الفصل الأول الأصول الآرامیة الجزء الثاني

الفصل الأول  الأصول الآرامیة

الجزء الثاني

الآرامیون في التاریخ

الأصول الآرامية

لقد قام الملك الآشوري آشور ناصربال الثاني( ٨٨٣ ٨٥٩ ق.م ) في نهاية عهده، بتزيين معبد “مامو” في بلاوات – وكان إذ ذاك يُدعى “ايمكور – أنليل” بصفائح برونزية مر صَّعة حفظت لنا أقدم تمثيل للآراميين.

فنرى فيها مثلاً أن العجلات الآشورية تحمل قواسين قصاراً يدافعون عن مدينة في “بيث يخيري” (أنظر شكل١).

فلهؤلاء الرجال لحى وشعر محاط بعصابة، وهم متوشحون بوزرة يسندها حزام قوي.

والنقوش البارزة الماثلة في المعبد الرئيسي في “تل حلف” (غوزانا) على نهر الخابور في سوريا الحالية تقدّم لنا أشخاصًا عديدين مشابهين لهؤلاء، وهم ممسكون بقسي، أو بأسلحة أخرى، وشفتهم العليا حليقة.

ونعلم أن “تل حلف” لم تكن بعيدة جدًا عن “بيث يخيري”، ولا نقوشها أحدث من نقوش الأبواب التي زيَّنها آشور ناصربال.

 

ويبدو أن أمير “بيث يخيري” وحاكم “بيث بخياني” الذي إليه كانت تل حلف تعود (وكانت تسمى آنذاك غوزانا) قد أدّيا الضريبة معّا سنة ٨٨٢ ق.م. ولا بد أن هؤلاء المحاربين القدماء لم يكونوا مختلفين كثيرًا عن “أخلامو الآراميين” الذين، قبل قرنين، كان تغلاتفلاصر الأول يفتخر بأنه طاردهم ثماني وعشرين مرة إلى ما وراء نهر الفرات!

إلا أن الوثائق لا تتيح لنا أن نرى آراميين في جميع “أخلامو”.

 وحتى مشتقات اسم “آرام”، في نصوص ترقى إلى ما قبل عهد تغلاثفلاصر الأول، لا توّفر لنا الضوء الكافي لكي نمّيز بوضوح أصل الآراميين.

ومع ذلك نلاحظ أن هناك فئات يمكن تشخيصها آرامية كانت توجد قبل القرن الثاني عشر السابق للميلاد.

وكانت قبائل منها ستواصل وجودها في العصر الحديدي.

ونرى أن اسم “حيرانو” قد ورد ذكرُه في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وهو اسم معروف في لوائح القبائل في العصر الآشوري الحديث. وتُظهر لنا الدراسة المقارنة للغات السامية أن اللغة الآرامية، منذ الحقبة السابقة للقرن الخامس عشر قبل الميلاد، بدأت تتمّيز عن اللغة الكنعانية، وهي الفصيلة اللغوية السامية الأخرى الرئيسة التي سوف تظهر بجلاء في الشمال الغربي من الشرق الأوسط في العصر الحديدي.

لكن كتابات تغلاثفلاصر الأول لا تزوّدنا بتفاصيل عن طريقة حياة أعدائه. فلم يترك لنا هذا الملك، ولا خلفاؤه المباشرون، كتابات تطلعنا على العجلات الحربية أو الاستحكامات العسكرية لدى الآراميين. فلا يبدو أن انتصاراتهم المتكررة على الممالك الآرامية وفرت لهم مكاسب حربية كبيرة.

ومع ذلك فإن الإشارات الجغرافية الواردة في هذه النصوص مهمة جدّا. ونلاحظ أن حملاتهم تجتاح المناطق الواقعة على الفرات من بابل حتى كركميش. فإنهم يلاحقون الآراميين خلال السبل الوعرة في جبل بشري حتى تدمر وما وراءها، نحو سفوح جبال لبنان.

وهناك نصوص مشوَّهة وردتنا من آشور بل كالا (١٠٧٣ -١٠٥٦ ق.م). تربط الآراميين بشرق سوريا وبالشمال الغربي من بين النهرين.

