“الاراميون في التاريخ” – المجتمع المدني

المجتمع المدني
الأب المؤرخ ألبير أبونا

في الصفحات السابقة تكلمنا عن المجتمع الآرامي بشكلٍ عام، وعن طبيعة الدول الآرامية وكياناتها وأعراقها وتحالفاتها. ثم تناولنا موضوع الملكية عند الآراميين والآلهة التي كان الملوك الآراميون يكرّمونها ويلوذون بحمايتها…

ونتناول الآن المجتمع المدني ونتكلم عن مكونّاته، ولاسيّما عن الملك وبِطانته. ونتناول أيضًا طبقات المجتمع والأسرة، ونسّلط الأضواء على وضع المرأة وعلى غيرها من المواضيع التي من شأنها أن تربط ذلك الماضي البعيد بالحاضر الذي نعيشه اليوم.

خدّام الملك

إخوة الملك

نلاحظ حول كلٍّ من الملوك الآراميين في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد عددًا من العظماء: رابوتي (أكدي)، رابين (آرامي). وهناك عبارات ينقلها لنا نصب “سفيرة” الأول: “الذين يدخلون بيت ملكي”. وكانت هذه العبارة تشير إلى الطبقة الأرستقراطية التي كانت تدخل بسهولة عند الملك، وبالفعل عينه كانت تشّكل خطرًا دائمًا على سلطته وعلى حياته ١. ولكنه كان مضطرًا إلى الإعتماد عليهم والإفادة منهم قدر المستطاع. ولدى كل تغيير في السلطة، كان على العاهل الجديد أن يسرع في “تأكيد سلطته” ٢، وهذا يعني أن يُحكِم سيطرَته على الذين حوله.

وفي وسط هذه الأرستقراطية القريبة من العرش، يأتي أولاً “إخوة الملك”. ففي الدول الآرامية، مثلما في غيرها في سوريا، كان الملك يستند أحيانًا إلى حلقة واسعة من “إخوة”، كان مصيرهم يرتبط إرتباطًا وثيقًا بمصيره. وفي زمان التوسّع الآرامي، كان هؤلاء “الإخوة” قد شّكلوا نوعًا من القبيلة (أسرة) حول الرؤساء والمؤسسين الأولين.

وتُعرف هذه الحلقة المحظوظة على ضوء ما جاء في القسم الأخير من كتابة “باناموا” المخصصة للإله “هدد” في بلاط سمأل “زنجرلي”. إن هذه الفقرة من الكتابة ذات طبيعة قانونية وتبحث عن وضع حدلإراقة الدماء في العائلة المالكة، فإن باناموا يشجب أولاً كل استيلاء على السلطة بنوع همجي، حيث يعاقب الملك الجديد إخوته وخصومه ٣ بقساوة وحشية، ثم ينّظم مجلسًا من “الإخوة” يرئسهم الملك نفسه، وهو مخَّول للحكم على الجرائم ومعاقبتها. إن هذه النخبة المرتكزة على السلالة كانت ترقى بدون شك إلى الأصول القبلية للآراميين والدول التي أسسوها. إلا أن الصيغة القانونية التي أعطاها “باناموا”، وهي الوحيدة في سوريا العصر الحديدي، قد تكون صدى للتقليد الحّثي.

كبار القوّاد في المملكةِ

بِطانة الملك

هناك أصحاب رُتَب عالية كثيرون كانوا يحومون حول الملوك الآراميين وأُسرهم، وكانوا يقاسمونهم مداهم الحيوي. وقد اكتشف علماء الآثار في قلعة “حماة” السورية ما يُعَتَقد انه كان غرفة الطعام. إذ يبدو أن هؤلاء الناس كانوا يتناولون طعامهم معًا. إنها كانت صالة مضاءة جيدٍا ومزوَّدة بآنية جميلة، وكانت تُفضي إلى الدرج الكبير الذي يُصعِد إلى القلعة العليا من المدينة السفلى.

