الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي …الجزء الاول

الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي …الجزء الاول
اليوم السادس ….الذي خلقه الله على صورته

12341053_116733255365123_1596866386093716977_n

في الإنسان
الذي خلقه الله على صورته ووضعه كعالم كبير
وعجيب وسط هذا العالم الصغير
مقدمة:
أن الله الصالح والحكيم والقادر على الكل وخالق الكل. والصانع والمعني والمُدبر لكل ما يصنع. الذي يرى خليقته ويعرفها قبل أن يخلقها: إذ أوجد العالم. لم يوجده دون سبب. وحتى أولئك الذين يقومون بعمل ما في هذا العالم. فأنهم لا يقدمون عليه جزافاً وبدون معنى أو سبب. فإذا كان البشر المخلوقون والمتغيرون والمتذبذبون في آرائهم. والذين هم دائماً تحت وطأة اضطرابات العقل. لا يقال عنهم أنهم كثيراً ما يأتون عملاً عبثاً لا حاجة لهم به. فكم بالحري الله الخالق الحكيم وناظر الكل. الذي خلق بمعرفة حكمته. وعمل بقوته المبدعة والقادرة على كل شيء. يجب ألاّ نقول عنه أنه يخلق أو يأتي عملاً عبثاً دون سبب مبرر أو دونما حاجة إليه .

فإذا كنا قد جزمنا بهذا ووافقنا عليه. علينا أذن أن نبحث بإمعان الفكر وبشكل لائق. عن السبب المبرر الحقيقي الذي دعا صلاح الله الخالق إلى أن يخلق هذا العالم المنظور. بما فيه من اتقان وجمال السماء والأرض وما يتوسطها. وأية حاجة كانت له لكي يخلق السماء والأرض ويأتي بها إلى الوجود. فالله خالقها لم يكن أبداً بحاجة إلى بيت يسكن فيه. ولا هو محتاج الآن أيضاً إلى سكن. ذاك الذي يقول عنه النبي في مكان ما بكل هدوء. كمن يتحدث عن شخصه: ” قال الرب. ألست أملأ السماء والأرض. فأين البيت الذي تبنون لي ” .

وكما هو معروف وواضح أن الله الخالق. ذلك العقل الكبير والأول. لم يكن بحاجة إلى بيت مادي ليسكنه. وكذلك العقول الثانوية أي القوات السماوية غير الهيولية. الذين خلقوا على صورته. لم يكونوا كذلك بحاجة إلى بيت للسكن لأنهم ليسوا ماديين حتى يحتاجوا إلى بيت مادي. لكنهم عـقول لطيفة تشبه خالقها نوعاً ما. ولا يمكن أن تحصرهم أجسام. وقد تحصر الأجسام أجساماً أخرى وتكون بحاجة إلى بيوت مادية لسكناها. أن كانت سكاناً لا أمكنة سكن. أما العقول وكل ما ليس بجسم. فلا يمكن للأجسام أن تحصرها كما أسلفنا. وهي ليست بحاجة إلى بيوت ومساكن مادية. وإذا كان الله الخالق الخفي وغير المنظور. غير محتاج إلى هذا البيت. وكذلك العقول التي خلقت على صورته وشبهه. أي جميع القوات الملائكية لم يكونوا هم أيضاً بحاجة إليه ليحتموا فيه. كما لم يكونوا بحاجة إلى الأرض ليمشوا عليها. ولا إلى الماء ليشربوا. ولا إلى الهواء لاستنشاقه من أجل تقويم حياتهم. ولا إلى الشمس والقمر والكواكب لتنير لهم فيميزوا الليل والنهار. فمن الواضح والمعروف أذن أن هذا البيت لم يوجد إلا من أجل الإنسان الذي كان الله عتيداً أن يخلقه على صورته. بعد إكمال خلقة هذا العالم. ليكون بمثابة قصر الملوك الذي يعد مسبقاً للملك. من أجل راحته وسكناه وسائر الذين ينحدرون منه. ومن أجل الحيوانات التي خُلقت مسبقاً لخدمته. والطيور والدبابات التي خلقت على الأرض من أجله .

هذا هو سبب خلقة العالم الذي سبقت خلقته من أجل راحة وحاجة الإنسان وما معه من الحيوانات والطيور والدبابات التي تدب على الأرض. فمن أجل هذا الذي كان عتيداً أن يؤتى به إلى الوجود ويقام من قبل الله. ملكاً ومتسلطاً على جميع الكائنات الجسمانية. سبق واعد قصر الملوك هذا .

الثالوث والخليقة
فقد سبق إعداد كل الأشياء التي في هذا العالم. كما نوهنا أعلاه. وقد جاءت متكاملة. ولم يعد هناك شيء لإكمال إعداد قصر الملوك هذا. ما خلا مجيء الملك الساكن… بعد هذا يقول الروح الملهم: ” وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض “. وهنا لا بد وأن تأخذنا الدهشة من لطف الله الصالح الرحيم الذي لا يوصف. نحو الإنسان. حيث نلاحظ من هذه الكلمات الأولى الممهدة لوجوده. أنه يعطيه كرامة أعظم من سائر الكائنات المحسوسة التي خلقها قبله. فقد كتب عنها كلمة ” لتكن ” فقط. فكانت. أو “لتخرج الأرض” أو أنه يأمر المياه كذا فتخرج ما كان يريد .

