الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي ….الجزء الرابع

الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي ….الجزء الرابع

اليوم السادس … الذي خلقه الله على صورته

12341053_116733255365123_1596866386093716977_n

الحياة…..
بما أن كلمة ” الحياة ” وسمعها لا تفهم بسهولة وليست على نمط واحد. كما أن قواها ليست كلها واحدة ومتساوية في كل مكان. لذلك فأننا سنبذل بعض الجهد بهذا الصدد. يطلق الوثنيون كلمة ” الحياة ” على البشر الناطقين والحيوانات غير الناطقة. وكذلك على الأشجار والشجيرات. وباختصار نقول: أنهم يطلقونها على كل شيء. له قوة التغذية والنمو. وله نفس. وعلى الأشجار والشجيرات وعلى كل شيء له قدرة النمو من الأرض وإنتاج زرع يحافظ على جنسه كما قال الكتاب المقدس. ويقولون. أن القوة الغذائية والقوة النامية هما واحدة.

ومن الواضح أنه لو لم تكن له قوة غريزية ترفعه وتعد القوت من التراب والماء والهواء والنار. حتى إذا دخل إلى جوفه تغذى به وأضاف إلى جسمه فينمو ويكون أغصاناً وأوراقاً: لما دعوه ذات نفس. كما يدعون كذا الخشب اليابس والأحجار التي لا تتغذى ولا تنمو. وبما أن هذه تتغذى وتنمو وتضيف إلى جسمها. لذا يقولون أنها حية ويؤكدون على وجود نفس فيها. ولكن ليس نفساً كاملة. بل من حيث أن لها نفس القوة الغذائية والنامية .

القوى الإنسانية
أما بالنسبة إلى الحيوانات والطيور والدبابات التي تدب على الأرض فيقولون أن لحياتها قوتين. الأولى: المغذية والنامية كالتي للشجيرات. والأخرى قوة الحس والحركة التي تدلل على أنها حية. لذا يسمونها ذات نفس ويؤكدون على أن لها نفساً ليس كنفس النباتات غير المتكاملة والتي لها قوة واحدة فقط. كونها أكثر كمالاً منها. ولها قوتان في آن واحد. القوة المغذية والنامية. والقوة الحسية والمتحركة. لكنها ليست كاملة. ويقولون أن لنفس هذه ( الحيوانات ) غضباً وشهوة. لذا فهي تشتهي الآكل وتطلبه بل وتخطفه. وتهدد وتغار وتميل إلى الانتقام. أما عن الإنسان فيقولون. أن له ثلاث قوى وحياة – ونحن أيضاً نؤيد هذا – القوة المغذية والنامية كالتي للنباتات. والقوة الحسية والحركية كالتي للحيوانات. والقوة العاقلة والمفكرة التي أعطيت له كهبة من الله خالقه. باعتباره خلق على صورته وشبهه. لذلك نقول أن للإنسان نفساً متكاملة. مؤكدين أن لنفسه القوى الثلاث. فلهذه النفس غضب وشهوة وفكر منطقي. وليس غريباً أن نصفها بمركبة أفلاطون المؤلفة من حمارين وسائسهما. ولهذا الإنسان المركب شهوة كالتي للحيوانات والتي بسببها يتزوج مثلها لاقامة النسل. ويشتهي وينتزع الطعام مثلها نظراً إلى رابطهما الموحد. ثم هناك الشهوة نحو الصلاح نظراً إلى نمو النفس والجسد جنباً إلى جنب. وكذلك الغضب الذي به يغار ضد الاثم ويكره الشر. لأن كليهما مربوطان تحت مركبة ناطقة ومفكرة كربط الحمير بالمركبة. وهي قابضة على زمام إدارتها كسائس حكيم وقوي. وكمساعدة للنفس. لا بل يبدو أن الله أعطاها هي الأخرى لذاك المركب من أجل استمرار وحفظ الحيوان المركب – الإنسان – ولا يمكن للإنسان أن يتحرك نحو الانتقام من الشر دون غضب. ولا نحو اقتناء الصالحات دون رغبة أو شهوة. لذا فأن كلتيهما منحتا من الخالق الحكيم لتقويم النفس مع الفكر المتأمل المدبر. لكيما يكون الفكر بالنسبة إلى الغضب والشهوة مثل السائس بالنسبة إلى الحمير والمركبة. فيسير ويجاهد بنجاح في ميدان هذا العالم دون أن يسقط إطلاقا. ومثلما يشتهي ويريد الله خالق الإنسان. ومانح الإكليل لجهاد الجنس البشري برمته. هكذا طبعت النفس على كل الفضائل. فكانت صورة الله خالقها. وهكذا ركب الإنسان من ضدين. النفس والجسد. فصار ذا حياة مركبة موضوعة في الوسط وقريبة من كل من الحيوانات غير الناطقة والمائتة. والقوات الروحية العاقلة والناطقة وغير المائتة .

