القامشلي زالين أيام زمان… وذكريات الليفة والحمام والجمعة

القامشلي زالين أيام زمان… وذكريات الليفة والحمام والجمعة … بقلم المهندس سمير شمعون…. 22_7_2018

لا يتوفر نص بديل تلقائي.

في المذابح والحروب … يبحث المرء في ذاته …عن ذات جديدة…تكون نسخة مشوهة عنه ماقبل الحرب … ايجابا اوسلبا… ولكنها تستوعب حالة الحرب الجديدة… وتتأقلم معها… لتخلق جيل الحرب… وما بعد الحرب.
السيفو كان مستمر ولم يقف طوال اربع عشر قرن… لو تركوا العشرة ملايين في بلاد… أرام وأشور وديكران تعمل وتطور … لن اتسائل كيف كانت ستكون تلك البلاد….بل سأتسائل: كيف كان سيكون الآن … وجه الكرة الارضية .. واين كان سيكون مركز ثقل الكرة الأرضية.
بعد كل تلك الأيام ، الجميلة والطيبة والوردية ، التي كانت تجميع الشعب الزاليني تحت سقفها ، لن تعود القامشلي زالين كما كانت، ولن نعود نحن إليها، قدرنا كقدرإبائنا ، أن نموت في الغربة، كما كإن والدي يتذكر ويتحسر ، على أيام آزخ والماضي الجميل فيها ، كذالك أنا اتحسر واتألم على القامشلي زالين ، السؤال المهم.:
أبائنا بكوا وطن … ونحن نبكي وطن … أما أبناؤونا فأي الأوطان سيبكون ؟!.
إنه عام ١٩٦٦ م إنه يوم الخميس، ذلك اليوم اللذي حملت حبه، منذ الطفولة وحتى اليوم ، عندما أسمع كلمة يوم الخميس، يحلق قلبي فرحا .
اليوم هو الخميس ،هذا يعني أن غدا الجمعة ، يعني لا يوجد مدرسة،فأنطلق من مدرس الوحدة للسريان كاثوليك التي تأممت، ستينيات القرن الماضي، إلى المشفى الوطني على شارع القوتلي ومعي الجطل، وابدأ بتصيد العصافير علما بأن المشفى كان ، غابة من الأشجار وورود الجوري والعسلة والياسمين ، وعلما بانني لم اكل اي عصفور مما كنت اصطادهم، وعند العصر أعود للبيت ، لنبدأ مع أولاد الحارة ، بلعب لعبة ذلك الموسم، لكل فترة من السنة لعبة خاصة بها ، تتناسب مع الطقس ومع المناسبة ، ولكن الفرحة الكبرى ، أنه غدا هو يوم الجمعة، وفي الساعة الواحدة والنصف ظهرا الجمعة ، كنا نذهب لدرس الديانة بكنيسة السريان الكاثوليك ،ودرس الديانة كان يقدمه أحد الآباء ، الياس رومي اوالياس طبي او بهتان هندو، ولكن الفرحة كانت ،أنه بعد درس الديانة ، كانت الفقرة المهمة بالنسبة لي وهي رؤيةخمسة افلام قصيرة صامتة ، لشارلي شابلن ولورين وهاردي ، وكنا نضحك أثناء حضور الفلم من كل قلبنا ، وملئ شدقينا ، لقد كان فرحا عظيما، يناسب ذلك العمر وتلك المرحلة وذلك الزمن ، وبعد خمسة أسابيع تكون كل الأفلام في كنيسة السريان كاثوليك قد حضرناها كلها ، لننتقل في الأسابيع التالية ، إلى درس الديانة في كنيسة الارمن كاثوليك، ووقتها كان الاب القديس جنانجي (رحمه الله)هو كاهن كنيسة الارمن كاثوليك ومطرانها ، كنا نحضر درس الديانة ،وعادة في نهاية الدرس ،كان الاب جنانجي يحضر صورة للسيد المسيح او إحدى القديسين أو العدراء مريم ، وكان يضمر في قلبه رقم من الواحد للعشرة ، ويجب علينا ان نحزر الرقم ، ليحصل من حزره على الصورة ،وفي إحدى المرات قلت رقم عشرة فحصلت على الصورة، لقد كان فرح عظيما، وبعد ذلك كان يقول لنا إلى القبو ، والقبو هو لعرض افلام ، ايضا الأبطال العالميين الفكاهيين، وكنانتسابق للنزول للقبو ، فقد كان يشبه السينما ، لازالت رائحة القبو في الروح والذاكرة ، وكنا نقضي نصف ساعة ، من الضحك والفرح والسعادة ،لقد كان اجمل ما يفعله المرء بزمن
الستينيات ،أن يحضر فلم سينما ، وبعد الأفلام تكون الساعة قد شارفت على الساعة الخامسةعصرا، فأعود للبيت .
