التواجدُ السّرياني في ديريك بقلم/ فؤاد زاديكه 2

التواجدُ السّرياني في ديريك
بقلم/ فؤاد زاديكه
القسم الثاني و الأخير
صورة
صورة

شراء الأراضي في ديريك
أمّا الحديث عن قصة أراضي ديريك فهناك وثائق مثبتة و سندات تملّك تشير إلى أنّ السيد صبري يوسف سعيد من زاخو و هو شخص سرياني عراقي قدم إلى ديريك في بداية الخمسينات من القرن الماضي و عرض على أهلها السريان أن يبيعهم أراضيه التي يملكها بقيمة رمزيّة و هي منه كهديّة إلى الشعب الأزخيني البطل الذي سمع عن بطولاته و عن صموده فأعجب به و أراد تقدير ذلك الموقف بأن يشكرهم بطريقته الخاصة و على هذا النحو في بيعه الأراضي التي يملكها ليصير لكلّ سرياني في ديرك أرض سكنيّة يبني له بيتًا عليها و كذلك أراض زراعية تكون مصدر رزق زراعي و اقتصادي لسريان آزخ المقيمين في ديريك. و كان المرحوم جدي قرياقس يونو جمعة هو الذي كان يكيل بالحبل الأراضي و يتمّ توزيعها على السريان في ديريك.
تشكّلت على الفور لجنة شراء من قبل أوقاف كنيسة السريان الأرثوذكس برئاسة المختار كبرو مراد الحكيم و عضويّة كلّ من كوركيس رشكو و يعقوب شمعون غزو و يوسف لحدو مراد و عبد الله عبد الأحد وكيل أوقاف السّريان بتاريخ 20/ 5/ 1954 و ذهبت اللجنة المشكّلة إلى القامشلي برفقة صبري يوسف سعيد و كان اللقاء في فندق الفردوس و تمّ الاتّفاق على شراء ثلثي أراضي ديريك التي يملكها صبري يوسف و هي تقدر ب 646 هكتارًا بقيمة 11 ألف ليرة سورية. و حين لم يكن المبلغ المتفق عليه متوفّرًا لدى صندوق الأوقاف السرياني فقد تمّ تكليف السيدين كوركيس رشكو و يوسف لحدو مراد بالذهاب إلى السيّد مسعود أفندي (آل أصفر و نجار) في القامشلي لاستدانة المبلغ و قد تمّ هذا فصار ثلثا أراضي ديريك لأوقاف كنيسة السريان بينما الثلث الأخير فقد اشتراه السيّد قدري عبد الغني من السيّد عبد الكريم ملّا صادق بتاريخ 24/5/1954م ثمّ ناب السيد رزق الله أنطون عن ابن أخيه صبري يوسف سعيد فتنازل عن نصف أملاكه لصالح بلدية ديريك. ثمّ تمّ عقد اتفاقية بين طرفي أصحاب الملكية أوقاف السريان و بيت قدري عبد الغني و أخيه عبد الرحمن عبد الغني يقرّ كلّ منهما بملكية الطرف الثاني و أحقيّتهُ لهذه الملكيّة, و صار بموجبه أنّه لا يحقّ لأيٍّ من الطرفين أن يتصرّف بيعًا بهذه الأملاك و الأراضي بدون علم الطرف الثاني و الرجوع إليه لأخذ موافقته. بتاريخ 17/11/1954 و تمّ تحديد حدود ملكيّة كل طرف من هذين الطرفين لدينا وثيقة خطية و مصورة تؤكد هذا الاتفاق.
لقد كانت الغلبة السكانيّة في مدينة ديريك و لغاية سنة 1975 هي بنسبة 90 بالمائة منهم سريان و آشوريون و كلدان ثم صار انخفاض هذه النسبة واضحًا لأسباب كثيرة نذكر من أهمها:
1- الهجرة التي كانت نزيفًا لهذه المجموعة القوميّة من السريان
2- النزوح الكردي من الأرياف إلى ديريك ممّا رجّح كفّة الكرد
3- زيادة الولادات الواضحة بين إخوتنا الكرد و العرب فيما كان السريان يسعون لتحديد النسل.
و في سنة 1983 جرت انتخابات مجالس الإدراة المحلّية و كل طرف من الأطراف نزل بكلّ ثقله المادي و العددي لتكون النتائج على نحو الصورة المرفقة و كنت كتبت تفصيل سير هذه العمليّة الانتخابية و النتائج و توزّع الأصوات على المرشحين بانتمائهم القومي و الطائفي حينها فاز 10 آزخيين و هي نسبة النصف من المجموع فيما فاز الأكراد ب 6 مقاعد و العرب بمقعد واحد و الكلدان بمقعدين اثنين. و حيث لم تظهر تتمة الصفحة بوضوح فإن محتواها هو على النحو التالي: 19- رمضان محمد معزول 937 صوتًا (كردي)
20- وديع فيلبس ايليا 933 صوتًا (سرياني أزخيني)
و هنا يجب أن نشير إلى ملاحظة هامة و هي أنّ عبد العزيز جهانكيش و الحاصل على المركز السادي في القائمة كان مرشح الحزب الشيوعي السوري لهذا انتخبه السريان الشيوعيون و لهذا حصل على المرتبة السادية ليس بسبب كونه كرديّاً بل لكونه شيوعيّاً.
