“الاراميون في التاريخ” – الميدان العسكري

“الاراميون في التاريخ” – الميدان العسكري
الأب المؤرخ ألبير أبونا

تكّلمنا عن المجتمع المدني في الدول الآرامية. فتناولنا الملك وحاشيته، وتطرّقنا إلى الجهاز القضائي. ثم تحدّثنا عن طبقات المجتمع، واستعرضنا أوضاع الملاّكين الكبار والفلاحين الصغار، ثم العبيد وأوضاعهم. وشرحنا أحوال الأسرة وتركيبتها، وسّلطنا الأضواء على المرأة لدى الآراميين. وفي هذا الفصل، ننتقل من المجال المدني إلى الميدان العسكري.

إنه لمن الصعب أن نجد شيئًا مميزًا عند الجيوش الآرامية في المصادر التي في حوزتنا. وهذه الملاحظة تصح قبل كل شيء عن المصطلحات العسكرية. فإن المدوّنين الذين سجّلوا الكتابات الآرامية كانوا مشبَعين بثقافة دولية، وكانوا يعّبرون عن مفاهيمهم شأن جميع معاصريهم.

الوحدات العسكریة

يشار إلى الجيوش بلفظتين قريبتين من العبرية: “حيل قوة” و”محنت”. ولا ندري المفردات التي كانت مستعملة للوحدات العسكرية من مختلف الأحجام. ويمكننا أن نتصورّ لا أن نبرهن إن لفظة “دكل” المذكورة في عهد الأخمينيين في “نگف”، كما في جزيرة الفيلة (الفنتين) كانت تُستعمَل للفِرق في العصر الحديدي، وإن الجيوش كانت مقسومة إلى فئات، كما كان الشأن في مملكة يهوذا (مثلاً في ٢ ملوك ١١ ). وعلى ضوء التعابير الآرامية في كتابات سوحو (في نحو سنة ٧٧٠ ق.م.) والاستعمال العبري والفينيقي، من الواضح أن الشرق الأدنى كله في ذلك الزمان كان زاخراّ بفرق مدعّوة “كودود”. ومن الصعب أن نقول هل كانت هذه وحدات عسكرية أم مجردّ عصابات من المغامرين واللصوص.

الرُتب

لقد وردت صفة لهدد في كتابه “تل فخيرية”، والمماثلة مع العبرية “كبور”، وهما توحيان أن المقاتلين النخبة كانوا يُدعون “كبار جّبار”، مثل أسماء الآراميين في سمأل. إلا أن التدرّج العسكري عند الآراميين ليس واضحاً كثيراً. فلا نعرف حقًا، مثلاً، هل ان نشاط “فقد” لمعاهدات “سفيرة” كان يُمارَس في الجيش. إن “بعلي ركب” الذين يسميهم “باناموا” إبن برصور، كان كل منهم بالأحرى يقود مركبته وليس فيلقًا من العجلات العسكرية. ولقبهم يتناسب فعلاً في أصل الكلمة مع الأكدي “بيل نركبتي” (قائد مركبة)،وليس مع “رب كيصري” (قائد وحدة من المركبات)، وكان ضابط من رتبة”رب كيصري” يأمر مئة رجل مع مئة حصان. وتُظهر نصوص المسح الزراعي في حران ان كبار الملاّكين في القرن السابع، الذين كانوا يشترون ويبيعون القرى، كانوا في الغالب من فئة “رب كيصري”.

عتاد المحاربین

تفضیل قدیم للقوس

إن القوس “قشت قَشةِ”، المهمة في كل مكان في العصر الحديدي، ربما كانت السلاح المفضّل لدى الآراميين. فمنذ نحو سنة ٩٠٠ ق.م، هناك محاربون يلوّحون بقسيّ قوية، كما تظهر على أنصاب “تل حلف”، ولاسيّما في التمثيل الأدقّ الذي يز ودّنا به نصبٌ من زنجرلي من القرن الثامن عن هذا السلاح الذي لعب دوراً في التحليل العصري للقوس المر كّبة. وفي مطلع

