الايام الستة …..مار يعقوب الرهاوي …..الجزء الخامس والاخير .

الايام الستة …..مار يعقوب الرهاوي …..الجزء الخامس والاخير .

اليوم السادس …..الذي خلقه الله على صورته

12341053_116733255365123_1596866386093716977_n

اتحاد النفس بالجسد…..
وحيث أن الحديث تناول بما فيه الكفاية. خلقة الله للعقل البشري. وما وهبه خالقه من معرفة وحكمة. واكتشافات العقل وأعماله المدهشة. وقوام الإنسان وتركيبه من نفس وجسد. وتسلسله عن طريق الزواج والحمل والولادة والنمو. وعن مختلف سني أعماره وعدد سني حياته. يجب. لا بل من الضرورة.

أن نضيف فنتحدث عن اتحاد النفس بالجسد. فمثلما أنها تحافظ على طبيعتها وخصائصها بدون امتزاج أو تبلبل أو اختلاط أو انصهار. وبعيداً عن كل تغيير أو تبديل. كذلك الجسد فأنه مستقل ومحافظ على خصائصه دون امتزاج أو تبلبل أو تغيير. نظراً إلى وحدتهما الحقيقية وتركيبهما الكامل. وكلاهما يشكلان وحدة باطنية غير منقسمة بصورة متشابهة ومتساوية وكأنها كلها شيء واحد بسيط وغير متغير. فهكذا تنسب إلى النفس آلام الجسد وكأنها من صلب طبيعتها. وتنسب إلى الجسد خصائص النفس وكأنها من صلب طبيعته. فينسب إلى النفس جوع الجسد وعطشه. وشهوة الأكل والشرب. والتعب والمرض والضعف والشعور بالبرد والحر وغيرها. فيقال عنها أنها تجوع وتعطش وتعاني المرض وتضعف وتتألم. وكذلك الجسد فأنه يهيج ويخاف ويفزع ويكتئب ويفرح ويفلح ويهش بنشاط للشجاعة والجبروت. هذه كلها تنسب إليه وكأنها من طبيعته وصادرة عنه وليست النفس هي مصدرها. ومثل هذه الأعمال لا تؤكدها النفس والجسد فقط عن طريق الأعمال المنظورة التي يأتيانها. أو العامة وتقليدهم الذين هم الآخرون يؤكدون ذلك. ولا الحديث المألوف الذي يدور حولها. ولكن الكتاب الإلهي أيضاً يشهد ويعلم هذه كلها. نهجاً على ما اعتادت إليه العامة. إذ يقول الروح المرتل: “اشبع الله النفس الجائعة “ و ” بالحديد قيدت نفس يوسف “. والذي يسرق لكي يشبع النفس الجائعة. اسرق. يقول سليمان: في حين أن النفس لا تجوع ولا تشبع بالطعام الجسدي ولا تقيد بالحديد ولا تتألم بسبب أي من هذه الأمور التي تنسب إلى الجسد فقط. ولكن هكذا ينسب أو يكتب كل ما هو للجسد على النفس. وما هو للنفس على الجسد. نظراً إلى وحدتهما الحقيقية والطبيعية التي عملها لهما الله خالقهما. والتركيب الذي يوفق بينهما في الوقت الذي هما بعيدان كثيراً الواحد عن الآخر سواء بالطبيعة أم بالخصائص المختلفة والمضادة. بما هو منظور أو غير منظور. بالحس والتعقل. بالجسد والروح. بالجسم ومن دون جسم. هكذا وحد الله خالقهما. الكلمة الخالق. النفس والجسد في وحدة حقيقية طبيعية وعجيبة وفائقة الوصف في حين أنهما شيئان مختلفان في الهدف وغير متساويين لبعضهما في الجوهر.

وهكذا فأن المبدع الحكيم والقادر على كل شيء. سبق وأعدهما متناسبين الواحد للآخر. ينسب ما لأحدهما للآخر ويجعله وكأنه له. ولئن يظن الخصوم بأنهما لا يشبهان بعضهما. سواء بالصفات أو الآلام أو أي شيء آخر. أو الأسماء أو الكلمات التي تشير إليهما. فأنه ( الله ) عمل هذه بحكمة وبشكل رمزي في آن واحد. حيث سبق وأعطى صورة موضحة ورمزاً مشابهاً لسر تجسده. فقد مهد الطريق وأعطى دليلاً على ما قيل عنه من كلام. فمثلما اتحدت النفس البسيطة والعاقلة مع الجسد المركب المحسوس اتحاداً طبيعياً دون امتزاج أو تبلبل. ونسب كل منهما لنفسه ما هو للآخر دون أن يعترض أحد. أو يشك في هذا. لأن العرف والكتاب يشهدان ويوافقان على هذا كما بينا. هكذا اللاهوت البسيط العاقل الأزلي وغير المخلوق. عندما اتحد طبيعياً وحقيقياً بالناسوت المركب والمحسوس والمخلوق. باتحاد طبيعي وأقنومي عجيب لا يحد. دون امتزاج أو تبلبل أو تغيير. حيث أعطى ما هو للناسوت. ونسب إليه ما للناسوت. تشهد على هذا أقوال الإنجيل المقدسة. وليس هناك من يعترض أو يشك من العقول التي تشترك بالمعرفة. فبكل عدالة تنسب إلى ناسوته القوات والأعمال العجيبة التي كان المسيح يصنعها من شفاء المرضى وطرد الشياطين واقامة الموتى. وأن آلام ناسوته ترتقي وجوباً إلى لاهوته. الجوع والعطش. النوم والتعب. الارتباك والضيق. الحزن والخوف. وكذلك الألم والصلب والموت وجميع الأشياء الأخرى المنزهة عن الملام والخطيئة. وكل روح هي من الله. تسلم وتعترف بهذا وتعرف يسوع المسيح الذي جاء بالجسد .

