البحث عن القومية- الأب المؤرخ ألبير أبونا

البحث عن القومية

دارت نقاشات و نُظمت ندوات و عُقدت مؤتمرات حول تسمية المسيحيين، او بالأحرى حول الاتفاق على قومية مشتركة تضمُ جميعّ فئات المسيحيين، ما عدا الذين ينتمون الى الآصل العربي. لكن الخلاف، او الاختلاف مايزال قائماً، والآراء ما تزال متباينة و متشعبة، فهناك القائلون انهم “اشوريون”، و غيرهم يقولون انهم “كلدو- اشوريون”، و آخرون يصّرون على انهم “كلدان”، و غيرهم انهم “سريان”… الى غير ذلك من التسميات. و كل فئة تحاول تقديم الدوافع التي تبرّر ادّعاءاتها. و نحن لا نريد هيمنة فئة مسيحية على الفئات الأخرى، كما لا نرضى بأي نوع من التسميات التوفيقية غير الموفّقة، مثل تسمية “الكلدو اشوريين”

التي أطلقت إرضاء لبعض الفئات و تهدئة الخواطر. فما نتمنّاه هو أمة موحّدة تحت اسم واحد و قومية واحدة، و ذلك ليس لخلق قوة سياسية تسعى الى السيطرة و فرض الذات، بل ترمي الى الحصول على حقوقها الشرعية كاملةّ في هذا الوطن الواحد الذي على الجميع ان يجنّدوا طاقاتهم و امكاناتهم في سبيل النهوض به من كبوته المؤقتة المؤسفة، و ليس استغلال هذا الضعف الطارىء للحصول على اكبر قدر من المكسب، على حساب الفئات الوطنية الاخرى.

و اني هنا احاول توضيح بعض النقاط التاريخية و تسليط الأضواء على الأقوام او الشعوب التي لعبت دوراً مهما في بلاد بين النهرين منذ الألف الثالث قبل الميلاد، لعلّنا نصل الى استنتاجات تساعدنا للكشف عن حقائق جديدة تتعلق بقوميتنا الحقيقية.

1 – الآشوريون

إنهم اقوام سامية ظهروا في مابين النهرين و احتلوا القسم الشرقي منها، بعد انقراض السلالات الكبيرة، أمثال “اور” ولكش والأكديين الذين انقرضوا في سنة 2200 ق.م… بعد ذلك بقليل، أي في نحو سنة 2150 ق.م.، شاهدت المنطقة نهضة الدولة السومرية بزعامة “كوديا” في لكش. و تبعتها عن كثب سلالة اور الثالثة (2111-2003 ق.م.). و حينما سقطت الدولة السومرية سنة 2003 ق.م.، استولى الاموريون على زمام السلطة في المنطقة. و في سنة 1900 ق.م.، تمّ تأسيس بابل، في حين ظهرت الدولة الآشورية الاولى في الشمال ( 1815 – 1782 ق.م.)، بزعامة شمش اداد الأول. و في تلك الغضون، كانت الدولة البابلية الاولى تنعم بالاستقرار والرخاء والازدهار في ظل ملكها العظيم “حمورابي” (1792- 1750 ق.م.).، إلا ان الحثيين استطاعوا ان يحتلوا بابل منذ سنة 1594 ق.م. و يسيطروا عليها سنوات طويلة.

اما الدولة الاشورية الوسطى (1365- 1020 ق.م.)، فكانت تواصل مسيرتها و كفاحها، و هي تفلح تارة و تخفق اخرى. و تمكن الآشوريون في هذه الفترة من تدمير بابل على دفعتين، الاولى سنة 1234ق.م.، و الثانية سنة 1087 ق.م. و قويت شوكة الدولة الآشورية الحديثة، و ازدادت قوة و بطشاً طوال نحو اربعة قرون ( 1020 -612 ق.م.). إلا ان الدولة البابلية الحديثة استيقظت من غفوتها سنة ( 646 – 539 ق.م.)، واستطاعت ان تستولي، بمساعدة جيرانها الآراميين، على نينوى عاصمة الآشوريين الكبرى، و ان تدمّرها سنة 612 ق.م.، و بذلك قضت على الامبراطورية الاشورية الشهيرة قضاء مبرماً، ريثما تسقط بابل بدورها سنة 539 ق.م. بأيدي الفرس الذين لقوا بدورهم مساعدة فعّالة من الدويلات الآرامية المنتشرة جنوبي ما بين النهرين.

