الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي ….الجزء الثاني

الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي ….الجزء الثاني

اليوم السادس …الذي خلقه الله على صورته

12341053_116733255365123_1596866386093716977_n

الإنسان روح وجسد

لقد أظهر لنا موسى في أقوال الكتاب المقدس الإلهية. عظمة العقل الذي منحه الله للإنسان الذي به صار صورة له وشبهاً. كملك ورئيس لجميع ما خلق على الأرض. وحيث أن هذا ( الإنسان ) صنفان مختلفان كما يبدو. وهو مركب وغير بسيط. ومنظور وغير منظور في آن واحد. ومحسوس وعاقـل في آن واحد. وجسماني وهيولي. وروحي دون جسم. لذلك استوجب أن يكون الحديث عنه ذا بعدين مختلفين وليس ذا بعد واحد بسيط. فلنتناول بالحديث كلا من هذين البعدين على حدا بما يتناسب والترتيب المطلوب.

ومن اللائق أن يأتي في الأول الحديث عن الجانب المنظور لهذا الحيوان المركب. ومن ثم عن جانبه الخفي وغير المنظور وطبيعته غير المحسوسة وغير المادية. أعني الروحاني والعاقل. وذلك بقدر ما يتيسر لمن هو محصور في الجسد أن يتحدث عن طبيعة غير جسدية ولا مادية التي للإنسان المخلوق على صورة وشبه الله غير المنظور. فهذا هو جسدي وروحي في آن واحد جسماني ومادي. روحي وعقلاني .

جسد الإنسان

لنتناول الحديث أولا عن جسدانيته لأن الهيئة المنظورة للجسد. هي بمثابة مسكن لطبيعة النفس غير المنظورة. وأن هذا الإنسان المخلوق المنظور. يرى وكأنه عالم ما صغير ضمن هذا العالم الشاسع الذي سبق ذكره. وتناوله الحديث. وقد أوجده الله الخالق وجعله بمثابة قصر ملكي للإنسان الملك الساكن.. وحيث أن هذا العالم ذو أهمية نظراً إلى تكوينه العجيب الذي يفوق تكوين الأول. فأننا نود أن نسميه “العالم الكبير “ الذي وضع في العالم الصغير. فأنه التأمل الممعن الدقيق. يرى مشابهاً للعالم الكبير من عدة جوانب. إذ توجد هيئته طبقات مختلفة. عليا وسفلى ومتوسطة. وقد أقامتها حكمة خالقها المبدع بشكل مفيد ومناسب يشبه نوعاً ما التناسق الموجود ما بين السماء والأرض. لتكون مسكناً متقناً وملائماً للإنسان ذي العقل الراجح. حيث جعله الله مسكناً يلائم ساكنه الإنسان. في وسط هذا العالم الكبير .

بعد هذا الحديث الذي تطرقنا فيه إلى تكوين الهيئة المنظورة للإنسان لنتحدث كاشفين القناع عنه. مبتدئين بأقوال الروح المقدسة والإلهية الواردة في الكتاب الإلهي. فقد جاء فيه عن الإنسان ما يلي “وجبل الرب الإله آدم تراباً من الأديم – أو كما جاء في تقليد آخر. تراباً من الأرض – ونفخ في أنفه نسمة الحياة. فصار آدم نفساً حية “. فالكتاب المقدس تناول الجبل الكريم للإنسان. صورة الله. بعبارات قليلة وموجزة. أما الحديث الفاحص والمستقصي فأنه يتناول موضوع عملية جبل الإنسان. بالطريقة التي سلكها بالنسبة إلى خلق الحيوانات والطيور والأسماك وكل الدبابات التي خلق الله على الأرض. وكما فعل أيضاً بالنسبة إلى الأعشاب والزروع والعروق والأشجار والنباتات. فأن الله لم يخلق هذه من التراب أو الماء فقط. ولئن جاء في الكتاب المقدس هكذا. ذلك لأنه تصرف بحسب العرف المألوف عند الناس. لكنها كونت من العناصر الأربعة التراب والماء والهواء والنار. فمن هذه كلها ركب الله وبني جسد الإنسان. وليس من عنصر التراب فقط كما يفهم من معناه. ومن الكلام الذي وجهه الله للإنسان بعد أن أخطأ “أنك من التراب وإلى التراب تعود “ فهو لم يكن من التراب فقط. وليس إلى التراب وحده يعود جسد الإنسان لدى انحلاله. بل أنه ركب من العناصر الأربعة لدى خلقته. وسيعود أيضاً إلى أربعتها مرة أخرى عندما ينحل بعد موته .