وحيث أننا تحدثنا بما أوتينا من قوة. ولئن بتلعثم. عن هيئة الجسم البشري. أي الإنسان الخارجي. وعما فيه من تغييرات وخصائص معروفة. وعن تكوين النفس وتشبيهها بالله. وعن اتحادها العجيب وارتباطها بالجسد المركب الزائل. داعمين حديثنا بأقوال الروح الإلهي القوية والطاهرة. يجدر بنا الآن أن نتحدث عن النفس بإسهاب أكثر. ونبين بقدر الامكان. ماهية النفس وماهية العقل. وهل أن العقل شيء آخر غير النفس أم لا ؟. وما هي خصائص النفس المتميزة والمعروفة التي لا تنسب لأي طبيعة أخرى غريبة. بل إليها فقط .

تحديد النفس
إن لفظة ” النفس ” الواردة في قاموس لغتنا النهرية. أي الآرامية. هي مقتبسة من اللغة العريقة. ولا ندري أصل هذه اللفظة ومدلولها لدى اليونان الحكماء وذوي المصطلحات الكثيرة. لأن تشبيه اللفظة بكلمة ” برد ” جاء نتيجة للهذر الكثير والجهالة ولو اعتمدنا ما أقره أولئك الأغبياء وغير الحكماء وغير المستقرين. من أن الأنفس إذ بردت من خدمتها المستمرة وقيامها الحار النشيط أمام خالقها. سميت ” منفصلة ” أي باردة. لذلك فأنها فصلت وأقصيت وتغربت عن الله خالقها وعن الأرواح غير الهيولية والعاقلة والحارة. لتسكن هذا العالم. لأنها التزمت بالارتباط مع الجسد الثقيل الصلب والمليء أوجاعاً وآلاماً. والزائل والمائت. على كل حال. ومهما دعيت ووصفت. سواء ” المنفصلة ” أو نفساً أو لفظة أخرى. فمن الضروري التحدث عن ماهيتها. معطين عنها تعريفاً محدداً وواضحاً. كما ونتحدث بقدر الإمكان عن الطبيعة غير الجسمانية بكلمات تصدر عن جسم .

فالنفس هي جوهر مخلوق حي ذاتي الحركة. وإذ هي عاقلة ومن دون جسم. أعدها الله خالقها للارتباط بالجسد. وليس العقل شيئاً آخر غير هذه. أو طبيعة أخرى مغايرة وغريبة عنها. لكن هذا – كما سنحدده بقدر الإمكان – هو العين العاقلة القابلة للنور العاقل والمرشدة للنفس. يرى بالخيال والتشبيه الممعن. الأمور البعيدة كأنها قريبة. هذا هو موقع العقل من النفس. فبواسطته ترى النفس ما ترى. وبه تسمع باعتباره حاسة البصر أو السمع للجسم كله. وبه أيضاً تتذوق أو تشتم أو تمس الأشياء التي تقترب منها. ومثلما أن العين أو الأذن ليست ذات طبيعة أخرى أو غريبة عن طبيعة الجسد. هكذا أيضاً العقل ليس غريباً أو شيئاً آخر سوى طبيعة النفس. أننا استعملنا مصطلح “النفس والعقل “ بالرغم من وجود مدلولات كثيرة تشير إليهما. لأن عنصر “النفس “ أي العقل – قوام الإنسان “ – هو أكثر وضوحاً وانتشاراً. وهذا ما تصبو أن يوجد فينا فيعطينا شبه الله خالقها. الذي بسببه يقال أننا صورة الله. فالله الخالق الذي يشبه صورته هذه. هو عاقل وغير منظور وغير جسماني. والنفس أيضاً أي العقل – صورته – هي الأخرى عاقلة وغير منظورة وغير جسمانية. وهي موضع تعجب من قبل جميع ذوي العقول المبصرة والمفكرة. هذه هي طبيعة النفس. وهذا هو العقل عين هذه ( النفس ) .