القرن التاسع قبل الميلاد، كان “موقورو” التيماني، الذي دافع عن “جدار” في منطقة “خانيكالبات” ضد الإمبراطور الآشوري أدد نراري الثاني، يعتمد على قوسه القديرة، ويقول أدد نراري إنه التقط سهاماً من “نصيبينا”، وهي المركز التيماني الآخر الذي احتله. ويحتفظ الفن الصوري بأثر من الأزمنة القديمة حيث لم تكن القوات الآرامية سوى زمر من القوّاسين ورماة المقالع ومقاتلين آخرين نصف عُراة، ماسكين بالخنجر والحربة. وما يزال القوّاسون الآراميون يظهرون في روايات القرن الثامن قبل الميلاد. وقد رأينا أن “نينورتا كودورّي أوصور” كان يصف مثل عصابة من القوّاسين واللصوص أولئك الذين انقضّوا على الخابور الأسفل في نحو سنة ٧٧٠ ق.م. ويذكر تغلاثفلاصر الثالث قوّاسين بين جنود آخر ملك من ملوك دمشق ١.

التسلّح في العصر الحدیدي الثاني

التحدیث

في ذلك الزمان، كان تسّلح الآراميين قد تعصرَن. فكانت لجيوشهم مركبات وفرسان، كما أن العتاد الشخصي كان قد تحسّن أيضاً. وهذا ما يمكننا أن نراه على نصب تهكُّمي يظهر لنا ولداً حدَثًا مدَّججاً بالسلاح. وقد كشفت تنقيبات “زنجرلي” تشكيلة كبيرة من البقايا العسكرية، من حديد وبرنز، وحدائد رماح، وأسنّة سهام ومقالع وخوذ وحراشف دروع، بغضّ النظر عن قطع من مختلف أنواع الأسلحة والمركبات. إن عُدد الحرب هذه، التي يمكن أن نضيف إليها المقلاع وقذائفه، لا تتميّز بسهولة عما لدى الآشوريين، الذين يسيطرون على معظم الدول الآرامية في الزمان الذي فيه صُنعت هذه الأدوات التي ورد ذكرها.

أهمیة القوس المستدیمة

إن أهمية القوس المستديمة في العصر الحديدي تظهر بغزارة في الفنون والرسائل. إنه رمز أوليّ للقوة والعنف في كتابات ذلك العصر، ويشكّل بانتظام جزءاً من الفن الصوري لمشاهد الحصار، التي تتضمن دوماً رماة السهام من كلا طرفَيّ الخلاف.

الشكل ( ٩) قواس آرامي “من تل حلف”

السیف

لم يكن دور السيف بأقل أهمية من سائر الأسلحة الأخرى. ونقصد بالسيف السلاح السوري الفلسطيني الذي كان قصيراً وذا حَدّين. وتدعوه النصوص “حرب حٍربِاِ”. ويزوّدنا نحت ذلك الزمان بأمثلة عديدة عنه، منها ممتازة، وأخرى خرقاء. وتجدر الإشارة إلى المشهد الذي يمّثل ضربة السيف على الرقبة على نصب من “تل حلف”، وما يقابله على ختم من القرن الثامن في “حماة”. وفي الكتاب المقدس مشهد يُظهر هذا النوع من استخدام السيف في المبارزة بين فريقين من ١٢ شاباً على بركة “جبعون” (راجع ٢ صموئيل ١٥: ٢). وهناك مشاهد كتابية أخرى كثيرة، وهي تؤ كّد بالتفصيل أن “حرب” العبري كان السلاح نفسه الذي يُستعمل في سوريا الشمالية ٢. أما المقلاع والرمح، اللذان نعرفهما عن طريق الفن الصوري وعلم الآثار، فهما

غير ممثَّلَين بصورة جيدة في النصوص.