وتعيدنا هذه النصوص دومًا إلى المنطقة الواسعة حيث يرد ذكر الرعاة والقرويين العموريين منذ القرون الأخيرة من الألف الثالث قبل الميلاد (أور الثالثة) حتى القرن السابع عشر قبل الميلاد (مملكة خانا).

وكما كان الشأن مع هؤلاء العموريين سابقًا، كذلك مع الآراميين الذين عاشوا حقبة طويلة في ظلمة حياة قروية ذات إشعاع ضئيل، قبل أن يفرضوا أنفسَهم على الميدان السياسي في الشرق الأوسط.

وما يزال علم الآثار عاجزًا عن إطلاعنا إطلاعاً كافيًا على الظروف المادية التي عاشت فيها هذه القبائل الآرامية، حينما استوطنت أعالي سوريا ومناطق بين النهرين العليا والسفلى، في نهاية العصر البرونزي الحديث.

وحيثما بلغت التنقيبات العصر الحديدي الأول، كما جرى في “أدلب” السورية، نلاحظ الكثير من الأحداث المشتركة في ذلك الزمان، مثل استمرارية صنع السيراميك إزاء مثيله في العصر البرونزي الحديث، والعدد الكبير من المخازن العائلية.

ولكنه يصعب التمييز بين السمات العرقية الايجابية التي تمّيز الثقافة الآرامية عن كل ثقافة سامّية أخرى جديدة في العصر الحديدي

إنتشار الآراميين

لقد إنتشر الآرامّيون انتشارًا واسعًا وسريعًا منذ بدايات العصر الحديدي (القرن الرابع عشر ق.م). وفي المنعطف بين القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد، لم يُفلح تغلاتفلاصر الأول( ١١١٦-١٠٩٠ ق.م) وآشور – بل- كالا الأول (١٠٨٧- ١٠٧٠ ق.م).

في إيقاف أو تقليص هذا التوسّع. وخلال القرن التالي، تقّلصت الممتلكات أو المستعمرات الآشورية في سوريا وأصبحت مثل جزر تتفاوت في مساحتها. ولم يبَق للإمبراطورية الآشورية سوى سلطة إسمية عليها.

وبعد عهد نبوخذنصر الأول، انتشر الآرامّيون في البلاد البابلية انتشاراً واسعاً.

وبحسب كتابة ترقى إلى عهد “سمبار شيحو” (١٠٢٥-١٠٠٨ ق.م.) ، قامت فئات من الآراميين الرحّل، بالاتفاق مع غيرها من الفئات المنتشرة في البلاد، بنهب مدينة سيبار وباجتياح بعض البلدان الجنوبية السومرية والأكدية.

وبينما سارت بعض القبائل الآرامية بمحاذاة الجهة الشرقية من الهلال الخصيب، توسعت قبائل أخرى في المنطقة الغربية ودخلت إلى جوار مملكة إسرائيل، في المنطقة الجنوبية من سوريا (لُعُش، حماة، صوبا، …الخ).

وكانت عناصر آرامية أخرى، متفاوتة في الأهمية، قد تغلغلت في جنوبي جبال طوروس وفي الغرب من جبال زگروس، مع مختلف الأعراق الأخرى.

وكانت هذه العناصر الآرامية تسيطر أحياناً على قطاعات عديدة، وأحيانًا أخرى تمتزج في الشعوب الموجودة معها، بدون أن تشكّل عنصرًا مهيمنًا. ولقد وردت إشارات إلى حضور هذا العنصر:

١- بالأسماء الآرامية للأشخاص وللكيانات السياسية التي كانت تُشاهَد في الكتابات الملكية الآشورية منذ نهاية القرن العاشر قبل الميلاد، وفي الألواح ذات المحتوى الاقتصادي ابتداءً من القرن السابع قبل الميلاد.

٢- بالكتابات الآرامية التي تبدأ بالظهور منذ النصف الثاني من القرن التاسع قبل الميلاد.

ولكن قليلة هي الدويلات الآرامية التي يمكننا أن نتتبع مسارها طوال أجيال عديدة. وبعض هذه الدويلات، ولاسيّما الساكنة غربي نهرا لفرا ت، أدّت دورا مهِمّا على الصعيد السياسي.