صفات النفس والعقل البشريين

أولاِ – إن صفات النفس الإنسانية الناطقة هي الآتية: أولاً: – أنها الوحيدة التي تتعامل مع الفكر الفاحص من دون سائر العقول المخلوقة الناطقة. فأن الله والملائكة غير الهيوليين. وحتى الأبالسة الماردين. لا يفكرون. وليسوا بحاجة إلى التفكير فيما إذا ينبغي عمل هذا الشيء أم لا. فأنهم يعـرفون بمجرد نظرتهم إليه. إذ لا يوجد حجاب أمام طبيعة العقل. فإذن من صفات النفس البشرية وحدها. أن ترى إذا كان ينبغي أن تفعل هذا الشيء أو لا تفعله وذلك عن طريق الانتقال الفكري والتمحيص .

ثانياً – ومن صفات النفس أي العقل البشري. لما كان العقل مرتبطاً ذاتياً بالجسد البشري المتحد به. فأنه يتخيل فكرياً فيرى ويصور في ذاته الأمور البعيدة عنه كأنها قريبة منه. فيغدو وكأنه يسافر ويتنقل دون أن يبتعد عن مكانه. في حين أنه ملازم لمسكنه – الجسد – ولا ينفصل أو ينتقل من بيته. فأنه يرتفع بسرعة نحو السماء. وبسهولة يهبط على الأرض. ويغطس في لجة البحر ويغوص دون خوف. ويطوف أرجاء العالم دون عناء. حيث يرى ويبحث بإمعان كل الأمور. ويتأمل ويدرك بدقة كل أعمال الله خالقه.

ثالثاً – ومن الصفات المتميزة والظاهرة للنفس المفكرة أي العقل البشري: عندما ينام الجسد البشري المرتبط بها ويركن إلى الهدوء. ويرتاح هو الآخر معه لارتباطهما ببعضهما. يكون كالإنسان المحصور في بيت مظلم لا يهدأ عن متاهات التفكير. فيتحرك هو الآخر ويتيه في الخفاء محاولاً أن يرى ويزور ما كان يريد أن يراه ويزوره في يقظته. ولئن اعتقد بعضهم أن لبعض الحيوانات غير الناطقة كالكلاب مثلاً. شيئاً من هذا القبيل. أي أنها ترى أحلاماً وتتخيل جزئياً ما تراه في اليقظة .

ومن صفات النفس البشرية الناطقة. أنها تتألم بآلام جسدها وتشقى في الأمراض والأوجاع معه وتتعذب مثله في الضيقات. لأنها مرتبطة معه إرادياً وطبيعياً. ولئن كانت غير متألمة بطبيعتها. ومتسامية عن كل ألم ومرض. وهي رصيفة تلك الروحانية غير الهيولية وغير الجسمانية. البعيدة عن كل ألم أو ضيق. والتي تتمتع بالنعمة المليئة بالأطايب والمسرات .

وإلى جانب هذه. فللنفس الناطقة والمفكرة أي العقل الذي فيها. صفة أخرى. هي كرهها للشر والخطيئة والاثم. ومحبتها للصلاح والعدل والفضيلة ولئن تزل وتخطئ وتنحرف نحو الآلام والأمراض. ولها أيضاً أن تتوب عن زلاتها إذا ما أخطأت. تطلب الغفران من خالقها الرحيم. وهو بدوره. كمحب للبشر. يمنحها هذه الهبة والقوة والتوبة والمغفرة .

بالإضافة إلى فضائل صورته. أعطى الله الخالق العقل البشري. أن يتحرى من ذاته المعارف ويكتشف الأمور الضرورية والنافعة متشبهاً. على قدر الإمكان. بالله خالقه ومثاله .

