغزا حبك الفضاء، وذكراك الخالدة تتخطى الحدود، وبُعد المكان لن يحجب عنا معجزات قداستك.

ولد في أنطاكيا عام ٣٤٩ لأبوين يونانيين من سوريا وتوفي والده بعد ميلاده بفترة بسيطة فتحملت الوالدة مسؤولية تربيته. تلقّى تعليمه على يد معلم وثني أسمه ليبانوس أورثه كثيراً من إتقان علم البلاغة وكان سبب حبه للغة اليونانية وللشعر والأدب. وعندما صار شاباً شُغِل بالإيمان المسيحي وبدأ دراسة اللاهوت، ووفقاً لما أورده المؤرخ سوزومين فإن معلمه ليبانيوس قال وهو على فراش الموت: إن يوحنا سيكون خليفتي في البلاغة والشعر والأدب، مالم تأخذه المسيحية منّا.
إزداد تعلق يوحنا بشخص يسوع المسيح وانغمس في النُسك والزُهد الشديد وهو بعمر الخامسة والعشرين ليكون أكثر شفافية واستماع لصوت الله، فالتزم السهر في الصلاة وقراءة الكتاب المقدس إلى حد الحفظ، والصوم لفترات طويلة.

رُسمَ يوحنا شماساً عام ٣٨١ على يد أسقف أنطاكيا ميليتيوس الأنطاكي ورسمه كاهناً الأسقف الأنطاكي إيڤاجريوس.
عُهِدَ إلى الأب يوحنا بالمشاركة في جهود المصالحة بين بطريرك أنطاكية فلاڤيانوس الأول من جهة وبين كنيسة روما ومن ثم الإسكندرية من جهة أخرى، واستطاع تقريب القيادات وتمت صلاة قداس مشترك بينهم في سابقة لم تحدث من سبعين عام بسبب التباعد والجفاء.

إكتسب يوحنا شعبية كبيرة في أنطاكيا بسبب قدرته على الوعظ ببلاغة في كاتدرائية أنطاكيا، وبالإضافة لشروحاته الكتابية وتطبيقها على التعليم الأخلاقي، كان يعظ عملياً عن حاجات الفقراء المادية والروحية، مع تركيزه الشديد على التعليم الإجتماعي ومناقشة ظواهر سوء استخدام الثروة والممتلكات الشخصية.
ومن تعاليمه في هذا الصدد:
ما الفائدة من تناول الأسرار المقدسة، على مذابح يزينها الذهب بينما أخيك يموت جوعاً ؟! فلتبدأ بسدّ جوع الفقير ثم بعد ذلك قُم بتزيين المذبح.

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏شخص واحد‏، ‏‏وقوف‏‏‏

كان شديد الإهتمام بالأوضاع الإجتماعية والتحنُّن على الفقير، فأكسبه هذا شعبية كبيرة ميزته عن سائر وُعّاظ عصره.
في الصوم الكبير لعام ٣٨٧ ألقى يوحنا أكثر من عشرين عظة على مدار أسابيع الصوم تركّز على التعليم الأخلاقي والتوبة وعيش الإنجيل، لدرجة أثرت في وثنيين كثيرين كانوا قد استمعوا له وقرروا اعتناق الإيمان المسيحي، ومن وقتها صارت شهرته “يوحنا ذهبي الفم”.

في خريف عام ٣٩٧ تم تجليس يوحنا الذهبي الفم بطريركاً على كرسي القسطنطينية.
خلال فترة بطريركيته، كان يرفض بشدّة حضور لقاءات الطبقة الإجتماعية الثرية وذات النفوذ السياسي والتي كانت تنفق ببذخ على الملذات والضيافات، حتى لا يفقد تواصله مع الفئة الشعبية البسيطة من الناس العاديين، فأصبح يملك ودّ الفئة المتواضعة من الشعب ولا يحاول حتى أن يخطب ودّ الطبقة العليا ولا بعض الإكليروس منهم أيضاً، لذا كان غير محبوب لديهم، وعدم ودّه مع الإكليروس (الكهنة تحديداً) انحصر في التشديد عليهم بعدم جني استفادة مادية تصل إلى حد تكوين ثروات من خدمتهم.