تصنیع الأسلحة وتخزينها

يبدو أن الحُكّام الآراميين خزنوا عتادهم العسكري في مخازن معينَّة. وفي قلعة حماة، اكتُشف الكثير من مختلف أنواع الأسلحة العائدة إلى المستوى الذي تمّ تدميره في سنة ٧٢٠ ق.م، في البناية المرقمة ٥ في الشمال الغربي من المجمّع الملكي، منها أسنّة رماح ورؤوس سهام. وقد بلغ عدد هذه الأسلحة نحو ٦٠٠ قطعة. ويُعتَقد أن هذه الكمية المكدّسة هناك كانت من جراء خزنها في ذلك الموضع، وليس نتيجة إحدى المعارك الأخيرة. ولا بدّ أن مواد الحرب هذه قد صُنعت داخل القلعة ذاتها. وإذا اعتبرنا المعلومات الواردة عن كركميش في الزمان نفسه، فإن تصنيع الأسلحة كان يتُرك جزئياً للمبادرات الخاصة.

المركبات والحصن

في العصر الحديدي الثاني، كان الملوك يضعون كل افتخارهم في مركباتهم (ركب) أكثر مما في خيولهم (برش – فٍرِشِا). وهنا أيضاً، اعتماداً على ما جاء في الكتابات، كان الأمراء الآراميون لا يحيدون بشيء عن أندادهم.

المركبات

كیف كان المظهر الخارجي لهذهالمركبات؟

يمكننا أن نرى من الفن الصوري الحّثي الحديث والآرامي أن المركبات السورية في العصر الحديدي الثاني كانت وسائل نقل خفيفة، قابلة للحركة أكثر من المكائن السرجونية الثقيلة بعجلاتها الكبيرة وبركابها الثلاثة أو الأربعة الذين طالبوا باستخدام أربعة حصن. وفي القرن التاسع، لم يكن للمركبات الآرامية، وكذلك للمركبات الآشورية سوى راكبين، وكانت تسير

على عجلات أصغر ويجرّها حصانان فقط.

وكانت هذه المركبات تحظى بشهرة واسعة. فإضافة إلى المكانة التي تُشغلها في النقوش البارزة، تكمن شهرتها في الزخرفة الباذخة في طغم الخيل وفي تزيين المركبات نفسها. وكان الذين يمتطون هذه المركبات في وضع يُحسَدون عليه. ويبدو ان ثمة إلهاً يسمى “ركب إيل ” يُعتبر شفيع السلالة الرئيسية لسمأل. وكان يُشهد لأهمية هذه المركبات في العالم الآرامي كله.

وإذا استعرضنا ظهور هذه المركبات عبر التاريخ، لاحظنا أن هناك شهادات وردت، منذ مطلع القرن التاسع، تشير إلى أنصاب تذكر المركبات الآرامية. ففي سنة ٨٨٦ ق.م، يقتضي الملك الآشوري توكولتي نينورتا الثاني بأن يُقسم أمير بيث زماني بأنه لن يزودّ أعداء آشور بالخيل. وقد نوَّهنا سابقًا بأن آشورناصربال الثاني كان قد صادر وحدات مركبات “بيث بخياني” و”أزالو” و”بيث أديني”، والدول الصغيرة في الفرات الأوسط كان لها أيضاً مركبات تضعها في الحملة حينما حاولت التخّلص من سلطته. بعد ذلك، صفَّ “أحوني” أمير “بيث أديني” مرات عديدة مركباته إزاء شلمناصر الثالث. وقد استولى هذا الغازي على المركبات وعدّتها العائدة إلى سمأل وإلى حلفائها. وفي نحو نهاية القرن التاسع، لا تذكر نتف النصب الذي أقامه أحد ملوك دمشق في “تل دان” سوى المركبات الإسرائيلية. إلا أن السياق يدلُّ على أن جيوشه الخاصة كانت من النموذج نفسه. ويعدُّ نصب “كرخ” ١٢٠٠ مركبة في قوات دمشق في معركة “قرقر”، وتظهر أيضاً مركبات حزائيل بانتظام في مجابهات سنة ٨٤١ ق.م. والسنوات اللاحقة.