هذا هو تاريخ الاشوريين باختصار. لاشك انهم اشتهروا بالقوة و البأس و بالفنون الحربية و الأسلحة و الآليات المتوفرة في ذلك الزمان، و دوّخوا الدول و البلدان المجاورة، و امتدت فتوحاتهم حتى البحر المتوسط غرباً وبلاد ” اورارتو” شمالاً و المنطقة البابلية جنوباً. إلا ان هذه الفتوحات الصاعقة كانت تخلّف عند انسحابها السريع شعوبا سرعان ماتستعيد نشاطها الاعتيادي و عداء ها القديم للامبراطورية الاشورية، و تسّبب لها الكثير من المشاكل التي كانت احياناً تؤدي الى ثورات في البلاط الاشوري نفسه.

وماذا كان مصير الاشوريين بعد سنة 612 ق. م.؟

لقد اراد البابليون ان يقضوا على جيرانهم الشماليين قضاء مبرمّا، انتقامّا لما اقترفوه ضد بابل في القرنين الثالث عشر و الحادي عشر قبل الميلاد. فلم يكتفوا بتدمير عاصمتهم الشهيرة نينوى، بل شرّدوا الشعب الاشوري الذي كان يفتخر يوماً بكونه شعباً لا يُقهر. ففَقد الاشوريون وحدتهم الكيانية وتشردّوا في مختلف البلدان، و اندمجوا شيئاً فشيئاً في الشعوب المجاورة، بل ذابوا فيها على مرّ الزمان، بحيث لم يبقَ لهم ذكر في التاريخ، و زالت معهم لغتهم و كتابتهم الجميلة، إلا ما بقي منها منحوتاً في الآثار القديمة التي تمّ اكتشاف الكثير منها في القرن التاسع عشر. فهل واصل العرق الاشوري وجوده واستمرايتة؟ و هل تمّ ذلك عن طريق فئة قليلة من الناس الذين فرّوا من الاضطهادات و لاذوا بالجبال الشمالية من العراق او تركيا، و اعتصموا بالكهوف و الاماكن الوعرة، و قالوا انهم من سلالة الاشوريين، و حاولوا مرات عديدة دون جدوى ان يشكّلوا لهم كياناً سياسياً خاصا بل دولة، بل امبراطورية على غرار الامبراطورية الاشورية القديمة. و لكن هيهات! و هل في وسعهم ان يقدّموا البراهين التاريخية والعلمية الكافية على كونهم من أحفاد الاشوريين؟ و هل لغتهم الحالية تبرهن عن ذلك؟

2- الكلدان

ظهر في الألف الاول قبل الميلاد أقوام أُطلقَ عليهم اسم “الكلدانيين”، و كانوا يشكّلون جزءا من المملكة البابلية و يسكنون منطقة تقع جنوبي بغداد الحالية سُميت “كلدو” او “كلدي”. و عاشوا هناك فترة زمنية محدودة، ثم اندمجوا في الشعوب المجاورة، و قد أطلق على هذه المنطقة في زمان لاحق اسم “بيث ارامايي”، لأن العنصر الآرامي كان المتغلب فيها.

أما تسمية شريحة من المسيحيين باسم الكلدان، فانها تسمية خاطئة و غير موفُقة. و كلنا نعلم ان هذه التسمية أطلقت على فئة من المسيحيين المشرقيين حينما انتمت الى كنيسة روما في القرنين الخامس عشر و السادس عشر. فسماهم البابا “كلداناً” تمييزاً لهم عن اخوتهم أبناء كنيسة المشرق الذين ظلوا على معتقدهم الشرقي التقليدي. اما الذريعة التي حملت البابا على إطلاق هذه التسمية عليهم، فلأن منطقة “كلدو” الجغرافية القديمة كانت تحظى بكثافة سكانية من المسيحيين، و كانت قريبة من كنيسة “كوخي” التي تعتبر أم الكنائس في منطقة بين النهرين السفلى… لقد فُرض عليهم هذا الاسم فرضاً وتحمّلوه على مضَض، و هم ما يزالون يبحثون عن بديل له يشمل المسيحيين المشرقيين أجمعين.

3- الآراميون

إني لا أرمي هنا الى إثارة الاحاسيس او النعرات الطائفية، و نحن بغنى عن هذه المواقف السلبية في الظروف الراهنة.

قبل سنوات، كتبتُ في مقدمة كتابي “أدب اللغة الآرامية:” ظهر الآراميون في التاريخ منذ الألف الثالث قبل الميلاد كأقوام رحّل. ثم أخذت معالمهم تتوضح و قدمهم تترسخ، لاسيما منذ منتصف الألف الثاني قبل الميلاد، حيث شكّلوا دويلات انتشرت انتشاراً واسعاً في اعالي سوريا و ما بين النهرين، و نزحت فئات اخرى منهم الى جنوب البلاد البابلية الكلدانية. و بلغت هذه الدويلات ذروة مجدها و قوتها السياسية في القرنين الحادي عشر و العاشر قبل الميلاد، حينما دبّ الخمول في الامبراطورية الاشورية. إلا ان القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد شهدا تضاؤل قوة الآراميين السياسية، إذ استعاد الاشوريون بأسهم و راحوا يدكّون معاقل الآراميين الواحدّ تلو الآخر، و يبددون شملهم ويقضون على أحلافهم.