عظمة العقل العجيبة
عندما يتأمل ويبحث فكر الناس العقلاء الباحثين. في الكائنات التي سبق الله وخلقها من أجله. ويأخذه العجب العظيم: يستوجب عليه أن يمجد الله الخالق المبدع الذي وهبه كل هذا الفهم والحكمة لدى خلقته إياه. أو من أجل أعماله العظيمة والعجيبة. أي السماء والأرض وما فيهما. ترى من لا يأخذه العجب وهو يرى إبداعات العقل البشري المدهشة التي تفوق الوصف. أقول هذا بالنسبة إلى أنواع ومقاييس الصناعات المتقنة التي تظهر في الأبنية المختلفة. وإنشاءات المدن والهياكل والحمامات ذات المغاور المختلفة المتعددة الصيفية منها والشتوية. وفي صناعة الهندسة التي تظهر في الأدوار السفلى والعليا والوسطى. الظاهرة منها والخفية. وتقاسيم الشبابيك وزخرفة الأبواب والاواوين المتنوعة والسقوف المتباينة. والأبنية ذات الحيطان المنقوشة والصور المتنوعة على الأحجار الكريمة اللماعة. وأحياناً في البلاط اللماع. وأحياناً في الذهب والفضة والزجاج الثمين البراق. وفي مواد أخرى مختلفة وزاهية. من لا يندهش لإعداد وتركيب الأنابيب وقنوات المياه التي ابتدعتها واخترعتها عقول حاذقة لمهرة الناس في هذا العالم. ترى من لا يندهش عندما يرى الصناعات التي يأتيها الناس الحاذقون بواسطة النار. وعندما يرى المواد المتنوعة المستخرجة من الأرض. الذهب والفضة والنحاس والحديد والزنك والرصاص والزجاج وغيرها من المواد. وما يصنع منها من أشياء وحاجيات ضرورية. من لا يندهش وهو يرى الصناعات التي اخترعها العقل البشري بواسطة الماء والهواء لفائدة البشر واستعمالاتهم. أحجار وأخشاب مصنعة تخدمهم بأتم استعداد. أو الذين يعدون الطعام بواسطة المكاييل ( الغربال ) وغيرهم يرفعون الماء الضروري للسقي من الآبار والبرك العميقة بالمكائن والوسائل الأخرى. وأحياناً يخرجونها من أعماق أنهار جارفة لا تسير جديرة بالدهشة. وكذلك طرق استخدام الهواء التي اكتشفها الإنسان من أجل حرفة الموسيقى والأغاني المتنوعة. في الأرغن المصنوع مثلاً وغيره من الآلات الصالحة لمثل هذه الأمور. ترى كيف نعبر عن دهشتنا واشادتنا بما توصل إليه العقل البشري بمعرفته. من المصنوعات المدهشة المختلفة من الحجر والخشب والجلود والعظام المأخوذة من الحيوانات. ومن طين الأرض الحقير ومن أغصان وأوراق الأشجار وسائر الأعشاب والعروق المتنوعة. وماذا عن اكتفاء الإنسان من الثياب مما ابتكره من الصوف وشعر الحيوانات. ومن قشور أعشاب الأرض ومن أمعاء الديدان. فهذه الأمور التي تدعو إلى الدهشة. تدعو في الوقت نفسه إلى الثناء والعجب. كما تستحق الذكر أيضاً. إبداعات المعرفة البشرية في أنواع النسيج المختلفة والثياب والأغطية المتقنة المتباينة العدة والمصنعة بحكمة. يقول الكتاب الإلهي بخصوصها – أننا نعزز كلامنا بالكلمات الذهبية بدلاً من كلمات الرصاص. أو بعبارة أنسب. لأن كلمات الروح تشد كلامي الهش – قال الله لأيوب: ” من وضع في الطخاء حكمة. أو من أظهر في الشهب فطنة “. ” من أعطى النساء فطنة النسيج ومعرفة النقش “. يقول الله هذا مظهراً به بعض المعرفة الفاعلة التي أوجدها في العقل البشري. وما هي جديرة بالإعجاب والثناء أكثر من هذه. والتي بها ترفع التسابيح لخالق الإنسان ومعطي الحكمة للعقل البشري: إبداعات رجال الفطنة المهرة في الفلاحة. من فلاحة الأرض إلى جمع الغلال والثمار وخزنها. وأنا بدوري أتساءل عن هذه الأمور على غرار قول الله: ترى من الذي أودع الحكمة في خفايا الإنسان. ومن أظهر في شهب العقل البشري فطنة؟ من الذي أعطى البشر كل هذه الحكمة والمعرفة لكي يعرفوا أن ينظموا شؤون الفلاحة ويجمعوا محصول الزرع. والحصاد والدرس. ويتقنوا خزن الخمر والزيت. وأضيف فأقول: من أعطى مثل هذه المعرفة وهذه القوة للذين يجوبون البحر بالسفن. أو أولئك الذين ينجزون أعمالاً ما بواسطة المياه الكثيرة. لكي يعرفوا كيف يهيئون لهم. بطريقة حكيمة. مراكب خشبية فوق المياه. ووسائل ومعدات أخرى. يقتنصون بها مساعدة الرياح. ويسيطرون بذلك على هيجان وقساوة البحار. ويطاون مخاوف أعماق الغمر؟