وفي القرن الثامن قبل الميلاد، تتحدث معظم الوثائق المتعلقة بالمركبات الآرامية عن خدمتها في الجيوش الآشورية. إن كتابة “زكور” من حماة، وهي تتكلم عن المركبات والفرسان لم سياق لم يتمّ حفظه جيداً، هي إحدى الشواذ النادرة. ونعلم ان سرجون الثاني استطاع أيضاً أن ينتزع ثلاثمئة أو أربعمئة مركبة من هذه المملكة، بعد أن سحق ثورة “يوبيعدي”. وقد رأينا أن “باناموا” إبن برصور عيّن في سمأل المسؤولين عن مركباته، وان ابنه “بر ركيب” كان فخوراً بمنصبه بالقرب من مركبة تغلاثفلاصر الثالث. وكان صف من البنايات على الجدار الشرقي من قلعة “زنجرلي” وقد بُنيت تحت النظام الآشوري بعض الوقت بعد سنة ٦٧١ ق.م، وربما كانت تُستخدَم كمعالف في الطبقة السفلى وكثكنات في الطبقة العليا. أما في “أرباد”، فقد رأينا ان المعاهدة مع آشور نراري الخامس كانت تلزم “متي إيل” بالإلتحاق بالجيش الآشوري مع مركباته، في حال نشوب حرب.

الخیّالة

إن وحدات بيث أديني وأزالو وبيث بخياني كانت تضمُّ الخيّالة، إضافة إلى المركبات. وكان ما يزال ثمة فرسان عند “أحوني” بعد الهزيمة الحاسمة التي مُنيَ بها سنة ٨٥٥ ق.م. وبحسب شلمناصر الثالث، كان “هدد عزر” الدمشقي قد قابله ب ١٢٠٠ خيّالة في معركة “قرقر”. ويذكر شلمناصر أيضاً خيّالة حزائيل. ولا بدّ أنها أدّت دوراً مهماً في المعارك ضد إسرائيل التي كّلفت هذه البلاد ألوفًا من الخيّالة (برش فِرِشِا)، بحسب ما جاء في نصب “تل دان”. وبعد سنة ٨٠٠ بفترة وجيزة، نلاحظ أن تركيبة “ركب برش” الماثلة في هذه الكتابة، تظهر من جديد في كتابة “زكور”. وفي سنة٧٢٠ ، يضمُّ سرجون إلى فِرِقَه ستمئة خيالة من “يوبيعدي” التعس. ولا تظهر

خيول “متي إيل” إ لاّ في اللعنات الشرطية الواردة في المعاهدات، وربما كانت تخصّص للمركبات أو للخيّالة. ولدينا انطباع أن الجيوش الآرامية المستقلة اختفت قبل أن تكسب الخيّالة فيها موقعاً مهماً مثل الموقع الذي بلغته في الجيوش الآشورية.

حجم عدد القوات المسلَّحة

إن عدد القوات المسلَّحة في الدول الآرامية، حتى أقواها، لم يتعدّ يوماً ٣٠ ألف رجل(القوات الدمشقية في قرقر). إلّا أن جيوشهم المتحالفة كانت أكثر رهبة. وهذا ما أتاح لهم أكثر من مرة أن يتحدّوا الآشوريين أنفسهم في السهول المنبسطة. والجدول الذي عرضناه أعلاه يقدّم بعض الأرقام البيانية. صحيح إن معظم هذه الأرقام تقريبية، وإنها مختلفة بحسب الروايات الموازية لها، وربما أن واضعي الكتابات الملكية قد بالغوا في تجسيم القوات المناوئة لهم. غير أن هذه الأرقام تبقى قابلة للتصديق، ولاسيمّا أن تنّوعها يتجاوب تجاوباً حسنًا مع ما نعرفه من جهة أخرى من مصادر غير متساوية آتية من الدول المعنية.

قضایا فنون الحروب مجابهات في أرض مكشوفة

إن البأس الذي لا يُضاهى الذي بعثه تغلاثفلاصر الثالث في الإمبراطورية الآشورية سرعان ما أرغمَ أعداءَه على اّتخاذ خطة حربية مجرد دفاعية. إلّا أن الممالك الآرامية لم تكن دوماً جبانة إلى هذا الحد. فالمعارك النظامية التي شّنتها على الدولة الآشورية مرات متتابعة، ولاسيمّا في القرن التاسع قبل الميلاد، تُظهر أن ملوك آشور لم يكونوا يطبقّون عليهم بدون أساس هذه المقولة المعروفة: “معتمداً على حجم قواته، خرج (فلان) ليشنَّ الحرب عليَّ!”. ولا بدّ أن مملكة “أرباد”، مع حلفائها الشماليين، هي الأخيرة التي تجرّأت على مجابهة الجيوش الآشورية، من نهاية القرن التاسع حتى سنة ٧٤٣ ق.م، وذلك بحسب النصب الذي أقامه الملك تغلاثفلاصر الثالث في إيران.