أما القبائل أو الإمارات الشرقية، ومنهم الآرامّيون الساكنون في أعالي بين النهرين، فلم تشترك اشتراكاً فعّالاً في التطوّرات الطارئة في الدويلات الأخرى.

ومن الصعب، في معظم الأحوال، أن نرسم لها دراسة ألسُنية متعاقبة عبر الأجيال.

أما المعطيات المهِمّة التي تزوّدنا بها الكتابات المسمارية والدراسات الآثارية عن حياتهم الاقتصادية وعن ديانتهم، فإنها ستُمدنا بمعلومات نفيسة عنهم.

آراميّو المنطقة الشرقية

لا نعرف بالتأكيد موطن الآراميين الأصلي. فقد انقسمت الآراء حول هذا الموضوع وتشعبّت.

فهناك من يقول إنهم من الموجة السامّية التي انطلقت من جنوب بلاد بين النهرين باتجاه الفرات الأعلى.

وهناك من يقول إنهم من الجماعات النازحة عن المناطق الشمالية، عبر الحدود الغربية من الصحراء السورية، باتجاه البلاد المصرية والبلاد الكنعانية والبقاع الواقعة على ضفتي نهر الفرات.

 وهناك من يقول أيضًا إنهم من الأقوام التي نزحت عن شبه الجزيرة العربية، ضمن إحدى الموجات التي تدّفقت منها نحو البلدان الشرقية أو الشمالية… ولقد وردت إشارات إلى هؤلاء الأقوام الرحّل في مصر منذ .السلالة الأولى(نحو سنة ٣١٠٠ ق.م.) باسم “ستيو” ١.

ومهما اختلفت الآراء حول أصل الآراميين، فإنهم سرعان ما انتشروا، كما قلنا سابقاً، في مختلف بلدان الشرق الأوسط، وسببوا للعديد منها الكثير من الصعوبات والمشاكل.

ولا نستطيع أيضًا أن نحّدد تحديدًا دقيقًا متى وكيف أفلح الآرامّيون في التغلغل بأعداد كبيرة في المناطق الواقعة شرقي نهر دجلة، بين بابل وعيلام، وفي السكنى بنوع خاص بالقرب من نهر “أوقنو” (وهو نهر كرخا الحالي في إيران).

إنما نعلم أنه منذ سنة ٨١٤ ق.م.، في معركة “دور بابسوكال”، حيث حاول ملك بابل “مردوخ بلاطسو ايقبي” أن يحبط تجاوزات شمشي أدد الخامس( ٨٢٤- ٨١٠ ق.م.)، قدم له الآرامّيون مساعدة عسكرية لا يستهان بها، على اثر الكلدانيين والعيلاميين وكاشيي نمري.

ومنذ القرن الثامن قبل الميلاد، كان الآرامّيون يشكّلون جزءًا مهِمًا من سكان بين النهرين الجنوبية، مع بقايا السومريين والأكديين والكلدانيين الذين كانوا أكثر شبهًا بهم ٢.

غير أننا، حتى القرن السابع قبل الميلاد، لا نتعّرف إلى آراميي بابل هؤلاء، إلا من خلال نصوص مسمارية.

فان تغلاتفلاصر الثالث ( ٧٤٥ – ٧٢٧ ق.م)، في مطلع أطول كتاباته التذكارية، يثبت لائحة نحو خمس وثلاثين قبيلة تعيش على ضفاف نهرَي دجلة والفرات.

وهو يفتخر بأنه أفلح في محاربتهم منذ مطلع عهده حتى السنة السابعة عشرة من ملكه، أي إلى نحو سنة ٧٢٨ ق.م. ويعود الملك إلى هذا الموضوع نفسه بعد سطور قليلة، لكي يخصّ بالذكر”الفقوديين” الذين لم يظهروا على هذه اللائحة.