عادة في ذلك الزمن كان التواليت والحمام بجانب بعض مبنيين وعند باب المنزل (الحوش) على الجدار الخارجي للمنزل ، وعندما كنا نعود للمنزل عصرا يوم الجمعة، نجد دخان الصوبيات، يخرج من كل البيوت ، إنه يوم الجمعة عصرا ، يجب أن نتحمم، لقد كنت واطفال جيلي نكره ذلك الزمن من يوم الجمعة، بسبب تلك الليفة، التي كانت بمثابة عقوبة جلد.
وكنت ادخل للبيت واستسلم للذهاب للحمام ، وعادة كان دوري الأول بالحمام، وكانت الحمامات ايام زمان ،ليست محكمة الإغلاق، كون اغلب بيوت القامشلي زالين ترابية، ففي شهري الكوانين ( شهري كانون )، يكون وقت هطول الثلوج، وذلك المحب لم يكن يتأخر، عن موعده في القدوم، فكانت والدتي لتسد تسرب البرد من فوق باب الحمام، تضع ما يشبه السجادة( تدعى خرق وخاروق،وكانت تخيطها من الأقمشة الزائدة في المنزل ، فانت تغدو بساطة من كل الوان الفرح والسعادة ) ، فاقف بالطشت ، وتخلعني والدتي ثيابي على مضض وهي تهددني ، وكانت تضع ثيابي الداخلية البيض بالطشت لأستحم عليهم ، ويكون الدست الممتلئ بالماء يغلي ، وهو موضوع فوق الببور، الذي كان يسخن ماء الدست ويدفيئ الحمام ، لا زالت موسيقا ذلك الببور ترن باذني، كأنها موسيقى اغاني قادمة من الجنة المفقودة ، ممهورة بتوقيع حنجرة المغني أرام ديكران وموشي الياهو .
تمسك والدتي تلك الطاسة، التي كانت تمتلي بصور الطيور المحفورة عليها ، لتملئلها بالماء الذي كان يغلي بالدست، ولتضع الماء بالسطل، وكانت عادة تضع خمسة طاسات مي بارد، وتملئ باقي السطل بالماء البارد، هذا كان عيار تحملي لحرارة الماء.
وكان في بيوت الأغنياء، بدل السطل ما يدعى الجرن، وعادة كان الجرن كتلة اسمنتية مكعبة (90×90×90) ,فيها،(حوض ) تقعر لمزج الماء الساخن مع البارد، وكان الوجه الخارجي للجرن، من البحص الناعم ابيض واسود وبيج .
وكانت والدتي تقول ( تانقص المي ) هكذا كانت تدعى عملية مزج الماء الساخن بالبارد في السطل.
