الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي …الجزء الثالث

الايام الستة ….مار يعقوب الرهاوي …الجزء الثالث

اليوم السادس ….الذي خلقه الله على صورته .

12341053_116733255365123_1596866386093716977_n

في النفس…..
لقد اطلعنا الكتاب المقدس من خلال الأقوال التي اقتبسناها عن خلقة الإنسان: على السلطان الذي أعطي له من خالقه على سائر الخليقة المحسوسة. ومن الضروري أن يشمل كلامنا هنا. الحديث عن اتحاد وتركيب هذا الإنسان. وعن هذا أيضاً يجب أن نقتبس من الكتاب المقدس. ونضعه أساساً لما سنقوله فيما بعد. قال الكتاب الإلهي بهذا الصدد: ” وجبل الـرب الإله آدم تراباً من الأرض ونفخ في أنفه نسمة حية… “. فقد أخبرنا في الأولى. أن الله خلق الإنسان على صورته وشبهه. وفي هذه علمنا ماهية الجسد البشري المخلوق. أي بيت الإنسان. وماهية نفس الإنسان الحقيقي.

وأضاف موضحاً. فدعا الجسد تراباً. وأخبرنا في الوقت نفسه من أين أخذه الإله جابله. وأعطى النفس اسما مناسباً – نسمة حية. وهنا لم يقل: ” خلق ” كما فعل في الأول. بل ” جبل “. وأن كلمة “جبل “ تظهر بوضوح بأن الجسد البشري هو طين مجبول من تراب الأرض والماء. يقول “جبل تراباً من الأرض. ونفخ في انفه نسمة حية “. فمن المعلوم أن الخالق استعار الجسد من الأرض التي سبقت خلقتها. أما نسمة الحياة فقد أضافها إلى الجبلة من عنده. فقد سمى روح الله. النفس التي خلقها الله على صورته وشبهه. نسمة الحياة. لذلك أضاف فيما بعد قوله. وكان الإنسان نفساً حية. وبتأثيرها يتحرك الجسد الذي اتحدت به. أما قول الروح “ونفخ في وجهه “ فمعناه. ومثلما يحدث عندنا. أن الذي ينفخ في وجه قريبه. يرسل إليه من ذاته ولسلطانه نفخة الريح إلى وجه من يتقبلها وليس من مكان آخر. هكذا أيضاً وضع الله الخالق في خلقته للإنسان. نفساً حية من ذاته بكل تشابهها. يضاف إليها أنها حية صادرة عن الحي والمحيي ومانح الحياة. وعاقلة من عاقل. وغير مائتة ممن هو غير ماءت. فإذن النفس الناطقة والعاقلة التي لا جسم لها هي من الله الخالق العاقل الذي لا جسم له. ولا يشهد على هذا كتاب الروح الإلهي المقدس فقط. بل هنالك أيضاً رجل من العبرانيين عالم وحكيم ومعروف. سمى جميع النفوس. بنات الله. ليس لأنه وجدها فقط عاقلة من عاقل. بل وإلى جانب هذا. رأى أن محبة أبيها نحوها هي أضعاف محبة الأباء هنا للأبناء والبنات .

ولا أجد بأساً من دعم كلامنا بأقوال بعض الوثنيين من كلدان ويونانيين ممن هم خارج حظيرتنا. التي تؤيد الحق وتثبته. قال بعضهم في حديثهم عن الإله بيلوس مشبهين إياه بما لنا: أنه هو الذي خلق هذا العالم. فعندما كون وميز السماء والأرض وما يتوسطهما. انتقل للحال إلى عمل الإنسان كما نقول وكما فعل موسى وكتب. وكتبوا بصورة رمزية وبما يتناسب. هكذا “أن الإله بيلوس هذا عندما قطع رأس نفسه عجن في التراب الدم الذي سكب وجبل الناس. لهذا فأنهم عقلاء ومشتركون بالحكمة الإلهية: أما بيلوس الذي يسمى زوس فقد فصل السماء والأرض عن بعضهما عندما قطع الظلام من وسطه. والحيوانات التي لم تتحمل قوة النور هلكت. والحيوانات التي لم تهلك – كما يبدو هنا – هي قوات الثلاب والشياطين المتمردة الذين صاروا أضداداً لله خالقهم. يقول عندما رأى بيلوس مكاناً خرباً وفارغاً ومثمراً – يبدو أنه يقصد الأرض – أمر أحد الآلهة ليقطع رأسه ويعجن تراباً بالدم المنسكب ويخلق بشراً وحيوانات بإمكانهم احتمال الهواء. ثم أكمل بيلوس نفسه ( خلقة ) الكواكب والشمس والقمر والكواكب الخمسة التائهة ” .

