البحث في تاريخ الموسيقا السورية ( السريانية ) ( 13)

البحث في تاريخ الموسيقا السورية ( السريانية ) ( 13)

أصديقائي وأحبائي القراء من متابعي الموسيقا السريانية مرحبا واهلا بكم . في هذه الحلقة من بحثنا في جذور كلمة يا ( ليل ) ، سنحاول ان نختتم ما وصلنا اليه بعد ان عرفنا المصادر التي انحدرت منها هذه الكلمة القديمة الاكادية والسومرية الاصل ، وكيف اشتقّت وتتطوّرت وتفرّعت منها عدة كلمات شرحناها آنفا في الحلقة السابقة (12) ،

ولكن ما نريد الوقوف عنده في اهمية كلمة يا( ليل ) ، هي أهميّتها في ( النبرة الايقاعية accent) , والتأكيد والضغط على التنغيم او الترنيم الايقاعي ( the accent intonation ) وخاصة كما ذكرنا سابقاً في فن تلحين الموشّحات ( مشوحتو ܡܫܘܚܬܐ موشح ، مسح ،مساحة ، مسّاح ، قياس ، مقياس ، كيل ) ونقصد هنا الموشّحات السريانية الكنسية وايضاً العربية و التركية الكلاسيكية . لنأخذ مقطعاً من موشح سرياني كنسي ( زوديق دنيهوي – ܙܕܩ ܕ ܢܗܘܐ يجب ان يكون ) وهو من (المقام الاول – ܩܕܡܝܐ ) ويعادل الجنس الاول الادنى لمقام البيات على درجة الره ، ووزن الموشح هو ( 5 على 8 ) من نوع ( المقياس المركب the compound measure ) . ولكي نتثبّت من رأينا ، فما علينا الى إدراج بعضاً من النص السرياني الكنسي وهو كالتالي ( ܙܕܩ ܕܢܗܘܐ . ܕܘܟܪܢܐ ܠܡܪܝܡ ܐܡܗ ܕܒܪ ܐܠܗܐ . ܕܫܘܬ ܕܬܛܥܢܝ . يجب ان يكون تذكاراً لمريم والدة الله . التي استحقّت وحملت ) . هنا نجد كلمتان اولهما هي ( دنيهوي ܕܢܗܘܐ ان يكون ) وفيها امتدّ (النغم المرنّم intonation) من بعد ( الواو والالف ܘܐ ) الى ( يي – إي . Ye Ee ) ونفس الشئ يتكرّر في كلمة ( دتيطعان ܕܬܛܥܢܝ ان تحمل او حملت ) اي في الاحرف الاخيرة للكلمة ( العين والنون متحركين والاخير ساكن – …عان …ܥܢܝ ) فتُغنّى وتُرنّم ( دتيطعان- ما -ها . Ma Ha ) . مما شرحنا اعلاه بشكل مركّز ومختصر لتكملة الشعر الذي ينقص للركوز على اللحن وعلى وزن الايقاع والمقياس الذي هو( 5 على 8 rhythm – measure ) . فالمعادلة والخلاصة من ذلك نجدها في ( ما -ها ، Ma Ha ) و ( يي – إي ، Ye Ee ) وكذلك احياناً ( مو – هو ، Mo Ho ) في الموشّحات السريانية الكنسية والتي تُنشَد ولغاية اليوم . فمن الطبيعي ان يعادلها في الموشّحات العربية وحتى التركية كما قلنا سابقا كلمة يا( ليل ) العريقة الجذور ومشتقاتها كي تُكمّل الوزن الناقص في الشعر الذي لاتكفي تفعيلاته على الايقاع المركب الطويل ولا كذلك على اللحن الراكز عليه ، فالنتيجة الطبيعية هي هذه الكلمات المشتقّة وتقريباً مرادفة للمعنى وهي ( ليل ، ياليل ، ياعين ، يالاللي ، امان ، جانم ، يالا لا لا ، الخ … ) . أعزائي القراء هناك امثلة كثيرة ، سآتي لشرحها مفصلاً ولاحقاً في باب خاص عن الموشّحات والايقاعات السريانية والعربية والتركية والمقارنات التي بينها . الان عودة الى كلمة يا( ليل ) العريقة الجذور ، وشرحها من عدة مصادرعربية ومنها في مجلة ( روضة البلابل ) الموسيقية الشهرية الصادرة في اول ابريل لسنة 1922 ، ولصاحبها ومدير تحريرها الموسيقار اللبناني اسكندر شلفون ، بحيث يصف كلمة يا( ليل ) في مقالة ادبية رائعة ومطوّلة ، إخترنا من تلك الخواطر هذه المعاني : وإذا قال المغنّي ( ياليل ) فهو انما يريد ان يقول : ياليل ماأجملك وما أحلاك ! ياليل انت مطلع البدور ومسرح الكواكب ! ياليل ما أجمل بدرك وما أبهى نجومك ! ياليل ان في سوادك لحكمة آله وفي صمتك لعظمة آله ! ياليل انت رمز الرموز وسرّ الاسرار! ياليل انت موئل الشاكي وملجأ الحائر الباكي ! ياليل انت برقع الوجود ورمز الخلود ! ياليل فيك تحلو القبَل ويطيب العناق ! ياليل ما اصعبك على العاشق المفارق وما امرّك على المغرم المهجور ! فيك ياليل ازفّ الى عروسي الجميلة الطاهرة العذراء النقية المكلّلة بالزهر ! فيك ياليل اضمّ معبودتي الى صدري المحترق ضمّة تزيل عن طالعي الشقاء وتُفسّر لي اجمل معاني الخلود ! فيك ياليل أغني . واسمع من يغني . فتنتعش روحي ويتغذى قلبي . مثلما في النهار انتعشت قواي وتغذّى جسمي ! فيك ياليل يحلو السمر والمنادمة ! فيك ياليل أحادث نفسي وتُحادثني ! فيك ياليل أخلو من احاديث نفسي واناجي مصباح آمالي ! هذه كانت مقتطفات من مقالة وخواطر رائعة طويلة جدا اختصرناها فقط ، لتبيان ما مدى عمق كلمة يا( ليل ) وجذورها التاريخية وكيف تطوّرت من الحضارات القديمة مثل سومر واكاد ، وكيف دخلت ووصلت الى مختلف اللغات السامية من اكادية ( بابلية آشورية ) وارامية وعبرية واخيرا في العربية ، و كذلك نجدها أي يا( ليل ) دائماً أساساً مهماً للغناء في مختلف الانغام والسلطنة في المواويل والموشّحات والاغاني الشرقية . المصادر: الموسيقى السورية عبر التاريخ ، كبرئيل أسعد ، طبعة 1990، صفحة 36 موشح قدمويو ܙܕܩ ܕܢܗܘܐ زوديق دنيهوي . مجلة روضة البلابل لسنة 1922 ، اسكندر شلفون القاهرة . والى اللقاء في الحلقة القادمة ……