التواجدُ السّرياني في ديريك بقلم/ فؤاد زاديكه 1

التواجدُ السّرياني في ديريك

بقلم/ فؤاد زاديكه

نزولًا عند رغبة الإذاعة الكردية في ديريك (بيشفارو) قمت بكتابة هذا الموضوع عن السريان في ديريك من خلال مسعى تقوم به هذه الإذاعة مشكورة للتعارف و التقارب بين شعوب و قوميات ديرك المختلفة و قد وقع اختيار الملفونو بهجت أحمد عليّ كسرياني من ديريك كي أتحدث عن بناء ديريك و تاريخها و تواجد السريان فيها من وجهة نظر سريانيّة, و سوف تذيع المحطة مقالي المنشور هذا يوم السبت القادم و هو المصادف 5 نوفمبر 2016 مذاعًا بصوتي على الواتس اب و سيتولى شخص من جانب الإخوة الكرد نفس الموقف ليعرض تاريخ التواجد الكردي في ديريك. و سأعرض الموضوع على قسمين و هنا القسم الأول

 

المدخل

تشكّل الجزيرة السورية بحكم موقعها الجغرافي القسم الأوسط من بلاد ما بين النهرين و كانت منطقة واسعة الأرجاء تمتد من نهر دجلة إلى الفرات حيث الرقة حاليًّا, و قد تعاقبت أمم و امبراطوريّات متعدّدة و مختلفة على هذه المنطقة (المعروفة باسم ميزوبوتامية) إلى أن انتهى الأمر بسيطرة الآراميّين- السّريان في القرن الخامس عشر قبل الميلاد فأنشأ الآراميون ممالك عديدة في هذه البلاد و امتدت رقعة أراضيهم إلى أن وصلت إلى منطقة الخليج و شرقي دجلة.
و بعد ذلك و بأزمنة و في مرحلة الصراع بين الإمبراطوريّتين الفارسيّة و البيزنطيّة قسّمت الجزيرة بين هاتين الإمبراطوريّتين الفارسيّة الساسانيّة (استولت على القسم الشرقي من الجزيرة حتى نصيبين و كانت هذه الأخيرة هي الحد الفاصل بين الإمبراطوريّتين) و البيزنطيّة (القسم الغربي حتى نهر الفرات) لقد كان الوجود السّرياني بعنفوانه الحضاري و الثقافي حاضرًا و بقوّة في جميع مدن الجزيرة و بلداتها (نصيبين. ماردين.تل موزل. ويران شهر. الرها. قنّسرين. آزخ (بيت زبدا) و التي كانت تتبع لها قرى و بلدات كثيرة مثل ديرك و بره بيت و غيرها) ثمّ جاءت الفتوحات الإسلامية ليحصل تغيّر جديد على الخارطة حيث دخل كثير من السريان إلى الدين الجديد لأسباب كثيرة لسنا في مجال ذكرها هنا. و قد ساعد السريانُ العربَ المسلمين أبناء عمومتهم للتخلّص من المظالم التي كانوا يتعرّضون لها سواءً من الفرس أو من الرومان و لعبوا دورًا بارزًا في قتل المرزبان الفارسي فالذي قتله كان شخصًا سريانيّاً.
بقيت المنطقة تحت حكم العرب المسلمين لغاية سقوط الخلافة الإسلاميّة و مجيء المغول و التتار الذين دمّروا كلّ المعالم المسيحيّة في هذه المنطقة و كانت في أغلبها سريانيّة, فتمّ التهجير القسري لهم و القتل و تخريب الأديرة و الكنائس و هدمها مما اضطر هؤلاء للهرب أو هم قُتلوا على أيدي الغزاة ففرغت المنطقة من السريان في تلك الفترة لكنّ أديرتهم التي كانت منتشرة في كلّ قرية و بلدة ظلّت شاهدًا على وجود السريان و هم سكان هذه البلاد الأصليّون, لجميع بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا).
إنّ السّريان هم معلّمو العرب و الفرس و غيرهم من الشعوب الأخرى, فعن طريقهم انتشرت الترجمة و النقل و الكتابة و كان للغة السريانيّة تأثير مباشر و واضح على القرآن الكريم نقسه في الكثير من مفرداته. و لا يمكن ان يكون كلّ هذا التأثير اللغوي و الثقافي و الحضاري عفويًّا أو ألّا يدلّ على حضور فعلي فاعل للسّريان في هذه المناطق و هي مناطقهم الأصلية, لقد ظلّ تأثيرهم و المؤشّر على وجودهم في بلادهم واضحًا لا يستطيع نكرانه أو إغفاله كلُّ صاحب عقل.