أجل، لقد ظهر الآراميين على مسرح التاريخ قبل ظهور الآشوريين والبابليين. و تمكنوا من تكوين دويلات عديدة في مختلف انحاء الشرق الأوسط، ابتداء من دولة سمأل و عاصمتها زنجرلي في أعالي سوريا. و تعددت الدويلات الآرامية في سوريا بزعامة دولة آرام الكبرى “ايمريشو” و عاصمتها الشام أي “ريش آرام” وهي دمشق. أما في اعالي بين النهرين، فهناك دويلات عديدة، منها نائيري و بيث زماني و بيث بخياني و بيث أديني و الدويلات الاخرى المنتشرة في اواسط بين النهرين و في أقصى جنوبها، أي في المنطقة التي سميت “بلاد البحر”، و هي منطقة الأهوار. و كانت هذه الدويلات تتحالف احيانا ضد عدو مشترك، و احياناً اخرى تُعير خدماتها للدول الكبرى ضد دويلات آرامية أخرى! و كان ضعفها يكمن في عدم اتحادها لتكوين امبراطورية كبيرة شأن الامبراطوريتين الاشورية و البابلية. و كانت تارة تؤدي الجزية للاشوريين، و طوراً تتجاهل وساطتهم و تعيش في شبه استقلال او حكم ذاتي… و قد اسهم الآراميون، بتحالفهم مع البابليين، في إسقاط الدولة الاشورية سنة 612 ق.م. كما اسهموا ذلك في أسقاط الدولة البابلية سنة 539 ق.م.، بالتعاون مع الفرس. و بعد سقوط الامبراطوريتين الاشورية ثم البابلية، ظل الآراميون في مواقعهم، و عرفوا ان يتكيفوا مع مختلف أنواع الشعوب التي تعاقبت في احتلال هذه المناطق…

أما اللغة الآرامية السهلة فقد انتشرت انتشاراً سريعاً و واسعاً، و استخدمتها الشعوب الاخرى مثل الاشوريين ثم الفرس، بجانب لغتهم الأصلية الخاصة بهم.

و حينما دخلت المسيحية الى بين النهرين، انطلاقا من اورشليم، لقيت منطقة اسروينا، و لاسيما في عاصمتها الرها (اورفا الحالية في تركيا) شعباً آرامياً يتكلم لغته الخاصة به. و لما اعتنق هذا الشعب الديانة المسيحية منذ القرن الميلادي الأول، أصبحت هذه اللغة الآرامية اداة للتعبير عن شعائره الدينية، بالاضافة الى كونها لغته المتداولة. و كذا الشأن مع المناطق الاخرى من بين النهرين حيث دخلت الديانة المسيحية. و من المؤسف أن آباءنا المسيحيين الاوائل، بتعصبهم الديني، رأوا في كلمة “آرامي” مرادفاً لكلمة “وثني”، فنبذوا هذه اللفظة و كل الكتابات التي جاءت في هذه اللغة الأصلية، وتبّنوا ألفاظاً اخرى متعددة.

أجل، كان الآراميون – و قد اصبحوا سكان البلاد المستقرين – الاوائل في تلقي البشرى السارة و تكوين الجماعات المسيحية الاولى التي تطورت بعد ذلك الى رعايا و الى أبرشيات في مختلف أرجاء البلاد، دون ان نلقى أثراً يُذكر لأقوام اخرى ما عدا المحتلين الفرثيين او الارشاقيين، ريثما يتم للساسانيين السيطرة على البلاد برمتها في الربع الأول من القرن الثالث.

و كان للمسيحيين الآراميين، كما قلنا، حضور مكثّف في المنطقة الواقعة جنوبي المداين التي سُميت منطقة ” بيث ارامايي”. و هي المنطقة التي كانت تُدعى سابقاً “كلدو” او “كلدي”. و لقد ظل المسيحيون الآراميون في بلاد بين النهرين، بالرغم من الاضطهادات التي تعرضوا لها عبر الاجيال الطويلة، و لم يترددوا في تقديم الألوف من الشهداء في سبيل الايمان. و لكنهم صمدوا ومايزالون صامدين في ايمانهم و تقاليدهم.

و هنا اتساءل بكل موضوعية و بدون أي تزمت : ألا نكون نحن، سكان هذه البلاد ، أحفاد هؤلاء الأقوام الآراميين؟ ولماذا لا تكون قوميتنا الحقيقية “آرامية”، و هي التسمية التي قد يكون من شأنها أن تضم جميع المسيحيين تحت خيمة واحدة، مهما اختلفت ميولهم و طوائفهم الدينية؟

 

 

 

اترك تعليقاً