إلى أن صارت النسبة في سنة 2010 أدنى حدٍّ لها حيث صار مجموع سكان ديريك 73 الفًا منهم حوالي 18 ألف سرياني. و اليوم صارت أقلّ نسبة من آخر إحصائيّة.
كان سكان ديرك السريان يرغبون بالسكن إلى الطرف الثاني من الحدود بالقرب من بلداتهم التي غادروها في تركيا, أملًا بالعودة حين تستتبّ الأمور و يتم تحقيق الوعود الفرنسيّة الدائمة لهم بأنّ مناطقهم التي كانوا يعيشون فيها قبل هجرتهم ستصير ضمن الحدود السورية في حال تمّ ترسيم و تخطيط الحدود الدّولية بين تركيا و سورية, لكنّها ظلّت وعودًا و أحلامًا فغادرت فرنسا ديريك و سورية في سنة 1946 و غادرت معها تلك الوعود و الأحلام و لا يزال الوضع قائمًا كما كان عليه أثناء الوجود الفرنسي. إنّ الفسيفساء الوطني و الاجتماعي الموجود في ديريك فريد من نوعه و يجب أن يستمرّ على ما هو عليه من تناغم و تفاهم و وئام بين كلّ مكوّنات شعوب ديريك من أجل العيش المشترك فأي خلل يمكن أن يحدث في ديرك أو القامشلي أو غيرها من بلدات المنطقة لن يكون لصالح أيّ طرف من الأطراف, لقد كُتِب على الجميع بأن ينشدوا الأمن و السلام و التآخي و الوئام ففي هذا خيرٌ للجميع.
كلمة أخيرة
كلمة أخيرة بهذه المناسبة أقولها لأهل ديريك أحبتي و أصدقائي الذين أحبهم جدًا مثلما أحبّ بلدتي الغالية على قلبي ديريك, و التي أرى فيها آزخ الصغرى: إنّ الشّعب السّرياني في ديريك و غير ديريك شعب مسالم و منفتح على الآخرين و له علاقات تاريخيّة طيّبة مع الكرد و العرب و غيرهم من أبناء تلك المناطق, لا يجب أن يفكّر أيّ طرف من الأطراف بفكرة الإقصاء أو يسعى إليها فهي انتحارٌ للجميع, فاليوم لك و غدًا سيكون لغيرك, على الجميع أن يعيشوا جنبًا إلى جنب كرد و عرب و سريان و الأقليّات الأخرى, فالأرض تحتوي الجميع عندما تريد القلوب و العقول ذلك, اجعلوا هذه الفسيفساء الغنيّة و اللوحة الجميلة المتناسقة هكذا على الدوام قائمة على المحبة و التآخي و الانفتاح و قبول الآخر و احترام الآخر بدون عنف أو إكراه أو تعدّ.
إنّ السّريان بدافع تعاليمهم الدّينيّة هم متسامحون و محبّون و وطنيّون و لا يسعون إلى الاعتداء أو التعدّي على الآخر, و لكنّهم أيضًا شعب لا يسمح للغير بانتهاك حقوقه أو الانتقاص منها, لأنّ هذا ظلمٌ و هو ليس من العدل بأيّ شيء و الشّعب السرياني الأزخيني لا يقبل الظلم, كما لم يقبله من قبل و في أعتى الظروف و أصعب المراحل التاريخيّة التي عاشها و مرّ بها. لهذا يجب أن تستمرّ الحياة على أساس الاحترام المتبادل و الاعتراف بحقوق الغير دون انتقاص منها أو تجاوز و كلّ القوميّات و الأديان التي تعيش في ديريك لها الحقّ بممارسة حياتها بحريّة تامّة, و لهذا أيضًا نتمنى على الجميع و من الجميع أن يضعوا مصلحة الوطن و البلد العامّة فوق المصلحة الضيّقة, و إنْ فكّر أيّ طرف من هذه الأطراف أن يُقصي الآخر أو يهضم حقوقه أو يغبن حقّه في التعبير و الكرامة و الشعور بالانتماء بحكم أنّه يملك القوة على الأرض أو السلطة أو النفوذ فهو يقدّم مشروعًا فاشلًا لن يُكتبَ له النجاح. فالعمل المشترك و بروح المسؤولية من قبل الجميع و بالتعاون مع الجميع ستكون فيه الفائدة المرجوّة و كذلك الخلاص للجميع, ستعمّ الفائدة و الأمن و الاستقرار و هذا ما يطمح إليه الكلّ. عندما يملك الإنسان القوّة عليه أن يعرف الرّحمة و ألّا ينسى الله. أشكر إذاعة بيشغارو (المستقبل) و أشكر أهل ديريك بجميع أطيافهم و خصوصيّاتهم فهم أهلي و أصدقائي و أحبّائي, أتمنى لكم جميعًا كلّ الخير و السعادة و التوفيق آمين.