و بلدة آزخ كانت مركز الثقافة و الفكر السّرياني بحكم وجود السريان فيها منذ أيام ملوك الرّها الذين امتدّ حكمهم إلى تلك المناطق و كان في آزخ أحد أمراء هذه الأسرة الحاكمة في الرّها حين حضر إليه كلّ من أدّى و أجّى التلميذين اللذين حملا منديل المسيح لأمير الرها المصاب بالبرص فشفي على إثر ذلك.
يقع البعض في خطأ تاريخي قاتل حين يتوهّم أو يعتقد بأنّ وجود السّريان في ديريك هو ناجم عن الهجرة التي حصلت عقب أحداث السفر برلك و مجازر الترك بحق مسيحيي تركيا من جميع الطوائف قبل و بعد 1915 م. إذ أنّ الحضور السرياني – المسيحي كان واضحًا قبل ذلك بأزمنة طويلة و ما يدلّ على ذلك كما قلنا هو وجود هذه الأديرة التي لا تُحصى في جميع هذه القرى و البلدات التي تحيط بآزخ و منها بره بيت و ديرك و مزره و غيرها. إذ لا يُعقل أن تكون هذه الكنائس بُنيت من نفسها بل أنّ هناك شعوبَا بنتها و سكنت بالقرب منها لتمارس حياتها الاجتماعية و الاقتصادية و الدينية. و الأديرة موجودة منذ آلاف السنين فالدير الموجود في ديريك القديمة و الذي إليه تعود تسمية ديريك كان معبدًا وثنيًّا قبل أن يتحوّل إلى دير في المائة الثالثة للميلاد و حين جاء تيمورلنك دمّره كما دمّر غيره من الأديرة في جميع هذه المناطق و كلّها كانت للسريان الذين سكنوها و عاشوا فيها لسنوات طويلة من الزمن.
أجل قد تكون هذه الهجرة هي الهجرة الأخيرة لهذا الشعب السرياني إلى أرضه التي هي ملك الأجداد الأوائل و هي جاءت بفعل التهجير القسري الذي تعرّضت له الشعوب السريانية (سريان و ىشوريون و كلدان) في تركيا فهم عادوا إلى مواطن أجدادهم ليسكنوا قريبًا من مواطنهم التي غادروها و هم يحلمون بالعودة إليها في يوم من الأيام.
إنّ اسم سوريا يشير إلى السّريان بوضوح تام و منذ الألف الأولى قبل الميلاد و يدلّ على أنّهم سكان البلاد الأصليّون و يُذكر أنّ السريان في هذه البلاد ساعدوا هرقل الروم ضد الفرس و حين قدم السريان إلى ديريك و القامشلي يكونون بهذا قد عادوا إلى موطن الأجداد فهم ليسوا بغرباء عن هذه الأرض و بالدخلاء إنّهم عادوا إلى المكان الذي تمّ تهجيرهم منه بالقوة و بفعل الخوف من أعمال الإبادة التي كان يمارسها الغزاة بحقهم دون رحمة و لا شفقة.
عاد قسم من سريان تركيا إلى ديريك و القامشلي حيث تمّ بناؤها سنة 1925 و كانت ديريك حينذاك قرية لا يتجاوز عدد بيوتها العشرة. أما اسم ديريك أو ديرك أو ديركه فمهما كان لفظ هذه التسمية فهي أولّا و أخيرًا تُشير و بوضوح إلى هذا الدير الذي قام تيمور لنك بتدميره و تخريبه فاسم ديريك هو من اسم الدير و هو يشير إلى الدير بوضوح أمّا تسمية ديركا حمكو فلا أعتقد بصوابيتها إذ لا يُمكن لشخص مسلم أن يبني ديرًا أو يُنسب له اسم دير مسيحي سرياني. إنّ هذا غير منطقي بحكم العقل و المنطق و غير دقيق بسبب تسمية الدير الذي يعود تاريخه لما قبل المسيح, فهو كان معبدًا وثنيًّا كما قلنا من قبل. و ليس من المعقول كذلك القول بأنّ اسم ديريك جاء من كونها كانت عبارة عن مستنقعات فما هو الرابط و الترابط اللفظي بين كلمة المستنقعات و كلمة ديريك من حيث المعنى؟ إنّه افتراض غير منطقي و غير معقول.
عندما انسحبت فرنسا من تركيا في سنة 1922 هاجر معها الكثير من الأسر السريانيّة من تركيا بواسطة السفن متوجهين إلى لبنان فمنهم من بقي في لبنان و منهم من تابع إلى حيث ديريك و القامشلي و عين ديوار و سكنوا فيها من جديد لوجود الفرنسيين هناك منذ سنة 1919 حيث كان بداية الاحتلال الفرنسي لسورية.