الهدف من خلق الإنسان والمصير
إلى هنا ينتهي الحديث المختصر والمحدود الذي قيل عن هذه. وفيه الكفاية لمن يعي كيف يسمع ويعترف. أما الآن فلنوجه حديثنا نحو هدفه. ونقول بلطف. كل ما يدور من كلام من جهة الإنسان. وأن ما يدور عنه هو ولا شك ضروري إذ يدور حول حياته في هذا العالم. وضرورياته فيه. ولماذا وضع فيه. وحتى متى يدع الله الإنسان في هذا العالم ؟ وعن موته وانحلاله منه. وعن بعث جسده من التراب. وقيامته. وعن يوم دينونة الجنس البشري برمته. وعن المجازاة المعروفة والمعترف بها التي تعطى من قبل العدالة لمن يستحق من المدركين والمعترفين. والتي تسميها الكتب المقدسة ملكوت السماء وجحيماً وناراً. عن هذه الأمور يدور الكلام في ما يخص الإنسان.

ما هو ضروري للإنسان
لقد أعطي الإنسان. مسلكاً في هذا العالم الذي جاء إليه. وقد أباح له الله المعني والمدبر – أوضح كلامي هنا بأقوال الكتاب الروحي – أن يعمل في أرض اللعنات التي طرح فيها ليأكل خبزاً من عشب الحقل بعرق وجهه. حيث يجني منها بالتعب والعناء والعذاب ما هو ضروري ونافع له فقط. فقد قال له: ” أنك تأكل منها بالآلام والأوجاع طيلة أيام حياتك. وتنبت لك شوكاً وحسكاً. وتأكل عشب الحقل. بعرق وجهك تأكل خبزك حتى تعود إلى الأرض التي أخذت منها. لأنك تراب وإلى التراب تعود “. لقد قرر الله للإنسان وأباح له فقط الضروريات التي تخص مسلكه في هذا العالم. وهذه الضروريات هي: أن يبني له بيوتاً من الأرض ليسكنها مع البهائم التي تخدمه. وبها يتقي برد الشتاء القارص. والحر في الصيف. ويجمع منها القوت الضروري له ولبهائمه. ويتزود منها بالأشياء الضرورية لسد حاجاته. مثل الحديد والنحاس وأمور أخرى تشبهها. ويعمل له ثياباً وكسوة منها ومن الحيوانات التي فوقها. ليتدفأ بها في زمن البرد ويغطي عري جسده. إجلالا للطبيعة وتخلصاً وتهرباً من العهارة .

هذه هي كما يبدو. الأشياء التي أباح بها الله سرياً للإنسان. من أجل سكناه على الأرض ومسلكه في هذا العالم. ولكي أجمل كلامي بكلام رجل حكيم أورد هنا ما يلي: ” أن العناصر الأساسية لحياة الإنسان هي الخبز والماء والكساء. والبيت لستر عورته “. وبناء على قول هذا الرجل الحكيم. فأن البيت والثياب هي ضرورية لستر عورة الإنسان. وليس من اجل الزينة والتبجح الفارغ والباطل الذي لا طائل تحته؛ إذ يزين باطلاً قبل سكانه. ببلاط ذهبية وأحجار براقة لماعة. وجهد لا جدوى منه. ولكي نعطي لكلامنا إيضاحاً أكثر عن هذه الضروريات. لا بد من إضافة شيء آخر هنا مناسب وضروري. من أقوال هذا الرجل الحكيم. فقد قال بهذا الصدد ما يلي: ” أن رأس كل الأشياء الضرورية لحياة الناس هو الماء والنار والحديد والملح ولب الحنطة والحليب والعسل وعصير العنب. والزيت. وأدوات الغطاء والملابس “. ويضيف سارداً أشياء أخرى مناسبة جداً. ليظهر أن هذه كافية للأتقياء وخائفي الله الذين لا يطمعون في أمور زائدة. ولئن يسعى الجشعون بجشع وراء أمور أخرى. فأنه يقول: أن هذه كلها خلقت صالحة للصالحين وخائفي الله. ولعنة وشراً للأشرار والأثمة. هذه فقط كانت الأشياء الضرورية لسكنى الناس في هذا العالم. أما الذهب والفضة وما يشبهها. فقد وجدت كنتيجة للطمع الشديد. وأثارت على الجنس البشري بل وحياته برمتها حروباً ومظالم وغيرها من الشرور الكثيرة. فأن جميع حاجات الإنسان قد سدت ولم ينقصه شيء حتى ولو لم تكتشف هذه. فليس هناك كلمة واحدة تشير إلى اكتشاف الذهب والفضة قبل الطوفان. حتى ولا ذكر لها إطلاقا. ومع ذلك لم تكن حياته في هذا العالم تنقصها حاجة. ولم تكن له حاجة ماسة إلى الذهب. أذن فليكن معلوماً: أن اكتشاف هذه ليس فقط دون فائدة. بل هو ضار ومسبب للشرور. وأن محبة المال هي أم وأصل كل الشرور كما دعاها القول الرسولي .