فهذه تشكل بمفهومها تشبيهاً تقريبياً نوعاً ما لما نقوله نحن. وليست بعيدة كثيراً عن كلمة الحق. فهي الأخرى تخبر وتؤكد على تكوين جزء من البشر من الله. وهم عقلاء لأنهم من الله العاقل. وأصلهم من الله. كما قال وأكد واحد آخر منهم. وأنهم يشتركون في الحكمة الإلهية. ومن العدالة أن يكون المشتركون في حكمة الله. صورة الله. أن الذين يتعاملون منا بالكلمات المألوفة. لا يرون في قطع الله رأسه وانسكاب الدم منه الذي عجنه بالتراب وجبل البشر. سوى أن الله وضع جزءاً منه في جبلة البشر لكي يشتركوا في المعرفة والحكمة. حكمة الله التي يشترك فيها البشر العقلاء وذوو الفهم والذكاء. أولئك الذين صاروا على صورة الله العاقل وشبهه باقتبالهم النفخة الإلهية. فما الذي ترى يجب أن يعتقده الإنسان حقاً فيها. سوى كونها روح الله القدوس منعش ومحيي جميع النفوس الحية والناطقة. ومنير جميع العقول الناطقة. ذاك الذي تسميه الكتب هو الآخر حكمة الله. ولئن كان كثير من ملافنة الكنيسة. مفسري كلام الله في الكتب المقدسة يؤولون عبارة ” نفخ في وجهه نسمة الحياة ” التي قالها الروح عن جبل الإنسان. بأنها تعني تكوين النفس. استناداً إلى كونها وضعت فيما بعد عبارة ” وصار الإنسان نسمة حية “. بيد أن الطوباوي كيرلس الذي أخذ المزيد من روح الله. الملفان الكبير ومخزن كلام الروح. أول عبارة “نفخ في وجهه نسمة “ بشركة الروح القدس . وقد أكد هذا وثبت العبارة بقوله الصريح ” أن النفخة التي نفخها الإله في آدم صورت الإنسان تصويراً ” ويقول ” ونحن نرى ونقول أيضاً أنها شركة الروح القدس ” .

فإذا كانت نفخة الله هي التي صورت الإنسان تصويراً بحسب تأكيد هذا الرجل الروحاني الذي أكد كونها شركة الروح القدس. فقد ظهر جلياً. أن هذه هي الصورة الحقيقية والشبه الحقيقي بالله الذي خلقنا على صورته والذي بواسطته تكون دائماً للعقل البشري الناطق والمفكر. شركة وفاعلية الروح الإلهي. الذي ينير دائماً الأنفس الناطقة المتشبهة بالله وينقي ويطهر عقولها باستمرار. لكي تقتبل أشعة معرفة الله. لأن الله خلقنا ذوي سلطة ذاتية. ولنا إرادة حرة دائمة تتجه حيثما شئنا. سواء أمال فكرنا نحو الصالحات أم نحو الشر. وأن الخالق المدبر لا يسيرنا بالقوة ولئن يرغب في خلاصنا. ويعيننا على ذلك في كل ظرف ومناسبة. فإذا طهرنا نحن بإرادتنا الحرة. عقولنا كالمرأة لنقتبل في ذواتنا نور شركة الروح الإلهي. نكون حقاً صور الله كما خلقنا. ولكن أن أفسدنا فكرنا وغضضنا الطرف بإرادتنا عن أشعة نور المعرفة الخالق. وعن أشعة نور وصايا الله ونواميسه. وملنا نحو الشهوات الجسدية ونحو متاهات ظلام هذا العالم. نكون قد حكمنا على أنفسنا بأننا لسنا صورة الله كما خلقنا. ونظهر أنفسنا بأننا بعيدون وغرباء عن شركة وفاعلية الروح الإلهي الذي أعطيناه لدى خلقتنا. هكذا أعطى الله الصلاح للإنسان لدى خلقته إياه. وكان صلاحاً غير ثابت أو راسخ. لأنه لم يثبت في الطبع بل وضع في الإرادة التي تلتقط الصلاح مثل الصورة. لذلك فهو مهزوز فينا؛ نظراً إلى إرادتنا السيئة الميالة نحو الشرور منذ طفولتها. وبسبب الخطيئة المسيطرة علينا. وهو بلا عيب من حيث اتحادنا بالصالح ( الله ) .