تقع ديرك في أقصى الشمال الشرقي وتتبع محافظة الحسكة إدارياً . تتمتع المدينة بموقع استراتيجي هام من حيث وقوعها في المثلث الحدودي بين سوريا والعراق وتركيا. و هي تبعد مسافة 190 كم عن مدينة الحسكة ، و90 كم عن القامشلي ، ونحو 900 كم عن العاصمة دمشق . تقع على ارتفاع /422/م عن سطح البحر. أصل الاسم القديم للمدينة (ديريك) إلى اللغة السريانية (ديروني) وتعني (الدير الصغير) ، نسبة للكنيسة الواقعة شرقي هذه القرية قديماً التابعة لأبرشية بازبدي . مركزها آزخ التابعة للإمبراطورية الفارسية قبل الميلاد يحدها من الشمال نهر الدجلة ومن الجنوب برية جبل سنجار (الرد حاليا) ومن الشرق جبل جودي ومن الغرب طور عبدين ومن الجهة الشرقية لآزخ وعلى بعد ثلاثين كيلو متراً وجنوب جزيرة ابن عمر بعشرين كم .
بعد دخول القوات الفرنسية إلى سوريا وانتدابها عليها 1920 م بدأت بمشروع رسم الحدود لهذه الدولة الناشئة من خلال المفاوضات مع بريطانيا من جهة ، ومع الحكومة التركية الجديدة التي قامت على أنقاض الدولة العثمانية ، وكانت نتيجة اتفاقية رسم الحدود بين سوريا وتركيا الموقعة في عام 1928م أن تم ضم منطقة (ديريك) إلى سوريا ، فأصبحت منطقة إدارية مركزها قرية (عين ديوار) لغاية 1941
وبموجب المرسوم 1414 بتاريخ 18 تموز 1933 أصبحت قرية ديريك بلدة وتم إنشاء البلدية فيها.
في عام 1936 م تم تحويلها إلى قائمقامية وأستبدل اسمها من ديريك إلى (قائمقامية الدجلة) و على هذا الأساس تمّت تسمية مدرسة السريان بديريك بادئ الأمر باسم (مدرسة الدجلة).
عام 1938 م حولها الفرنسيون إلى مركز المنطقة ، ونُقل إليها مقر المستشار الفرنسي الذي كان قائماً في بلدة (عين ديوار) والتي تراجع دورها بعد ذلك وتحوّلت إلى قرية صغيرة .
بموجب المرسوم 346 بتاريخ 24 آذار 1957 تم استبدال اسم المدينة وأطلق عليها تسمية المالكية نسبة إلى العقيد عدنان المالكي.
انسحب الجيش الفرنسي من سورية عقب دخول الجيش الإنكليزي إلى سورية عن طريق الأردن و العراق فتمّ أسر جنود فرنسيين و تسريح الكردموبيل (حرس الحدود) عندها تمّ النزوح السكاني من عين ديوار إلى ديريك و بعد العودة الثانية للفرنسيين استتبّ الأمن و عاد الناس إلى ممارسة الأعمال التجارية و الأنشطة الأخرى المختلفة فتوسّعت ديريك أكثر و انتشرت زراعة الكروم عن طريق أهل آزخ السريان فهم من عشّاق الكرمة و خبراء في فنون زراعتها و التعامل معها فلقد حوّلوا ديريك إلى جنة من حولها كروم العنب تكاد تحيط بها من كل الجهات, و الشعب السرياني الآزخي نشيط و عامل مجدّ. انتشرت بعض المهن في ديريك كالحدادة و النجارة و الحياكة و الخياطة و الحلاقة و دكاكين السمانة و الخردوات و الخضروات و الفنادق و المقاهي و الأفران و انتعشت الحركة الاقتصادية بشكل ملحوظ و صارت ديريك مركزًا تجاريًّا نشطًا لجميع سكان القرى المحيطة بها, و ظهرت بيوت الباتون و الحديد المسلح بعدما كانت تقتصر على بيوت اللبن و الطين. بنيت فيها المدارس على اختلاف أنواعها الدراسيّة من ابتدائي و إعدادي و ثانوي بعد ذلك ثم معاهد الحرف اليدوية و الصناعيّة و زاد اكتشاف النفط في حقول رميلان من ثراء البلدة و من حركة عمل نشيطة لبناء ديرك في الحقول و غيرها.