لماذا الإنسان في العالم ؟
إلى هنا يكون الحديث قد أوضح بإيجاز الأمور الضرورية لمعيشة الناس. أما لماذا وضع الإنسان في عالم العذاب والعناء والأمراض. بعد سقوطه وخطيئته؟ وعلى أية قاعدة تقرر هذا. وحتى متى يخضع لحكم هذا القضاء؟. فسنوضح هذه الأمور الآن بصورة سريعة. فالإنسان لم يرسل إلى هذا العالم ليمكث فيه أو يسكنه إلى الأبد. بل من أجل أن يؤدب فيه كالطفل في مدرسة التربية وتمحى خطيئته وذنب آدم وعصيانه بالكامل. ولكي يدرك عندما يتأدب. أن هذا العالم هو حقاً غابة البكاء وليس مسكناً. وساعة أحلام غير مستقرة أو مستمرة وليس كمال الأشياء. وإذا اعترف بهذا. غض نظر تفكيره عما هو هنا. وإذ ينظر نحو خالقه منتظراً خلاصه. فإنه يتشبث ويصمد دون تزعزع. على رغبة ومحبة الأمور الثابتة والباقية. هذا هو السبب الذي من أجله طرد الإنسان ووضع في هذا العالم. وقد امتد حكم القضاء بهذا المقدار حتى شمل الجنس البشري. لكي يعيش سوية وهو شقي ومعذب بشرور هذا العالم. في الحمل والولادة والتربية والضيقات والأوجاع والنزعات والآلام والأمراض وضعف الشيخوخة. ومن ثم بالموت وفساد الجسد. والبقاء في الأرض حتى اكتمال عدد المختارين المفرزين الموجودين في كيان الإنسان منذ خلقته. المعنيين والمعروفين لدى الله خالقهم. منذ بداية وجود الإنسان. وحين اكتمال هذا العدد. سينقطع فوراً نسل الجنس البشري وتتوقف مسيرة هذا العالم التعيس الشقي. وهذا هو سبب تيهان وغربة الجنس البشري الشقي في هذا العالم .

هذه هي حياة الإنسان في هذا العالم. لذا فأنها ستكتمل فيما بعد الموت والفساد في القبور. وانحلال وتلاشي أعضاء الجسد في الأرض. وتبديد عظامنا في الهاوية كما يقول المرتل. فسيرسل الجسد إلى التراب بقرار من الله. ومن هناك ينتقل كل من العناصر إلى ما هو من جنسه. الماء والهواء والنار. حتى يبقى التراب وحده حقاً على الأرض مثيله في الجنس. أما النفس فستنتقل أما عند أنفس الصالحين مع جموع الملائكة القديسين. أو عند أنفس الأثمة مع زمر الأبالسة المتمردين. كل واحد بحسب حكم الله الصادر بحقها حتى يأتي وقت قيامة الجنس البشري كله والدينونة والمجازاة العادلة المقضية على كل واحد بحسب أعماله. وبموجب مسلكه وأفعاله هنا. وبهذا يكون الحديث قد شمل كل هذه الأمور. وتأكد بشهادة الرجال القدامى والمحدثين. آبائنا مثبتي الكنيسة المتبحرين الصادقين والجديرين بالثقة الذين علموا وسلموا إلينا .

البعث والقيامة
وحيث أن الحديث تطرق إلى البعث والقيامة. استوجب أن نتوسع قليلاً بشأنها. فنتحدث عن الأمور الهامة مشيرين إلى الأقوال الصادقة التي قيلت فيها. والأقوال المزيفة التي يجب ألا تقبل. إذ ليس لجميع الذين يعترفون ببعث الأموات وقيامة الأجساد من التراب. آراء صائبة فيها. لذا ولكي يكون كلامنا عنها واضحاً ومستنيراً. رأينا أن نضع نصب أعيننا أولاً اختلاف الآراء بشأنها بالترتيب المناسب مع العدد المشير إليها. ومن ثم الكلام الصادق والصائب. إلى جانب الشهادات المقبولة. مضيفين ما يناسب من أقوال الروح الإلهي. إسنادا وتأكيداً لكلامنا بخصوصها .

أولاً – لقد خاصم قوم من الهراطقة اليهود المعروفين بالصدوقيين. المسيح. منكرين حدوث قيامة الأموات. وقالوا في حالة حدوثها يكون الزواج بين الرجال والنساء أمراً ضرورياً. إلا أن المسيح برده. سفه هذه الهراطقة وأبطلها قائلاً لأولئك الضالين: ” أنكم تضلون لأنكم لا تعرفون الكتب ولا قوة الله. تعلمون أنه في القيامة لا يتزوج الرجال نساء ولا تكون النساء للرجال. بل يكونون كملائكة الله في السماء. هكذا هم ” .