مميزات الجسم البشري

ونظراً إلى وجود اختلافات في هيئة الجسم البشري. لنتحدث عنها بإيجاز. هذه الاختلافات التي أوجدتها الذات الخالقة في هيئة جسمه. كصفات ظاهرة ومتميزة أكثر من سائر حيوانات الأرض. ولكي تؤشر في الوقت نفسه إلى الكرامة الفائقة والرئاسة التي أعطيت له من خالقه. وسيتناول الحديث ما يتيسر عن تكوين خلقته مشيراً إلى كل من الأعضاء التي فيها الاختلافات التي بها يتميز ويختلف خاصة عن بقية الحيوانات .

أولاً – الصفة الأولى التي ميزت بها الطبيعة الإنسان هي. أنها أعطت كل الحيوانات التي تمشي أربع أرجل. أما هذا ( الإنسان ) فرجلين فقط. وإذ جعلت لكل الحيوانات أظلافاً مستديرة. فللبهائم أظلاف صلبة ومتينة كالحجر والخشب. وللوحوش أظلاف رخوة ومشقوقة وفعالة. أما للإنسان فراحات طرية ولحمية متينة وممتدة نحو الأمام مثل قاعدة الأعمدة الطويلة. لها أصابع وأظافر في نهايتها وأعقاب تسندها من ورائها .

ثانياً – وقد أعطت الجسم البشري صفة أخرى هي: أن جميع البهائم تضع أرجلها الأمامية التي فيها الركب تحت بطونها عندما تجلس عليها. واضعة ركبها أمامها. وكذلك تفعل الوحوش عندما تجلس على أرجلها الخلفية وتستند على الأمامية وكأنها تستند على الأيدي . أما الإنسان فأنه يحني ركبه إلى الأمام. عندما يركع على ركبتيه لكي يسجد لخالقه. أو عندما يجلس على أوراكه واضعاً ركبه أمام يديه لتكون له بمثابة مائدة أو عندما يقضي بها سائر حاجاته .

ثالثاً – ومن صفات الجسم البشري. أن للإنسان أظافر رقيقة ومسطحة ولينه ومستديرة نوعاً ما. في حين أن لجميع الوحوش أظافر طويلة ورفيعة بطبيعتها.

رابعاً – ومن صفات الإنسان أنه يمسك بيديه كل ما يريد. وبهما يعمل ويسد كل حاجاته. ولئن كان لبعض الوحوش أن تمسك بيديها وبشكل أو آخر ما تريد. كالأسد والكلب والدببة والقردة التي هي أقرب شبهاً بالإنسان من جهة يديها ورجليها .

خامساً – ومن صفات الإنسان التي تدل على كونه سيداً. أنه الوحيد الذي لا يوجد له غطاء طبيعي لجسمه. مثل الحيوانات التي لها غطاء طبيعي يغطي جسمها. وذلك ليبرهن على أنه سيد كريم ومتسلط على جميعها. وكمبدع ذكي يستطيع أن يبتكر بعقله ويعد ثياباً مفيدة ومناسبة من الغنم والماعز وغيرها. ويرتديها متى شاء. ويستر بها عورته أو يتدفأ بها أو يتزين بها. ومتى شاء ألقاها عنه من اجل راحته وهيبته.

سادساً – ومن صفات الإنسان. وجود الأثدية في صدره وبالقرب من قلبه. في حين أن الطبيعة جعلت أثدية الحيوانات جميعها بين رجليها .

سابعاً – ومن صفات الجسم البشري المميزة والظاهرة. القامة المستقيمة والبسيطة التي أعطته إياها الطبيعة من دون سائر حيوانات الأرض. بشبه صرح عال وقائم يرتفع بين أبنية كثيرة أوطأ منه. ويرى فوقها كمن له سلطان عليها. ولكي يكون نظره دائماً نحو السماء. حتى إذا تأمل أعمال الله وأخذ بجمالها وعظمتها. أدرك منها بالتخمين والتقدير. ما يمكن أن يدركه الوثنيون. ويعـرفوا قوة خالقهم وحكمته .