لا شك أن هؤلاء العظماء كانوا يُدعَون “خدام بيت الملك”، أو “خدام الملك” فقط. إلا أن هذه الألقاب لا ترد كثيرًا في الآرامية القديمة. فالكتابات الملكية الآرامية لا تحتوي على ما يماثل خدام الملَكين داود وسليمان، ولا تكاد الأختام تزوّدنا بشيء من العصر الحديدي الثاني. ولكننا نجد في المصادر ألقابًا قريبة من الألقاب المستعملة في الدول المجاورة. وهكذا نلقى في “حماة” القرن الثامن عبارة “سيد البلاط”. وهناك مصادر أخرى تُطلعنا على وجود لقب “ساريس” في البلاطات الآرامية. ويبدو أن “ساريس” و”خادم” الملك لفظتان تدّلان على وظائف متشابهة. إن تبعية اللفظة الآرامية تجاه التعبير الآشوري والتشابه بين النصوص لا يتيحان لنا أن نشكّ في أن تكون كلمة “ساريس” ولفظة “شا ريشي” تشيران إلى خصيان حقيقيين.

 

وكان للكتبة أيضًا مكانهم الخاص في البلاط الآرامي. ونرى ذلك من خلال أسماء الكتبة وألقابهم، المكتوبة بالآرامية على مشاجب برنزية في “نمرود”. وهناك أيضًا نصب من “زنجرلي”، يرقى إلى نهاية القرن الثامن قبل الميلاد، يمّثل الملك “بر ركيب” وهو يعطي تعليماته لأمين سرّه. كما أن هناك نتفًا مسمارية اكتُشفت في البناية الثالثة من قلعة “حماة” التي كانت في الأرجح تحتوي على المؤسسات العامة في الإدارة الحماتية. ومعظم هذه النصوص تتعلق بالسِوالدين، وربما كانت من نتاج كهّان مثقفين. وكانت تحتوي أيضًا على رسائل، وأحسنها حفظًا تتناول العلاقات المتبادلة بين حماة وسوحو، وتظهر مكانة الكتابة المسمارية والمختصيّن بها في إدارة مملكة آرامية.

أما المهمات البلاطية الأخرى المذكورة مباشرة، فإنها أكثر تواضعًا. فيُعرف وجود سقاة وطباخين من خلال كتابات على الجرار من القرن التاسع، وُجدت في مراكز إقليمية، واحدة في تل دان، وأخرى في عين (كيف) شرقي بحيرة طبرية.

رّسل الملك

إذا انتقلنا من بطانة الملك إلى الذين يمّثلونه في الخارج، رأينا استخدام مَهَمَّة أخرى في الآرامية، وردت في النصب الثالث من “سفيرة”، ويستخدم كلمة “ملأك- مٍلأك” وتعطي هذه الوثيقة فكرة رفيعة عن سلطة هؤلاء المبعوثين (المرسلين) الملكيين وعن دقة مَهَمّاتهم. لكننا لا نستطيع، إستنادًا إلى هذه الوثيقة، أو إلى أي مصدر آخر، أن نعتبر السلك الدبلوماسي منصبًا تخصصيًا حقًا في عهد العصر الحديدي الثاني. إذ علينا أن نفترض أن الأمراء الآراميين، شأنهم شأن الملوك الآشوريين، كانوا يَعهدون بالأحرى بإرسالياتهم إلى مختلف أنواع الموظفين، الذين ما كانوا يُرسَلون إلى الخارج إلا في مناسبات خاصة.

الإدارة الإقلیمیة

هناك موظفون آخرون يمّثلون الملك في المراكز الثانوية من دولهم. فحسب المعطيات الآشورية، كانت الممالك الآرامية الرئيسية تنقسم إلى “ناجي” أو أقاليم. والقسم من “حماة” الذي ألحَقه تغلاثفلاصر الثالث بإمبراطوريته (سنة ٧٣٨ )، كان يضُّم ( ١٩ إقليمًا). وكانت مملكة دمشق في الزمان نفسه تضُّم ( ١٦ إقليمًا). ولا نعرف أسماء هذه التقسيمات بالآرامية،٢٠ ) يتكلم : ولا اللقب الذي كان حكامهم يحملونه. ونلاحظ أن ( ١ ملوك ٢٤ عن عزل الملوك وعن تعيين قادة مكانهم. فقد يكون هذا الإجراء نوعًا من تبّني الطريقة الآشورية.

الجهاز القضائي

إن التنظيم القضائي في الدول الآرامية لا يُمثَّل في المصادر إلا تمثيلاً رديئًا جدًا. فلسنا متأكدين حتى من أن إدارة العدالة كانت في أيدي المهَنيين المختصين بهذه المَهَمّة. وبما أن الخلافات الطفيفة كانت تُسوّى عن طريق “القدماء”، وأن القضايا الكبيرة كان يحكمها موظفون ذوو مسؤوليات أوسع (مثل الحكام أو القواد العسكريين…). وعند الحاجة، كان الملك بشخصه يتولى تسويتها.