الخطة الحربیة الإنهزامیة

إنها الهزيمة التي تمت إلى ما وراء الفرات. إن معظم الحروب التي شنّها الآراميون وصلتنا عن طريق مصادر آشورية. ولهذا فإن هذه الصراعات تُقدّم دوماً مثل هزائم آرامية، وتليها في الغالب ملاحقات آشورية في أحوال عديدة، فيجتاز المهزومون نهر الفرات، كما جرى الأمر في عهد تغلاثفلاصر الأول. وفي عهد آشورناصربال الثاني، هذا هو الاتجاه الذي اتّخذه اللاقي “أزي – إيلو”، بعد أن تمّ سحق انتفاضته. إلا أن المثل المعروف أكثر هو أمر “أحوني” من بيث أديني. وليس من نَص يطلعنا كيف كان الآراميون يعبرون نهر الفرات، لاسيمّا في مواسم فيضانه، كما فعل “أحوني”. ولكننا نتصور أنهم كانوا يستخدمون زقاقًا من جلد الماعز للعبور فوقها بعد

نفخها. وغزاتهم أنفسهم يروون أنهم استخدموا هذه الطريقة أيضاً، بدون

الا دّعاء بأنهم هم الذين استنبطوها!

هزیمة إلى الجبل

لم يكن عبور نهر كبير دوماً هو الطريق الوحيد لنجاة المغلوبين. فالجبال أيضاً كانت تقدّم لهم ملاذًا. فإن “أزي – إيلو” صعد إلى جبل “بِشرى” بعد ان اجتاز نهر الفرات. وفي سنة ٨٥٥ ق.م، انسحبَ “أحوني” إلى جبل “شيتامرات”، هرباً من وجه شلمناصر الثالث. وطوال الحملة الثانية عشرة، لاحق شلمناصر شعب “باقراهوبوني” إلى أعلى الجبل حيث كانوا قد اعتصموا. وتجدر الملاحظة أن المصادر لا تذكر هزيمة مُنيَ بها “أحوني” هنا، قبل انسحابه إلى هذا المعقل الأخير. ونرى أيضاً أن الملك “حزائيل” ينسحب إلى جبل “سانير”. وتوحي المصادر أن هذا الموضع قد يكون ساحة قتال اختارها حزائيل بالأحرى من ملجأ اختاره في هزيمته

.

تحصینات وحصارات

إلاّ أن الآراميين المغلوبين كانوا كثيرا ماً يبحثون عن ملجأ وراء أسوار مدينة حصينة. وقد أصبحت هذه الخطة متواترة أكثر من أي وقت آخر أمام تفوّق تغلاثفلاصر الثالث الواضح وأمام خلفائه. فاكتفت شعوب المشرق إذ ذاك بما نسميه طريقة القنفذ. فعوض المجازفة بكل شيء في معركة منظمة، كانوا يفضّلون من الآن اكتساب الوقت، إذ يُرغمون الغازي على الاستيلاء على عدد كبير من المواضع الحصينة، الواحد تلو الآخر.