ثامناً – ومن صفات قوام وهيئة جسم الإنسان. وجود وجه مستدير ورأس كروي مهيب. ولئن يوجد بين الحيوانات غير الناطقة ما له شبه بوجه الإنسان أو استدارة رأسه. مثل الأسد والنمر والفهد وما يشبهها أن وجد .

تاسعاً – ومن صفات الإنسان. بالإضافة إلى ما ذكر. نمو الشعر في أصل أفخاذه لستر عورته رغم الاختلاف في نمو قامات جسمه. وكذلك في أباطه أو بعدها. ويكون ( الشعر ) أيضاً علامة لكمال القامة فينمو الذقن على وجه الذكور أو تحت أفواههم من أجل الجمال. ولكي يكون علامة رئاسة الرجل على المرأة. وتنمو الأثدية على صدور الإناث علامة شهوة الزواج نحو الرجال لتكون أدوات صالحة وملائمة تنبع غذاءً مفيداً لأطفال الجنس البشري .

عاشراً – وأفضل كل صفات الجسم البشري. أن يكون رأسه دائماً فوق جميع أعضاء جسمه. في حين أن جميع الحيوانات تحني رؤوسها نحو الأسفل مبرهنة بوضوح على أنها مستعبدة للإنسان. وهو ملكها والمتسلط عليها .

الحادي عشر – ومنها أن يكون له شعر فوق رأسه كتاج. يظهر بموقعه وجماله رئاسة الإنسان على جميع حيوانات الأرض. في حين أن جسده خال من الشعر.

الثاني عشر – وينفرد الإنسان بصفة ظاهرة ومتميزة وهي بياض شعره في مرحلة شيخوخته. ليس فقط شعر الرأس والذقن. بل ذلك الشعر النادر أيضاً الموجود في جسم الإنسان .

هذه هي الاختلافات والصفات المتميزة والظاهرة التي منحتها الطبيعة لجسم الإنسان حينما أبدعه الخالق. لكي يتميز بها عن سائر الحيوانات على الأرض. وربما لو أمعن الإنسان – بدافع حب العمل المتواصل – في البحث. لاكتشف صفات أخرى في تكوين جسم الإنسان غير موجودة في الحيوانات غير الناطقة التي أبدعها الخالق على الأرض .

لقد استوفى الحديث حقه بما أوتي من قوة. من جهة هيئة الجسم البشري. البيت والمسكن الأرضي الذي أعده الله الخالق لسكنى الإنسان الحقيقي الذي خلقه على صورته. أو العالم الكبير ضمن الصغير. أي هذا العالم. أو العالم الصغير الذي كون ضمن العالم الكبير الذي يرى ويحدد بوجود السماء والأرض وما يتوسطهما. وليعتبره أي واحد كما يشاء. ويطلق عليه اسماً يناسبه. أما إنساناً خارجياً أو بيتاً طينياً. أو قميصاً لحمياً. أو ثياباً بالية أو إنجازاً مركباً زائلاً. أو لا أدري ما أسميه. حيث يرد في الحديث على مثل هذه التسميات .

وكذلك من جهة الصفات الطبيعية والظاهرة التي يتميز بها ويختلف عن سائر الحيوانات والطيور والدبابات التي تدب على الأرض. يقال عنه ما يقال. هذا هو البيت الصغير الذي أعده الله الخالق للعقل – الإنسان الحقيقي الذي خلقه على صورته لكي يسكن فيه ضمن العالم – هذا البيت الكبير الذي تكون من السماء وما فيها .

وكذلك من جهة هذا الإنسان المخلوق الذي دعي عالماً صغيراً ضمن الكبير. أو عالماً كبيراً. وكذلك من جهة ما فيه من عجب إذ خلق وأوجد في العالم الصغير. هذا ما حدد عن خلقته وهيئته وتكوين أعضائه. وما فيه من اختلافات .