إن النص الآرامي الوحيد القديم، الذي يُطلعنا مباشرة على المسائل القضائية، هو مقطع ورد في كتابة “باناموا” ابن قوريل، الذي ذكرناه في شأن “إخوة الملك”. وهذه الوثيقة لا تنطبق مباشرة سوى على حلقة من المحظوظين، ولكنها تتضمن مِيِزَتين، كان يجب أن تكون شرعيتهما أعم عند الآراميين، لأنهما كانتا مشتركتين بالأحرى حتى في المواضيع الأخرى لدى القدامى: متَّهَم يدافع عن نفسه بَقسَم يرافق اللعنة يُرجَم حينما تتمُّ القناعة من ، ذنبه. ولكن من الممكن أن الآراميين قد استخدموا طرقًا أخرى للإعدام ٤. وانهم نوّعوها بحسب المكانة الإجتماعية للمذنبين أو لاعتبارات أخرى ٥. إن فعل “دين” كان من شأنه أن يزوّدنا بقسم من المفردات القضائية الآرامية. فهو يشير إلى محاكمة في أمثال “أحيقار”، ويُدعى الحكام “ديّان” في ٧)، وفي مملكة سمأل، كان : الآرامية المتأخرة، مثلاً في سفر (عزرا ٢٥ أحد المغتصبين قد ملأ السجون قبل مجيء “باناموا” إبن برصور إلى الحكم. وكان لهذه البيوت بالتأكيد حراس، كما اكتُشفَ ذلك في ختم عبري من القرن السابع.

إذا ما قابلنا أمثال أحيقار الحكيم بما يشابهها في الكتاب المقدس، حيث الاستعارات القضائية مشتركة، لاحظنا انه ليس عند أحيقار سوى مقابلة من هذا النوع. فالأثر الآخر الوحيد للحقائق القضائية التي نجدها في نَص آرامي قديم هو تطبيق استعارة “قبّال” (الشاكي والخصم) على الإله (هدد) في لعنة نجدها في السطر ١٢ من كتابة “تل فخيرية”. إن هذا التعبير، الذي ليس منسوخًا على الأكدية “بيل – ديني” من الفعل الموازي، والذي سيظهر في القرن الخامس في النصوص الآرامية من مصر، يمّثل بأصالة لغة الآراميين القضائية.

عدم ظهور نصائح الأقدمین

إن صمت مصادرنا حول وجود نصائح الأقدمين قد يكشف عن طابع ذي معنى للمجتمعات الآرامية في العصر الحديدي الثاني. فلا الألفاظ التي تشير إلى القدامى في اللهجات الأحدث عصرًا) شاب / ساب، قشيش) ولا الباقي من مفردات المؤسسات الإدارية، لا توجد في المصادر قبل الحقبة الفارسية، وذلك حتى في كتابات “سفيرة”، حيث وجدنا معظم الألقاب الأخرى، باستثناء محكمة “إخوة” الملك في كتابة “باناموا”، فالمصادر لا تحفظ أي مثل لهيئة استشارية أو لقرار مّتَخذ جماعيًا.

إننا نتحّفظ بحق من برهان الصمت، لاسيّما أن مصادرنا محدودة. ومن الممكن أن تكون الكتابات الملكية تتباطأ عند أوطأ درجات الإدارة. ويبدو من الجائز أن نفترض إن نصائح الأقدمين كانت جارية بخفاء في القرى والأرياف، وكانت فيها تُواصل مَهَمّاتها الجليلة. وهذا ما يوحيه التماثل مع ما كان يجري في إسرائيل ٦، وكذلك النمو الاعتيادي للمجتمعات التي خرجت شيئًا فشيئًا من تنظيم قبائلي.

إلا أن الملوك حاولوا فرض سيطرتهم حتى على هذا الصعيد المتواضع. ونعلم أن والد )بر ركيب) في سمأل كان قد اهتمَّ بتعيين رؤساء القرى، لا شك في سبيل أن يحسن التحّكم في الجماعات المحلية. إضافة إلى صمت النصوص على كل جماعة إدارية من أعلى الصعيد، فإن هذا المثل يُفسح لنا المجال لكي نرى نزعة اوتوقراطية، أزالت جزءًا كبيرًا من تراث المجتمعات الأكثر بدائية في العصر الحديدي الأول.