ثانياً – وقال آخرون بجنون: أن الأجساد في القيامة تكون روحية أثيرية. لا أجساداً كثيفة ذات احساس ثابت وسليم. ودعماً لرأيهم يستشهدون بقول بولس القائل: ” وأن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد. لكن الآن لا نعرفه بعد “. ويدعون بأن أجسادنا أيضاً ستكون مثل جسد المسيح في القيامة. فهؤلاء يدحضهم قول الرب لتلاميذه: ” المسوني واعرفوا أن ليس للروح لحم وعظام كما ترون لي “. فإذا كان للمسيح بعد القيامة لحم وعظام ملموسة. فهي ليست أثيرية أو روحية. بل جسم سليم وقائم يحتوي على العناصر الأربعة. وإذا دعموا قولهم بدخوله والأبواب مغلقة. فليعلموا أن هذا يدخل في نطاق أعماله الإلهية الخارقة للطبيعة. وليس لأجسادنا أن تدخل بعد القيامة والأبواب مغلقة. أما قول بولس فلا يشير إلى أن جسد المسيح ليس لحماً بعد القيامة. بل إلى أن جسد الرب لا يخضع بعد قيامته من بين الأموات إلى الشهوات الجسدية الطبيعية التي كانت له قبل القيامة. وآخرون يهذون عن قلة العقل ويقولون: سوف لن تكون للأجساد. الهيئة التي كانت لها قبل القيامة. ويتساءلون عن ضلالة. ما الحاجة إلى أن تكون لهم أيد وهم لا يعملون شيئاً. لماذا تكون لهم أرجل وهم ليسوا بحاجة إلى المشي ؟ لماذا تكون لهم أعضاء التناسل وهم لا يتزوجون ؟ أنهم يقولون هذا لأنهم لا يدركون أن ذاك الذي أهله الله ليشترك في صورته مهما كان كبيراً أو صغيراً. لا يدعه يهان أو يهلك. ولا يفكرون بما كتب. بأن كل ما خلقه الله هو حسن. فإذا كان حسناً. كل ما خلقه الله الذي هو أكثر علماً وحكمة. أذن فأعضاء الإناث قد خلقها الله مكون الطبيعة ضرورة وهي حسنة. إذ استحقت هي الأخرى لشركة صورته. لذا فلا تترك للفساد لتهلك وتصير وكأنها لم تكن. لكنها ستستقر في أماكنها لدى تجديد الأجساد البشرية. وسيبقى أيضاً شكل الجسد الذكري. وشكل الجسد الأنثوي. وسيظل الرجل رجلاً والمرأة امرأة. فالمسيح بقوله: “يكونون كملائكة الله لا يزوجون ولا يتزوجون “ لا ينفي وجود رجال ونساء. بل يشير فقط إلى أنهم لا يتزوجون. لذا. وحيث أن جميع الأجساد البشرية اشتركت في صورته. فأنها ستقوم كاملة بهيئاتها وأعضائها الكبيرة والصغيرة دون أن يطرأ عليها نقص ما .ويبعث من جديد صفاء الطبيعة ونقاؤها الكامل. متحرراً من كل الشهوات والعيوب. ومن كل الزوائد والنواقص. ولم أطيل الكلام وقد تجمله كلمات رسولية قليلة ألهمها الروح. تلك التي بها تظهر الأمور الحقيقية والسليمة. قال بولس الإلهي في قيامة الأجساد البشرية: “تزرع بفساد وتقوم بلا فساد. تزرع بهوان وتقوم بالمجد. تزرع بضعف وتقوم بقوة. يزرع جسد نفساني ويقوم جسد روحاني. هناك جسد نفساني وجسد روحاني “ .

هذا ما قاله الروح الرسولي في الأجساد البشرية. حيث يسمى جسداً نفسانياً. الجسد الذي له جميع الشهوات الجسدية والنفسية كالجوع والعطش والنوم والمرض وما شابهها. والغضب والشهوة والتشوش. الخوف والضيق. وسائر شهوات النفس الأخرى. وهذه كلها تخص ذاك المركب. أما الروحاني فهو الذي قد تحرر من كل هذه. ثم يستطرد الرسول قائلاً: ” لا يستطيع اللحم والدم أن يرثا ملكوت السماء. ولا الفاسد يرث عدم فساد “. فهو يسمي الجسد المستعبد للشهوات الجسدية والنفسية لحماً ودماً وفساداً. أما ملكوت السماء فقد سماه عدم الفساد. وهو ما سيمنح الله للذين يحبونه. ثم يقول: ” لا نرقد كلنا أي نموت. بل كلنا نتغير “. ويشير هنا إلى تحرير الأجساد البشرية من الشهوات. ولما أراد أن يظهر ماهية مفاعيل القيامة وقوتها. قال: ” أن هذا الفاسد سيلبس عدم فساد. وهذا المائت عدم الموت. فيتم القول المكتوب: أن قد ابتلع الموت بالغلبة. فأين شوكتك أيها الموت. وأين غلبتك أيتها الهاوية ؟ ” .

فقد أوضح الروح الرسولي بهذه الكلمات صراحة. أن تحريراً كاملاً من جميع الشهوات الجسدية والنفسية سيتم للأجساد البشرية في القيامة من بين الأموات وبتسميته دائين كبيرين هما الفساد والموت. يكون قد أخرج وحرر جميع الأجساد التي ستقوم من بين الأموات. من سائر الشهوات. لذا فأن الأجساد ستتحرر في القيامة من جميع شهوات الجسد. وليس من هيئة أعضائها التي أعطتها إياها الطبيعة بأمر خالقها. فهذا هو شكل قيامة الأجساد البشرية بموجب إعلان الأقوال الإلهية .

” لما وصل الكاتب. أي المعلم الحكيم. إلى هنا. انتهت حياته وانتهى حديثه. فأكمل البقية الأسقف جاورجي أسقف العرب والطائيين وبني عقيل الذي في عهده تمت كتابة هذا الكتاب وهذه اللوحة أيضاً “ .