العقل
ولنتحدث عن الإنسان الداخلي أي العقل الذي خلقه الله على صورته وشبهه كما تسلمناه من شريعته. وذلك بقدر ما أعطينا من قوة الكلام. وقد نتجاسر ونحاول الحديث أكثر من قوتنا عما يسمو عن إدراكنا. ومن المناسب أن نبدأ حديثنا من الأعلى .

أن الله الخالق القوي والقادر على كل شيء. ذاك الذي له القوة أن يعمل كل ما يشاء وما يوافق مشيئته. ذاك الذي نقل بسهولة الكائنات. المنظورة منها وغير المنظورة من العدم إلى الوجود بمجرد كلمة من اقتداره وإشارة من إرادته. وإذ خلق العقول غير الهيولية الثانوية شبه العقل الكبير الأول: ذاته. وجعلهم أنواراً ثانوية مثل نور أوليته الأكبر والأول. وأعطاهم سلطة ذاتية بطبيعة خلقتهم العاقلة المجردة تماماً من أي ارتباط أو خضوع مادي: أراد أن يخلق ويكون بصورة عجيبة. وعلى صورته وشبهه عقلاً آخر مثلهم. له منذ خلقته. سلطة ذاتية وحرية. وأن شاء أنقذ نفسه بنفسه لدى من هو شبه مثاله دون أن يهلك ولئن كان ساقطاً تحت وطأة المادة. ويوبخ العقول التي أظلمت وصارت بإرادتها أضداداً للنور خالقها. هكذا ولهذا السبب. ولكي يظهر الله مصدر صلاحه وقوة اقتداره وغنى حمته. رغب في أن يخلق هذا الإنسان العاقل قريباً للملائكة غير الجسمانيين أو الماديين. فدعا وحرك ذاته ليخلق العقل البشري أي نفس الإنسان. على صورته وشبهه ويخلطه بطين مادي جسماني ويجعلهما دهشة وأعجوبة. وهما بهذا التركيب والاقتران. ينظران إلى جميع العقول الناطقة الملائكية التي سبقته في الخلقة. ولكي يكون كلامنا واضحاً وصريحاً ويستمد قوة الإيضاح من الكتاب المقدس. نعود ونقتبس ثانية في حديثنا عن خلقة النفس. أقوال الله نفسها عن خلقة الإنسان التي وجهها إلى من هم منه ومعه خالقو الكل مثله. حين أراد أن يظهر نور مجده ومعرفته الكاملة في خلقته للإنسان كشيء عظيم ومحبوب لديه جداً. والتي اقتبسناها أعلاه .

قال الروح موحي الكتاب المقدس: أن الله. بعد أن خلق هذا العالم وكونه. قال عن الإنسان الذي كان عتيداً أن يخلقه: ” لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا. ويتسلطون على سمك البحر وطيور السماء وعلى البهائم وكل الأرض. وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض “. هذا ما كتب وسلم إلينا الروح على لسان الله خالق الإنسان. ثم يقول الروح: ” وخلق الله الإنسان. على صورة الله خلقه. ذكراً وأنثى خلقهما وباركهما الله قائلاً: انموا واكثروا واملأوا الأرض. وكونوا أسياداً عليها. وتسلطوا على سمك البحر وطيور السماء وكل البهائم وكل الأرض. وكل الدبابات التي تدب على الأرض “. فقد سبقنا وأوردنا أعلاه أقوال الله هذه. لكي نظهر فيها الكرامة التي خلق بها الإنسان أكثر من سائر الحيوانات التي سبقت خلقتها على الأرض. ونوردها هنا أيضاً لنظهر بوضوح من هو الذي خلق على صورة الله وشبهه. جسد الإنسان أم نفسه ؟ وما هي صورة النفس وشبهها بالله ؟. لقد قال: ” لنعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا “. فإذا أخذنا هذه الأقوال الإلهية والسرية بشرياً وبحسب كلامنا المألوف. نجد أن لا صورة لله ولا شبه. وأي شبه نستطيع أن ننسبه إلى جوهر طبيعة مجردة تماماً عن الجسم. لا يرى ولا يدرك. وغير قابل للتأمل أو الوصف. ولكن يظهر ويفهم من هذه. أن طبيعة الإنسان الجسمانية والهيولية ليست على صورة الله وشبهه الذي لا صورة له ولا شبه. بل طبيعة النفس العاقلة غير الجسمانية وغير المنظورة التي منها كانت النفس. وهذا أيضاً أمر يصعب علينا أن نفكر فيه أو نتحدث عنه. أي أن نقول: أن العقل هو الذي خلقه الله فيها على صورته وشبهه مثل سائر عقول الملائكة. وإذ نسمع باسم الصورة والشبه ندرك أن الله الخالق خلق العقول الناطقة وغير الهيولية واللطيفة أي القوات الروحانية شبيهة لفضائلها وحسناتها. وكذلك العقل البشري أي النفس بمقدار ما يمكن تشبيه الطبيعة الخارجية المخلوقة بطبيعة خالقها غير الخارجية وغير المدركة .