إن هذه النظرة، في مجملها، إلى البلاطات الآرامية وإلى البُنى الإدارية، تتلاءم جيدًا مع ما نعرفه بصورة عامّة عن بلاد المشرق في العصر الحديدي. فرؤساء قبائل ذوو بأس وشجاعة فسحوا لأنفسهم مجالاً حيويًا جديدًا تحت الشمس، أو وسّعوا أراضيهم التقليدية. عاجلاً أو آجلا،

تبّنى خلفاؤهم الحضارة المدنية، وتلقوا أو نّظموا بُنى اجتماعية أكثر تعقيدًا، وهي موحاة في الغالب من الدول الحّثية – الحديثة، أو من الدول الفينيقية، حيث كانت ثقافة العصر البرونزي ما تزال حية. وقد لاحظنا استمرارية أخلاقية القبيلة لدى الجماعات القبائلية القديمة على أعلى الصُعُد في الحلقات الممتازة لـِ “الإخوة” و”الأخوات”، الذين كانوا يحيطون بالملوك. ويمكننا التكّهن بأنه في أوطأ الدرجات أيضًا، مع حرية مقيّدة إلى درجات متفاوتة، كان شيوخ القرية يؤدّون دومّا الخدمات نفسها كما في عصور ما قبل التاريخ.

طبقات المجتمع

(B’RRM , MSKBM)إذا اتفقنا على الكلمات، فإن المجتمع الآرامي قد استطاع أن يكون، نوعًا ما، متعادلاً في بداياته، قبل أن يتبّنى تمامًا النماذج التي جلبها الحّثيون الحديثون أو ورثة آخرون للمجتمعات المنضّدة في العصر البرونزي. إلا أن الوثائق المكتوبة، المتعلقة بفترة أحدث، تكشف عن حالة مختلفة جدًا، حيث كانت طبقات الشعب تُنضَّد تنضيدًا عموديًا، وحيث كان الميلاد يتحكم بحقوق كل إنسان وتطّلعاته. مهما يكن من أمر، ففي سمأل، في نحو نهاية القرن التاسع، توضّح كتابة”كولامواط تقسيم الشعب إلى طبقتين، تناسقهما ضروري للازدهار القومي،الـMSKBM) الذين اجتهدوا في تحسين أحوالهم، وال(B’RRM) الذين لا يبدون في حاجة إلى حماية.

لملاّكون الكبار

بعد نصف قرن، في الدولة نفسها، تذكر القوانين القضائية لباناموا إبن قوريل ممتلكات “إخوة” و”أخوات” الملك وغيرهم من عظماء المملكة. وتتوضّح هذه التفاصيل على ضوء كتابات من آسيا الصغرى، تُظهر الامتيازات التي تَنعم بها طبقة من المّلاكين الكبار في المجتمع الذي صار نموذجًا للآراميين في العصر الحديدي. وليس من المستحيل أن يكون الفلاحون العديدون، الذين كانوا مرتبطين بالأرض في الممتلكات الكبيرة للضباط الآشوريين في القرن السابع في الشمال الغربي من بين النهرين، قد صار لهم من سبقوهم في الدول الآرامية. وفي هذه الحال، إن الممتلكات الكبيرة لـِ “إخوة” الملك ولأندادهم قد فُلحت من قبل (…). إلا أن أعضاء آخرين من هذه الطبقة نفسها كان لهم مزروعاتهم الخاصة بهم، إذا كان ذلك أساسًا للتقدم الاقتصادي الذي تصفه كتابة “كولاموا”:

إن من لم يكن قد رأى بعينيه خروفًا، جعلتُه صاحب قطيع، والذي لم يكن قد رأى بعينيه ثورًا، جعلتُه صاحبَ دواب، أو صاحب فضة، أو صاحب ذهب، والذي لم يرَ قط نسيجًا منذ طفولته، توّشح في عهدي بالكّتان الناعم!

فلاّحون صغار وعمّال آخرون

كانت الطبقات العاملة من المجتمعات الآرامية تتضمن بلا شك تنوّعًا كبيرًا من أناس مهنيين. ويمكننا القول أن معظم هؤلاء المِهَنيين كانوا يسكنون المدن. ونتمنى أن يسّلط علم الآثار يومًا بعض الأضواء على هؤلاء الناس، ويُطلعنا على أعدادهم وعلى ظروف حياتهم، بدون الاكتفاء بالتنقيب في قصور الملوك وفي المعابد.