أما سرجون الثاني ( ٧٢٢ – ٧٠٥ ق.م) وسنحاريب ( ٧٠٥- ٦٨١ ق.م.) اللذان كانا في خلاف مع الآراميين في نضالهم ضد قادة بابل الكلدانيين، فكلاهما قد تركا لنا لوائح مماثلة، وإن كانت غير كاملة.

 ويخّيل لنا أن القبائل الآرامية الكثيرة كانت على وشك تشكيل دول حقيقية، شأن الكلدانيين، ولكننا، والحق يُقال، نتيه إذا ما حاولنا رسم تاريخ الآراميين وتطوّر دويلاتهم.

 لكن هذا التحّفظ يجب ألا يعرضنا لأوهام، إن لم نقل لأخطاء بحق هؤلاء الأقوام الذين كان ثقلهم السكاني، وحتى تأثيرهم الاقتصادي في البلاد البابلية، مهِمًا جدًا. وقد استمر دورُهم هذا حتى بعد انحلال الدول الكبرى:

 الآشورية والبابلية، في غروب القرن السابع، وخلال القرن السادس قبل الميلاد.

 ومن يدري، لعلّ الآشوريين والبابليين الذين اختفوا عن المسرح السياسي، قد ذابوا بين الشعوب الجديدة التي استولت على بلاد بين النهرين، أو لعّلهم واصلوا استمرارهم عن طريق الشعوب الآرامية، متبّنين عادات هذه الشعوب ولغتهم عبر الأجيال!

وكان في المجتمع الآرامي دومًا فئات متمرّدة تأبى الرضوخ للضغوط الإمبراطورية.

 واستمرّ بعض هذه الفئات حتى النهاية في عصيانه على الإمبراطورية الآشورية.

 ففي عهد آشور بانيبال (٦٦٨ – ٦٢٦ ق.م)، كانت قبائل “كمبول” ما تزال متحالفة مع العيلاميين.

وقد وردت كتابات تصف العذابات الرهيبة التي أنزلها هذا الملك بزعيمهم “دونانو” وبأصحابه، على أثر الانتصار الذي أحرزه الآشوريون على “تيومان”.

 وشأن أعراق أخرى متمردّة (مثل الإيزوريين والايطوريين في العهود الإغريقية الرومانية)، وجد آرامّيو بابل أن السلطات العظمى الحاكمة كانت تعتبرهم مثل قطّاع الطرق… ونسرد هنا نصًا شهيرًا فيه يضع سرجون الثاني الآراميين في صف الأسود والثعالب، ويعتبرهم مسؤولين عن عدم استقرار الأمن والسلام في البلاد:

“إن السبيل المؤدّي (…) إلى بابل، مسكن أنليل الآلهة، كان سلوكه متعّذرًا، وطريقه صعبًا للتنقلات (…)، ومسالكه مغطّاة بنباتات شوكية وعُلّيقات كثيفة. وكانت الأسود والثعالب ترتاده وتتراقص فيه مثل الحملان.

 فالآراميّون والسوتيون الذين يعيشون تحت الخيم، والهاربون والمجرمون وسلالة قُطّاع الطرق كانوا يخيمون في السهب ويمنعون العابرين من ارتياده.

أما المواضع المحروثة (…)، فلم يكن لحقولها جداول ولا أثلام، وكانت مغطّاة بنسيج العنكبوت.

 وقد تحولت الأراضي الخصبة إلى أراضِ متروكة، فلا يسمع من بعد غناءُ الحصّادين في الحقول، ولم يعد للحبوب موضع فيها…. فقطعتُ العلّيقات الكثيفة، وأحرقتُ الأشواك والأدغال. وبسلاحي صرعتُ الآراميين، أبناء قُطّاع الطرق، وأجريتُ مجزرةً للأسود والذئاب…”.

ومثل صورة المأساة التي تنقلها لنا هذه النصوص، فإن لتمثيل الآراميين بسلالة السراق وقُطّاع الطرق ما يماثله في عصور أخرى.

لا شك إنها ليست على أساس تاريخي متين، مثل القصص الأخرى الحاقدة التي يمكننا مقارنتها معها.

ومثل ما أورده السومريون عن بربرية العموريين، فإن لادعاء سرجون ما يدحضه في وثائق أخرى هي أقرب إلى الواقع اليومي.