واكون أنا قد جلست بالطشت ، فوق ثيابي البيض الداخلية لكي يتخمروا ،بالماء وصابون الحمام، استعدادا لغسلهم غدا يوم السبت
وعادة كانت والدتي تحممنياولا ، فكانت تبدأ بغسل رأسي بصابون الغار الممهور( عبد الرحمن زنابيلي ،اصلي صاغ) ، ثلاثة مرات ، وعندما كنت أعترض على الثلاثة مرات، فكانت تقول ثلاث مرات يعني الاب والابن والروح القدس، وكانت عندما تفرك رأسي بصابونة الغارتقول(طمس عينيك بالازخيني، اي اغلق عينيك ) كي لا يحرقهم الصابون، وكانت تفرك رأسي ووجهي، وتمسك أنفي وتقول لي : قول فشت( اي ان اتمخط) فأقول بفمي : فشت، فتعيد الكرة ، وأقول ثانية بفمي فشت، وبعد الكف افهم ما تريد ، فاقوم بتنفيذ ما طلبته مني ، وبعد ذلك يأتي دور الليفة، التي كانت تحكيها والدتي، باستخدام خيوط نباتات الليف القاسية، وكانت أول شيئ تصنعه والدتي، هو خيوط غليظة وطويلة ، من خيوط الليف الرفيعة والطويلة باستخدام ( الطشية) ، وبعد ذلك تحيك باستخدام خيوط الليف الغليظة (والمسلة) ، ما يسمى بليفة الحمام .
و يكون يوم اسود، اذا صدف أنه انا اكون اول من يليف جسمه، باول استخدام لألليفة.
كانت والدتي تقوم بفرك ، صابونة الغار بالليفة، حتى تبدو رغوة الصابون واضحة على الليفة، وتقوم بفرك جسمي بالليفة ، وايضا بعدد الاب والابن والروح القدس ، وتقوم كل مرة،بعد السيف جسمي ، بسبب الماء على رأسي باستخدام الطاسة وملئها بالماء من السطل، وعادة يكون الطشت تحتي قد امتلأ بالماء الساخن والصابون ، وتكون ثيابي الداخلية البيض قد تخمرت، ويبقى اخر زوم وكان يدعى (زوم النضافة) وعادة كان زوم النضافة على الواقف ، وايضا كان مصدر سعادتنا ، كونه إشارة بانتهاء الحمام ، وهو أن والدتي كانت تفرك رأسي فقط بالصابون ، وتفرك جسمي ايضا بالصابون فقط، وتسكب بقية الماء بالسطل ( وهوثاني سطل يسكب مائه على رأس وجسمي).
وتمسح والدتي بعدها رأسي و جسمي (بالبشكير )، وتلبسني الفانيللا والكلسون الابيض والقطني والسميك وماركة حمامي ، وتربط رأسي بقماشة بيضاء تدعى ( القمطية والاسم على الاغلب تركي ) ، وأتذكر عندما كنت صغير، كانت والدتي تحملني من الحمام إلى الأوضة( غرفة القعدة ) وتضعني بالفراش مباشرة وتغطيني باللحاف ، وكانت تجلب لي صحن من الغذاء مخلوطة (شوربة عدس) وكان ذلك يناسب فصل الشتاء البارد والمليئ بالثلج في القامشلي زالين.
اما لحمام الشغيلة وجماعة الصناعة، وللصغار وللكبار
نفس السيناريو أعلاه كان يحدث ولكن ليلة السبت .
أحيانا يسألونني في الوطن الجديد… هل كانت مدينتكم قبيحة لهذه الدرجة …كي تتركونها وترحلون … انظر إلى خط الأفق… استغرق زمنا مجهولا … وأغلب الأحيان أرد على ذلك السؤال… بدمعة لا ادعها تنزل .

ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٢‏ شخصان‏، و‏‏‏أشخاص يقفون‏ و‏نشاطات في أماكن مفتوحة‏‏‏‏
ربما تحتوي الصورة على: ‏‏‏٥‏ أشخاص‏، و‏‏‏أشخاص يجلسون‏ و‏منظر داخلي‏‏‏‏
لا يتوفر نص بديل تلقائي.