وبحسب علمنا الآن، لا يظهر لنا أن في وسعنا أن نحدّد كم من هؤلاء الفلاحين “إكارو” ( أكدي) في (أرباد) في القرن الثامن عشر، كانوا يشتغلون، بحسب كليشة معاهدة، في أراضي الكبار، وكم منهم كانوا يمتلكون مزارعهم الخاصة بهم. ولا نعلم إلى أي مدى كان تنضيد شبيه بتنضيد بعض المجتمعات السورية من العهد البرونزي الحديث، قد انتهى بأن يتفوق من جديد في العصر الحديدي.

كان في وسع العاملين في الأراضي الواسعة في القرن السابع أن يمتلكوا بعض وسائل الإنتاج. فهكذا نرى، بحسب لائحة الممتلكات والعمال رقم ٢ من منطقة حرّان، أن “هاني” إبن “باليتو”، كان يمتلك ثورًا. وكان لعائلة أخرى ثوران. وكانت عائلة “أهابو” تمتلك ١٢ “ايميري” أي نحو٦ر ٢١ هكتارًا من الأراضي الزراعية. فهل كانت قابلية الامتلاك هذه شيئًا جديدًا؟ وهل نعمَ بها الفلاحون المرتبطون بالأراضي قبل التأثير الآشوري؟ لا نعلم!

عبید لا مأوى لهم

من الأرجح، وليس من الأكيد، أن وضع هؤلاء العاملين في الزراعة كان مختلفًا عن وضع العبيد من الذكور والإناث الذين يُعَتبَرون مثل سِلَع ترتفع أسعارهم أو تهبط شأن باقي الأشياء. وكان اسم سيدهم موشمًا على يدهم. وكان عملهم الخاص يتوقف على طحن الحبوب وإعدادها لخبزه. وفي أسفل السّلم، تظهر لنا لعنات كتابة “تل فخيرية”، منذ القرن التاسع، تنصبُّ على هؤلاء التعساء الذين كانوا مضطرّين إلى البحث في قمامات القرية ليجدوا قليلاً من الشعير، أو لكي يُمضوا فيها ليلتهم بحثًا عن شيء من الدفء.

الأسرة الآرامیة التركیبة الأبویة

تعالیم أمثال أحیقار

عند الآراميين، كما في إسرائيل ويهوذا، تُدعى الوحدة العائلية “بيت أب البيت الأبوي”، وسلطة الأب على عائلته شبيهة بسلطة الملك على بلاده. وبرغم رداءة الحالة التي وصلتنا بها أمثال أحيقار، فإن أربعة منها موجّهة بصورة واضحة إلى “إبني”. ويحق، بل يجب على الأب أن يعّلم إبَنه الطاعة بكل الوسائل، ومن ضمنها العقوبات الجسدية. ولا عجب إذا كان هذا التعليم متبوعًا مباشرة بأوامر تتعلق بسلطة سيد على خدمه.

الوثائق المسحیّة لحران

إن الوثائق المسحية لمنطقة حران هي مصدرنا الرئيسي للإطّلاع على الأسرة الآرامية، إذ يبدو فيها التأثير الآشوري أكثر منه في أمثال أحيقار. وفِرَق العمال الزراعيين الذين تذكرهم ليسوا دائمًا مكوَّنين من آراميين .إلا أن لها فائدة مزدوجة، وهي أنها منّظمة بمنهجيّة، وأنها تصف الحقيقة المعاصرة لها أكثر من ذكرها للتقليد. إن شهادتها تطابق، إلى حدّ كبير، الشهادة التي وردت في كتابات أحيقار.

ففي هذه الوثائق، كما لدى أحيقار، تبدو التركيبة الأبوية للأسرة واضحة. فإذا نظم الكاتب لائحة بممتلكات إقطاعيّ كبير والعمال الذين في خدمته، يعدّد جميعَ الرجال، الأب والأبناء، قبل النساء، أي الأم والبنات. وبالمناسبة يذكر أيضًا والدة رب العائلة أو أخواته غير المتزوجات. وتجدر الملاحظة أن أسماء الذكور وحدها مسجّلة. أما النساء، فلا تُذكر أسماؤهن. ويشير الكاتب إلى مهنة رب الأسرة، وأحيانًا إلى مهنة أخرى كان في السابق قد تعّلمها ومارسها. ولا يُذكر إسم أي مهنة بالنسبة إلى أعضاء الأسرة الإناث.