لقد توصل العقل البشري إلى كل هذه الأمور باكتشافاته. وأمور أخرى كثيرة وعجيبة ورائعة تفوق الوصف. استطاع أن يعدها ويتقنها بمعرفة ومهارة. والبحث وانتهاز الفرص. ليس فقط المفيدة منها. بل والمضرة الآثمة أيضاً. كتلك التي صنعها الناس وأعدوها لصنع الأسلحة لمحاربة بعضهم البعض. وكالتي اخترعها الأعداء المقاتلون لمهاجمة المدن. وكتلك التي صنعها أهالي المدن للدفاع ضد المهاجمين. ولم أطيل الشرح. فأعدد اختراعات حكمة العقل البشري الذي وجد في خلقته صورة وشبهاً لله الذي بهذا أظهره أنه فعلاً مثال صورته. فالله يعمل كل ما يشاء. والعقل البشري يعمل بفطنة كل ما اكتشفه بصلئيل الفنان الماهر مشيد خيمة الشهادة ليكون شاهداً على اختراعات العقل البشري. وحيرام الصوري الذي يثني عليه الكتاب الإلهي. والذي صنع جميع أدوات النحاس لبيت الرب بحسب توصية ورغبة سليمان بن داود ملك إسرائيل. وفنانون آخرون ماهرون أتوا أعمالاً عجيبة جديرة بالثناء في بلدان متعددة ومناطق مختلفة. واشتهروا في هذا العالم بسبب أعمالهم واختراعاتهم العجيبة. التي هي نتيجة الحكمة والمعرفة. مثل فيداس ودادلوس وغيرهم من الصناع الحاذقين. أنه لتطفل منا أن نأتي على ذكر أمثال هؤلاء ومن اشتهروا بالاختراعات.

نتطرق هنا إلى ما هو ضروري فقط فنقول: لقد منح الله الخالق العقل البشري حكمة واستنارة بهذا المقدار في ما أتاه من اختراعات وأعمال. حتى بلغ إلى أن يصب بشكل مناسب. أعمال الطبيعة وخلائق الله. ليس فقط بالأقلام التي بها نصنع تماثيل الناس والحيوانات والطيور. من النحاس والحديد والذهب والفضة ومواد أخرى كثيرة. بل من طين الأرض الحقير المجبول. ومن مزج وتركيب الكلس والجبصين ومواد أخرى. وإضافة إلى هذه. نماذج من الأدوية والألوان المختلفة. وقد تقدم بعضهم في أصالة الفن حتى أنهم خدعوا حاسة البصر لدى البشر والحيوانات. نظراً إلى التشابه الحقيقي التام .