أما بالنسبة إلى خلقة الإنسان فقد كتب الروح الملهم كلمات تشبه الانتقال الفكري والمقدمات التي يستعملها البشر في أعمالهم. فعبارة ” لتصنع الإنسان كصورتنا وشبهنا ” التي فاه بها الله هي بمثابة انتقال فكري لديه وهذا يوحي بأن الله فكر فيما لو يخلق الإنسان أولا. فلو لم تكن هذه هي الغاية من هذه الكلمات. أذن لما كان هناك حاجة لله أن يسبق ويفكر في ما يريد أن يعمله. فليس عنده سبق الأمور ثم الندم. وهو ليس بحاجة كذلك إلى مستشارين يشيرون إليه. فقد كتب ” من سبق وعرف فكر الله أو من كان له مشيراً “. فما هو أذن القصد الذي تضمنه قول الله القائل ” لنصنع الإنسان على صورتنا كشبهنا ” ؟. لِمَ لم يقل ما قاله عن سائر الكائنات. فكانت ؟ إذ كان يقول عن الإنسان مثلا. ليكن الإنسان فيكون فور صدور الأمر دون أي ارتباك. فقد قال عن بقية الكائنات. كما سبق الحديث. ” لتكن ” فكانت. ولدى قوله ” ليكن كذا “. كان الكاتب يضيف فيما بعد ويقول: وعمل الله كذا. أما بالنسبة إلى الإنسان فلم يقل ” ليكن الإنسان ” بل ” لنعمل إنساناً ” وبهذا أظهر بصورة واضحة جلية. أن قوله هذا ليس موجهاً إلى ذاته كما اعتاد بعض الناس أن يفعلوا. بل كان موجهاً إلى شخص آخر. أذن لم يقل ذلك لذاته. ولم يكن ذاك الذي قال ” لنصنع الإنسان على صورتنا ” نفسه. بل كان معه شخص أو شخصان. وله أو لهما قال ” لنعمل الإنسان “. ومما يثبت قوله ” لنعمل ” عبارة ” على صورتنا وشبهنا “. فلو أن القائل كان اقنوماً واحداً. ولم يكن إزاءه آخر وآخر. لما قال ذلك أبداً. لأن الواحد ليس بحاجة إلى أن يقول ” لنعمل “. لكنه يعمل بصمت. حيث لا يوجد أمامه من يكلمه. ولو تكلم لقال فقط. لأعمل إنساناً على صورتنا وشبهنا .

فلو كان مفرداً لقال على صورتي وشبهي وليس بصيغة الجمع. على صورتنا وشبهنا. وحيث أن الفعل ورد بصيغة الجمع. وكذلك الأسماء فيما بعد. إذ يقول ” على صورتنا وشبهنا ” بصيغة الجمع وليس المفرد. لذا فالمقصود كان كلمته الخالق الذي إليه أشار سليمان في سفر حكمته ” عندما أسس السماء كنت أنا معه “. وروحه القدوس المساوي لهما بالأزلية والسلطان والقوة والإرادة. قال الله الأب غير المنظور ورأس الكل ” لنعمل الإنسان على صورتنا وشبهنا ” مستعملاً الأسماء والأفعال كما اعتدنا نحن البشر أن نفعل. فمن الواضح أن ليس هناك من يعمل صورة وشبهاً لله الذي لا شبه له وهو غير منظور أو مدرك. ولا صورة له أو شبه إطلاقا. سوى كلمته الوحيد الذي يسمى بل هو ابن كوليد مساو في الجوهر والسلطان والإرادة والقوة والفعل. فهذا هو صورته الذي يتمثل به ويرى. الصورة التي تشير إلى اقنومه وشعاع مجده كما جاء في القول الرسولي. فلهذين قال الله ” لنصنع الإنسان ” وبسبب ذلك قال ” على صورتنا وشبهنا ” بصيغة الجمع وليس بصيغة المفرد. ولكن ليس في اللاهوت أقانيم متعددة. الذي بسبب صلاحه شاء أن يخلق الإنسان. لذا قلت أن الألفاظ ” لنعمل ” و ” على صورتنا وشبهنا ” لم تأت بصيغة الجمع. وكذلك فعل ” لنعمل ” والأسماء التي تلته توحي وكأنها تنسب إلى كثيرين. حيث قيل ” على صورتنا كشبهنا ” وليس ” على صورتي كشبهي ” .