عدد أفراد الأسرة

إن معطيات هذه اللوائح لا تتيح لنا أن نتحقق بدقة من عدد الأولاد الذين كانوا في أسرة واحدة. فهي لا تولي اعتبارًا سوى للذين ما يزالون يعيشون مع والديهم. وحينما يتزوجون، يُحسب أبناء وبنات العائلة الواحدة منفصلين، مع أولادهم. أما الذين يعيشون تحت سقف واحد، فعدد الأولاد عندهم لا يتعدى الاثنين، مع إضافة الأب والأم وربما الجدة أو العمة أو أحد الأعمام الصغار، كان عدد أعضاء الأسرة بين الأربعة والستة أشخاص. وكانت نسبة الوفيات عالية بين الأطفال، وهذا ما قد يشرح قّلة أعضاء العائلة الواحدة. وهناك اعتبارات أخرى، مثل الزواج في سن مبكرة، كانت تقّلص أيضًا عدد أفراد الأسرة.

الحیاة العائلیة

إن الطابع المكّثف المركّز على الإنسان، في هذه اللوائح، قد يكون نتيجة تشدّدهم على الإنتاجية الزراعية. وهذا ما يحمل الكتبة على تصنيف الأولاد بحسب أعمارهم وكفاءآتهم للشغل. وعلى النقيض من الأسر المالكة في عهد الدول المستقّلة، فهذه النصوص من القرن السابع لا تتضمن أي مثل واضح عن تعدّد النوع. فمن المعقول أن نفترض أن هذه الأسر كانت متحدة بالاحترام والمودّة المتبادلين، كما كان الأمر لدى الأسر الآرامية التي كانت تعيش حول ممفيس طوال النصف الأول من القرن الخامس.

في مراسلة هذه الأسر المتواضعة، يدعو الرجل زوجَته “أختي”. ولغة الأخوّة هذه مستعملة كثيرًا بين الوالدين والأبناء البالغين. وتعابير الرسائل تفيض حنانًا تجاه جميع أعضاء العائلة، ولاسيّما تجاه الأولاد الصغار. ويبدو أن التعاون البسيط والطبيعي يسود بين الزوج والمرأة وسائر أعضاء العائلة، في كل ما يخص همومَ الحياة اليومية. ولم تكن الصرامة المبدئية في السلطة الأبوية تعيق أبدًا حرارة هذه العلاقات. وهذا ما يوافق المكانة المخصصة للأولاد في الفن الصوري للعصر الحديدي.

وضع المرأة

تمثیلات فنیة عدیدة

إن النساء السوريات يمثَّلن جيدًا في الفن الصوري الآشوري، كما في الفن الحثي الحديث وعند الآراميين. ففي سوريا الشمالية، معظم الأمثال تعود إلى الفن الجنائزي. فهي تصف عادة واحدًا أو إثنين من الموتى جالسَين إلى المائدة، وقد قُدّم أو يُقدَّم لهما طعام. وهذا الموضوع لا يظهر على الأنصاب فحسب، بل كذلك على أغراض صغيرة، مثل مدالية ذهبية من القرن العاشر أُكتُشفت في زنجرلي. وقسم كبير من الأنصاب الجنائزية من هذا النوع تأتي من مرعش في كركم، وتمّثل بوضوح تقليدًا حثيًا – حديثًا. إلا أن الآراميين تبّنوا هذا التقليد مثل غيره. وهذا ما يمكننا مشاهدته في نصب “أرباد” وفي النقش البارز الرائع من زنجرلي. فإن السيدة الممثَّلة هنا متوشحة بثياب فاخرة لا تقلُّ بهاءً عما يرتديه معاصرها “بر ركيب”، وخادمتها الصغيرة تمسك بمروحة، شأن خدام الملوك في نقوش أخرى.

الشكل ( ٧) الطعام الجنائزي لسيدة نبيلة “زنجلي”

إشارات أدبیة نادرة

إن مصدرنا الأدبي الرئيسي، أمثال أحيقار، لا يتكلم سوى القليل القليل عن النساء، إذا قابلناه بسفر الأمثال في العهد القديم ٧. وبالرغم من ذلك، إنه مثل هذا الكتاب، يوضع الأب والأم على قدم المساواة في حكمة وردت عن الإكرام الواجب تجاه إسم الوالدين. وهذا التفضيل يتناسب جيدًا مع موقف “كولاموا” الذي يُطلعنا على إسم أمه، والذي يدّعي انه تصرّفَ تجاه مثل أب وأم وأخ، وانه أوحى إليهم بالثفة التي تكون عند يتيم (MSKBM) تجاه والدته.