وهنا تجدر الإشارة إلى ما تقدمه لنا مجموعة من رسائل ترقى إلى القرنين الثامن والسابع قبل الميلاد، وقد وجدت في “نيبور” (نفر)، وفيها يظهر الآرامّيون بمظهر جدير بالاحترام.

فإنهم يظهرون مندمجين اندماجًا جيدًا في شؤون بيئية تجارية كانت قوافلها تبلغ إلى الفرات الأوسط وإلى المقاطعات الغربية من الإمبراطورية الآشورية. وفي هذه الرسائل، يظهر الفقوديون الذين هم غالبًا موضع القدح في الكتابات الملكية، مرتبطين بموضع مقدس في سومر، حيث يجتمعون بمناسبة حجّ يّتسم بطابع قبلي واضح.

وهناك رسالة أخرى من هذا الزمان، وهي ظاهريًا موجَّهة إلى تغلاثفلاصر الثالث، تسّلط ضوءًا تهكّميًا على قبيلة أخرى. فقد حدثت اضطرابات في صور وصيدا.

وتُعلمنا هذه الرسالة أن الأيتويين كانوا ماسكين بزمام المعضلة الفينيقية. وهؤلاء الأيتويون أنفسهم يمثلون على رأس لائحة القبائل التي قمعها الملك تغلاتفلاصر.

وقد ذاق هؤلاء الأقوام الأمرين من جيرانهم الآشوريين منذ مطلع القرن التاسع قبل الميلاد.

يبدو أن الحالة لم تكن واضحة بالنسبة إلى البقعة الواقعة غربي “كركميش”، حيث كانت قبائل آرامية أخرى قد أفلحت في التغلغل بين الحثيين سكان الفرات وبين منافذ نهرَي العاصي والأمانوس.

إنما انتصار حلفائهم الكلدانيين(الدولة البابلية الحديثة) وحدَه، في الربع الأخير من القرن السابع (سنة ٦١٢ ق.م.)، كان من شأنه أن يضع حدَّا لحالة عدم الاطمئنان لدى الآراميين في المنطقة الجنوبية من بلاد بين النهرين.

وكانت لغة الآراميين، على مَّر القرون، قد أصبحت الوسيلة الأساسية للتبادلات التجارية والإدارية عبر الإمبراطورية الآشورية المنحّلة، لاسّيما في المناطق الغربية، حيث لم تَسَتعِد اللغة الأكدية والعلامات المسمارية كل النفوذ الذي كانت تحظى به في الألف الثاني قبل الميلاد.

الآراميّون في الجزيرة والفرات الأوسط

إن يقظة الطموحات الآشورية كانت مجالاً لدخول الدويلات الآرامية إلى مسرح التاريخ. فلقد وطّد ملوك آشور سيطرتهم من جديد على الجزيرة، وهي تلك المنطقة الواسعة التي تحدّها من الشرق الإمبراطورية الآشورية، ومن الجنوب والغرب يحّدها الفرات الأوسط، ومن الشمال جبال كردستان.

ونسميها ما بين النهرين العليا. وكانت الإمبراطورية الآشورية قد استولت عليها وحصرت الحثيين في منطقة غربي الفرات. وتأّثرت الشعوب الآرامية التي استوطنت على جهَتي النهر بتراث هاتين الإمبراطوريتين.

أما الأراضي التي انتشر عليها الآرامّيون في ما بين النهرين العليا فليست واضحة كل الوضوح، ولو أن بعض الحدود تبدو أوضح من غيرها.

كذا الشأن في الشمال الشرقي من الحاجز الذي أقامته آشور والمدن الآشورية الكبيرة من ضفة دجلة اليسرى ضد انتشار الآراميين.

 وإذ لم تكن مدينة آشور مفصولة عن الجزيرة سوى بحدود هي اجتماعية أكثر منها طبيعية، فإن السهب الذي يقطنه الآرامّيون كان مؤاتيًا طبيعيًا لانتشار الفئة الأشد دينامية.

وفي العصر البرونزي الوسيط، كانت الإمبراطورية الحورية في ميتاني قد توصلت إلى فرض هيمنتها لبعض الوقت على قلب البلاد الآشورية نفسها.