الدينونة
لنتحدث الآن عن الدينونة التي ستتم – كما ذكر – بعد البعث وقيامة أجسادنا من القبور. فنذكر أولاً أن الكثيرين اعتادوا جهلاً. تسمية الدينونة عقاباً. قياساً بالذين يصدرون قرارات حكم ضد البعض ويقرنونها بالعذابات والضيقات والآلام المختلفة. بسبب إجرامهم وشرورهم المتنوعة. لذا يقولون: أن فلاناً أصدر مرات كثيرة أحكاماً قاسية ومريرة ضد المتهم الفلاني. أو أن الحاكم الفلاني لم ينصف كثيراً المتهم الفلاني الذي مثل أمامه. وتوجد هنا وهناك في الكتاب المقدس. عبارات توحي بالظن بأن ما حدث هو حقيقة. كالتي قالها يعقوب أخو الرب في رسالته الجامعة: ” لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة. وكما قال الرسول بولس وأشعيا: ” لأنه بنار يدين الرب ويمتحن بها كل جسد “. وكما جاء في إنجيل يوحنا على لسان مخلصنا: ” الذين عملوا الصالحات إلى قيامة الدينونة “. أنه فحص واستقصاء وامتحان يجريه الديان مع بعضهم عما اقترفوه. ومع البعض الآخر عما عانوه واحتملوه من الغبن والمظالم. والدليل على هذا هو. أن أياً كان يستطيع. لو شاء. أن يجد في الكتب الإلهية ما لا حصر له منها. ويقارن بين الأمور الصغيرة والكبيرة. ومنها شهادة الكتاب. وما أمر الله قضاة بني إسرائيل بواسطة أشعيا النبي قائلاً…. وكذلك … و… كما نبه الله مراراً. وأيضاً وما قاله داود. وما قاله داود وأرميا. وكذلك.. ما قاله داود. والكثير مما هو على غرار ذلك .

بيد أن الشهادة الأكثر وضوحاً على حقيقة هذا. ما قاله الروح المرتل نفسه بشأن الأثمة الكاملين الظاهرين. ” لذلك لا تقوم الأشرار في الدين “. فإذا كانت الدينونة عقاباً وعذاباً كزعم بعضهم. فكيف يقول “لا يقوم الأشرار للدينونة “ أي العذاب؟. فهذا لا يتناسب. ولكن المعروف أنه قال هذا بالنسبة إلى الأشرار الذين تميزوا من البطن. فمثل هؤلاء لا يستحقون حتى أن يقوموا في الدينونة مع الصالحين. فأن أعمالهم لا تحتاج إلى بحث وتمحيص أمام الديان. لأنها مكشوفة ومفضوحة أمام كل واحد. لذا فأن دينونة الله العتيد للجنس البشـري عادلة ومستقيمة.

وسيكون امتحان وفحص وتمحيص بعد البعث وقيامة أجسادهم من الموت. ويتم ذلك بحسب اعتراف وأقوال كل واحد بشكل ملائم وعادل جداً. ومثلما يحدث في هذا العالم بالنسبة إلى الذين حصلوا على رئاسات عليا أو دنيا. ويودون تسليم بعض السلطات لمن هم أدنى منهم. أي يقيمونهم وكلاء على بيوتهم وأعمالهم. أما كمأجورين أو كعبيد أن حدث. أو أحياناً كأبناء. وكما اعتادوا. عندما تنتهي المدة المقررة. أو عندما يرغب الرؤساء ويحسن لهم أن يمثلوا أمامهم للمقاضاة والامتحان. أي التمحيص والفحص والحساب. في ما أسلم لكل منهم واؤتمن عليه. هكذا الله أيضاً رئيس الرؤساء وملك الملوك وسيد السادات. مزمع أن يمتحن ويدين. أي أن يفحص ويبحث مع كل الناس. في كل الأشياء التي أسلمهم إياها وائتمنهم عليها. وقد سبق فكر مهم إذ منحهم إياها وعن تصرفهم منذ اليوم الأول لخلقتهم وحتى اليوم الأخير يوم بعثهم. ليس فقط بالنسبة إلى ما ذكرناه وسردناه. مما فعل. بل أيضاً بالنسبة إلى أمور أخرى لا تحصى. وإذ فعل الله هذا. لا لكونه محتاجاً إلى الدينونة والفحص ليعرف أعمال وأفعال البشر. لأنه هو الذي يعرف خفايا القلب. وهو فاحص الكلى والقلوب كما هو مكتوب. وكل شيء مكشوف وظاهر أمامه. من أعمال وأقوال وحتى حركات الفكر. ولكن ليظهر للملائكة والناس على السواء. أنه يدين المسكونة بحق والشعوب بالاستقامة. ويجازي بعدل كل إنسان بحسب مسلكه وثمار أعماله كما تصرح الكتب الإلهية: ” معروف هو الرب. قضاء أمضى. الشرير يعلق بعمل يديه “. ثم ” لأنه لا ينسى المسكين إلى الأبد. رجاء البائسين لا يخيب إلى الأبد ” .