حياة الإنسان وولادته
على هذه الصورة خلق الله العقل البشري. وثبت فيه حكمة مقارنة ومفكرة ومدركة. ومزجه بطين مركب. متغير وزائل. ومن تركيب هذه. كون هذا الإنسان المنظور وغير المنظور الذي يقال عنه أنه شبه وصورة خالقه. وهكذا أعده لينمو شيئاً فشيئاً ويتقدم نحو الأمام ويكتمل ماراً بمختلف القامات. وكاشفاً تدريجياً عن المعرفة والحكمة التي غرست فيه. ولما كنا قد ذكرنا نمو هذا الإنسان المنظور. في سياق قصته. استوجب أن نعطي هذه الناحية أيضاً. وبحسب الترتيب. ما تحتاجه من الحديث. وكذلك لفترة الحياة التي حددها لها الخالق كما سبق ذكره. فقد جاء في الكتاب الإلهي: أن الله خلق الحيوانات والنباتات ذكراً وأنثى يوم خلقها. وأن الإنسانين الأولين اللذين خلقهما من التراب وكونهما من الأرض. قد جمعهما جسداً واحداً وإرادة واحدة. شأنهما شأن سائر الحيوانات والطيور ذات نفس حية. بواسطة الزواج واتحاد الذكور والإناث بالشهوة والحب والقاء الزرع البشري من الرجل. والدم من المرأة ليقيموا نسلاً لجنسهم داخل رحم المرأة. على هذا النمط رتب الله الخالق أن يتسلسل ويتكاثر الجنس البشري. لذا قال لهم: “أثمروا واكثروا واملأوا الأرض وكونوا أسياداً عليها “. هكذا حدد الله المبدع الحكيم أن تتم صياغة وتركيب الإنسان الحي داخل رحم رطب لحمي وطيني الذي هو حجرة الطبيعة البشرية. مثل غطاء النباتات النضرة في جوف الأرض الرطبة الطينية. لأن قوام الإنسان وتركيبه هو من العناصر الأربعة: التراب والماء والهواء والنار. وربما بسبب هذا حدد الله الخالق المبدع الحكيم أربعين يوماً لاكتمال الجنين في الرحم. مقسماً ومحدداً لكل من العناصر الأربعة بالتساوي عشرة أيام كاملة. وهذا ما يسلم به أيضاً علماء الطبيعة الحاذقون. وكذلك جماعة من ملافنة الكنيسة القديسين الذين حددوا العدد أربعين يوماً لاكتمال صورة وهيئة وقوام الجسد البشري داخل رحم المرأة الحامل. ومن المعروف أنه منذ بدء الحمل يعجن ويتحد معاً النفس والجسد من أجل تركيب قوام طبيعة الإنسان المركبة. وحيث أن كليهما كانا معاً داخل الرحم. فأن الجسد يتغذى ويزداد نمواً ويكتمل ظاهرياً وتدريجياً. أما النفس فهي خفية وغير منظورة. وله قوة غريزية واحدة للحياة فقط حتى اليوم الأربعين. وهي المسماة المغذية والنامية. لذا فأن الجنين لا يتحرك ولا يشعر حتى ذلك اليوم. وبعد اليوم الأربعين حيث تظهر وتنمو في الجنين قوة الحس والحركة. يعرف عند ذاك بكونه حساساً ومتحركاً. ويحرك نفسه داخل رحم أمه مثل يوحنا بن زكريا الذي ارتعش في بطن أمه اليصابات في الشهر السادس كما يشهد الروح المبشر. هذا هو حال الجنين في الرحم. حيث يتغذى وينمو بالقوة الغريزية. ويحس ويتحرك بالقوة الحية حتى الشهر التاسع. حيث يكتمل الحمل البشري. هكذا حدد الله أن يتم حمل الإنسان وولادته خلال تسعة أشهر. ولئن يطرأ أحياناً طارىء على الطبيعة فتنقص المدة المحددة من الخالق أو تزيد .