إلا أن المد الآرامي في العصر الحديدي الأول لم يحظ بمثل هذا النجاح التام. وفي الجنوب الشرقي من الجزيرة، كانت البلاد البابلية قد مرت أيضًا بظروف حرجة، ولكنها لم تفقد هويتها. وفي عهد النهضة الآشورية، كانت حدودها ما تزال تمتد على طولا لفرات، حتى “دوركوريكالزو” (عقرقوف اليوم).

وفوق منطقة عقرقوف، يشكّل نهر الفرات تقريبًا الحدود الجنوبية للمنطقة.

وكانت القبائل الآرامية مستوطِنة على ضفَتي النهر، ولا ندري إلى أي حدّ كانت مراعيها تمتّد. ولكننا نعلم أن آراميي بيث أديني، المنتشرين على طول انعطاف الفرات الكبير، كانوا يطفحون على الضفة اليمنى من كلتا جهتي “كركميش” (اليوم جرابلس جنوبي تركيا).

 وفوق بيث أديني، وعلى ارتفاع لا يتسنى لنا تحديده، كانت تبدأ مجموعة الدول الحثية الحديثة، مع “كوموخ ” (القائمة على مدينة شميشاط الحالية) وميليد (وهي ملاطية الحالية)، وكانت هذه المنطقة خالية من التسرّب الآرامي.

وتشير الكتابات الآشورية إلى منطقة غامضة سياسيًا تُدعى “نائيري” تقع في الجزء الأعلى من بين النهرين، بين نهرَي دجلة والفرات.

وكان هذا الاسم مستعملاً منذ عهد الملك الآشوري توگولتي – نينورتا الأول( ١٢٥٥- ١٢١٨ ق.م).

وكانت منطقة “خانيكالبات” تقع جنوبي نائيري. أما “أورارتو”، فكانت تمتّد في القسم الشمالي. وكان يطيب للجيوش الآشورية أن  تنتشر في المناطق الخصبة الواقعة في الجزء الشمالي من الجزيرة.

لا شك أن الغزاة من العصر الآشوري الوسيط كانوا قد استفادوا من بعض الآبار المنتشرة في السهب لكي يسلكوا طريقًا مباشرًا بين آشور ومستعمرتهم “كَتليمو” الواقعة على الخابور الأسفل، قبل مصّبه في الفرات.

ولكننا لا نعلم هل ظلَّ هذا الطريق مستخدما بعد القرن الثاني عشر قبل الميلاد، ريثما تظهر علامات جديدة تشير إلى استخدامه في القرن التاسع قبل الميلاد.

فإن الغزاة الآشوريين الجدد، في سيرهم نحو الغرب، ما كانوا يجتازون السهب مع جيوشهم، بل كانوا يبدأون تقدمهم في”نائيري” الشمالية، ومنها ينزلون إلى حوض الخابور انطلاقًا من الشمال، من عاصمتهم، عبر وادي الثرثار، بمحاذاة الضفة الغربية من نهر دجلة… ومهما يكن الاختيار، فكان لا بّد لحملتهم من الاجتياز بالبلدان الآرامية.

وكان للتجّمعات الآرامية التي تملأ منطقة الفرات أهمية حيوية للتجارة البابلية.

وريثما يتم إخضاع البلاد البابلية، كان على الملوك الآشوريين، الذين يختارون الطريق الجنوبية، أن يحسبوا ألف حساب للنتائج الدبلوماسية، وحتى العسكرية، التي تترّتب على عملهم هذا. أما إذا تقدموا على أطراف “نائيري”، فلم يكن ثمة ما يعود إلى سلطة عظمى من بين المنشآت التي يلتقونها: نصيبين، غوزانا (تل حلف) ، حوزيرينا (سلطان تبه، على البليخ شمالي حرّان)، وغيرها… وكانت هذه الطريق تفسح المجال أمامهم للدخول المباشر إلى ثروات الدول الحّثية الحديثة، وإلى البلاد الفينيقية.

(يتبع الجزء الثالث)

 

 

اترك تعليقاً