البحث في تاريخ الموسيقا السورية ( السريانية ) ( 10)

البحث في تاريخ الموسيقا السورية ( السريانية )  ( 10)

أحبائي القرّاء ، في هذا الجزء من هذه الحلقة من الغوص في ثنايا واعماق موسيقانا السريانية الاصيلة . كان لابد لنا من الوقوف عند لون من الوان الغناء الشرقي القديم ، كان ولا يزال مستحبّاً لغاية اليوم في جميع المناسبات والسهرات والحفلات في شرقنا الحبيب ، وخاصة في بلادنا العراق ولبنان وفلسطين وسوريا ، وعلى وجه الخصوص مدينة حلب التاريخية المعروفة والمشهورة جدا بموشحاتها وقدودها ومواويلها ومقاماتها وايقاعاتها ذات الاوزان المركبة الاصلية .

 

وهذا اللون الموسيقي الذي سيكون جزأً من بحثنا اليوم ، وهو الموال والغناء بكلمة يا (ليل) المعروفة لدى الجميع من مستمعي ومتذوّقي الموسيقا الشرقية في الشرق الاوسط . أتذكر ذات مرة وأنا صغيراً ، ان روى لي والدي الموسيقار الراحل كبرئيل اسعد (1907-1997) عن حياته الموسيقية ، حينما كان شاباً يعزف على الة الكمان ( الكمنجة ) مع فرقة موسيقية مؤلفة من مطرب ومنولوجيست وعازفين مصريين متواجدين في فلسطين ، وذلك في الفترة مابين ( 1931ولغاية 1936) . وايضا كيف استقرّ الموسيقار كبرئيل ردحاً من الزمن في فلسطين ، باب رزقه كعازف محترف على الكمان مع مختلف المطربين والمطربات القادمين من سوريا ومصر . ومن بين هؤلاء المطربين على سبيل المثال ذكر لي : – امين حسنين وهو مطرب مصري كبير معروف منذ العشرينيات من القرن الماضي قبل ان يشتهرالمطرب و الموسيقارالشهير محمد عبدالوهاب . اشتغل الموسيقار كبرئيل فترة طويلة مع المطرب امين حسنين كقائد لفرقته . – صالح عبد الحي وهو ايضا مطرب مصري من الكبار ومن اركان المعهد الموسيقي في القاهرة وقبل الموسيقار عبدالوهاب ايضا . عزف كبرئيل ليلة واحدة مع المطرب صالح عبد الحي . – ماري جبران وهي تُعدّ من اكبر المطربات السوريات على الاطلاق . عزف معها كبرئيل ليلة واحدة . – زكي مراد واسمه الحقيقي زكي موردخاي ، وهو يهودي مصري ووالد المطربة الكبيرة والنجمة السينمائية المعروفة ليلى مراد ، كان ذائع الصيت وله اسطوانات مسجلة . لقد عمل زكي كمطرب في فلسطين حين التقى الموسيقار كبرئيل اسعد في حفلة ، وهنا يأتي مقصد حديثنا من هذه الرواية التي رواها لي والدي ، بأنه طلب منه اي المطرب زكي مراد ان يقسّم على الكمان تقاسيماً كي يسلطن على الليالي والمغنى تماماً ، وفعلاً قسّم كبرئيل على الكمان من المقام المطلوب ، وانطلق المطرب زكي مراد في غناء الليالي الشجيّة وعلى سجيّته ….ولكن هذه المرة – كما روى كبرئيل – اختلفت كلمة يا ( ليل ) عما كان متعوداً ان يسمعها من مختلف المطربين الذين عمل معهم ، اختلفت الكلمة في الغناء الحرّ- الذي هو بدون ايقاع – الى كلمة اخرى وهي يا (ايل ܐܝܠ الله ) . وعلى هذا الحال استمرّ زكي مراد في أداء مواله واعاد وزاد وسلطن في كلمة يا ( ايل ) في السهرة ، فطبعاً هنا احسّ والتفت مقسّم الليالي كبرئيل بالمعنى والشجن العميق لهذه الكلمة يا (ايل ) بدلاً من يا (ليل ) اي بحذف حرف ( اللام ) الاولى من كلمة ( ليل ) وكذلك لم يجد الفرق في جذر يا ( ايل ) في اللغات ( ايل ܐܝܠ بالعبرية والوهو- الاها ܐܠܗܐ بالسريانية والله بالعربية ) . فوجد المعنى واحدا في ( ايل ، الوهو- الاها – الله ) ! . إذن ما هي قصة الغناء بكلمة يا ( ايل ܐܝܠ ) عوضا عن يا (ليل ) ومن اين جائت وما هي جذورها التاريخية ؟ للإجابة على هذا السؤال ، هناك عدة مصادر وبراهين ، سنشرحها تدريجياً وبشكل مفصّل لاحقاً . أولاً وكأقدم مرجع تاريخي لنا في جذور هذه الكلمة يا ( ليل ) ، هي من الكلمة الاكادية ( إليلو- ܐܠܝܠܘ elilu ) وهي بدورها كلمة مستعارة من السومرية ( sumerian elil ) وتعريفها نوع من الغناء ( A type of song ) . وصلت الينا من العصر البابلي الوسيط . يفيد معنى كلمة ( ايليلو elilu – ايليل elil ) في غناء اغاني الفرح و الحزن والعويل .The Archaemusicology of the Ancient Near East, Richard Dumbrill 2005 . page 406 elilu in Middle Babylonian. A Sumerian loanword elil. A type of song ,( two elilu-songs, one following the other ) . ( one moment he sings a joyous song in the next he wails like a mourner ). والى اللقاء في الحلقة القادمة ….