لقد ظهر من كلمة الحق التي سلمها إلينا الروح الإلهي في الكتاب المقدس. ما الذي تعنيه صورة النفس وشبهها بالله. وما هي الصور التي تكمل العقل وتصونه بعيداً عن العبث والفساد. كما ظهر أن الأشياء التي دمجها الله في خلقته للإنسان بصورة عجيبة. تختلف عن بعضها البعض وهي غير متساوية في الجوهر والطبيعة. وذلك لكي يظهر قوته وحكمته وغنى صلاحه غير المحدود. ويثير دهشة جميع العقول الناطقة التي سبقت خلقتها. لهذا الاندماج غير المدرك. فقد دمج الروح. روحاً وطيناً لا لطبيعة الأثير. بل للطبيعة العاقلة غير الجسمانية التي دمجت معاً وركبت تركيباً عجيباً مثيراً للدهشة. طبيعة واحدة مركبة من أربعة أجسام. أي من التراب والماء والهواء والنار. منظورة وملموسة وذات أبعاد ثلاثة. وقد جمع الله وركب بحكمة ومهارة طبيعة أخرى روحية عاقلة وغير هيولية. وخلق حيواناً مركباً وعجيباً – الإنسان – من طبائع مضادة ولا تشبه العنصر. هذه التي كانت بعيدة عن بعضها البعض ومختلفة بأشواط غير محدودة. فقد قربها وركب منها طبيعة واحدة مركبة ومتحدة دون تبلبل أو تغيير. ووحدت بشكل عجيب يفوق الوصف لكي تكون واحداً حقاً. وتكون صفات كل منها حقيقية للمركب كله. ولئن تحافظ على عدم امتزاجها. فقد جمع الله معاً. منذ بداية هذا العالم. الطبيعة المنظورة وغير المنظورة. لكي يسبق فيمهد الطريق. كما اعتقد للسر العظيم ليجعله قابلاً للإيمان به وتقبله عندما يتم. وإذا صح هذا هنا. فأن الباحث المستقصي عن الخفايا. يستنتج من الكلام عن تكوين وتركيب هذا الكيان المركب – الإنسان – بأنه سر. لأن الله العارف بالأمور قبل حدوثها. سبق فرأى أن الإنسان الذي خلقه وركبه من مواد مختلفة لا يشبه بعضها البعض. سيخطئ ويسقط وسيبتعد عنه الجنس البشري برمته. وسينزل ويخلي نفسه من أجل إيجاد وخلاص صورته. لذا سبق واتخذ رمزاً ومثالاً لطريقة وسر مجيئه. من تركيب الإنسان من الطبائع المختلفة. لكي يكون شبهاً ودليلاً مناسباً لاتحاد طبيعته مع الطبيعة البشرية التي سبق وخلقت على صورته وشبهه. وسبقت وركبت هي الأخرى من الطبائع المختلفة التي لا تشبه بعضها. وبهذا أصبحت رمزاً. لتقوم دليلاً على اتحاده وتركيبه بها. الأمر الذي كان مزمعاً أن يفعله من أجل خلاصه .

ولقد سبق واتخذ سر اتحاد الإنسان رمزاً وإشارة إلى اتحاد الله مع هذه البشرية. باتحاد النفس مع الجسد. ليكون صورة ودليلاً واضحاً وجلياً على اتحاد الله الخالق مع الإنسان بالجسد لدى مجيئه من أجل خلاصه. لذا. عندما جاء خالق الإنسان وأكمل الرمز. لم يتخذ الباحثون في أسرار الكنيسة للبرهان على تأنس الله واتحاده بجسد الطبع البشري ذي النفس. سوى تركيب الإنسان الذي تم من طبائع متباينة. وقد سبق وأشار بهذا إلى جميع الطبائع المتباعدة والمختلفة معاً في الخالق والمخلوق. فتجتمع مع بعضها البعض وتكون طبيعة متحدة وأقنوماً واحداً متحداً وغير منقسم. أقنوم واحد للمسيح الرب. الإنسان والإله. واتحاد تام للإله الإنسان الذي تم باتحاد عجيب غير منفصم. وإذ كان إلهاً بسيطاً صار إلهاً متحداً من أجل خلاص الإنسان المتحد .