يمكن التعبير عن هذا كالآتي: أن اقنومي الكلمة والروح اللذين وجه إليهما فعل ” لنعمل ” كانا ثابتين في الله الأب القائل. وهو ثابت فيهما. أذن لم يكن بحاجة ليقول لهما ” لنعمل الإنسان على صورتنا ” بل لم تكن هناك أية حاجة للنطق بهذا. ولكي أوضح بجلاء أكثر حقيقة مفهوم هذا الكلام أقول: أن الله لم ينطق بهذا الكلام إطلاقاً. إذ لم يكن اللذان وجه إليهما الكلام بحاجة إلى أن يقال لهما هكذا. لكن الروح الملهم أوردها في الكتاب على هذا النحو من أجلنا. لكي نستطيع أن ندرك سرية وخفاء أعمال الله. فمن هذه الكلمات التي أوردها الروح الملهم عن تكوين الإنسان. يتضح لنا أن اللاهوت الخالق الواحد الأزلي هو ثلاثة أقانيم مقدسة. كما تتضح الكرامة التي أولاها الله للإنسان أكثر من سائر الكائنات المحسوسة التي سبق وخلقها من أجله .

قال الله ” لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ويتسلطون على سمك البحر وطيور السماء “. ففي هذا القول تعبير واضح عن أن الله لم يخلق إنساناً واحداً بل كثيرين وهم جميع أبناء الجنس البشري. فهو لم يقل ” لنعمل الإنسان ويتسلط ” بل ” لنعمل الإنسان ويتسلطون “. وفي اللغة العبرية لم ترد الكلمة ابن الإنسان بل إنساناً علماً بأن كلمة ” إنسان ” باللغة العبرية لا تأتي بصيغة المفرد بل الجمع. وهذا يدل على أن الله خلق جميع الجنس البشري سوية بشخص آدم وحواء اللذين خلقهما أو جبلهما منذ البداية. ولا أدري ماذا أقول. فأن اسم ” آدم ” بالذات له مدلول جماعي يشمل الجنس البشري برمته. ولا يعني شخصاً واحداً. ومما يثبت هذا. ما كتب عنهم يوم خلقتهم ” ودعا اسمهم آدم “. فمن اسم آدم إذن. ومن كلمة ” إنسان ” وكلمة ” يتسلطون ” الواردة بصيغة الجمع وليس المفرد. يتأكد لنا أن الله خلق جميع الجنس البشري بشخص آدم وحواء اللذين خلقهما أولا. وأمر أن يتسلطوا على سمك البحر وطير السماء والبهائم وكل الأرض. لقد قال الروح الملهم في مطلع كلامه. أن الله تكلم عن تكوين الإنسان وأظهر كرامته الفائقة أكثر من سائر الكائنات المحسوسة التي خلقها من اجله. ثم يستطرد فيقول: وخلق الله الإنسان. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهما وباركهما الله قائلاً: ” اثمروا وأكثروا واملئوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى البهائم وعلى كل الدبابات التي تدب على الأرض “. فبهذه الكلمات الأولى يقول الروح الكاتب ( الملهم ) أن الله قد تكلم عن خلقة الإنسان. وأظهر كرامته التي تفوق كرامة جميع الخلائق المحسوسة التي خلقها من أجله .

ثم يواصل قوله: وخلق الله الإنسان. على مثال الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقه. وباركهم الله وقال له: انموا واكثروا واملئوا الأرض وأخضعوها. تسلطوا على سمك البحر وطير السماء والبهائم وجميع الأرض وكل الدبابات الدابة على الأرض فمن هذه الأقوال يعرف الأمر عينه.. أي اختلاف أقانيم اللاهوت. اقنوم الذي قال أولا ” لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا ” وأقنوم من عمل الإنسان. وأقنوم من عمله على صورته. يقول: أن الله خلق الإنسان. على صورة الله خلقه. فالذي خلقه والصورة التي خلق عليها. ليسا اقنوماً واحداً بل اثنين. وكذلك الكرامة والسلطان اللذان منحهما الله الخالق للإنسان .

وهذا نفسه قاله الروح عنه بلسان داود الذي أظهر بنشيده سمو كرامته وسلطانه ” من هو الإنسان حتى تذكره وابن آدم حتى تفتقده وتنقصه قليلا عن الملائكة. وبمجد وبهاء تكلله. تسلطه على جميع أعمال يديك. جعلت كل شيء تحت قدميه. الغنم والبقر جميعها. وبهائم البر أيضاً وطيور السماء وسمك البحر السالك في سبل المياه “. بهذا أظهر الروح الملهم والمرتل مجد الإنسان الفائق أكثر من سائر الكائنات المحسوسة. والسلطان الذي أعطاه الله على جميع ما خلق على الأرض. كما يبدو أيضاً من العبارات التي تظهر أقانيم اللاهوت. ومن العبارات التي قيلت فيه. ومما قاله له الله لدى مباركته إياهم. لكي بهذه كلها يعرف الإنسان قولا وفعلاً بأنه أكرم من سائر الكائنات المحسوسة. ومن أجله خلقت على هذه الصورة. لكي تكون لسكناه وراحته وطعامه. وللحيوانات التي تعيش معه والتي خلقت لأجله وللطيور وكل الدبابات الحية .

صورة ‏‎Soryoyo Oromoyo Oromoyo‎‏.
صورة ‏‎Soryoyo Oromoyo Oromoyo‎‏.

اترك تعليقاً