نماذج لحصارات وتحصینات

إن وجود مدن آرامية محصّنة مذكور في وقت مبكر من العصر الحديدي. ففي نهاية القرن العاشر، يقدّم أدد نراري الثاني الإستيلاء على المدن التيمانية “جدارا” و”نصيبينا” مثل انتصارات باهرة. وفي سنة ٩٠١و ٩٠٠ ، أفلح “نور – أدد” في البقاء في “نصيبينا”، بالرغم من المعارك التي خسرها. ولم تأتِ الهجمة النهائية إلاّ سنة ٨٩٦ ، وبحسب أدد نراري، كانت المدينة محمية بسور وبخندق، كان المدافعون عنها قد حفروه “حتى مستوى الماء”. والغازي نفسه يتكلم أيضاً عن خندق في شأن “جدارا”. ولقد أعادت تنقيبات تل حلف تخطيط الخنادق التي كانت تحمي القلعة والمدينة. وبعد مرور قرن على ذلك، يذكر “زكور” أسوار وخنادق مدينته الخاصة “حزرك” التي لم يستطع “بر هدد” وحلفاؤه أن يحتلوها عنوةً. ولقد عُثرَ على خنادق مماثلة في “بوغاز – كوي” وفي كركميش. إلاّ ان هذه الوسيلة للدفاع لا تبدو اعتيادية لدى الحثيين والسكان الأوائل الذين اقتدوا بهم. أما تحصينات “زنجرلي”، التي ترقى إلى نحو سنة ٩٠٠ ق.م، فلم تكن تتضمن خنادق. وبالمقابل كان سور المدينة المدوَّر وسور القلعة يتيحان للسكان مقاومة حصار طويل الأمد.

وھل كان هذا النوع من الدفاع فعّالاً ناجحًا؟

غالباً ما تعرّضت المدن الآرامية للحصار في العصر الحديدي. ولم يكن سقوط مدينة محاصِرة أمراً نادراً أو مستحيلاً. فكانت لعنات المعاهدات تهدّد مخالفي المجاعات القاسية، لكي تدفعهم إلى أكل لحوم البشر. إلاّ أننا لا نجد مدينة آرامية اضطُرت إلى الاستسلام بفعل المجاعة والعطش. وكان عادة على المحاصرين، عاجلاً أو آجلاً، أن يثلموا التحصينات وأن يستولوا على المدينة بالهجوم. ولكنهم لم يكونوا دوماً يفلحون في ذلك. فإضافة إلى نوعية التحصينات، كان عليهم غالباً أن يجابهوا مقاومة ذكية وعنيدة. فكانوا قد تعّلموا، مثلاً، على القبض على المجانيق الآشورية بسلاسل ضخمة، لكي يمنعوها من هدم الأسوار. وإذا أفلحَ المحاصِر في اقتحام أبواب المدينة أو سورها، فإنه كان يصطدم أحيانًا بسور آخر في داخل المدينة، وكانت القلعة بدورها تبدي مقاومة شرسة.

وليست نادرة أمثلة حصار طويل لم يسفر عن نتيجة مرجوّة. فإن بر هدد وحلفاءَه فشلوا أمام “حزرك” زكور. وحتى الجيوش الآشورية كانت تضطرُّ أحيانًا إلى الاكتفاء بإتلاف المزارع وبقتل الفلاحين الموجدين بجوار المدينة، من دون أن يفلحوا في الدخول إلى المدينة المحصنّة التي حاربوها طويلاً ولم يستطيعوا اقتحامها. وفي سنة ٨٦٦ ، تمكن آشورناصربال الثاني من اقتحام باب “اميدا” (دياربكر) في بيث زماني. ولكنه مع ذلك تخّلى عن حصارها. وفي سنة ٨٥٨ و ٨٥٧، أفلت “أحوني” من هجمات شلمناصر الثالث داخل “تل برسيب”، ولا يبدو ان “حيا” ملك سمأل قد فقد “لوتيبو” ولم يستطع شلمناصر أيضاً أن يدخل دمشق سنة ٨٤١ ولا سنة ٨٣٨ . ومنذ سنة٧٤٣ حتى سنة ٧٤١، أمضى تغلاثفلاصر الثالث ثلاث سنوات لكي يستولي على “أرباد”. وإذا كان المدافعون يردّون جميع الهجمات، فهناك عوامل أخرى كانت ستسهم أخيراً في رفع الحصار، منها صعوبة التموّن المتزايدة، واقتراب الموسم الرديء، أو دنوّ جيش للإغاثة، كما قد يكون الأمر قد حدث في حصار حزرك.