من المعلوم لدى العارفين. أن ما ينسب إلى الله بأنه يجلس على كرسي القضاء ويدين ويفحص ويمتحن ويختبر أعمال الناس وأفعالهم. إنما ينسب إليه بحسب اصطلاحنا نحن البشر. كما كتب عنه أيضاً هنا وهناك في الكتب المقدسة في العهد القديم والجديد. وكما يكتب عنه الآخرون. أو كما ينسب هو إلى نفسه. فلا يوجد هناك أو عنده كرسي أو مجلس ملموس. أو دينونة وامتحان بمعناه الحرفي. بل ما يليق بالله من سلطان غير هيولي ودينونة معينة وامتحان عقلي. وهو وحده يعرف كيف سيكون. لا بد وأن سيكون حقيقة لا كذباً. كما تشير وتنادي كتب جميع الأنبياء والرسل المقدسة. والأكثر وضوحاً وجلاء رب الأنبياء والرسل نفسه يسوع المسيح العتيد أن يدين الأحياء والأموات عندما يظهر في مجيئه. كما كتب بولس. ذاك الذي هو ديان الحق كما رتل داود. ذاك الذي صرخ في الإنجيل المقدس بلسان يوحنا قائلاً: ” أن الآب لا يدين أحداً بل أعطى الحكم كله للابن “. ثم يستطرد: ” وكما أن للأب حياة بذاته. هكذا أعطى الابن أن تكون له الحياة بذاته. وأعطاه سلطاناً أن يدين ” .

أولاً – إن هذا الديان هو ابن الإنسان الذي ستظهر علامته في المساء. والعتيد أن يرسل ملائكته مع بوق كبير ويجمع مختاريه من الرياح الأربع من رأس السماوات وحتى رأسها الآخر .

ثانياً – هذا هو الديان ابن الإنسان العتيد أن يأتي بمجد أبيه مع ملائكته القديسين ليجازي كل واحد كأفعاله.

ثالثاً – هذا هو الديان الذي ستقوم ملكة التيمن أمام عرشه في الدين لتحاكم جيل اليهود وتدينهم.

رابعاً – هذا هو الديان الذي سيقوم أمامه رجال نينوى ومعهم جيل اليهود ليحاكموه ويدينوه.

خامساً – أن هذا الديان والسيد الصالح هو الذي يشد وسطه ويتكئ عبيده الصالحين ويتقدم ويخدمهم إذ يراهم وقد شدوا أوساطهم وأناروا مشاعلهم منتظرين مجيئه من العرس .

سادساً – هذا هو الديان الذي أقام على بيته ذلك العبد الأمين الحكيم. ليعطي الطعام في حينه. وعندما يراه يعمل هكذا. يعطيه الطوبى حيث يقيمه على كل ماله.

سابعاً – هذا الديان. هو ذلك الرجل الغني الذي كان له وكيل… ولأنه كان يبدد أمواله دعاه سيده وقال له أعطني حساب وكالتك لأنك لن تستطيع بعد الآن أن تكون لي وكيلاً.

ثامناً – هذا الديان. هو ذلك الرجل الذي إذ أراد أن يسافر. دعا عبيده وأعطاهم وزنات. ولدى عودته سيثني على الذين تاجروا بها حسنا ويدخلهم إلى فرحه. أما العبد الشرير الكسول الذي طمر وزنته ولم يتاجر بها فيخرجه إلى الظلمة البرانية ويداه ورجلاه مشدودة.

تاسعاً – هذا هو الديان الذي يأتي في منتصف الليل مع الصراخ. ويدخل معه إلى خدر العذارى الحكيمات اللواتي أضأن مصابيحهن.

عاشراً – هذا هو الديان ابن الله الذي سيعترف أمام أبيه الذي في السماء بكل من يعترف به أمام الناس. ومن أنكره من الناس. ينكره هو الآخر أمام أبيه الذي في السماء.

الحادي عشر – هذا الديان هو المسيح الذي نحن جميعاً عتيدون أن نقف أمام عرشه الرهيب عراة مطمئنين ليجازي كل واحد بجسده بحسب ما عمل. صالحات كانت أم سيئات.

الثاني عشر – هذا الديان هو ابن الإنسان الذي. إذا ما جاء بمجده وجميع ملائكته القديسين معه. يجلس على عرش مجده وتجتمع أمامه جميع الشعوب. ويميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف عن الجداء. ويقيم الخراف عن يمينه والجداء عن يساره. ويوجه للذين عن يمينه العبارة المفرحة قائلاً: ” تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملك المعد لكم منذ إنشاء العالم “. أما الذين عن يساره فيقول لهم: ” اذهبوا عني أيها الملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته “.

هذه كلمة موجزة عن الدينونة والامتحان. أي البحث والفحص الذي سيجريه الديان للجنس البشري بعد البعث وقيامة أجسادهم من القبور.

مجازاة الصالحات والسيئات
والآن من الضروري أن نتحدث باختصار عن مجازاة الصالحات أو السيئات الواردة في كلام الديان. والتي ستعطى من الديان العادل لكل واحد بحسب ما يستحق. تلك التي تدعى حصراً ملكوتاً وجحيماً .

يزعم البعض أن مجازاة الصالحات أي التمتع بالخيرات الذي سيتم للصالحين والأبرار في العالم الآتي. سيدوم إلى الأبد نظراً إلى أن صلاح الله ورحمته غير متناهية وغير قابلة للتحديد. والتي بها يعطينا أكثر مما نستحق من خيراته وأنعامه. أما مجازاة السيئات أي العقاب والعذاب الذي سيأخذه الآئمة والبغاة بسبب أعمالهم الشريرة. فلا يستمر إلى ما لا نهاية. بل سيكون ونهاية للعذاب. وفور ما يتعذب ويتطهر كل واحد بما يستحق. فيدخل الجميع إلى ملكوت السماء. وبذلك يتم ما قاله الرسول الإلهي. حينئذ سيكون الله “إله الجميع “. إذ ليس جديراً بمكاييل الله العادلة ومقاييسه المستقيمة أن يتعذب الإنسان في ذلك العالم إلى الأبد وبلا نهاية. من أجل مدة قصيرة يخطئ خلالها في هذا العالم. علماً بأن فترة العالم برمتها هي قصيرة قياساً بطول فترة العالم الآتي غير المتناهية. وأن يتنعم الصالح إلى الأبد إلى ما لا نهاية. بمقدار ما يأتيه من نعمة الله ولطفه .