أشغال نسائیة إعتیادیة

ليس في المصادر سوى القليل عن الأشغال النسائية. والوثائق المسحّية للمناطق المجاورة لحّران لا تشير سوى إلى مِهنة أرباب العوائل، وهم الرجال دومًا. ولكن في الفصول عن النشاطات الاقتصادية، سنشير إلى وثائق أخرى آشورية تذكر موسيقاريات آراميات، لاسيّما من أرباد. ونستشف من بعض المصادر أن بنات كثيرات كُنَّ يدخلن منذ حداثتهن في خدمة الملوك والعظماء أما المرأة في المنزل، فالمماثلة تُطلعنا على الكثير من مسؤولياتها، وبعضها يظهر من اللعنات الشرطية الواردة في بعض المعاهدات أو في علم الآثار.

إن كتابة “تل فخيرية” ونصب “سفيرة” الأول تصبان كلتاهما على

الفرقاء الخونة التهديد بكارثتين يشير إختيارهما إلى المهمات النسائية من

الدرجة الأولى:

في شأن الاعتناء بالأولاد

لترضع مئة إمرأة طفلاً واحدًا دون أن يستطيع أن يشبع (تل فخيرية،سطر ٢١ ) لتدهن سبع مرضعات أثداءهن ويرضعن طفلاً دون أن يستطيع ( أن يشبع (سفيرة ١ ٢١

في شأن إعداد الأطعمة

لتخبز مئة إمرأة خبزًا في فرن، دون أن يستطعن مَلأه (تل فخيرية، ( سطر ٢٢.( لتخبز بناته السبع خبزًا في…، دون أن يستطعن مَلأه (سفيرة ١ ٢٤

الشكل ( ٨) امرأة نبيلة وهي تغزل

إسهامات علم الآثار

في إعداد الأطعمة، كانت الآراميات، شأن جاراتهن، يستخدمن الطاحونة (الجاروشة) والمهراس والهاون والمدّق، والموقد والقُدور وأشكالاً متنوعة من الآنية الأخرى. إنها تشكّل مجمل ما اكتشفه علم الآثار في المواقع الآرامية، كما في المواقع الأخرى من سوريا وفلسطين. وبرغم شهادة النصوص عن الطابع الشاق لطحن الحبوب، فتواجد الطاحونة والمهراس في أفقر البيوت، الخالية من العبيد، يُظهِر أن هذا النشاط لا يمكن أن يُفصَل عن بقية الأشغال المطبخية المترتبة على ربّات البيو ت.

ويسّلط علم الآثار ضوءًا ساطعًا على نشاط آخر رئيسي، تقوم به الآراميات، وهو إنتاج الأنسجة. فقبّانات الحاكة توجد بكثرة في كل مكان، وكذلك المغازل التي توجد اعتياديًا في البيوت وفي القبور في الشرق الأدنى. وتُضاف إليها المعطيات النقشية والصورية من التقليد الحّثي – الحديث، لكي تثبت الدور الرئيسي الذي كان الغزل يقوم به بين النشاطات النسائية. وفي نحو نهاية القرن الثامن، في الكتابة بلغتين من قره تبه، يُشار إلى أن في وسع المرأة أن تتجول في كل مكان وبيدها المغزل كرمز للأمان في البلاد. وغالبًا ما يُظهِر الفن الصوَري السوري، من العصر الحديدي، نساء من الطبقة الرفيعة، وهن ماسكات مغازل بأيديهن.

“نساء الأعمال” الآرامیات

ولأن الوثائق المسحّية لمنطقة حرّان محدودة للذين يعملون في الممتلكات الواسعة بعد زوال الممالك الآرامية، فإنها حتمًا تترك في الظلام جوانب عديدة من المجتمع. ويمكننا أن نفترض وجود نساء محظوظات يسعهن أن يمتلكن خيرات وأن يشاركن في الاقتصاد بمختلف الأنواع. إلا أن الإشارات الإيجابية في هذا الشأن ليست متوفرة. فتذكر أن في سمأل كانت “أخوات” الملك يمتلكن أراضيهن الخاصة، بحسب “باناموا” الأول. والمماثلة مع مجتمعات أخرى معاصرة، من ضمنها إسرائيل، تترك إمكانية قيام بعض النساء بدور في الأعمال العامة. إلا أن المعطيات الآرامية لا تتوفر لدينا.