هكذا تحدد وثبت زمن الحمل البشري في البطن. وهكذا يكتمل الجسد البشري داخل أرحام الأمومة. وهو يحمل كلا القوتين النفسيتين اللتين تظهر أفعالهما فيه. واللتين أشرنا إليهما أعلاه. أي القوة الغريزية والقوة الحية. دون أن تظهر فيه قوة النطق والتفكير الذي يعتبر نفس الإنسان الحقيقية المتكاملة. وهكذا يولد الإنسان بعد الحمل في البطن مدة تسعة أشهر. ويخرج إلى هذا العالم التعيس المليء بالجرائم… وهكذا ينمو تدريجياً وبصعوبة وتحفظ. كما تظهر أيضاً النفس الناطقة والمفكرة مع نمو جسدها. حيث يدركها المعنيون تماماً من أعمالها. وينظرون إليها وإلى أعمالها ببصائرهم. وهكذا يبدو نمو هذا ( الإنسان ) صعباً بهذا المقدار. ويأخذ مدة أطول وأكثر من سائر حيوانات الأرض. كما أنه أكثر كرامة بخلقته من سائر الكائنات المحسوسة. ومن هذا يدرك كل واحد جيداً ويتحقق من الكلام القائل. أن أكرم وأحب شيء هو الذي يكتسب بجهد وصعوبة. هكذا يولد الإنسان حيث يتغذى من جسد أمه بواسطة حليب أثدائها حتى السنة الثانية من عمره أو أكثر. توجد بعض الحيوانات التي تنتصب على الأرض فور ولادتها على رجليها وتسير مع أمهاتها. أما الإنسان فحتى بعد مضي سنتين بالكاد يستطيع تثبيت أرجله ليسير على الأرض. وفي حدود السنة الرابعة. أكثر أو أقل قليلاً لدى بعضهم. تظهر النفس الناطقة ذاتها بواسطة الكلام الذي يخرج. والحركات والإشارات الجزئية التي تظهر بداية أعمالها وما في طبيعتها من قوى. وإلى أن ينمو الإنسان حتى السنة السابعة. وله تفكير بسيط ومرن. طاهر وبعيد عن كل شر. ولا يدرك حتى عري جسده الذي كان لآدم. الإنسان الأول وامرأته حواء. خلال فترة حياتهم السعيدة الخالية من الألم والضيق. الحياة المقدسة الطاهرة التي يسميها الكتاب الإلهي رمزياً. فردوس النعيم. هذه هي حال الإنسان في الأسبوع السنوي الأول من حياته. حيث لا وجود للشر فيه. ولا تحسب له خطيئة من قبل الله ديان الأحياء. كما لا يدان حتى من الشرائع الموجودة هنا. ولا من تلك التي هناك نظراً إلى حكم الله العادل. لذا فأن سن السنوات السبع الأولى لا تصلح كثيراً للتربية والتعليم. ولا أن تربى بقضيب التعليم. ولكن يجب أن يقرب منه قضيب التحذير والتخويف من الأمور المضرة. وفي الأسبوع السنوي الثاني من الحياة البشرية. يظهر بجلاء اكتسابه الطبيعي لقوة النطق والتفكير المنسوبة إلى النفس العاقلة. وهذه هي السن الملائمة للتربية والتي تخضع لقضيب المربي. كما أن الذنوب تحسب لمن في هذه السن. وكذلك ما يقضي به الحكام من عقاب .