إن ملافنة البيعة الفقهاء القديسين جميعهم. يعلمون ويرشدون ويخالفون هذه الفكرة والعقيدة الباطلة. أي تلك تزعم بأن للعذاب نهاية. مستشهدين بقول الرب الذي أوردناه بعد الفصل الأخير القائل: ” ويذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي والصالحون إلى الحياة الأبدية “. ومن المعروف أن عبارة ” إلى الأبد ” تنطبق هنا على الفريقين بلا حد ولا نهاية. وأن مجازاة الأعمال الصالحة تدعى ملكوتاً. أما مجازاة الأعمال الشريرة فجهنم النار. ويعرف الفهماء أن هذه التسميات اقتبستها الكتب الإلهية من عرفنا. إذ لا يوجد في هذا العالم أعظم وأسمى وأرفع كرامة ونعيماً وشهرة مما للملوك وأبناء العائلة المالكة. لذا فأن الكلمات المدونة. في محاولتها نقل إلينا ما نستطيع سماعه. دعت حصراً عظم وسمو الخيرات المعدة للقديسين وصانعي الصالحات التي ستكون في العالم العتيد: ملكوتاً. وحيث أنه ليس في هذا العالم ما هو أقسى وأكثر إيلاماً من الأحتراق بالنار. لذلك فأن الكتاب. في محاولته التعبير لنا بقدر المستطاع عن شدة الألم والعذابات المريرة وقساوتها المحفوظة للأثمة وصانعي الأثم في ذلك العالم. دعاها مجتمعة. جهنم النار. وإذ أراد مخلصنا أن يطلعنا. كما أعتقد. على الاختلافات الكثيرة بالنسبة إلى الكثرة والقلة. والزيادة والنقصان. الموجودة في مجاراة الصالحات والسيئات. قال: أن كل واحد سيجازى بحسب أعماله. وكما جاء في مكان ما من إنجيل يوحنا: ” في بيت أبي منازل كثيرة “. فالاختلافات كثيرة بالنسبة إلى الكثرة والقلة والزيادة والنقصان. في صالحات هذا العالم وسيئاته. أي مسراته وضيقاته. كما نلاحظ من الأعمال نفسها .

ومثلما نؤمن ونعترف نحن المسيحيين. بأن هناك مجاراة للصالحات والسيئات في العالم الآتي. وهي غير زائلة ولا نهاية لها. بحسب تعليم وشهادة الكتب الموحى بها من الروح. هكذا أيضاً تصورها وقال بها بعض الوثنيين الذين ليس لهم رجاء القيامة كقول الرسول. فقد دعوا مجازاة الأعمال الصالحة. جزر السعداء وبقاع اليزيوس. وكما أعتقد. فأنهم قالوا بهذا لأنهم سمعوا منا أي من كتبنا تذكر الفردوس. أما مجاراة الأعمال الشريرة التي سيتحملها أولئك الذين عاشوا بالأثم. فدعوها جحيم. ويقولون أن هو مكان متوسط في غاية الظلمة ولا أشعة فيه. يكونون فيه وكأنهم غارقون في الطين ويمتصون ماء. وفيه يتعذب الأثمة. هو نهر أكثر برودة من الكل يتعذب فيه جميع الخطاة. هو نهر يغلي أكثر من الكل. يسقط فيه ويتعذب جميع الأثمة. وأعتقد أن هذه الفكرة اقتبسها الوثنيون من سفر دانيال النبي حيث ذكر فيه: “نهر نار جار “ الذي هو أعظم رعباً ورهبة من هذه العذابات وغيرها من الهذيانات الوثنية. فإذا كان قليميس الروماني الذي تتلمذ لبطرس رئيس الرسل يهذي برأيه ويشكك لما كان وثنياً. لأنه لم يكن يدري ما الذي سيحدث بعد موته. إذ كتب عن نفسه في المقال الأول من كتابه ما يلي: كنت أقول: إذا كانت تلك تسبب لي ضيقاً أكثر من هذه. أذن علي أن أحتمل هناك أشياء قاسية لأنني لم أتصرف بالعدالة والبرارة. وأني أسلم. بما يقول بعض الفلاسفة عن مثل وأمكث معاقباً في الهاوية إلى الأبد.
وقد أطلقت كتب الوثنيين. كما ذكرنا أعلاه. هذه التسميات على العقوبات والعذابات والظلمة. أما كتبنا المسيحية فقد دعتها الهاوية التحتانية. البارنية. بكاء وصرير الأسنان. دوداً لا يموت. ناراً لا تنطفىء. نهر نار. جهنم نار.