ضحايا مختارة للنفي في الأوقات الاعتيادية، كانت إمتيازات النشأة والثروة تضع الآراميات النبيلات في مأمن من الجوع والعمل المضني، ولكنها كانت تعرّضهن أكثر من أخواتهن لأهوال الحروب الأهلية الغريبة. وشأن السيدات الأنيقات في مملكة يهوذا ٨، كانت السيدات في الممالك الآرامية معرّضات لأن يُنتَزعن من أناقة بيوتهن عند مجيء الغزاة. فالملوك الآشوريين كانوا يأخذون إلى الأسر بنوع اعتيادي النساء اللواتي يعشن بالقرب من ملوك البلدان التي أخضعوها عنوةً أو ألحقوها ببلدانهم. ولا بدّ أن أصحاب البلدان المشرقية كانوا يفعلون كذلك أيضًا تجاه جيرانهم ٩. إن عبارة “أخته، مع زينة جهازها، بنات عظمائه” صارت عبارة مُقَولبة في رواية

الغزوات، حتى إن آشوربانيپال الثاني يستعملها آليًا وبصورة عشوائية في سياق لا يمكن أن يستهدف إلا أخت الأمير الخاضع له الذي يدّعي الانتقام له.

إن نفي السيدات الآراميات يمثَّل بمزيد من التفصيل في الفن الآشوري كما في الوثائق المكتوبة. وبين هذه الوثائق، لائحة طويلة تحمل أسماء نساء البلاط من مختلف الأعراق، وحيث يمكن تمييز ٣٧ آرامية في الأقل. وفي اللعنات الأخيرة من نصب “سفيرة” رقم ١، تذكر النقوش الآرامية نفسها مشاهد العنف التي كانت تهدّد السيدات النبيلات في البلدان المجتاحة:

“لتُنزَع ثياب نساء “متيعل” وثياب ذريته، وثياب عظمائه بالطريقة نفسها (مثلما يأخذون إمرأة من شمع) ويضربونها على وجهها، ليأخذوا أيضًا نساء…”.

(يتبع الرابع عشر)

١ تجدر الإشارة إلى الدور الرئيسي الذي كانت تقوم به نساءُالملوك وأولادهم في الانقلابات في ما بين النهرين، لكن هذا الدور لا يبدو جليًا في الوثائق المتعلقة بالممالك الآرامية

٢- ونستشفُّ هذا في العهد القديم أيضًا: ( ٢ أخبار ١:١٧ ، ٤:٢١ ، ١: ٩، ١:١٢، ٢١:١٣،٣ :٢٥ ) ويمكننا أن نرى في (٢ ملوك ٥ :١٤) أن هذه العادة كانت ولا شك أقدم من كاتب سفر الأخبار.

٣ وهذا ما يذكّرنا بما جاء في ( ١ملوك١٣ :٢ – ٥ ٢ ) حيث يتخلص سليمان من أخيه “أدونيا”. أنظر أيضًا ما جاء في (٢ أخبار ٤ – : ٢١ ، ١٣)حيث يُتّهم يورام ملك يهوذا بأنه أباد بحد السيف جميع إخوته حينما احتلَّ العرش.

٤ هكذا بحسب بعض عقود آشورية من غوزان في القرن السابع، الإبن البكر للمخالف يجب أن يُحرق في الموضع المقدس لهدد. قد تكون هذه الطريقة من التراث الآرامي.

٥ هذا ما نستوحيه من المقارنة مع إسرائيل حيث كان الرجم مستخدما، ولكن حيث كان في وسع الملوك أن يقتلوا خصومهم السياسيين بحد السيف.

٦ حيث شرائع سفر التثنية، ولاسيّما في الفصلين ٢١-٢٢، ما زالت تُعول على سير مثل هذه النصائح.

٧ إن أقدم المجموعات في هذا الكتاب (الفصول ١٠ ٢٩ ) تحتوي على حِكم عديدة في المرأة الصالحة(١٦:١١، ٢٢:١٨،١٤:١٩) وفي الزوجة المشاكسة ( ١٣ :١٩ ،٩ :٢١ ،١٩ ، ٢٤:٢٤،١٥: ٢٧)، وفي القضاء بين الزوجة الصالحة والشريرة ( ٤: ١٢ راجع أيضًا: ( ٢٢ : ١١ ،١٤:٢٢ ،٢٧:٢٣،…).

٨ أنظر تثنية ٢٨: ٦ ٥. وتظهر العبارة نفسها في (إشعيا١ :٤٧ ).

٩ أنظر ١ ملوك ٢٠: ٢ و ٧، حيث يقتضي ملك آرام الأمر نفسه تجاه ملك إسرائيل.

 

 

اترك تعليقاً