صفات الله والإنسان
وحيث أننا أسميناه ما لله (صفات ) فضائل وحسنات. إذ لا ندري ماذا وكيف نقول عنها ما لم نستعمل الأسماء والتسميات الخاصة بنا. كما لا نعرف الحسنات التي نعتقدها في الله والتي بها صور وطبع العقل البشري. حتى قيل أنه صورة الله وشبهه.

أولاً – بعد أن نفكر وندرك أن الله أزلي ومنذ الأبد ولا بداية له. ولا تدركه مخلوقاته. نقول: أنه عاقل وغير منظور ولا جسم له. وبخاصة عاقل وغير مدرك ولا يطاله العقل. ولئن يمكن تصوره بعض الشيء والإلماح إليه وإذ خلق الله الخالق العقل بدافع صفاته التي بها يقال أنه صورته. لذا قيل عن العقل أنه عاقل. وهو غير منظور ولا جسم له .

ثانياً – يقال عن الله. وهو كذلك. أنه غير متناه ولا مدرك نهائياً. حقيقياً وبصورة كاملة. وبهذا أيضاً شبه الله العقل البشري وجعله صورة له. فيقال عنه هو أيضاً أنه غير متناه ولا مدرك بشكل أو آخر. إذ لا يمكن أن نحصره أو نتحراه دون أن نضل.

ثالثاً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه لطيف وسهل وحاذق ويرى كل شيء. وقد تشبه العقل البشري بهذه أيضاً لدى خلقته. وبهذه نفسها يقال عنه أنه صورة الله وشبهه. لأنه هو الآخر لطيف وسهل وحاذق بطبعه ويرى كل شيء بالخيال.

رابعاً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه صالح وعادل. إذ له وحده الصلاح الذي يسمو عن الكل. لهذا قال هو ( المسيح ) ” ليس صالح إلا الله وحده “. الذي له من طبيعته العدل والبر الذي يفوق الجبال علواً كما يرتل. لذلك قال لأبيه. أنك عادل يا أبتاه. والعالم لم يعرفك. وبهذا أيضاً شبه العقل البشري أي طبيعة النفس. ومن هذه الناحية أيضاً يقال أنه صورة خالقه. ويدعي هو الآخر صالحاً وعادلاً بعض الشيء. إذا ما سعى بقدر إمكانه وأتقن التشبه بشبهه ولو جزئياً.

خامساً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه قوي وجبار وقادر على كل شيء. وبهذه أيضاً صور الله وشبه العقل البشري. لذا أودع فيه غضباً وغيرة كحافزين مشجعين للشجاعة. وبها أيضاً يقال أنه صورة خالقه جزئياً. كما يقال عن الناس أيضاً أنهم صور الله وأشباهه عندما يرون أنفسهم أقوياء بإرادتهم ويحملون ثقل الضعفاء.

سادساً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه رحيم ولطيف بالبشر. وبهذا أيضاً شبه العقل البشري بخالقه واكتسب صورته. وبها أيضاً يقال أنه صورة الله. وبسببها جعل له ناموس طبيعي ليحب قريبه كنفسه. ويتصف بالرحمة هو الآخر جزئياً إذا شاء أن يتقن صورته ويحب قريبه كنفسه ويرأف بأخوته. لذلك قال المسيح لتلاميذه: “كونوا رحماء كما أن أباكم هو رحيم “.