النمو والبلوغ
أن الفتى الذي بلغ السنة الخامسة عشرة. وقد اجتاز الأسبوع السنوي الثاني. يكون أكثر صلاحاً لاقتبال التربية والعلم اعتباراً من السنة السابعة وحتى الخامسة عشرة. حيث أن فكره لم يتدنس بعد بالشهوات التي تستوجب عقاباً من الموجهين. فقد قال سليمان في مطلع أمثاله عن سن الفتى هذه ” لنعطي الجهال حكمة والفتيان معرفة وفكراً “. فلمثل هؤلاء يناسب إعطاء المعرفة والفكر. لأنهم مثل الشمع الطري. لهم استعداد تام لتنطبع فيهم بجدية صورة الفضيلة وتنقش فيهم المعرفة والحكمة. لذلك دعي الذين هم في الأسبوع السنوي الثاني من حياتهم أحداثاُ. وتكون سن الأسبوع السنوي الثالث من حياة الإنسان. أي من السنة الرابعة عشرة وحتى الحادية والعشرين. مهزوزة وتنتفض بسهولة لريح الشهوات وتميل نحو مختلف النزعات بدون استقرار. وهي بحاجة إلى تغطية تامة وحرص دائم. فأنه ينمو وينضج دون سقوط في فترة الأسبوع السنوي الثالث. وليس من العسير إصلاحه واقتباله التأديب وهذا شأنه أيضاً في الأسبوع السنوي الرابع. وعندما يكمل الإنسان الأسابيع السنوية الأربعة. ويبلغ العقد الثالث. يكون قد بلغ ملء قامة الرجال يعرف… … ويصبح أهلاً للرئاسة وإدارة الكثيرين إذا كانت لديه المعرفة والحكمة. هكذا ينمو الإنسان. وهكذا يرحل عن حياة هذا العالم بأعمار متباينة. أي رجلاً كاملاً أو في منتصف العمر أو في الشيخوخة. لكي ينتقل إلى العالم الآخر بمقتضى أمر خالقه. حيث أن الحياة حددت له بسبعين سنة أو ثمانين كقول الكتاب. قال ذلك الروح المرتل بلسان النبي موسى عندما كان يطلب إلى الله من أجل شعب إسرائيل ويترجاه أن يغض النظر عن خطاياهم خلال سنيهم التي هي سبعون سنة وبالكاد ثمانون سنة. هذا هو التحديد الأخير لفترة حياة البشر.

عمر الإنسان
وأود أن أقول شيئاً آخر وأنا أنظر إلى فترة حياة رؤساء الآباء الأولين الطويلة الواردة في الكتاب الإلهي التي امتدت لدى معظمهم إلى نحو تسعمائة سنة أو أكثر. كما يشهد الكتاب المقدس. بالنسبة إلى الذين ولدوا من الملائكة أبناء الله الذين شكوا ونكثوا عهدهم مع الله. واتخذوا نساء من بنات قايين وولد منهم رجال مقاتلون وعملوا شروراً كثيرة على الأرض: فقد روى لنا الكتاب المقدس أن الله قال عنهم: ” لا تسكن روحي في هؤلاء الناس إلى الأبد لأنهم بشر. بل تكون أيامهم مائة وعشرين سنة “. في حق هؤلاء فقط أصدر الله هذا الحكم وليس في حق سائر الجنس البشري الذي جاء فيما بعد. أنه لأمر واضح وظاهر أن الكتاب دون وروى عن حياة بعض رؤساء الآباء أنها امتدت بعد الطوفان إلى نحو ستمائة سنة وإلى سبعمائة أو أكثر بالنسبة إلى البعض الآخر. وكذلك زاوس اليوناني طاغية الكريتيين الذي ناهزت حياته السبعمائة سنة كما تروي مدونات وروايات المؤرخين اليونانيين. إضافة إلى هذا نقول: لا زالت حتى الآن حياة بعض الناس الهنود طويلة أكثر من سائر الشعوب. تمتد إلى ثلاثمائة وخمسين سنة أو أربعمائة سنة. ومعظمهم يعمرون حتى مائتي سنة أو مائتي وخمسين. أما في البلاد العربية الخصيبة فيعيشون حتى المائة والثلاثين سنة. ويبدو أن بعضهم حتى الآن ما زال يشملهم تحديد الله للمئة والعشرين لحياة الذين أثموا قبل الطوفان. وليس جميع الجنس البشري. سواء في ذلك الزمان أو بعده .

ويجب أن نتحدث عما هو موجود الآن. ففي البلدان الغربية مثل اسبانيا وفرنسا ( غاليا ). وفي البلدان الجنوبية. سومطرة وسيفيثية بالكاد ومع الشيخوخة تمتد حياة الناس إلى نحو ستين سنة. ويستنتج من هذا. أن لمناخات المناطق تأثيراً على الشيخوخة وطول حياة الناس. مع تحديدات الله التي تحدثنا عنها. ولكن يجب أن ندرك أن أمر إطالة حياة البشر على الأرض وكيف ومتى تنتهي أيام حياتهم ويرحلون من هنا. منوط بارادة الله. لأنه يولي اهتمامه بجميعهم على حد سواء. لا بل وبكل واحد بصورة خصوصية. وبحياتهم وخروجهم وانتقالهم.

اترك تعليقاً