كما انتشرت الأحزاب السياسية في ديريك فانتسب إليها السريان و شاركوا في الحياة السياسية من خلال ممارسة أنشطتهم السياسية و هم توزّعوا بالانتساب إلى أحزاب سياسية مختلفة و أحيانًا متصادمة, كما ساهموا مساهمة كبيرة في المجال الإجتماعي و الثقافي فكان لهم دورٌ بارز في الحياة السياسية و المعارك الانتخابيّة التي كانت تجري في الخمسينات و الستينات و السبعينات من القرن الماضي و في خضمّ المعارك الانتخابيّة التي كانت تجري في تلك اليّام كان الصّوت السرياني الآزخي بثقله و وزنه هو الذي كان يرجّح أغلبيّة هذا الطرف أو ذاك في إمكانية غيصال مرشّحه إلى مجلس الشعب, كان يومها الصراع الانتخابي محتدمًا بين العرب و الكرد و كان سريان ديريك على الأغلب يقفون إلى جانب المرشح الكردي من خلال ممارسة اللعبة السياسيّة الديمقراطيّة بالرغم من وجود بعض التجاوزات كشراء الأصوات و غير ذلك في تلك الانتخابات. و قد وقف سريان ديريك إلى جانب نايف باشا و لأكثر من مرة و أوصلوا مرشحيه إلى مجلس الشعب على دورات متعددة, و ما قيام نايف باشا بتقديم تبرّع لبناء كنيسة مارتشموني في ديريك سوى ردّ الجميل لسريان ديريك و لا أعتقد بأنّها كانت صفقة بين الطرفين لقاء وقوف سريان ديريك الآزخيّون إلى جانب مرشح نايف باشا الكردي. و من المهمّ القول بأنّ سريان ديريك كانت لهم علاقات طيّبة و جيّدة مع العرب و الكرد و مع كل مكوّنات المجتمع الدركي لهذا عُرف عنهم التسامح و كانوا دائمًا يحظون باحترام الكرد و العرب على السواء.
لقد شغر السريان وظائف هامّة و سياديّة في ديريك و لعقود طويلة منها رئاسة البلدية و المخترة و إدارة المدارس و المؤسسات الأخرى و رئاسة المركز الثقافي و تخرّج منهم الأطباء و المحامون و المهندسون و المعلمون و كان السريان يتفاعلون بفعاليّة و فاعليّة في الحياة الاقتصادية و الثقافية و السياسيّة و الاجتماعيّة في ديريك, و لعب مجلس الملة لطائفة السريان الأرثوذكس دورًا هامًّا في حياة المجتمع الديركاوي بحكم واقع الثقل السكاني الكبير الذي كان عليه السريان ف 95 بالمائة من الحركة التجارية و الاقتصادية كان يملكها السريان و كان التعامل مع المكوّنات الأخرى في ديريك على أساس احترام الآخر و عدم التدخّل بشؤونه أو محاولة الاعتداء عليه أو أي تجاوزات أخرى ليست من شيم و أخلاق الشعب السرياني الآزخي الواعي و المثقف و المنفتح.
إنّ السّريان في ديريك كانوا يحترمون رجال الدين و ينصتون لنصحهم و إرشادهم و توعيتهم, عملًا بمبدأ الإيمان الكبير الذي هم عليه و كانوا هكذا أيضًا عندما كانوا في آزخ و غيرها من بلدات طور عبدين الأخرى يحترمون رجال الدين و يحبّون دينهم و طائفتهم و يتمسّكون بها. و ظلّ السرياني يواظب على زيارة الكنيسة في المناسبات الدينيّة المختلفة و كان شعبًا متماسكًا حين يمرّ شخص سريانيّ بموقف أو أزمة فهم كانوا يقفون إلى جانبه و نذكر هنا بفخر بعض هؤلاء منهم كوركيس رشكو المعروف بجهاده في سبيل الفقراء و المحتاجين و كيف كان يصرف من ماله على الغير و كذلك القس كبرو جمعة و رجال آخرون كثر. السرياني شهم و غيور و محبّ. و كان الكلّ يتشارك بمناسبات الأفراح و الأحزان و غيرها من المناسبات. كما كانت روح مشاركة الآخرين من الطوائف و القوميّات الأخرى قائمًا على نحو جميل و متناغم و رائع يُضرب به المثل.
يجب ألّا ننسى مناسبة هامّة للغاية لدى السريان في ديريك و هي شيهر بره بيت أو عيد العذراء على السنابل فهو يصادف يوم 15 أيار من كل عام و هذه المناسبة هي ظاهرة اقتصادية بامتياز و يشارك فيها الكثير من أبناء ديرك و القرى المجاورة لها و البلدات بل و المدن الأخرى, حيث تُذبح الذبائح في قرية بره بيت حيث توجد الكنيسة و هي دير قديم أعيد بناؤه من جديد بعدما قام تيمور لنك بتدميره و تدمير كل أديرة و كنائس المناطق التي احتلها ذلك الغازي.

يتبع القسم الثاني و الأخير