النقص الظاهر للأیدیولوجیا الحربیة

شهادة الرؤیة المشتركة

في نحو سنة ٩٠٠ ق.م، كان الإله “داغان” ما يزال يقوم لدى التيمانيين في نصيبينا بدور إله الحرب للمناطق الشمالية، هذا الدور الذي كان الملك سرجون الأكدي يعترف به قبل ذلك العهد بألف وخمسمئة سنة. وَتنسب كتابة “تل دان” انتصارات مؤّلفها الدمشقي (حزائيل؟) إلى هدد. أما كتابة “زكور” فَتنسب إلى “بعل شماين” رفع الحصار عن حزرك. ونستطيع أن نرى بالكتابة نفسها وبنصوص أخرى الدورَ الذي أدّاه العرّافون في الجيوش الآرامية. إلا أن هذه العلامات المختلفة لتأويل الحرب تأويلاً دينياً ليس لها ما تتميّز به طوال العهود القديمة. ولقد سردنا موازيات واضحة، حثية وآشورية، إذ تناولنا موضوع الملوكية. في الواقع، يبدو أن الآراميين لم يسموا بطابعهم الخاص هذا الخير المشترك لدى القدامى. فالمعنى الديني للحرب لم يكن له عندهم في الظاهر قيمة خاصة.

شيءٌ من الفتور؟

لدينا شعور أحيانًا أن الرؤساء العسكريين ما كانوا يترددون في أن ينسبوا إلى أنفسهم كل استحقاق أعمالهم. إلاّ أن التوثيق لا يسمح بتأكيد ذلك. وكان الآشوريون معتادين على رشق أعدائهم بتهمة اعتمادهم على ذواتهم أكثر منهم على المساعدة الإلهية إلى حد أننا لا نستطيع أن نأخذ مأخذ الجد خطبة أدد نراري الثاني عن التيماني “موقورو” الذي كان يثق بقدرة قوسه، ولا ذكر أمراء آراميين كثيرين كانوا يعتمدون على حجم جيوشهم. ويمكننا أن نسرد أيضاً خطاب لصوص “حاتّلو” سنة ٧٧٠ ، الذين ليس لتبجحّهم أي بغة دينية. ولكننا هنا أيضاً، ليس لدينا سوى وجهة نظر الخصوم الذين يلي روايتهم هذا الشعار: “معتمدين إذًا على قوتهم الخاصة…”.

وأكثر إقناعاً هو البرهان الذي يمكننا استخلاصه من كتابة “كولاموا” السمألي. فهو لا ينسب نجاَته من ملك “أدنة” إلاّ بدهائه حين توخّيه حماية الملك الآشوري. وهذا الموقف يتناسب بلا شك مع الكليشة الدائمة: “ما لم يفعل أسلافي قط فعلتُه أنا”، التي تهيمن على الجزء الأول من الكتابة. لكننا نستطيع أن نشكّ في أن ملك سمأل يُظهر سّلم قيمه، إذ ينقاد إلى هذه الكليشة وحدها، بدون أي أثر للميل إلى إكرام الآلهة على نجاحه، وهذا أمر اعتيادي جداً أيضاً في العالم المعاصر.

عدم شهادة “حَرْم”

إن لم يكن صمت المصادر المحدودة عرضياً، فإن الآراميين كانوا يبتعدون عن إخوانهم الإسرائيليين والموآبيين في الجنوب في نقطة مهمة جداً فإن أبّهتهم العسكرية لا تحتوي على شيء يماثل “حرم”. فلا كتاباتهم، ولا حوليات أو أساطير جيرانهم لا تتيح التفكير في أن الآراميين كانوا يضحّون بالعدو المغلوب لآلهتهم الحربية، إذ يذبحون السجناء. ومثل عدم توفر ملاحم البدايات، فهذا الأمر يبدو وكأنه يميّز الآراميين عن أمم أخرى خرجت مثلهم من الظلمة بعد انهيار الإمبراطوريات في العهد البرنزي الحديث.

(يتبع الخامس عشر)

١- لقد ورد في سفر الملوك (١ ملوك ٣٤:٢٢) أن جندياً آرامياً أطلق سهماً طائشًا، فأصاب ملك إسرائيل (آخاب) بين الدرع والورك إصابة مميتة.

٢راجع مثلاً سفر (القضاة ١٦: ٣) ،( ٢صم٢٧ : ٣ ، ٨: ٢٠- ١٠ …) .

 

_________________
صورة

هنري بدروس كيفا باريس – فرنسا

اترك تعليقاً