سابعاً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه حكيم بطبعه وعارف كل شيء. وهذه أيضاً وضعها الله الخالق في العقل البشري. وطبعه عليها وصوره بها. ويقال تشبيهاً أنه بسبب هذه يدعى عارفاً وحكيماً جزئياً. ويشترك معه عندما يتأمل بتمعن شبهه ويتقبل منه أشعة المعرفة والحكمة. ويتأمل بما هو موجود.

ثامناً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه طاهر وقدوس ومنزه عن كل دنس ونجاسة بصورة تامة تسمو عن الجميع. وقد جعل الله العقل البشري شبهاً بهذه. فيقال عنه هو أيضاً أنه طاهر وقديس بحدود وبقدر ما يمكن للمخلوقين. إذا ما اجتهد بكل قوته وطهر نفسه من الدنس والنجاسة جسداً وروحاً.

تاسعاً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه غير شرير ولا خاطئ ويبغض الشر والاثم. وقد طبع وثبت هذه أيضاً في العقل البشري المشبه بصورته. وجعله هو الآخر أن يبغض الشر ويبغض الاثم. لذا يقال عنه أنه صورة وشبه الله ولو في هذه فقط. لأن له ضميراً في ذاته قاضياً يبغضها حتى عندما ينحرف ويميل إليها بإرداته.

عاشراً – يقال: عن الله. وهو كذلك. أنه هادئ وديع ومسالم وطويل الأناة ولم تذكر له إساءة. ولا يكن حقداً ولا يضغن. وبالحقيقة فأن الله قد جعل العقل البشري صورته ومثاله في هذه أيضاً. ويمكنه أن يصورها في ذاته لو شاء فيكون صورة وشبها لله بها. حيث يرى هادئاً وطيباً ووديعاً ومسالماً وطويل الأناة. ولا يذكر الإساءات أو يكن حقداً لأخوته. لذا قال السيد المسيح. ذلك الهادئ والوديع والمسالم. لتلاميذه “انظروا إلي وتعلموا مني فأني وديع ومتواضع القلب. فتجدون راحة لأنفسكم “.

هذه هي صور تشبيه العقل البشري وتمثيله بصورة الله خالقه. والتي بها يقال عن كلا نفس الإنسان وعقله. أنهما صورة وشبه الله خالقهما. وسوف نتحدث عنهما بإيجاز زيادة في الإيضاح لمن يرغبون أن يتعلموا .
إن صور تشبيه العقل البشري بالله هي: أن يكون مثل خالقه عاقلاً وغير منظور وغير ذي جسم ولا متناه. وغير مدرك. ولطيفاً وحاذقاً وسهلاً. ويرى كل شيء بالخيال عن بعد. وفي الصلاح والعدل والاقتدار والشجاعة والرحمة واللطف والمعرفة والحكمة والفهم. الذي يتطلب في أعمال الله. والطهر والقداسة والابتعاد عن الدنس وقذارة الجسد والروح. وعدم الإساءة. وعدم الاثم. والهدوء والوداعة والمسالمة والطيب وطول الأناة. وعدم ذكر الشر أو الحفيضة. أضف إلى هذه. إقامة الله إياه رئيساً ومتسلطاً على جميع الكائنات المحسوسة. وإعطاؤه السلطان الذاتي والحرية الشخصية. وجعله إياه أن يكون حيث لا يرى ولا يعرف أين هو. ويكمل جميع أعضاء جسمه. ويؤثر وينظم ويحرك جميعها سوية متى وحيثما شاء. مثلما أن الله يكمل كل مخلوقاته ويؤثر فيها وينظمها ويحركها سوية متى وحيثما شاء. وهو غير مدرك ولا متناه. ولا يعرف أين يوجد. وإلى جانب هذا. وما يفوق كل هذه شبهاً. كونه ينظر دائماً إلى مثاله ويستنير به. ويرجع إلى شبهه ويندمج به مثل نور السراج الذي يؤخذ من اللهب ثم يعود ويندمج به من جديد. ورغم أنه مخلوق وله بداية. فقد جعل غير ماءت وغير فاسد ولا نهاية له إلى الأبد. هذا هو التشبيه الكامل للعقل البشري بالله خالقه. وهذه هي صورة النفس البشرية الحقيقية والرئيسية والثابتة لمثلها الخالق.

اترك تعليقاً