أما الأطايب والتنعمات المعدة للأبرار والتي دعاها الوثنيون جزر السعداء. وبقاع الفردوس كما قلنا. فنسميها نحن المسيحيين: جنة النعيم. جنة المسرات. الخدر الذي لا يزول. العرس الذي لا يحول. مظال النور. منزل الأطايب. مسكن الأفراح. الأماكن الشهية. ملكوت السماء. ومن المعلوم وكما قيل وكتبنا. أن العذابات والتنعمات دعيت كذلك تمشياً مع عرفنا ومصطلحاتنا نحن البشر. كل شعب بحسب تقليده واختلاف لغته. وليس لكونها مادية. فالعقل البشري لا يستطيع أن يدرك كمية وكيفية وماهية مجازاة الشرور. ولا كمية وكيفية وماهية مجازاة الصلاح. بل أنها مثل مرآة ولغز قبل أن نعرف كما عرفنا. وبحسب القول الرسولي: ” العين لم تر. والأذن لم تسمع ولم يخطر على قلب إنسان ما أعده الله للذين يحبونه “. كذلك هو الأمر بالنسبة إلى ما يعده للذين يبغضونه. ولكن هذا أمر لا بد من حدوثه. حيثما يأخذ كل واحد جزاء أعماله وأمانته من الديان العادل. الذي هو ملك الكل وسيد الكل وإله الكل مخلصنا يسوع المسيح.

خاتمة
هذه كلها في ما يخص العلة الأولى والخالقة. الأزلية والقادرة على كل شيء. وغير المخلوقة. التي هي الإله الواحد ضابط الكل الذي يفهم بوحدانية الجوهر. ويدرك في الوقت نفسه ويمجد بثلاثية الأقانيم: ففي مقال ما من الكتاب الأول تحدثت أيضاً عن الخليقة التي جاءت إلى الوجود بواسطة العلة الأولى. فتلك غير منظورة وظاهرة. أما هذه فمنظورة ومحسوسة. وفي كتابنا هذا الثاني في مقالات سبع بذلت جهداً بقدر المستطاع وبحسب طاقة تفكيري الطبيعية. يا بني محب الله قسطنطين. يكفي لاستنارتك وفائدتك. ولجميع الذين سيصادفونه في المستقبل. سائلاً إياك وإياهم. أن تقدموا أولاً صلواتكم عوضاً عن ضعفي للجهد الذي بذله حسب طاقته. ومن ثم إذا لاحظتم هنا وهناك في الكلام عن الخليقة ما يخالف تعليم بعض ملافنة البيعة القديسين. فلا تلوموني. فأن كلاً منا تحدث عن الخليقة بحسب إدراكه واعتقاده. وبما رآه ملائماً لطبيعة الأعمال. وأن ما نستفيد من الحديث عن الخليقة. كما يقول الملافنة القديسون. هو أن ندرك الحقيقة. وأن لا يكون هنالك خطر أن أخطأنا. أما في ما يخص الحديث عن اللاهوت أي ملء الألوهية. أو أي حديث عن الإيمان. فأني عارف وواثق بأني لم أجرؤ أن آتي بشيء جديد أو غريب. ما خلا بما نطق به الروح القدس. وتحدثت به كتب الأنبياء والرسل المقدسة. والملافنة المقتدرين بالله. فإياه تبعت أنا الصغير وسلمت به وأسلمته إليك وللآخرين لتقرأوه. وهذا هو الأفضل بالنسبة إلي وإلى كل محب الحق المبين.

نصلي كخطاة. ونتضرع للثالوث الأقدس غير المخلوق والأزلي والمساوي في الجوهر. الذي منه تمنح كل حكمة ومعرفة وفهم. وتقدم لخليقة الملائكة الناطقة كلها. وخليقة البشر. كل مثلما يستحق وبقدر ما يستحق. لكي يعطينا المعرفة والحكمة في كل شيء بحسب الدعاء الرسولي. حتماً إذا ما استنرنا به واسترشدنا بالقول والأفعال يؤول ما أتيناه إلى فائدتنا وخلاصنا وعوننا والآخرين. من أجل كرامة… وكرامة… هنا وفي العوالم الآتية في كل ساعة والآن وفي كل أوان وإلى أبد الآبدين آمين .

ديباجة الختام
أنتهي المقال السابع من ” الأيام الستة ” أي تكوين الخلائق. تأليف المطران يعقوب أسقف مدينة الرها. المجد للآب الذي ساعد والابن الذي قوى. والروح القدس الذي آزر. آمين .

أنتهي هذا الكتاب في الساعة السادسة من يوم الخميس في الثامن من شهر آذار. عام ألف ومئة وثمانية وأربعين بالتقويم المكدوني ( 837م ). كتبه الخاطئ المحتاج إلى رحمة الله. والضعيف والشقي ديوسقورس. الكاتب… والقس في الوظيفة. وأتوسل إليك أيها القارئ أن تخشى الله وتصلي من أجلي. بجاه محبة الغربة.

لمجد وعزة وجلال وعظمة الثالوث الأقدس المساوي في الجوهر. الأب والابن والروح القدس. أهتم ووضع هذا الكنز الروحي. إكراما له ومن أجل فائدته وجميع محبي الله الذين يرغبون في … الله من أجل أسمه القدوس اجتهد ووضع. ليكافأه الله برأفته: الحسنات والصالحات في هذا العالم وفي العالم الذي لا يزول: المتعة مع القديسين. والراحة في مظال النور له… ولصاحب الكتاب ويكتب أسمه في سعر الحياة في أورشليم السماوية. ويصنع الراحة والذكر الصالح لموتاه. ويرش عليهم طل الرحمة يوم ظهوره من السماء بصلاة والدة الإله مريم البتول وجميع القديسين آمين .

يا ابن الله. وابن البتول مريم. المسيح الإله الحقيقي. ترحم على الكاتب… القس ديوسقورس وأهله برحمتك أن يقف أمامك باسفرار الوجه يوم دينونتك العادلة .

“ الأيام الستة “ مار يعقوب الرهاوي

اترك تعليقاً