تحالف خصومه ضده وطالبوا بمحاكمته على أساس افتراءات وشهادات زور فرفض يوحنا أن يمثل أمامهم وهم الخصم والحكم في نفس الوقت ولم يعترف بمشروعية مجمع عقدوه لمحاسبته لعدم حياد ذلك المجمع، فتم اتخاذ قرار بعزله عن كرسي القسطنطينية ونفيه، الأمر الذي أحدث غضباً شديداً لدى الشعب، وبدأت مسيرات غاضبة تجوب الشوارع، عندها تم تهديد يوحنا الذهبي الفم بأنه إن لم يمتثل للقرار سيتم قتل المُحتجين في الشوارع، فإضطر خوفاً على الناس أن يستسلم للجنود المُكلفين بتنفيذ عزله ونفيه من القسطنطينية في اليوم الثالث للإحتجاجات.
على الرغم من ذلك ازداد غضب الشعب واستمرت الاحتجاجات وحصل يومها زلزال عنيف الأمر الذي جعل زوجة الإمبراطور حليفة خصوم يوحنا تخاف وتطلب إعادته إلى القسطنطينية مرة أخرى خوفاً من أن يكون هذا غضب الرب عليها.

دخل يوحنا الذهبي الفم القسطنطينية وسط فرحة عارمة من الشعب، وفر خصومه من المدينة. لكن السلام لم يدم طويلاً بين يوحنا وزوجة الإمبراطور، التي أرادت تدشين تمثال ضخم لها مصنوع من الفضة بجوار الكاتدرائية البطريركية فعارضها يوحنا وهاجمها بشدة وشبهها بهيروديا التي تشعر بالضيق مجدداً من يوحنا المعمدان وتشتهي أن يؤتىَ إليها برأسه على طبق.

تم الحكم بعزل يوحنا ونفيه مرة أخرى عام ٤٠٤ إلى القوقاز في أبخازيا، بعد أن تكاتف كل خصومه عليه من جديد، وهنا وصلت أخبار نفيه إلى الحبر الروماني البابا إنوسنتيوس الأول الذي عارض هذا القرار بشدة، لكن دون جدوى، حيث أرسل ثلاثة أساقفة ليقوموا بجهود الوساطة لعودة يوحنا ذهبي الفم إلى كرسيه، إلا انهم فشلوا في مجرد محاولة دخول القسطنطينية.

ربما تحتوي الصورة على: ‏شخص واحد‏

توفيَّ يوحنا فم الذهب في يوم ١٤ سبتمبر سنة ٤٠٧ بعمر الثامنة والخمسين قبل أن يصل إلى منفاه وكان رقاده عند مدينة كومانا پونتيكا، وكانت آخر كلماته التي قالها قبيل وفاته هي: المجد لله على كل الأحوال!
نعاه بطريرك القسطنطينية فيما بعد پروكلس (القديس پروكلس لاحقاً) قائلاً:
لقد عشت حياة حزينة، لكن موتكَ كان مجيداً يا يوحنا، قبرك مُبارك، وجزائك عظيم لدى الرب، نعمة ربنا يسوع المسيح ورحمته تزينك، بعد أن اخترقت حدود الزمان والمكان، وغزا حبك الفضاء، وذكراك الخالدة تتخطى الحدود، وبُعد المكان لن يحجب عنا معجزات قداستك.

بعد جهود كبيرة تم استعادة ذخائره ووضعت بإكرام تحت مذبح كنيسة الرسل بالقسطنطينية عام ٤٣٨.

ترك القديس يوحنا الذهبي الفم إرثاً ثميناً من العظات والتعليم الإجتماعي والليتورچيات والمؤلفات الأدبية وكذلك الموسيقية التي مازالت في ألحان الكنيسة البيزنطية حتى اليوم.

ذخائره المقدسة موزعة بين روما والقسطنطينية وهو شفيع القسطنطينية والوُعّاظ ودارسي الكتاب المقدس.

شهادة حياته وبركة شفاعته وصلواته مع جميع طالبيها …
آمين