هكذا سبق الله الخالق. واتخذ رمزاً ودليلاً على اتحاده مع جسد ذي نفس. باتحاد صورته مع الجسد الحي. لأن نحن الذين صرنا بشراً ذوي نفوس كصورته. إذ استعبدنا لشهوات الجسد صرنا جميعاً جسدين. فكان من الضرورة أن يتحد الإله العاقل الذي لا جسد له ولا جسم فيصير ذا جسد من أجل خلاص وتحرير الإنسان من شهوات الجسد. إذ يجعله روحانياً وإلهياً باتحاده به ويعطيه أن يسمى إلهاً كما اشتهى ورغب من قبل عندما خدعته الحية عدوه. هكذا ركبت طبيعة إنسان من هذه المضادات. من التراب والروح. من النفس والجسد. ومن كونه منظوراً وغير منظور. من الحساس والعاقل. من الجسماني والروحاني. من زائل وماءت ومن غير المائت إلى الأبد. وهذا هو سر تركيبه .

وبالإضافة إلى هذه الأسرار التي كشفها الحديث وجلاها بوضوح. نتحدث الآن عن تركيب الإنسان الذي يدهش إخوانه العقول الروحية والناطقة الذين إذ يدهشهم تركيبه يمجدون حكمة الخالق. ولكي يمثل اتحاده الله مع الجسد. ويشير الكلام بدقة وإمعان إلى أن هناك سراً آخر أبدعه الخالق الحكيم. سنتناوله بالحديث أيضاً .

حيث أن الكلمات التي نطق بها غريغوريوس اللاهوتي الحقيقي هي الهام إلهي. وهي الأكثر مقدرة على وصف هذا السر. لذا سنقتبسها هنا لكي نؤيد بها رأينا. قال في مكان ما وهو يتحدث عن حلقة الإنسان. هكذا “لما كان العقل والحس قد انفصلا عن بعضهما البعض منذ مدة. وانحصر كل منهما ضمن حدوده. وظهرت فيهما عظمة الكلمة خالقهما. فكانا المشيدين الصامتين بعظمة عمله. ودعاة ذوي أصوات صارخة. فلم يكن بعد امتزاج بينهما ولا اتحاد. أي شيء من تلك الأشياء المضادة. وهذا دليل كلمة أعظم. وغنى الطبيعة. كما لم يكن غنى صلاحه قد ظهر بعد. فلما أراد الكلمة المبدع أن يصنع حيواناً واحداً من كليهما. أي من الطبيعة المنظورة. خلق الإنسان. إذ أخذ الجسد من المادة الموجودة من قبل. ووضع من ذاته الحياة التي تعرف بالنفس العاقلة وصورة الله كعالم ثان. يقيم الكبير في الصغير على الأرض ملاكاً آخر. وساجداً متحداً. وناظراً للخليقة المحسوسة. يقف على سر العاقل. ملك كل ما على الأرض. يستمد سلطته من فوق. أراضي وسماوي. زمني وغير ماءت منظور وعاقل. يتوسط العظمة والوضاعة. له روح وجسد على حد سواء. الروح من أجل النعمة. والجسد من أجل الرفعة. فتلك لكي يستمر بواسطتها ممجداً ولي نعمته وهو يكرم بالعظمة. أما هذه فلكي يتألم. ولكي يتذكر ويتأدب عندما يتألم. حيوان يوجد هنا ويتنقل إلى مكان آخر. وختام السر. أنه يتأله بجنوحه نحو الله. إلى هذا يقودني قبس ضئيل من حقيقة سناء الله. فأرى وأحب. وهذا جدير بالذي يحل ويربط في آن واحد. بل ويربط بشكل أرفع وأعظم “ .

بهذا ظهر السر الثالث. حيث أن النفس الناطقة والمفكرة. عندما ترى ضعف الجسد البشري الذي اقترنت به وتشعر بشهواته. وكأنها شهواتها. لارتباطهما معاً. وينالها العقاب بسبب الشهوة. وتدرك زعزعة الأمور هنا وعدم ثباتها. تهرب مما لا ثبات له أو بقاء وتنضم إلى الأشياء الباقية الثابتة التي لا نهاية لها. لتنقذ خفتها من ثقل من اقترنت به بموجب قصد الله الذي قرنهما معاً لكي يخلصا معاً كذلك. بسبب صورته التي انطبعت وصورت فيهما. أما السر في تركيب الإنسان واتحاد النفس بالجسد معاً الذي يظهر قصد الله الخالق الذي قرنهما لهذه الغاية فأننا نوضحه كالآتي .

اترك تعليقاً